اثر العدل الالهي

 






 

العادل كما يراه معظم الناس، هو من لا يضمر سوءاً للآخرين، ولا يتجاوز حقوقهم، وهو الذي يتساوى عنده الناس، فإذا كان في موقع المسؤولية، قام بنصرة المظلوم على الظالم. والظالم هو الذي يتجاوز حقوق الناس ويرجح بعضهم على بعض....

العدل الإلهيّ:

إنّ البحث حول العدل الإلهي تارةً يكون من جهة أنّ العدالة هي صفة كمال في الخالق، حيث إنّ الله عزّ وجل هو الجامع لجميع الصفات الكمالية والجمالية.
وأخرى من جهة أنّ العدل عبارة عن رعاية حقّ الغير. وهذا المعنى يمكن أن يتحقّق في العلاقة بين المخلوقات في ما بينها، ولا يتحقق في العلاقة بين الخالق والمخلوق، لأنّ كلّ ما لدى المخلوق فمن الخالق، وملكية المخلوق في طول ملكية الخالق، فإنّ ملكيّة الإنسان هي كملكيّة الطفل بالنسبة لملكيّة أبيه، حيث يعتبر نفسه مالكاً لألعابه، ولا ينافي ذلك ملكيّة الأب لها.
إذاً فالله عزّ وجل مالك الملك على الإطلاق، وأيّ تصرّف منه في الكون إنّما هو تصرّف في ملكه، ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾(1) ﴿وإليهِ يرجِعُ الأمرُ كلُّهُ﴾(2)، لذا لا يمكن أن نعثرَ على مصداقٍ للظلم في حقّه تعالى، ومن هنا يقال إنّ الله ليس بعادلٍ ولا ظالمٍ، لأنّه لا يمكن إفتراض غيره مالكاً لحقٍّ ما، حتى تكون رعايته عدلاً وعدمها ظلماً.

العدل في القرآن:

إنّ العدل بمفهومه الإجتماعي هدفٌ للنبوّة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط...﴾(3).
والعدل بمفهومه الفلسفي أساسٌ للمعاد: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾(4).
كما أن القرآن الكريم أثبَتَ لله صفة العدالة فقال: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(5)، ونزّهه عن الظلم: ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(6).

العدل واتجاهاته المتعدّدة:

توجد عدة إتجاهات بين المسلمين في مسألة العدل:
1ـ إتجاه أهل الحديث: يؤمن أصحابه بإتصاف الله عزّ وجل بصفة العدل،لورود ذلك في الكتاب والسنّة، ولا يرون حاجةً للبحث في معنى العدل والدليل عليه، ولا يعتبرون أنفسهم ملزمين بالإجابة عن الشبهات الواردة على العدل الإلهي.
2 ـ إتجاه المتكلّمين من الأشاعرة: يقول أتباع هذا الاتجاه إنّ العدل منتزعٌ من فعل الله سبحانه، وكلّ فعلٍ لله فهو عدلٌ، فقد يعاقب الله فاعلَ الخير ويثيبُ فاعلَ الشرّ، ويكون ذلك عدلاً منه تعالى.
وهذه الفئة وإن لم تنكر صفةَ العدل، لكنّهم بالتفسير الذي تبنَّوه أنكروا العدل عمليّاً. ولا يضطرّ هؤلاء أيضاً إلى تقديم إجاباتٍ على الأسئلة المثارة حول العدل الإلهي.
وقد قام حُكّام الجور كالمتوكّل العبّاسي بالدفاع عن هذا التفسير، لأنه يبرّر ما يقومون به من ظلم، فإنّ كلّ الأفعال التي تحدث في هذا الكون هي من الله، وكلّ فعل يصدر منه تعالى فهو عدلٌ، إذاً لا وجود للظلم في قاموس الوجود.
3ـ إتجاه المتكلّمين من المعتزلة والشيعة: وقد ذهبوا إلى أنّ العدل حقيقةٌ واقعيّةٌ في العالم، وإلى أنّ الحسن والقبح ذاتيّان في بعض الأفعال، وأنّهما معيارُ الفعل الإنساني والفعل الإلهي، فالعدل بذاته حسنٌ والظلم بذاته قبيحٌ، والله لا يترك الحسنَ ولا يفعل القبيحَ.
4ـ إتجاه الحكماء الإلهيين: فقد أثبت الحكماء صفةَ العدل لله عزّ وجل لا من جهة أنّ العدالةَ حسنةٌ وأنّ الله لا يترك فعلَ الحسن، لأنه لا معنى للحسن والقبح وغيرهما من المفاهيم في ساحة القدس الإلهية، حيث إنّ هذه المعايير كلّها معاييرٌ إنسانيةٌ، وتبنّي ذلك بحقّ الله تعالى يعتبر نوعاً من تعيين الوظيفة له عزّ وجل، بل يثبت الحكماء له سبحانه صفةَ العدل من جهةٍ أعمق يأتي الحديث عنها في المعنى الرابع من معاني العدل.
ويتبيّن ممّا تقدّم أنّ الإشكالات المطروحة حول مسألة العدل الإلهي إنّما تطرح لدى الإتجاهين الأخيرين، أي العدلية والحكماء.

معاني العدل:

تستعمل كلمة العدل في أربعة موارد:
1ـ العدل بمعنى التناسب ويقابله عدم التناسب لا الظلم، كما يوصف المجتمع بأنه مجتمعٌ عادل،ً فيكون المراد أنّ كلّ شيءٍ موجودٌ فيه بالقدر اللازم والمناسب، وما ورد في الحديث النبوي: (بالعدل قامتِ السماواتُ والأرضُ)(7)، والآية الشريفة ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾(8)، معناهما أنّ العالَم كلّه متعادلٌ ومتوازنٌ، وهذا من لوازم كون الله سبحانه حكيماً وعليماً، إلا أنّ هذا المعنى خارج عن محلّ البحث.
2ـ العدل بمعنى التساوي وترك الترجيح، وهذا المعنى إن كان المراد منه عدم مراعاة الأنواع المختلفة للإستحقاق، فهذا هو عين الظلم، لأنّه لا يمكن إعتبار من يستحق ومن لا يستحق على حدّ سواء.
3ـ العدل بمعنى مراعاة الحقوق وهو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، ويقابله الظلم وهو التجاوز عن حقوق الآخرين، ويعتمد العدل بهذا المعنى على أساسين:
أ ـ ثبوت الحقوق والأولويات: فمن يقوم بعملٍ أو إختراعٍ ما فهو أولى به من غيره.
ب ـ خصوصية الإنسان الذاتية: فإنه مخلوق على نحو إذا أراد الوصول إلى أهدافه فعليه مراعاة مجموعةٍ من الأفكار الإعتبارية كالحقوق والأولويّات، والتي يحكيها الإنسان بعباراتٍ إنشائيّةٍ من قبيل (ينبغي ويجب ولا بدّ). والعدل بهذا المعنى لا يمكن تصوّره في حقّ الله عزّ وجل، لأنّ الله هو المالك على الإطلاق ولا يوجد مستحقٌّ في قباله تعالى أو من له أولوية عليه، وكذلك الظلم المقابل حيث لا يمكن تصوّر تجاوزه سبحانه عن حقوق الآخرين على فرض ثبوتها أو إعطائها لهم.
4- العدل بمعنى رعاية الإستحقاق في إفاضة الوجود والكمال، فإنّ كلّ موجود يملك إستحقاقاً خاصاً من جهة قابليته لإكتساب الفيض الإلهي، فالعدل هو أن يأخذ كلّ موجود ما هو ممكنٌ له من وجودٍ وكمالٍ، والظلم هو منعُ وإمساكُ هذا الفيض. وهذا المعنى هو الذي يتبنّاه الحكماء الإلهيون. ولا يراد بالإستحقاق للفيض أنّ هذا الموجود يملك حقّاً على الله، بل بمعنى أنّ عدلَ الله هو عين الفضل والجود، وهذا ما حكاه أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: (فالحقّ أوسعُ الأشياءِ في التواصفِ، وأضيقها في التناصفِ، لا يجري لأحدٍ إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحدٍ أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده ولعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله)(9).
والدليل على ثبوت صفة العدل بهذا المعنى لله عزّ وجل، هو أنّ الذات الإلهية خيرٌ وكمالٌ مطلق تعطي ولا تمسك، لكنّها تعطي كلّ موجودٍ بحسب قابليته.

العدل من أصول الدين:

يعتبر العدل من أصول الدين عند الشيعة والمعتزلة، دون سائر الصفات الإلهية كالعلم والقدرة والإرادة... لأنّه لا خلاف فيها بين جميع الفرق الإسلامية، وذلك لأنّ مسألة العدل الإلهي قد استولت على إهتمام عامة الناس حتى القروي الأمّي منهم، ولأنّها كانت محلّ نزاعٍ شديدٍ بين الشيعة والمعتزلة من جهة وبين مختلف المذاهب والفرق الإسلاميّة من جهةٍ أخرى، بخلاف سائر الصفات الإلهية التي لم تستولِ على إهتمام عامةِ الناس، ولم يقع فيها ذلك النزاع.

بين العدل والحكمة:

إن كان المقصود من العدل هو إعطاء كلّ موجودٍ ما يستحقّه، فإنّ الحكمةَ تعني كون النظام الذي خلَقَه الله سبحانه هو أحسن وأفضل نظامٍ ممكنٍ، وهو ما يصطلح عليه بالنظام الأصلح، والدليل على حكمته كونه عادلاً ومريداً.
والفرق بين العدل والحكمة: أنّ الحكمةَ من صفاتِ الذات، فيما العدل يعتبر من صفاتِ الفعل.

خلاصة

1- العادل عند معظم الناس هو من لا يضمر السوء للآخرين، ولا يتجاوز حقوقهم.
2- لا يمكننا أن نعثر على مصداق للظلم بهذا المعنى بحقّ الله، لأنّ أيّ تصرّفٍ في الكون هو تصرفٌ في ملكه.
3- يذكر القرآن العدل بمفهومه الاجتماعي كهدفٍ للنبوة، وبمفهومه الفلسفي كأساسٍ للمعاد، كما يثبت العدل صفة لله تعالى وينزهه عن الظلم.
4- هناك إتجاهات متعدّدة في مسألة العدل:
أ- إتجاه أهل الحديث الذين يتعبدون بصفة العدل لورودها في تعاليم الإسلام.
ب- الأشاعرة الذين يقولون بأنّ العدل منتزعٌ من الفعل الإلهي، ففعل الله هو العدل، لذا لو عاقب المطيعَ وأثاب العاصيَ كان ذلك عدلاً منه.
ج- العدليّة من المعتزلة والشيعة الذين ذهبوا إلى إتصاف الله بالعدل، لأنّه حسنٌ ذاتاً والظلم قبيحٌ ذاتاً.
د- الحكماء الإلهيون الذين يتبنّون معنى أعمق للعدل، ويعتبرون أنّ الحسن والقبح لا مكان لهما في ساحة القدس الإلهيّة، لأنّ هذه المعايير كلّها معاييرٌ إنسانيّةٌ.
5- ليس المراد من العدل الإلهي التناسب ولا المساواة ولا مراعاة الحقوق، بل هو إفاضة الوجود والكمال بقدر القابليّات.
المصادر :
1- التغابن: 1
2- هود:123
3- الحديد:25
4- الأنبياء:47
5- آل عمران:18
6- التوبة: 70
7- تفسير الصافي ج2 ص 638 في ذيل الآية المذكورة
8- الرحمن: 7
9- نهج البلاغة، الخطبة، 214