عضویت پارسی English
قال الامام الصادق علیه‌السلام: وتَدخُلُ بِشَفاعَتِها شِیعَتی الْجَنَّةَ بِأجمَعِهِم. بحارالأنوار، ج60، ص216

عدد المشاهدات : 260

18 شعبان 1436

صلح الامام الحسن عليه السلام وآثاره

صلح الامام الحسن عليه السلام وآثاره

 صلح الامام الحسن عليه السلام وآثاره

 






 

تُعتبر المرحلة الّتي صالح فيها الإمام الحسن عليه السلام معاوية بن أبي سفيان من أصعب مراحل حياته عليه السلام وأكثرها تعقيداً وحساسيّة وأشدّها إيلاماً. وقد أصبح صلح الإمام عليه السلام من أهمّ الأحداث في التاريخ الإسلاميّ بما يستبطنه من موقف بطوليّ للإمام المعصوم عليه السلام وبما أدّى إليه من تطوّرات واعتراضات وتفسيرات مختلفة طوال القرون السالفة وحتّى عصرنا الحاضر. وألّف الباحثون المسلمون في توضيح وتحليل الصلح كتباً عديدة، وأصدر الأعداء والأصدقاء أحكامهم بشأنه.
وقد انبرى الباحثون لتحليل مواقف الإمام الحسن عليه السلام والدفاع عن الخطوات الّتي أقدم عليها إلّا أنّ هذا لا يعفينا من بيان مبرّرات وأسباب الصلح كما وردت في كلمات الإمام الحسن عليه السلام والّتي تستبطن أيضاً بيان آثاره ونتائجه بحسب رؤيته عليه السلام .

مبرّرات الصلح في كلمات الإمام عليه السلام

1- روى الشيخ الصدوق في "علل الشرائع" بسنده عن أبي سعيد الّذي يسأل الإمام الحسن عليه السلام عن السبب الّذي دفعه إلى الصلح مع معاوية مع أنّه عليه السلام يعلم أنّه على الحقّ وأنّ معاوية ضالّ وظالم، فأجابه الإمام عليه السلام :
"يا أبا سعيد، ألستُ حجّة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي عليه السلام ؟ قلتُ: بلى، قال: ألستُ الّذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي: الحسن والحسين، إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمتُ، وأنا إمام إذا قعدتُ. يا أبا سعيد عِلّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبني ضُمرة وبني أشجع، ولأهل مكّة حين انصرف من الحديبيّة، أولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يُسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته مُلتبساً، ألا ترى الخضر عليه السلام لمّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتّى أخبره فرضي؟ هكذا أنا، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما تُرك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلّا قُتِل"(1).
2- ذكر زيد بن وهب الجهنيّ أنّه جُرِح الإمام عليه السلام في المدائن، فسأله عن موقفه الّذي سيتّخذه في هذه الظروف، فأجاب عليه السلام : "أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لإن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمَن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سِلْماً، فوالله لإن أسالمه وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسيره أو يَمُنّ عليّ فتكون سُبّةً على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يَمُنُّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت..."(2).
3- وذكر سليم بن قيس الهلاليّ أنّه عندما جاء معاوية إلى الكوفة, صعد الإمام الحسن عليه السلام المنبر بحضوره، وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، قال: "أيّها الناس إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيّ الله، فأُقسم بالله لو أنّ الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قَطْرَها، والأرضُ بركتها، ولما طمعتَ فيها يا معاوية، وقد قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: ما ولّت أمّة أمرها رجلاً قطّ وفيهم من هو أعلم منه إلّا لم يزل أمرُهم يذهب سِفالاً، حتّى يرجعوا إلى ملّة عَبَدَةِ العجل..."(3)

نتائج الصلح‏

أوّلاً: انكشاف حقيقة معاوية والحكم الأمويّ

فعندما تسلَّمَ معاوية زمام الأمور استسلم لزهو الانتصار، ولم يتمالك نفسه حتّى كشف عن سريرته ومكنونات أهوائه، فأعلن لأهل العراق عن أهدافه الحقيقيّة وهي تتلخّص في الوصول إلى قمّة السلطة، كما جاء ذلك في خطابه حين قال: "إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا، ولا لتزكّوا، إنّكم تفعلون ذلك، إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم"(4).
وهذا التصريح كشف عن الوجه الحقيقيّ لمعاوية كشفاً لا يمكن بعد ذلك التستّر عليه بتزوير الأحاديث، وتحريف الوقائع، ولا تقوى المبرّرات الموضوعة للتستّر عليه والّتي كان منها عدالة جميع الصحابة.

ثانياً: انكشاف انحراف معاوية وعدم وفائه بالشروط

لقد كشف الصلح نوايا معاوية في عدم الوفاء بالعهود والمواثيق الّتي قطعها على نفسه وقال: "ألا إنّ كلّ شيء أعطيته للحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين لا أفي به"(5). وكان لهذا التصريح دور واضح في كشف حقيقة الصراع وأنّه ليس بين قبيلتين أو شخصين، وإنّما هو صراع بين منهجين: منهج الاستقامة الّذي يمثّله الإمام الحسن وأهل البيت عليهم السلام ، ومنهج الانحراف والجاهليّة الّذي يمثّله معاوية والأمويّون.

ثالثاً: توسّع القاعدة الشعبيّة لأهل البيت عليهم السلام

استثمر الإمام الحسن عليه السلام الفرصة المتاحة له في ظروف وأجواء الصلح في توسيع القاعدة الشعبيّة لأهل البيت عليهم السلام بنشر الأفكار والمفاهيم السليمة، ونشر فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ، ونشر الأحاديث الّتي توجّه الأنظار إلى إمامة أهل البيت عليهم السلام ودورهم القياديّ في الأمّة، ونشر مطلق أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن منع الخلفاء الثلاثة نشرها في العهود السابقة.
واستطاع الإمام عليه السلام أن يضع اللّبنات الأولى لمشروع تعرية الحكم الأمويّ وبيان حقيقته الجاهليّة لكي تأتي اللّبنة الأخرى في مراحل الحركة الرسالية ولتكون الأمّة في حالة تعبئة نفسيّة وروحيّة للتفاعل مع ثورة الإمام الحسين عليه السلام فيما بعد. فقد تفاعل صلح الحسن عليه السلام مع ثورة الحسين عليه السلام ليؤدّيا بالنتيجة إلى تبنّي الجهاد المسلّح لإيقاف انحراف الحاكم وإزالته.

ما بعد الصلح حتّى الشهادة

بقي الإمام الحسن عليه السلام في الكوفة أيّاماً، ثمّ عزم على مغادرة العراق، والشخوص إلى مدينة جدّه صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أظهر عزمه ونيّته إلى أصحابه الّذين طلبوا منه المكث في الكوفة فامتنع عليه السلام عن إجابتهم قائلاً: "ليس إلى ذلك من سبيل".
ولدى توجّهه عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام إلى عاصمة جدّه صلى الله عليه وآله وسلم خرج أهل الكوفة بجميع طبقاتهم إلى توديعه وهم ما بين باكٍ وآسف, إلى أن وصل عليه السلام إلى يثرب حيث خرج أهلها جميعاً لاستقباله، فقد أقبل إليهم الخير وحلّت في ديارهم البُشرى والرحمة.
مكث الإمام الحسن عليه السلام عشر سنين، استطاع أن يُبرز فيها مرجعيّته العلميّة والدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، وهذا ما سنعرضه بإيجاز:

1- مرجعيّته عليه السلام العلميّة والدينيّة

وتمثّلت في تربيته لكوكبة من طلّاب المعرفة، وتصدّيه للانحرافات الدينيّّة الّتي كادت تؤدّي إلى مسخ الشريعة، كما تصدّى لمؤامرة مسخ السنّة النبويّة الشريفة الّتي كان يخطّط لها معاوية بن أبي سفيان من خلال تنشيط وضع الأحاديث واختلاقها والمنع عن تدوين الحديث النبويّ.
وأنشأ الإمام عليه السلام مدرسته الكبرى في المدينة، وراح مجدّاً في نشر الثقافة الإسلاميّة في المجتمع الإسلاميّ. وقد تخرّج من مدرسته كبار العلماء وعظماء المحدّثين والرواة. وقد ذكر المؤرّخون بعض أعلام تلامذته ورواة حديثه وهم:
ابنه الحسن المثنّى، والمسيّب بن نجبة، وسويد بن غفلة، والعلا بن عبد الرحمن، والأصبغ بن نباتة، وعيسى بن مأمون بن زرارة وإلخ...، وقد ازدهرت المدينة المنوّرة بهذه الكوكبة من العلماء والرواة فكانت من أخصب البلاد الإسلاميّة علماً وأدباً وثقافةً.

2- مرجعيّته الاجتماعيّة

والّتي تمثّلت في عطفه على الفقراء وإحسانه إليهم وبذله المعروف لهم، وتجلّت في استجارة المستجيرين به للتخلّص من ظلم الأمويّين وأذاهم.
لقد كان الإمام عليه السلام موئلاً للفقراء والمحرومين، وملجأً للأرامل والأيتام، وكان عليه السلام في عاصمة جدّهصلى الله عليه وآله وسلم كهفاً منيعاً لمن يلجأ إليه، وكان عليه السلام مثالاً في الكرم والإحسان. وقد روي أنّه قاسم الله تعالى ماله مرّتين، ولنعم ما قال فيه الشاعر:
يا ابن النبيّ المصطفى***وابن الوصيّ المرتضى
يا ابن الحطيم وزمزم***وابن المشاعر والصفا
يا ابن السماحة والندى*** وابن المكارم والنُّهى(6)

3- مرجعيّته السياسيّة

لقد صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية من موقع القوّة، كما نصّت المعاهدة على أن يكون الأمر من بعده للإمام الحسن عليه السلام وأن لا يبغي معاوية له الغوائل والمكائد.
ومن الطبيعيّ أن يكون الإمام عليه السلام محور المعارضة وأن ينغّص على بني أميّة ومعاوية ملكهم، ولذا نجد في لقاءاته بالولاة ورسائله وخطبه نشاطاً سياسيّاً واضحاً تمثّل في:
أ - مراقبته للأحداث ومتابعتها ومراقبة سلوك الحكّام وعمّالهم، وأمرهم بالمعروف وردعهم عن المنكر.
ب - النشاط السياسيّ المنظّم والّذي كان يتمثّل في استقباله لوفود المعارضة، وتوجيههم.
ج- عدم تعاطفه مع أركان النظام الحاكم بالرغم من محاولاتهم لكسب عطف الإمام عليه السلام ، وقد تمثّل هذا الجانب في رفضه لمصاهرة الأمويّين(7). وفضحه لخططهم وكشفه لواقعهم المنحرف وعدم استحقاق معاوية للخلافة، وتجلّى ذلك بوضوح في مناظراته مع معاوية وبطانته في المدينة ودمشق على حدّ سواء(8).

شهادة الإمام عليه السلام

حاول معاوية أن يجعل الخلافة ملكاً عضوضاً ووراثةً في أبنائه، ومن هنا قرّر اغتيال الإمام المجتبى عليه السلام بما اغتال به من قبلُ مالكاً الأشتر وسعد بن أبي وقّاص وغيرهما. وقد دعا معاوية مروان بن الحكم وطلب منه إقناع "جعدة بنت الأشعث بن قيس الكنديّ" - وكانت من زوجات الإمام عليه السلام - بأن تسقي الحسن عليه السلام السمّ، فإن هو قضى نحبه زوّجها يزيد، وأعطاها مائة ألف درهم، وتمّ لمعاوية ما أراد حيث دسّت السمّ للإمام الحسن عليه السلام ، واستشهد عليه السلام بالمدينة يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة أو تسع وأربعين.

سياسة معاوية

استمرّ معاوية في منهجه المعادي للإسلام، وقام بخطوات شكّلت مخطّطاً متكاملاً لهدم الإسلام وإعادة الجاهليّة إلى المجتمع الإسلاميّ باسم الإسلام وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإمرة المؤمنين، وتتلخّص هذه الخطوات بما يلي:
1- إشاعة الإرهاب والتصفية الجسديّة لكلّ القوى المعارضة للحكم الأمويّ، لا سيّما أتباع الإمام عليّ عليه السلام منهم، وكان في طليعة ضحايا تلك المجازرالرهيبة كوكبة من الصحابة الأبرار أمثال: حِجْر بن عديّ وجماعته، ورشيد الهجريّ وعمرو بن الحمق الخزاعيّ، وسواهم الكثير...
2- إغداق الأموال من أجل شراء الضمائر والذمم إمعاناً في إذابة الشخصيّة الإسلاميّة، وقد تمّ فعلاً شراء نوعين من الناس:
أ - بعض الوعّاظ والمحدّثين الّذين كان لهم دور مفضوح في العمالة لمعاوية وافتراء الأحاديث الكاذبة ونسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للنيل من عليّ عليه السلام وأهل بيته قاطبة.
ب - شراء ضمائر الوجوه الاجتماعيّّة الّتي يُخشى من تحرّكها ضدّ الحكم الأمويّ. وليس أدلَّ على ذلك من إرسال معاوية إلى مالك بن هبيرة السكونيّ ألف درهمٍ حين بلغه استياؤه من قتل معاوية للصحابي الجليل حجر بن عديّ وأصحابه، فما كان من السكونيّ إلّا أن أخذ ثمن ضميره وتخلّى عن عزمه على التحرّك بوجه الظلم والفساد!.
3- المضايقة الاقتصاديّة وأسلوب التجويع: وهو أكثر الأساليب الأمويّة تأثيراً في نفسيّة الأمّة المسلمة بإذلالها وإشاعة المسكنة في نفوس أبنائها. ومن الشواهد على ذلك - وهي كثيرة - ما كتبه معاوية إلى ولاته في جميع الأمصار: "انظروا منْ قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه"(9).
4- العمل على تمزيق أواصر الأمّة الإسلاميّة بإثارة الروح القوميّة والقبليّة بين قطاعاتها المختلفة، إمعاناً منه في إلهاء الأمّة في تناقضات جانبيّة على حساب تناقضها الأساس مع الحكم الأمويّ الجائر، كالصراع الّذي نشب بين قيس ومضر، وأهل اليمن والمدينة، وبين قبائل العراق فيما بينها، وإثارة العنصريّة عند العرب ضدّ المسلمين من غير العرب الّذين يُعرفون تأريخياً باسم الموالي.
5- فرض البيعة لولده (يزيد) المُعلن بفسقه وتحكيمه في رقاب المسلمين.
وهكذا استكمل معاوية مخطَّطه الجاهليّ حين نقض كلّ بنود الوثيقة الّتي عقدها مع الإمام الحسن عليه السلام . وكان أعظم تجاوز له على حدود المفهوم الإسلاميّ في الحكم من خلال اتّخاذ الوراثة ذات الطابع الدكتاتوريّ أُطروحة للحكم في دنيا المسلمين.

البيعة ليزيد

لقد تبلور واقع الانحراف الّذي خطّطت له السياسة الأمويّة المتمثّلة في خطط معاوية حينما تسلّط ابنه يزيد على زمام الحكم.
فقد قرّر معاوية أن ينصّب يزيدَ خليفة على المسلمين من بعده، ويأخذ البيعة له بنفسه خلافاً للأعراف والأحكام الإسلاميّة المتّبعة حينذاك في تعيين الخليفة، فأثار هذا القرار الرأي العامّ الإسلاميّ وخصوصاً الشخصيّات الإسلاميّة البارزة كالإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر.
ومن شدّة مكره ودهائه استطاع عندما كان في مكّة للحجّ أن يُوهم الناس ويقنعهم بأنّ هذه الشخصيّّات قد بايعت يزيد بالخلافة، فقال الناس: بايع ابن عمر، وابن أبي بكر، وابن الزبير، وهم يقولون: لا والله ما بايعنا، فيقول الناس: بلى، وارتحل معاوية فلحق بالشام(10).
إنّ منح يزيد السلطة ليقود الأمّة الإسلاميّة ويخطّط لمستقبلها، معناه الإنهاء العمليّ للوجود الإسلاميّ على الإطلاق.
فيزيد - كما تؤكّد المصادر التاريخيّة - كان يغلب عليه طابع الشذوذ في شتّى أفكاره وممارساته ومشاعره.
قال البلاذريّ: كان ليزيد قرد يجعله بين يديه ويكنّيه أبا قيس، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمُسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع، وكان يحمله على أتان وخشبة ويرسلها مع الخيل(11).
وقال المسعوديّ: وكان يزيد صاحب طرب وجوارح(12) وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب، وغلب على أصحابه وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة، واستُعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب(13).
وهكذا وقفت الأمّة على عتبة تأريخ جديد من حياتها وأصبحت أمام خيارين:
1- إمّا أن تتبنّى سياسة الرفض القاطع للواقع الّذي فُرض عليها مهما كان الثمن.
2- أو القبول بسياسة الأمر الواقع، حيث عليها أن تتنازل عن رسالتها وسرّ عظمتها وعنوان عزّتها في الحياة.

خلاصة :

كشف صلح الإمام الحسن عليه السلام زيف السياسة الأمويّة، ووضع الحقيقة الناصعة أمام الأمّة الّتي اكتشفت حكمة الإمام الحسن عليه السلام ودوره في تفويت الفرصة على معاوية بالفتنة.
طارد معاوية أنصار الإمام عليّ عليه السلام والحسن عليه السلام ونكّل بالمؤمنين شرّ تنكيل وأدخل في الإسلام ما ليس منه، ومهّد الطريق أمام تنفيذ الحكم الأمويّ بالحديد والنار.
استثمر الإمام عليه السلام أجواء الصلح في توسيع القاعدة الشعبيّة الّتي ربّاها أبوه عليّ عليه السلام بنشر الأفكار والمفاهيم السليمة.
تلخّص منهج معاوية في هدم الإسلام بإشاعة الإرهاب والتصفية الجسديّة لكلّ القوى المعارضة وإغداق الأموال لشراء الضمائر وسياسة التجويع وتمزيق أواصر الأمّة بإثارة الروح القوميّة واغتيال الإمام الحسن عليه السلام ، وفرض البيعة ليزيد الفاسق، متحدّياً بذلك قيم الرسالة وسنّة جميع الخلفاء السابقين عليه.
وقف الناس بعد البيعة ليزيد أمام خيارين: إمّا رفض الحكم والحاكم المنحرف، أو الخضوع للانحراف الّذي يمثِّل عودة الجاهلية بكلّ ثقلها إلى الساحة السياسيّة من جديد.
المصادر :
1- علل الشرائع، محمّد بن عليّ بن بابويه المعروف بالصدوق: 1/212
2- بحار الأنوار، م. س، 44/19
3- م.ن: 44/22
4- مقاتل الطالبيّين، أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق كاظم المظفّر: 70، منشورات المكتبة الحيدريّة في النجف الأشرف، ط 2، 1385هـ - 1965م
5- م.ن: 69
6- مناقب آل أبي طالب، مشير الدين أبو عبدالله بن شهرآشوب:3/181، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1376هـ - 1956م.
7- كتب معاوية إلى عامله على المدينة مروان بن الحكم أن يخطب ليزيد زينب بنت عبد الله بن جعفر على حكم أبيها في الصِّداق، وقضاء دينه بالغاً ما بلغ
8- جرت عدّة مناظرات بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، بيَّن فيها الإمام عليه السلام دور أهل البيت عليهم السلام القيادي في الأمّة، وفضلهم، وأعطى للمعارضة زخماً جديداً وفاعليّة كبيرة
9- شرح نهج البلاغة، م.س: 11/45
10- تاريخ الخلفاء، م.س: 196 ـ 197. وهذه البيعة أخذها معاوية ليزيد من الناس في مكة المكرّمة عندما حجّ إلى بيت الله سنة إحدى وخمسين
11- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى: 4/1 -2. مؤسسة الأعلمي، ط 1، بيروت، 1394هـ - 1974م
12- تاريخ الخلفاء، م.س: 196 ـ 197
13- مروج الذهب ومعادن الجوهر، م.س: 3/67



 

 

الكلمات الرئيسية :

الحسن

,

صلح

,

البيعة

,

القاعدة الشعبية

,

معاوية

اضف التعليق