مكانة المرجع ومسؤولياته

 






 

تناط بمراجع التقليد، مسؤولية اصدار الفتوى واستنباط الاحكام الالهية فيما يهم المسلم من أمر حياته وسلوكه،ويرجع اليهم في معرفة أحكام اللّه وحدوده وشريعته، وكل صغيرة وكبيرة مما يتعلق بأعماله وعلاقاته ومعيشته وفرائضه ومعاملاته، وفيما يتعلق بشؤون الحياة الاجتماعية ومسائلها.
وبذلك فان المرجع الديني يمثل السلطة الافتائية العليا (وهذه السلطة تحل محل السلطة التشريعية في الدول العلمانية)، كما يمثل السلطة القضائية.
وقد وردت أحاديث كثيرة عن قيمة المرجعية ومكانتها من حياة الامة، منها التوقيع المروي عن الامام الحجة عجل اللّه فرجه:
(وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة اللّه عليهم)
والحديث المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (مجاري الامور والاحكام على أيدي العلمأ باللّه، الامنأ على حرامه وحلاله)

انتخاب المرجع:

لاتباع مدرسة اهل البيت(عليهم السلام)طريقتهم الخاصة في انتخاب المرجع الديني الذي يتصدى لشؤون التقليد، فلا يتم اختيار المرجع من قبل موقع مسؤول في النظام الحاكم كما هو الحال مثلا في جملة من الجامعات الاسلامية في البلاد الاسلامية في شمال افريقية مثلا، حيث يتم تعيين الشخص الذي يعهد اليه برئاسة الشؤون الدينية ورئاسة الجامعة بواسطة رئيس الجمهورية أو رئاسة الوزرأ أو وزير الاوقاف، ولهذه الطريقة سلبيات واضحة تجعل الجامعة الاسلامية أو منصب الفتوى تابعا للنظام وخاضعا له.
ولا يتم انتخاب المرجع بالطريقة الديمقراطية المعروفة في المؤسسات الديمقراطية، حيث تلعب الوسائل الاعلامية دورا مؤثرا في تكوين الرأي العام وتوجيهه.
وانما يتم انتخاب المرجع بصورة تدريجية عبر الزمن، والسبب في ذلك أن ارتباط (المقلد) الفرد المسلم بالمرجع في شؤون دينه يتم بعد اكتمال الثقة الكافية في نفس الفرد تجاه المرجع في كفأته الدينية والعلمية والادارية،واكتمال هذه الثقة في مساحة واسعة من المجتمع يحتاج الى زمن غير قليل.
ولهذه الطريقة سلبية معروفة، نحن في غنى عن شرحها، فانها طريقة بطيئة ومعوقة للعمل، ولا تكمل لمرجع التقليد امكانات العمل بصورة واسعة وقوية الا في وقت متأخر وبعد تفويت فرص جيدة للعمل، ويحدث أحياناان المرجعية تتوزع على عدد من المحاور بعد وفاة المرجع الذي كان يستوعب الساحة، ويحتاج الامر الى زمن ليس بقليل حتى تجتمع المرجعية مرة اخرى حول محور واحد، ويكتسب هذا المحور القوة والكفأة اللازمة لتحريك الامة وادارة القضايا الكبرى التي تمر بها.
ويتحين الاعدأ والمتربصون بالامة عادة فرصة وفاة مرجع وقيام مرجع آخر لتمرير مشاريعهم السياسية لعدم اكتمال أسباب المرجعية لمحورواحد بصورة كاملة خلال هذه الفترة، وخلو الساحة من مرجع قوي يتمكن من مواجهة هذه المشاريع واحباطها.
وهذا ما حدث فعلا بعد وفاة الامام البروجردي رحمه اللّه تعالى عام 1965 في ايران، حيث استغل (الشاه) فرصة توزع المرجعية وخلو الساحة من مرجعية قوية ومستوعبة، فطرح مجموعة من المشاريع السياسية لربط ايران بعجلة أمريكا التي عارضها الفقهاء في تلك الفترة، والى أن استطاع الامام الخميني رحمه اللّه أن يستقطب جماهير الامة من حوله ويتصدى لمشاريع الشاه، كان الشاه قد تمكن من تنفيذ جملة من مشاريعه وأفكاره الرامية الى ربط الامة بمصالح الغرب.
قد يصح هذا النقد، ولكن ما لا يصح اطلاقا أن يقول أحد ان مرجعية الشيعة تقع تحت تأثير ونفوذ شبكة من رجال الدين، ويندر أن يتمكن أحد أن يرشح نفسه للمرجعية ويكتسب ثقة الناس الا من خلال التفاهم مع هذه الشبكة،والتنازل لمطالبها السياسية والمالية. وان هذه الشبكة تمارس نفوذها غير المرئي على الوسط الشيعي في تشخيص وتحديد مرجع التقليد بدرجة عالية وهي قادرة على تقويم المرجعية وتقويضها في آن واحد.
ان في هذا التصور شيئا كثيرا من المبالغة والغلو والافراط، ولولا أني أعلم أن قائل هذه المقولة انسان عالم وملم بظروف وتاريخ المرجعية البعيد والقريب، وقرأت له في تاريخ الفقه الامامي دراسة ناضجة وعلمية قيمة جديرة بالاحترام لقلت ان هذا الكلام ضرب من الخيال(1)
ولست اناقش في وجود هذه الحالة على أرض الواقع، وهذا أمر طبيعي، فمن حول كل مرشح للزعامة نفر من الحاشية من أهل الدنيا والطمع في متاع الحياة الدنيا، وهؤلأ النفر ينفعون ويضرون بطبيعة الحال. هذا أمر لاانفيه، ولكن الكلام في حجم هذا النفر وقيمتهم السياسية والاجتماعية والدور الذي يمكن أن يضطلعوا به، وأنا لاأشك أن هذا التصور عن الحجم والدور الضخم الذي يمارسه هذا النفر لا واقع له على أرض الواقع اطلاقا.

التقليد والحالة القومية عند الشيعة:

واذا أردنا أن نسلط الاضوأ على الجوانب المشرقة لفكرة التقليد والمرجعية عند الشيعة، يجب أن نذكر قدرة المرجعية في تخطي الحالة القومية وتجاوزها على مستوى القمة والقاعدة معا.
فاننا نلاحظ على مستوى القمة في الحوزات العلمية، وفي الاوساط الفقهية ذات الخبرة بالمرجعية والمعنية بها طرح اسم فقيه أو آخر لقيادة المسلمين الدينية في العالم الشيعي، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار الحالة القومية والجذور القومية لهذا الشخص على الاطلاق.
وكما نلاحظ على مستوى القاعدة قبول مرجعية الفقيه المتصدي العادل والكفوء من قبل جماهير المسلمين الشيعة، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار انتماؤه وارتباطه القومي.
وهذا التخط ي على مستوى القمة وعلى مستوى القاعدة يدل على درجة عالية من الوعي والالتزام بالحدودالشرعية، والفهم الشامل والمستوعب لمفاهيم الاسلام ونظرته الانسانية الواحدة، يجب أن يذكر باعتزاز، ولناعلى ذلك عشرات النماذج والمصاديق التاريخية والمعاصرة.
فقد ذاع اسم الشيخ محمد حسن النجفي مؤلف الموسوعة الفقهية (جواهر الكلام) في الاوساط الفارسية والتركية في ايران والقفقاز وأذربيجان، كما ذاع اسمه في الهند بالتقليد، وهو فقيه عربي عريق من العراق. ولماحضرته الوفاة أناط المرجعية بحضور جمع من فقهأ العراق وعيونهم الى فقيه فارسي من دزفول مغمور، لايعرفه أحد، الا في أوساط الحوزة وبين الطلبة وهو الشيخ مرتضى الانصاري بعد أن أوصاه أن يقلل من احتياطاته في الفتوى، وقال له ان الشريعة سهلة سمحة فلا تكثر من الاحتياط. وقال رحمه اللّه بعد ذلك وهو في اللحظات الاخيرة من حياته: الان طاب لي الموت.
وقال الناس بعد ذلك: دخل ملا مرتضى وهو الاسم الذي كان يعرف به الشيخ الانصاري في أوساط طلبة الحوزة حينذاك على صاحب الجواهر وخرج بعنوان الشيخ مرتضى الانصاري زعيم الشيعة ومرجعهم في مالعالم.
وتعاقب بعد ذلك فقهاء من العراق وايران على مرجعية الشيعة، عم تقليدهم البلدين مثل: مرجعية الفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء رحمه اللّه تعالى من فقهاء العراق الكبار والذي شاع تقليده في ايران في العصر (القاجاري)وسافر الى ايران واستقبلته ايران استقبالا حافلا، ومرجعية السيد ميرزا حسن الشيرازي الذي شاع تقليده في العراق بصورة واسعة.
وفي عصرنا الحاضر يمكن أن نذكر كشاهد على ما نقول مرجعية الامام السيد محسن الحكيم قدس سره من فقهاء العراق التي امتدت من العراق الى ايران وبلاد الافغان والهند وباكستان. ومرجعية الامام الخميني قدس سره، ومرجعية آية اللّه العظمى السيد الخوئي قدس سره التي امتدت الى البلاد العربية وغير العربية في العالم الشيعي بشكل واسع. وهذه الشواهد تعبر بوضوح عن مضمون حضاري في مرجعية الشيعة، وهو ان الزعامة الشيعية تمكنت من أن تتجاوز الحدود الاقليمية والقومية بكفأة وجدارة عالية.
ومما لا يصح في أي نقد موضوعي لمرجعية الشيعة تجاوز هذا الواقع الموضوعي المشرق والحديث عن المرجعية بلغة (العرب) و (العجم)و(القومية) و (الاقليمية) باللغة المألوفة في الاوساط السياسية(2). فقد استطاعت الزعامة الشيعية أن تتجاوزهذه الحالة منذ عهد بعيد(3)

مسؤولية الجمهور في أمر التقليد:

وانطلاقا مما تقدم في أهمية موقع المؤسسة الدينية في مجتمعنا وأهمية زعيم هذه المؤسسة، لابد من أن نشيرالى ضخامة المسؤولية التي يتحملها الناس، حينما يرجعون الى أحد في التقليد ويختارونه للمرجعية.. فان هذاالاختيار يعتبر كما سبق أن ذكرنا اسهاما مباشرا في تكوين المرجع الديني ونصبه للتقليد.. وهو مسؤولية خطيرة للغاية.
وكما يتحمل المرجع الديني مسؤولية هذه المهمة كمرجع للتقليد، تتحمل الامة أيضا مسؤولية اختيار المرجع الديني من بين المرشحين للمرجعية، فلا يجوز للامة أن تسلم المرجعية الى أي يد تمتد لها، دون أن تتأكد من قبل من صلاحيتها وكفأتها لهذا المنصب الرفيع، ودون اختبار وحساب دقيق للشخص الذي تسلمه الامة زمام المرجعية. فان عدم التأكد من صلاحية المرجع وكفأته من الناحية العلمية والتقوى والكفأات الشخصية، قديؤدي الى كارثة في حياة الامة، عندما لا يكون المرجع الذي تسلم مهام المرجعية أهلا لتحمل هذه المسؤولية.
فأمر اختيار المرجع اذن من المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتق الامة، وحينما تختار أحدا للتقليد تتحمل مسؤولية التبعات التي تتمخض عن ذلك.
ولذلك فان على الامة أن تتريث كثيرا في اختيار المرجع، وأن تتأكد من الشخص الذي تنيط به هذه الامانة، قبل أن تحمله هذه المسؤولية الكبيرة. فان المرجعية كيان اجتماعي وسياسي مؤثر في حياة الامة تجلب كثيرا من المطامع، وتعنى بها واجهات سياسية وحكومية، وتحاول أن تدس أنفها في الموضوع وتؤثر بشكل من الاشكال في توجيه المرجعية بالشكل الذي ترتضيه وتؤمن مصالحها.
ومع أن هذه المحاولات لا تزال تبوء بالفشل في تاريخ المرجعية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها هذه الفئة او تلك في تحريف خط المرجعية، ومع أن المرجعية ظلت على امتداد تاريخها الطويل رغم كل هذه المحاولات نظيفة مشرقة، لا يجد فيها أحد مغمزا.. رغم ذلك كله فان على الامة أن تكون واعية، مفتوحة العينين، مدركة لمسؤولياتها الكبيرة في اختيار المرجع الذي تلقي اليه زمام التقليد والزعامة الاسلامية، مقدرة كل التقديرجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها في هذا الاختيار، ولا تنقاد من ورأ موقف عاطفي، ولا تحكم بنظرة سطحية، ودون تقدير وحساب دقيق لمن تختار لهذه المسؤولية الخطيرة.

الشروط التي لابد منها في مرجع التقليد:

ونظرا لما تقدم من مسؤولية المرجع الديني، ومسؤولية المقلدين في اختيار مرجع التقليد من بين المرشحين للمرجعية، فلابد من التأكد من صلاحية الشخص لهذه المسؤولية، وتوفر الشروط التي لابد منها فيه قبل اختياره لها.
وهذه الشروط كثيرة لا نريد أن نستقصيها جميعا، وبامكان القارئ فيما لو أراد المزيد من المعرفة الرجوع الى المباحث الفقهية المتعلقة بالموضوع. وأهم هذه الشروط هي:
1- الحياة.
2- الفقاهة (الاجتهاد).
3- العدالة.
ولما كان الفقهاء يتولون في حياة المجتمع الاسلامي، مسؤولية الولاية والحكم، كان لابد من اضافة شروط اخرى لابد منها، فيمن يتولى شؤون المجتمع وادارته ويتولى مسؤولية الحكم والولاية فيه.
وأهم هذه الشروط التي نضيفها الى الشروط المتقدمة كشرط رابع لتحقيق هذه الغاية هو (الكفأة والوعي).
ان ضرورة انفتاح حركة الاجتهاد، والاخطار التي تلحق الفقه الاسلامي عند تعطيل هذه الحركة وتجميدها..
فان الرجوع الى المجتهدين السابقين يؤدي الى تعطيل حركة الاجتهاد، ويفقد هذه الحركة أهم خصائصها، وهوالمرونة في التطبيق. وللبحث عن الموضوع فقهيا مجال آخر.
وبنأ عليه فسوف نقتصر فيما يلي من البحث عن الشروط المتقدمة، باستثنأ الحياة، ونترك التفصيل للابحاث الفقهية المعنية بالموضوع. (4)

1- الفقاهة:

في مقدمة الشروط التي لابد منها في مرجع التقليد، هو الفقاهة والاجتهاد، وهو ملكة نفسية تمكن المجتهد من تحصيل الحجج والادلة على الحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعية، ولا تتحقق هذه الملكة لدى الشخص،الا بعد المام واطلاع واسع ومعمق بالاصول والقواعد الفقهية التي تعين المجتهد على معرفة الحكم الشرعي والوظيفة الشرعية.
ولابد من أن تكون هذه المعرفة نابعة عن رأي ونظر، ولا يكفي الاطلاع وحده على هذه الاصول والقواعد، ما لم تصحبها ممارسة طويلة لاستعمال هذه الاصول في مجاريها الصحيحة..
فقد تختلف أحيانا مجاري هذه الاصول والقواعد اختلافات دقيقة جدا، لا يتمكن الفقيه من تمييزها دون ممارسة طويلة وخبرة واسعة في الموضوع، وهذا هو ما يعبر عنه الفقهاء عادة بالقدرة على تطبيق الكبريات على صغرياتها.
فالطبيب الحاذق، ليس هو الذي يفهم القواعد الكلية في الطب، ويفهم أحكاما كلية عن الامراض والمعالجات، وانماهو الذي يحسن تشخيص الامراض، وتطبيق القواعد الكلية في الطب على الانحرافات والاعراض المرضية. وهذه القابلية لا تحصل للطبيب بالدراسة بقدر ما تحصل له بالممارسة والتجربة والعمل.
كما أن الاجتهاد يتطلب من الفقيه معرفة كاملة بالحديث، وفهم مجمله ومبينه وضعيفه وحسنه، وحل معضلاته ومشكلاته، وفهم الرجال الذين وصل الينا الحديث على أيديهم من حيث الوثوق، وفهم ظروف صدور الحديث.
وفي دراسة الاحاديث يتفق كثيرا أن يلتقي الفقيه بأحاديث متعارضة من حيث المدلول، وذلك لما كان يحيط ظروف صدور الحديث من ملابسات، لا نريد أن نتعرض لها في هذا المجال.
ولابد للفقيه أن يكون على معرفة واسعة بطرق علاج هذه المعارضات،وترجيح بعضها على بعض أو الجمع بينها فيما اذا أمكن.
ويتطلب الاجتهاد من الفقيه، أن يكون على معرفة واسعة بالقرآن الكريم، وبصورة خاصة ما يتعلق بالاحكام من آياته، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، والعام من الخاص، والمجمل من المبين.
ولابد أن يكون للفقيه ممارسة طويلة لكلام العرب وأساليبهم في الشعر والنثر، تمكنه من فهم الكتاب والسنة وتذوقهما بصورة سليمة خالية من التعقيد.
كما لابد أن يملك الفقيه ذوقا فقهيا سليما خاليا من التعقيد، بعيدا عن التكلف، مسترسلا في فهم الحكم الشرعي،فان الذوق الشخصي والنظرة العامة التي تتكون لدى الفقيه عن الفقه، تؤثر كثيرا في فهمه للادلة والقواعد.ويسمى عادة هذا الذوق الفقهي بالشم الفقهي، ولا يستغني الفقيه عن هذا الشم الفقهي أو الذوق الفقهي في الاستنباط مهما بلغ علمه بالاصول والقواعد.
ويتكون لدى الفقيه هذا الحس من الاطلاع الواسع على الكتب الفقهية القديمة والمعاصرة، ودراسة القرآن والحديث بامعان، ومحاولة تكوين نظرة عامة عن روح هذا الفقه واتجاهه العام.
ومن الطبيعي أن الفقيه لا يتيسر له أن يبلغ هذا المبلغ من العلم والفقاهة، دون أن يمضي أمدا طويلا في الدراسة والقرأة والتطبيق والمناقشة، والاطلاع على الموسوعات القرآنية والحديثية لمختلف طبقات المفسرين والمحدثين والفقهاء.

2- العدالة:

العدالة هي الاستقامة في السلوك، وعدم الانحراف عن الموازين الاسلامية، وهي شرط في مرجع التقليد، كما هي شرط في كثير من الامور الشرعية الاخرى، كالامامة والصلاة والشهادة وغير ذلك.
والدليل على اشتراطها في مرجع التقليد، هو ارتكاز المتشرعة، حيث لا يرجعون في امور دينهم الى من كان يرتكب المحرمات، ويعرف عنه ذلك.
وقد يستند في ذلك بما ورد في التفسير المنسوب الى الامام العسكري(عليه السلام): (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه،حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)(5). ومهما كان من أمر سند الرواية، فانه لا يمكن التشكيك في اشتراط العدالة في مرجع التقليد، نظرا لاهمية المرجعية، وما يكنه المسلمون من احترام وتقدير كبيرين للشخص الذي يقوم باعبأ هذا المنصب.
ولا يجوز الرجوع بالتقليد الى أولئك الذين يتهافتون على متع الحياة، ويتهالكون على الزعامة والشهرة والظهور، متجاوزين في ذلك الوسائل والطرق المشروعة.
فان اختيار أمثال هؤلأ لمثل هذه المسؤولية الاسلامية الخطيرة، قد يؤدي الى تعريض هذا المنصب لاخطارالانزلاق والانحراف.
والمسؤولية التي يتحملها المرجع الديني في ممارسة شؤون المرجعية، يتحملها الناس كذلك في اختيار المرجع الذي تتوفر فيه الصلاحيات التي تؤهله لهذه المهمة الخطيرة.لذلك فان من واجب المقلدين في مثل هذه الحالات الفحص الكامل والدقيق قبل اختيار المرجع الذي يرجعون اليه،وعن الشخص الذي يصلح لهذه المهمة الخطيرة في العالم الاسلامي.

3- الكفاءة:

سبق أن ذكرنا أن مسؤولية المرجعية لا تقتصر على اصدار الفتوى، وبيان الحدود والاحكام الالهية، وانماتتناول قيادة المجتمع والعمل على سلامة الحياة الاجتماعية واستقرارها، وحماية امن المجتمع الفكري والسياسي والاجتماعي والحضاري.
ولكي تتمكن المرجعية من أن تقوم بدورها بحماية المجتمع الاسلامي، والمحافظة على استقراره وسلامته، لابدأن يتمتع المرجع الذي يتسلم زمام القيادة من حياة المسلمين بكفأات وقابليات قيادية، وهي خصائص بعضهاذاتية، وبعضها مكتسبة تحصل بالخبرة والتجربة وممارسة العمل.
فمرجع التقليد لابد أن يملك الجرأة والشجاعة الكافية لمواجهة الاحداث، وحزما وعزما لاتخاذ القرارات الملائمة للمواقف المختلفة، وعقلا مدبرا لادارة المجتمع.
ولابد للمرجع من حس اجتماعي وسياسي مرهف، وأن يكون على معرفة واسعة بالمجتمع وقطاعاته، والاحداث التي تمر عليه، وقد كان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)والائمة (عليهم السلام)من أعلم الناس بالمجتمع وحاجاته وضروراته، وبالحركات السياسية التي تحيط المجتمع، وكانت أعمالهم تقوم على أساس من تخطيط وتفكير دقيق، وتشاور مع ذوي الرأي والخبرة. وكان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)على معرفة واسعة بالجزيرة وعشائرها وزعمأ هذه العشائر، وطبيعة المناطق التي يحتلونها، وكان كثير السؤال عما يتعلق بميدان عمله وحسن الاصغأ، يصغي الى محدثه في انتباه ودقة، ويعرف الاشخاص معرفة دقيقة كاملة.
وكان سلوكه(صلی الله عليه وآله وسلم)في مكة والمدينة ينم عن تخطيط سياسي دقيق، وفهم واع لطبيعة المراحل التي تتطلبها عملية تغييرية واسعة كالاسلام. كما كانت أعماله العسكرية، تنم عن تفكير عسكري وحربي مسبق.
وكان سلوكه مع أصحابه ومع المسلمين ومع المنافقين، ينم عن ذهنية مديرة ومدبره وحزم ولين وعقل، مكنه من أن يحتضن هذا المجتمع الذي أسلم في اخلاص، وأحيانا في غير اخلاص، بكل الرواسب والتناقضات التي كان يحملها هذا المجتمع، دون أن تتعبه متاعب العمل ومشاكله، وتبعث في روحه الكبيرة اليأس والملل، ودون أن يهدأ عن التفكير والتخطيط والحركة لحظة من حياته. هذا كله بالاضافة الى (العصمة) و(الوحي).
واذا لم يتأت لانسان، أن يحمل كل المواهب البشرية، فلابد له حتى يصلح أن يكون مرجعا عاما للمسلمين،ويحمل عنهم المسؤولية الاسلامية الكبرى، ويبعث في نفوسهم هذه الرسالة حية متحركة، ويكون خليفة للنبي(صلی الله عليه وآله وسلم)، لابد له أن يتمتع ببعض هذه الخصائص، وأن يملك بعض هذه الكفأات والقابليات والخبرات والتجارب، وبعض هذا الاهتمام، وبعض هذا الحزم واللين والحكمة والعقل العملي.
فان المرجعية بطبيعة ما أولاها الاسلام من اهتمام، وللصلاحيات الكبيرة التي أناطها بها في مجال الحكم والولاية ،وبطبيعة الدور الذي تقوم به في الوقت الحاضربشكل خاص، ونتيجة للظروف المعاصرة، يجب أن تتمتع بكافة الامكانات والقدرات المطلوبة منها، ويجب أن يكون المرجع الذي يتسلم زمام القيادة بصفة شخصية، مؤهلا لذلك كله، ويملك مؤهلات القيادة والزعامة من الحزم والعزم والقوة والجراة واللين وسعة الصدر وبعد النظر والقدرة على التخطيط.
فلا تقتصر مسؤوليته فقط، على بيان حدود اللّه وأحكامه في الصلاة والصيام وأعمال الحج وأحكام الشك في الصلاة، وانما تتجاوز مسؤولياته الى حدود بعيدة جدا، تتطلب حزما وعزما وقوة وجرأة وعقلا وتفكيراوتخطيطا، وغير ذلك من مؤهلات الزعامة.
يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)
(أيها الناس: ان أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر اللّه فيه، فان شغب شاغب استعتب، فان أبى قوتل)(6)
ولسنا بحاجة الى مناقشة الرواية في سندها ومتنها، فان المسألة تبلغ حدا من الوضوح والضرورة، لا تضرهامناقشة في سند الحديث أو متنه.
المصادر:
1- يشير الى المقال المنشور في جريدة (صوت العراق) الصادرة في لندن العدد 106 بتاريخ 22/2/1992.
2- اشارة الى المضامين الواردة في المقال في جريدة (صوت العراق) الصادرة من لندن.
3- الشيخ المفيد موضع احترام وثقة الدولة (البويهية) الايرانية المعروفة، والشيخ كما نعرفه من اسرة عربية‏عراقية معروفة من(عكبرا) قرب مدينة بلد، كما ان الشهيد الاول (رضي الله عنه) كان موضع ثقة واعتماد الدولة (السربدارية)الفارسية والسبزوارية، وهو فقيه عربي من لبنان (جبل عامل).
4- المشهور من الفقهاء يذهبون الى اشتراط الاعلمية في مرجع التقليد، ونقل الاجماع على ذلك المحقق الثاني.
5- وسائل الشيعة: 18/95 كتاب القضاء باب صفات القاضي باب 10 عدم جواز تقليد غير المعصوم.
6- نهج البلاغة: ص‏247، خطبة‏173.