أصول التفسير ومدارکه

 






 

الظنّ على نحوين، ظنّ معتبر يمكن الاعتماد عليه، وظنّ غير معتبر منهيّ عنه لا يمكن الاعتماد عليه، لذلك لا يجوز أن يُعتمد في تفسير كلام الله تعالى إلّا على ما ثبت اعتباره وحجيّته كالظواهر الظنية، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنّ غير الحجّة، ولا على الاستحسان، ولا على غيرهما ممّا لم تثبت حجيّته، كقول المفسِّر قديماً كان أم حديثاً، موافقاً كان أم مخالفاً وذلك للنهي عن متابعة الظنّ.
فقد ورد الكثير من الآيات والروايات المانعة عن القول بغير علم واتباع الظنّ والافتراء على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(1) وقال سبحانه: ﴿قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾(2) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾(3)ومن الروايات: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي"(4) وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار"(5).

ما يلاحظه المفسِّر في عملية التفسير

وبالجملة: لا محيص عن الاعتماد في ذلك على ما ثبت اعتباره، وعُلمت حجيّته من طريق الشرع، أو من حكم العقل، فإذاً لا بدّ للمفسِّر لاستكشاف مراد الله تبارك وتعالى من ملاحظة الأمور التالية في عملية التفسير:
أوّلاً: اتّباع ظواهر الكتاب، الّتي يفهمها العارف بالعربية الفصيحة، فإنّ ظواهر الكتاب حجّة.
ثانياً: الاستناد إلى ما ثبت عن المعصوم من نبيّ أو إمام في بيان مراد الله تبارك وتعالى.
ثالثاً: اتباع ما حكم به العقل الفطري الصحيح، الّذي هو المرجع لإثبات أساس التوحيد، واتّصاف الكتاب بالإعجاز المثبت للرسالة، فإنّه لا ريب في حجيّته.
ولا بدّ من التكلُّم في هذه الأمور الثلاثة الّتي هي أصول التفسير ومداركه.

1- أدلّة حجيّة ظواهر الكتاب

أ- لا ينبغي الارتياب في أنّ القرآن الكريم إنّما أُنزل، وأتى به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليفهم الناس معانيه، ويتدبّروا آياته، ويجعلوا أعمالهم مطابقة لأوامره ونواهيه.
ومن المعلوم أنّ الشارع المقدّس لم يخترع لنفسه طريقة خاصّة لإفهام مقاصده، بل خاطب الناس بالطريقة المألوفة المتداولة في فهم المقاصد من طريق الألفاظ والعبارات، وحينئذٍ فلا محيص عن القول باعتبار ظواهر الكتاب كظواهر سائر الكتب الموضوعة للتفهيم وإرادة المقاصد، كيف وقد حثّ الكتاب بنفسه الناس على التدبّر في آياته، واعترض على عدم التدبّر؟!
ب- إنّ القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة على النبوّة والرسالة، ولو لم تكن العرب عارفة بمعاني القرآن، ولم تكن تفهم مقاصده من ألفاظه وآياته، بل لو كان من قبيل الألغاز وغير قابل للفهم، لم يكن وجه لاتّصافه بالإعجاز.
ج- حديث الثقلين المعروف بين الفريقين، الدالّ على لزوم التمسّك بهما، ولا يكفي في ذلك مجرّد الاعتقاد بأنّه قد نزل من عند الله تعالى، بل للعمل بما فيه، وهذا يقتضي حجيّة ظواهره.
د- الروايات المتواترة، الدالّة على عرض الأخبار على الكتاب، وطرح ما خالف منها.
هـ- الروايات الكثيرة الدالّة على استدلال الأئمّة عليهم السلام بالكتاب في موارد كثيرة.

2- قول المعصوم

لا إشكال في أنّ قول المعصوم نبيّاً كان أو إماماً حجّة في مقام كشف مراد الله تبارك وتعالى من ألفاظ كتابه العزيز، وآيات قرآنه المجيد، أمّا النبيّ فواضح، وأمّا الإمام فلأنّه أحد الثقلين اللذين أُمرنا بالتمسُّك بهما، والاعتصام بحبلهما، فراراً عن الجهالة، واجتناباً عن الضلالة، فمع ثبوت قوله في مقام التفسير، ووضوح صدوره عنه عليه السلام لا شبهة في لزوم الأخذ به. وذلك مع ثبوت قوله إمّا بالتواتر، أو بالخبر الصحيح المعتبر أو المحفوف بالقرائن القطعيّة.
وهذه الأحاديث الّتي وصلتنا تنقسم إلى أقسام متنوِّعة، ولكنّ التقسيم الّذي يفيدنا هو ما يلي:
الأحاديث المتواترة: وهي عبارة عن خبر جماعة (يفيد بنفسه القطع وليس بانضمام القرائن) يستحيل تواطؤهم على الكذب، وفي النتيجة يوجب العلم بمضمون الخبر.
وبعبارة أخرى: هو نقل الروايات لإحدى القضايا بصور متعدِّدة وبطرق مختلفة بحيث يحصل الاطمئنان بعدم كذب مضمونها؛ لأنّه من غير الممكن عادة أن يتّفق جميع الرواة على الكذب. وتُعتبر الأحاديث المتواترة حجّة في التفسير؛ لأنّها تفيد العلم، فلا بدّ من الأخذ بها في التفسير والعمل بمضمونها(6).
أخبار الآحاد: وهي الروايات الّتي لم تصل إلى حدّ التواتر (أي الروايات المنقولة بطريق أو بطريقين ونحو ذلك)، وتقسّم أخبار الآحاد إلى ثلاثة أقسام:
أ الخبر الواحد المحفوف بالقرائن: أي الخبر غير المتواتر والذي يصل عن طريق معتبر ومحفوف بقرائن وشواهد تفيد الصدق واليقين بصدوره عن المعصوم (كما في بعض خطب نهج البلاغة) أو تكون موافقة لظاهر القرآن، وهذا القسم حجّة في التفسير أيضاً.
ب أخبار الآحاد الضعيفة: وهي الأخبار غير المتواترة وليس لها سند معتبر، ولذلك لا يوجد اطمئنان بصدورها عن المعصوم، وهذا النوع من الأحاديث يرِد كثيراً في الروايات التفسيريّة، وربما يكون موضوعاً أو من الإسرائيليات، وهذا القسم غير معتبر في التفسير ولا يعتبر حجّة.
ملاحظة: حاول بعض المفسِّرين دراسة هذه الأحاديث من ناحية المتن، والاستفادة منها كشاهد في التفسير، إذا كان هناك ما يدلّ على صدقها كموافقتها لظواهر القرآن مثلاً لأنّ المبنى عنده هو حجيّة الخبر الموثوق وقد يحصل الوثوق من نفس المتن، ومن هؤلاء العلّامة الطباطبائي، أمّا السيّد الخوئي فقد ذهب إلى حجيّة الأخبار القطعيّة في التفسير وعدم حجيّة الأخبار الضعيفة(7) لأن المبنى عنده حجيّة خبر الثقة.
ج أخبار الآحاد المعتبرة: أي الأخبار غير المتواترة الّتي يكون لها طريق معتبر، والّتي تفيد الظنّ بالصحّة ولا تورث اليقين.

مكانة خبر الواحد المعتبر في التفسير

ثمّة خلاف بين علماء الشيعة بشأن حجيّة واعتبار خبر الواحد، فقد ادّعى الشيخ الطوسي الإجماع على حجيّته وكذلك كثير من المتأخّرين، وفي مقابل هذا الرأي هناك من ادّعى الإجماع على عدم حجيّة خبر الواحد كالسيّد المرتضى.
أمّا في الوقت الحاضر فإنّ مشهور علماء الإمامية ذهب إلى حجيّة خبر الواحد والعمل به في الأحكام الشرعية، ودليلهم الرئيس هو سيرة العقلاء.
أمّا ما نريده هنا فهو: هل أنّ خبر الواحد يكون حجّة في التفسير كما هو الحال في الأحكام الشرعية؟
وهل يجوز التفسير على طبقه أو لا؟ توجد ثلاثة آراء رئيسة:
الأوّل: الموافقة على حجيّة خبر الواحد في التفسير.
الثاني: عدم الموافقة على حجيّة خبر الواحد في التفسير.
الثالث: التفصيل بين الموافقة عليه في ما إذا كان مفاد الخبر حكماً شرعياً، وعدم الموافقة على حجيّته في غير باب الأحكام الشرعية (كالاعتقادات مثلاً).
ومجمل القول في بيان هذه الآراء وتوضيح المراد هو أنّ القائلين بحجيّة الخبر الواحد في التفسير قالوا: إنّ جميع الأحكام وسنن الشريعة الّتي تفصّل مجملات القرآن، وتفسّر هذه الآيات الّتي وصلتنا عن طريق الخبر الواحد الجامع للشرائط تكون معتبرة، إلّا في الخبر المخدوش من حيث السند والمضمون فلا يعتبر حجّة في هذه الحالة(8).

3- حكم العقل

لا إشكال في أنّ حكم العقل القطعي، وإداركه الجزمي من الأمور الّتي تعدّ من أصول التفسير، فإذا حكم العقل بخلاف ظاهر الكتاب في موردٍ لا محيص عن الالتزام به، وعدم الأخذ بذلك الظاهر، ضرورة أنّ أساس حجيّة الكتاب، وكونه معجزة كاشفة عن صدق الآتي به، إنّما هو العقل الحاكم بكونه معجزة خارقة للعادة البشرية، ولم يؤت، ولن يؤتى بمثلها، فإنّه الرسول الباطنيّ الّذي لا مجال لمخالفة حكمه ووحيه.
ففي الحقيقة يكون حكمه بخلاف الظاهر وإدراكه الجزمي لذلك بمنزلة قرينة متّصلة، موجبة للصرف عن المعنى الحقيقي، وانعقاد الظهور في المعنى المجازي.
فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾(9) وإن كان ظهوره الابتدائي في كون الجائي هو الربّ نفسه، وهو يستلزم الجسميّة الممتنعة في حقّه تعالى، إلّا أنّ حكم العقل القطعي باستحالة ذلك لاستلزام التجسّم للافتقار والاحتياج المنافي لوجوب الوجود، لأنّ المتّصف به غنيّ بالذات يوجب عدم انعقاد ظهور في هذا المعنى، وهو اتّصاف الرّب بالمجيء.
وهكذا قوله تعالى:﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾(10) ، ومثله الآيات الظاهرة على خلاف حكم العقل.

خلاصة

ـ يجب الاعتماد في تفسير القرآن الكريم على ما ثبت اعتباره وحجيّته، ولا يجوز الاعتماد على الظنّ، ولا على الاستحسان.
ـ لا بدّ للمفسِّر في استكشافه لمراد الله تعالى في كتابه الكريم من ملاحظة الأمور العامّة في عملية التفسير، والّتي تعتبر أصول التفسير للقرآن الكريم وهي:
أوّلاً: اتّباع ظواهر الكتاب الكريم، والّتي ثبتت حجيّتها من خلال الأمر بالتدبّر بآيات الله تعالى، وبكون القرآن هو المعجزة الخالدة للنبوّة، وحديث الثقلين، وبالروايات المتواترة الدالّة على عرض الأخبار على الكتاب الكريم.
ثانياً: قول المعصوم (النبيّ أو الإمام)، وهو حجّة في مقام كشف مراد الله تعالى من ألفاظ كتابه العزيز، وآيات قرآنه المجيد.
اختلف العلماء في حجيّة الخبر الواحد والاستدلال به في تفسير القرآن الكريم.
ثالثاً: حكم العقل القطعي وهو من أصول التفسير نظراً لإدراكه الجزمي، فإذا حكم العقل بخلاف ظاهر الكتاب في موردٍ فلا محيص عن الالتزام به.
المصادر :
1- سورة الإسراء، الآية: 36
2- سورة يونس، الآية: 59
3- سورة يونس، الآية: 36
4- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 6
5- بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج 30، ص 512
6- تفسير الميزان، العلّامة الطباطبائي، ج 12، ص 261
7- البيان في تفسير القرآن، السيّد الخوئي، ص 398. تفسير الميزان، العلّامة الطباطبائي، ج 3، ص 184 185
8- التفسير والمفسّرون، محمّد هادي معرفة، ج2، ص 22- 23
9- سورة الفجر، الآية: 22
10- سورة طه، الآية: 5