الأوقاف العامة عند الشيعة

 






 

من أهم المسائل الفقهيّة العامّة، التي يُبتلى بها المسلمون، هي مسائل الوقف، فهي تتعلق عادة بالمجتمع ككلّ، وهو فعل مرغوب ومحبوب من الله عزّ وجلّ لكن بشرطه وشروطه، وحيث أنّ كثيراً من المسلمين يحبّون أن يبقى لهم بعد موتهم عملاً يزيد الحسنات في صحيفة أعمالهم، فيقدمون على وقف مسجدٍ أو حسينيّة أو منزلٍ للفقراء، أو أرضٍ أو...
وما أحوجنا في بعض مناطقنا وقرانا، أن تكون فيها حديقة عامّة أو منتزهٌ جميل، فنخرج بوقفيّتها على ما هو فائض عن الحاجة، وصارت وقفيّته مباهاة وسمعة ورياءً.
فماذا يمكن أن نوقف؟
وكيف يتحقّق الوقف؟
وما هي شروطه؟ وما هي شروط متولِّ الوقف؟
وأين يعرف الوقف؟ وكيف ينتهي؟
وهل يجوز بيعه؟
كلّها أسئلة ترتبط بهذا العمل العبادي الذي يرتبط بالمجتمع الإسلاميّ، بحاجة إلى أجوبةٍ دقيقة وحسّاسة. نضعها بسهولة ويسر بين يدي کل من يريد ان يتطلع الی هذا المر او كل من يريد أن يوقف، طبقاً لما هو الموجود من فتاوى في تحرير الوسيلة للإمام روح الله الموسوي الخميني قدس سره، مع تعليقة لرأي الإمام القائد السيّد عليّ الخامنائيّ دام ظله في المورد الذي وجدناه فيه مخالفاً لرأي الإمام الراحل.
آملين أن يلبّي هذا المقال حاجة هذه الشريحة من المجتمع الإسلاميّ، على أمل أن نوفق لباقي شرائح المجتمع بوضع الفقه لها بالطريقة الموضوعيّة، بإذن الله تعالى.
تمهيد
إنّ الوقف هو من الأمور الراجحة والمحبوبة عند الله تبارك وتعالى، وقد حثّ العديد من النصوص والروايات عليه، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و آله قوله لرجل مرّ عليه وهو يغرس غرساً في بستان له: "ألا أدلّك على غرس أثبتَ أصلاً وأسرعَ إيناعاً وأطيب، ثمراً وأنقى؟ قال: بلى فداك أبي وأمّي يا رسول الله. فقال: إذا أصبحتَ وأمسيتَ فقلْ: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنّ لك بذلك إنْ قلته بكلّ تسبيحةٍ عشرَ شجراتٍ في الجنّة من أنواع الفاكهة، وهنّ من الباقيات الصالحات. فقال الرجل: أُشهدُك يا رسول الله أنّ حائطي هذا صدقةٌ مقبوضةٌ على فقراء المسلمين من أهل الصُّفّة أي أنّ الرجل قام بوقف بستانه على فقراء المسلمين ، فأنزل الله تبارك وتعالى:
﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾" (1)
والوقف نوع من أنواع الصدقة الجارية وتشمله الروايات التي تتحدّث عنها، كالرواية الصحيحة عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال: "ليس يتبع الرجلَ بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصالٍ: صدقةٌ أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وسنّة هدى سنّها فهي يُعمل بها بعد موته، وولدٌ صالحٌ يدعو له" (2).

كيف يحصل الوقف؟

الوقف هو تحبيس العين وتسبيل المنفعة، بمعنى أنّ صاحب الملك يستطيع أن يوقف ملكه لأمر ما، فيصبح وكأنّه محبوس لهذا الأمر فقط، لا يتصرّف به بعد ذلك ببيعٍ أو تلفٍ أو أيّ تصرّف آخر، وتصبح منفعته عامّةً للموقوف عليهم، كفقراء المسلمين - مثلاً -، أو روّاد الطريق أو غير ذلك من العناوين التي يتمّ الوقف عليها...، وسنتحدّث عن ذلك بالتفصيل لاحقاً إن شاء الله تعالى.
وينقسم الوقف إلى قسمين:
الأوّل: الوقف العامّ، وهو ما كان على جهةٍ ومصلحةٍ عامّة، كوقف المساجد، ووقف الطرقات، ووقف المتاجر أو على عنوان عامّ كالفقراء والأيتام ونحوهما.
الثاني: الوقف الخاصّ، وهو ما كان وقفاً على شخصٍ أو أشخاصٍ محدودين، كالوقف على أولاده وذرّيّته أو على فلان وذرّيّتِهِ ...(3)
وقد ذكرنا سابقاً أنّ الوقف هو مفردةٌ من مفردات الصدقة الجارية، ولكنْ ليس كلّ صدقة تسمّى وقفاً، بل للوقف حقيقته الخاصّة التي إذا تحقّقت أصبح وقفاً شرعاً ولحقته أحكام الوقف،

فكيف يتحقّق الوقف؟

يمكن تلخيص ذلك بما يلي:
أولاً : الصيغة
فلا يكفي أن ينوي الإنسان في قلبه أنّه يعتزم على الوقف، بل لا بدّ من أن يتحوّل الوقف من النيّة القلبيّة إلى الجهة التنفيذيّة. والخطوة الأولى في تنفيذ الوقفيّة هي التلفّظ بما يدلّ على ذلك، مثل "وقفتُ" أو غيرها من الألفاظ التي تدلّ على الوقف. فإذا أراد أن يوقف أرضاً ما على الفقراء، يمكن أن يقول: "جعلتُ أرضي موقوفةً على الفقراء"، أو أيّ عبارة أخرى تدلّ على ذلك.
ولا يشترط أن يكون التلفّظُ باللغة العربية، بل يكفي ما دلّ على الوقف حتى ولو كان بلغة أخرى.
ولا يُشترط أن يقوم المالك بنفسه بعمليّة الوقف، بل يمكن لوكيله أن يقوم بذلك نيابةً عنه (4).
ويمكن الاستغناء عن اللفظ أيضاً إذا كان هناك فعلٌ يدلّ على الوقفيّة من دون حاجة للّفظ (5)، كالمساجد والمقابر والطرق... بل حتّى فرش المساجد وإضاءتها وأشباه ذلك، ممّا يعتبر وقفاً عامّاً (6). فلو بنى بناءً بعنوان المسجديّة وأذِن للعموم أن يصلّوا فيه، يكفي أن يصلّي فيه بعض الناس ليصبح موقوفاً على المسجديّة، وكذلك لو عيّن قطعةً من الأرض لتكون مقبرةً، وتخلّى عنها لمصلحتهم فدفنوا فيها بعض الأموات، فإنّ ذلك كلّه يدلّ على الوقف حتى بدون أن يتلفّظ بشيء (7).
هذا فيما إذا كان أصل البناء بقصد المسجديّة بأن نوى ببنائه وتعميره أن يكون مسجداً خصوصاً إذا حاز أرضاً مباحة لأجل المسجد وبنى فيها بتلك النيّة، وأمّا إذا كان له بناءٌ مملوك كبيتٍ أو دكّانٍ فنوى أن يكون مسجداً فهنا لا بدّ من التلفّظ بما يدلّ على ذلك على الأحوط وجوباً (8).
هذا بالنسبة للصيغة من جهة المالك الواقف ، لكن:
هل يلزم القبول من قِبَل الموقوف عليه؟
لا يشترط القبول من قِبَل الموقوف عليه، ويصحّ الوقف سواءً كان هذا الوقف على الجهات العامّة كالمساجد والمقابر والطرق، أو على العناوين الكليّة كالوقف على الفقراء والطلاب، أو كان الوقف خاصّاً كالوقف على الذريّة. ففي جميع هذه الصور لا يشترط قبول الموقوف عليهم، وإن كان الاحوط رعاية القبول في الوقف عاماً كان أم خاصاً (9).

السبب والداعي للوقف

إنّ أسباب الناس ودواعيهم تختلف فيما يقدمون عليه من الوقف:
1 - قد تكون دوافعهم أخرويّة، كمَن يطلب كسب الثواب، أو التكفير عن الذنوبِ، أو زيادة الارتباط بالله سبحانه وتعالى أو غيرها من الدواعي والأسباب الأخروية. ولا شكّ أنّ لهؤلاء أجرهم وثوابهم عند الله سبحانه وتعالى.
2 - قد نجد أشخاصاً آخرين يقومون بوقف بعض أموالهم وممتلكاتهم لغرضٍ دنيويّ، كالرياء والسمعة وطلب الجاه أو غيرها من الأسباب الدنيويّة. وهذه الدواعي ليست من الدواعي الممدوحة. ولا شكّ أنّ هذا النوع من الأشخاص لن يحصل على الثواب الذي يحصل عليه المخلصون لله العاملون لآخرتهم؛ فالأجر والثواب مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنيّة والداعي والسبب للوقف. هذا على مستوى الأجر والثواب.
لكن على مستوى صحّة الوقف، هل يتأثّر الوقف من جهة صحّته بنيّة الواقف؟
الجواب عن ذلك: إنّ الوقف لا يتأثّر، فالوقف صحيحٌ وثابتٌ بمجرّد حصوله، وبغضّ النظر عن نيّة الواقف والأسباب التي دعته للوقف، وبالتالي فأحكام الوقفيّة تلحق به (10).
ثانياً : قبض الوقف
لا يتحقّق الوقف بشكلٍ كاملٍ إلا من خلال التسليم والإقباض. ولا يشترط في القبض أن يحصل فوراً، فيمكن التأخير في الإقباض إلى وقتٍ لاحقٍ، ولكن لا يتحقّق الوقف بشكلٍ كاملٍ إلا حين القبض (11). ولو مات الواقف قبل القبض بطَلَ الوقفُ وصار المالُ ميراثاً لورثته (12).

كيف يتحقّق التسليم؟

يتحقّق التسليم والإقباض بما يلي :
1 - في الوقف على الجهات العامّة والمصالح، كالمساجد، يتحقّق التسليم بقبض المتولّي للوقف - في حال وجود متولٍّ له - أو قبض الحاكم الشرعيّ له - وكذلك يحصل القبض لو وقف مسجداً فصلّى فيه المصلّون ولو صلاةً واحدةً، وكذلك في المقبرة، فيكفي دفن ميّتٍ واحدٍ فيها بإذن الواقف وبعنوان التسليم والقبض.
2 - في الوقف على العناوين الكليّة، كالفقراء والطلبة، يتحقّق التسليم بقبض المتولّي للوقف حال وجوده، أو الحاكم الشرعيّ، ويمكن أن يحصل القبض أيضاً في هذه الحالة بقبض الفقير أو الطالب للوقف، فإذا قبض الطالبُ البيتَ الموقوف للطلبة وسكن فيه، تمّ الوقف بذلك.
وينبغي الالتفات إلى أنّ القبض لا يحصل إلا بقبض العين الموقوفة ولا يكفي مجرد استيفاء المنفعة والثمرة دون ذلك، فلو كان الوقف بستاناً - مثلاً - وقد وقفه المالكُ على الفقراء، ولم يستلّم وليُّ الوقف ولا الحاكم هذا البستان، ولم يتسلّمه الفقراء أيضاً، وإنّما أعطاهم شيئاً من ثمره، لا يتمّ الوقف ولا يتحقّق التسليم والقبض .
في الوقف الخاصّ: إذا كان الوقف على أولادِ فلانٍ وأحفادِه، يكفي أن تقبضه الطبقة الموجودة من الأولاد ليتحقّق الوقف للجميع، حتى الأولاد أو الأحفاد الذين لم يولدوا بعد. وأمّا الأولاد الموجودون فلا يتحقّق الوقف في حقّهم إلا بالقبض، وإذا قبض البعض دون البعض الآخر، صحَّ الوقف على الذين قبضوا فقط دون الذين لم يقبضوا.
ثالثاً : دائميّة الوقف
يجب أن يكون الوقف دائماً غير محدّد بمدّة معيّنة، فلا يصحّ تحديده بمدّة مثل أن يقول المالك: "وقفت هذا البستان على الفقراء إلى سنة" (13).
وأمّا إذا لم يحدّد الوقف بمدّة، ولكن كان الموقوف عليهم محدودين زمنيّاً في الواقع يصحّ الوقف، ومثاله ما لو كان الوقف على أولاده المباشرين دون الأحفاد، فيصحّ الوقف هنا لأنّه لم يكن مقيّداً بزمنٍ ما، ولكن بعد وفاة الأولاد جميعاً، يرجع إلى الواقف أو إلى ورثته إن لم يكن حيّاً (14).
رابعاً :عدم تعليق الوقف على الأحوط وجوباً
ومعنى عدم التعليق أن ينوي الوقفَ مطلقاً، من دون أن يعلّقه أو يربطه بحصول شيءٍ آخر. وينبغي أن يكون الوقف بهذا الشكل، وأن لا يعلّقه ويربطه بأمرٍ آخر.
لكن ما الحكم إذا علّق الوقف على أمر آخر؟
هناك أربع صور للتعليق:
الأولى: إذا علّقه غير معلوم الحصول، مثل أن يقول "وقفت البستان على الفقراء إذا سافرت هذه السنة"، فإنّ سفره يمكن أن يتحقّق ويمكن أن لا يتحقّق أيضاً، وبالتالي فهو يربط الوقف بأمرٍ غير معلوم الحصول، وفي مثل هذه الحالة يبطل الوقف على الأحوط وجوباً.
الثانية: إذا ربطه بأمر سيحصل في المستقبل بالتأكيد، كأن يقول "وقفت إذا جاء أوّل الشهر" فإنّ أوّل الشهر سيأتي بعد عدّة أيام بالتأكيد، وفي مثل هذه الحالة أيضاً يبطل الوقف على الأحوط.
الثالثة: إذا علّقه على شيء حاصل كقوله: "وقفت إن كان اليوم جمعة"، وفي الحقيقة اليوم هو يوم جمعة، ففي مثل هذه الحالة يصحّ الوقف ما دام غير مرتبط بأمرٍ مستقبليٍّ، بل بأمرٍ قد حلّ وحصل، وفي الحقيقة هو لم يعد مرتبطاً بأيّ شيء (15).
الرابعة : إذا ربطه بموته، بأن يقول "هذا الأمر وقفٌ بعد موتي" فالوقف هنا لا يصحّ أيضاً، ولكن إذا فُهم أنّ المقصود من هذه العبارة ليس الوقف بنفسه من الآن بل الوصيّة بالوقف، فيصحّ من باب الوصيّة، وتدخل في مسائل الوصيّة (16).
خامساً: إخراج نفسه من الوقف
إذا وقف المالك شيئاً ما، فهل يمكنه أن يُدخل نفسه في الموقوف عليهم، أو يستفيد من الوقف بشكل من الأشكال؟ هناك احتمالات لهذا الموضوع:
الأول: إذا كان الوقف ممّا يوقَف على الجهات العامّة، كالمساجد والمدارس والطرقات... فلا إشكال في جواز انتفاع الواقف منها، فيصلّي في المسجد ويمرّ من الطريق ويدخل في المدارس... ونحوها (17).
الثاني : إذا كان الوقف على عنوان عام كفقراء المحلّ -مثلاً- بشكلٍ يتمّ فيه تقسيم منافعه إلى حصصٍ توزع عليهم، فلا شكّ في
عدم جواز أخذ حصّته منها حتى ولو كان من الفقراء. وأمّا إن كانت استفادتهم من الوقف بمعنى أنّه يُصرف في رفع حوائج بعضهم من دون تقسيمه - كما هو الغالب المتعارف في الوقف على الفقراء والزوار والحجّاج ونحوهم - وكان الوقف عامّاً لجميع الفقراء أو لجميع الحجّاج بما فيهم المالك نفسه، فيجوز له في هذه الصورة الاستفادة من الوقف كأحد المصارف (18).
الثالث: إذا كان الوقف على المالك نفسه فقط، لا يصحّ الوقف (19).
الرابع: أن يكون الوقف على مجموعة أشخاص كشركاء فيه، والمالك واحد منهم، ففي هذه الحالة يبطل الوقف بالنسبة له فقط، ويصحّ بالنسبة للآخرين (20).
الخامس: إذا كان الوقف على غيره ولكنّه اشترط أن تُقضى ديونه أو يُنفق عليه من غلّة الوقف... لم يصحّ وبطل الوقف. ولكن يمكنه أن يُخرج نفسه من مصروف الوقف، ويشترط على الموقوف عليهم أن يدفعوا عنه ذلك ولو من أموال الوقف بعد أن صارت ملكاً لهم، ففي مثل هذه الصورة يصح الوقف ويدفع الموقوف عليهم عنه وفاءاً بالشرط (21).
السادس : لو اشترط أن يأكل ضيوفه من منافع الوقف جاز ولا إشكال في ذلك، ما دام لم يشترطها لنفسه (22).
سادساً: اشتراط عدم الحاجة
إذا كان الوضع الماديّ للمالك محدوداً, وخاف على نفسه من الفقر والحاجة في المستقبل إذا وقف هذا الملك، يمكنه أن يوقف هذا الملك بشرط أن يعود لملكه إذا احتاجه في المستقبل، ويصحّ مثل هذا الوقف ويبقى شرطه صحيحاً، فإذا احتاج له في المستقبل ينتهي الوقف ويعود لملكيّته. وإذا مات الواقف ولم يكن محتاجاً بقي وقفاً، وإن احتاج قبل موته صار ميراثاً لورثته (23).

وقف المسجد

للمسجد أحكامه الخاصّة التي شرّعها الله سبحانه وتعالى لجهة الطهارة، وله مقامه المعنويّ الخاصّ، وهناك ثواب خاصّ لمن يصلّي فيه ويسير إليه... فلا بدّ من الإشارة إلى خصوص وقف المساجد وما فيه من أحكام خاصّة. ونشير هنا إلى مسألتين مهمّتين فيما يتعلّق بوقف المساجد (24):
الأولى: لا بدّ في وقف المسجد من قصد عنوان المسجديّة، ولا يكفي وقف المكان على المصلّين للصلاة فيه، فإذا أوقف مكاناً للصلاة صحّ الوقف ولكن لا يكون حكمه حكم المسجد، ما لم يقصد عنوان المسجد في الوقف، بأن يقول مثلاً "وقفته مسجداً".
الثانية: إذا خرب المسجد لم تخرج الأرض التي كان فيها عن حكم المسجديّة، فتجري عليها أحكامه بشكل عامّ، إلا في حالات استثنائيّة. وكذلك لو خربت القرية أو المدينة التي فيها المسجد يبقى المسجد على حكمه الشرعيّ (25).
كيف يثبت الوقف ؟
يمكن أن يحصل خلافٌ وشكٌّ حول شيءٍ ما، هل هو وقفٌ لنتعامل معه على هذا الأساس، أم أنّه ليس وقفاً؟ هناك دلائل تدلّ على الوقف، فإن تحقّق شيء منها تعاملنا معه على أنّه وقف، وإن لم يتحقّق شيء منها نتعامل معها على أساس أنها ليست وقفاً، فما هي هذه الدلائل؟
تثبت الوقفيّة من خلال أحد الأمور التالية (26):
الأوّل: يثبت الوقف بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، بمعنى أن يكون معروفاً عند الناس ومشهوراً لديهم أنّ هذا الشيء هو وقف، لدرجة تولّد الشعور بالإطمئنان إلى صحّة كونه وقفاً.
الثاني: يثبت الوقف بإقرار الشخص الذي هذا الشيء بيده وتحت تصرّفه، وإذا توفّي قَبل أن نتأكّد منه، فإقرار ورثته يكون كافياً، فإذا أقرّ ورثة الميت أنّ هذا شيء وقف تثبت وقفيّته.
الثالث: يثبت الوقف إذا وجدنا هذا الشيء من الأساس في تصرّف الموقوف له، بمعنى أنّ هناك مستفيدين يستفيدون منه على أنّه وقف، ولم يكن هناك مَنْ عارضَ هذا التصرّف أو اعترض عليه .
كما أنّ عمل المتصرّفين معاملة الوقفيّة دليل على أصل الوقفيّة ما لم يثبت خلافها، كذلك كيفيّة عملهم من الترتيب والتشريك والمصرف وغير ذلك دليل على كيفيّته، فيتبع ما لم يعلم خلافها (27).
الرابع: يثبت الوقف بالبيّنة الشرعيّة، وهي أن يخبر شاهدان عدلان بوقفيّة هذا الشيء. .
لا يثبت الوقف بإحدى هاتين الطريقتين:
أ- لو كان هناك كتاب أو مصحف أو ما شابه بيد شخص وهو يدّعي ملكيّته، وكان مكتوباً عليه أنّه وقف، لم يُحكم بوقفّيته بمجرّد ذلك، بل يتعامل معه على أساس أنّه ملك له، فيجوز الشراء منه (28).
ب- لو ظهرت في تركة الميت ورقة بخطّه أنّ ملكه الفلانيّ وقف، لم يُحكَم بوقفيّته ما لم يحصل العلم بذلك أو الإطمئنان إليه (29).

شرائط الوقف

للوقف شرائط عديدة، بعضها يتعلّق بالواقف وبعضها بالموقوف، وبعضها بالموقوف عليه، وهو ما سنعرضه بالتفصيل فيما يلي:
أن يوقف المالك ماله على جهة معيّنة فهذا يعني أنّه يتصرّف بهذا المال الذي يملكه، لذلك لا بدّ من أن يملك صفات تخوّله التصرّف بالمال بمثل هذا التصرّف، وهي الصفات العامّة المطلوبة عادة - خصوصاً في التصرّفات الكبيرة وهي:
أولاً: أن يكون بالغاً، فلا يصحّ الوقف من غير البالغ.
ثانياً: العقل.
ثالثاً: الاختيار، فإذا أُجبر على الوقف لم يصحّ الوقف، وبقي على ملكه كما كان (30).
رابعاً: أن لا يكون محجوراً عليه بسبب الإفلاس، أو بسبب عدم أهليّته ذهنيّاً كالسفيه (31).
ولا يُشترط في الواقف أن يكون مسلماً، بل يصحّ الوقف حتى من الكافر (32).
للوقف شرائط ينبغي تحقّقها في المملوك العين الموقوفة ليصح جعله وقفاً، وفيما يلي نشير إلى هذه الشرائط:
أولاً: أن يكون أمراً مملوكاً، فلا يمكن وقف غير المملوك (33).
ثانياً: أن يكون له منافع واستفادات محلَّلة شرعاً، فلا يستطيع أن يوقف ما لا فائدة منه على الإطلاق، كما لا يستطيع أن يوقف ما تنحصر فائدته في الحرام، كآلات القمار - مثلاً - فإن وقف مثل هذه الأمور يكون باطلاً من الأساس. ولا يشترط أن تكون مما ينتفع بها حالاً، بل يكفي كونها معرضاً للانتفاع ولو بعد مدّة، كالأصول المغروسة التي لا تثمر إلا بعد سنين.
ثالثاً: أن يكون هذا الأمر الموقوف باقياً بعد الاستفادة منه، كالشجرة مثلاً يمكن قطف ثمارها ولكن تبقى لتثمر من جديد... ولا يصحّ وقف ما لا يبقى بعد الاستفادة كأن يطبخ طبخة ويوقفها للفقراء مثلاً، حيث إنّها لن تبقى بعد أكلها، وبالتالي فوقفها غير صحيح.
رابعاً: أن لا يكون فيه حقّ للآخرين يمنع المالك من التصرّف به، كما لو كان مرهوناً.
خامساً: أن يكون قبضه ممكناً، فلا يمكن وقف الحيوان الشارد - مثلاً - .
ويصحّ بالتالي وقف كلّ ما له فائدة محلّلة مع بقائه ضمن الشرائط المذكورة، كالأراضي والبيوت والعقارات والثياب والسلاح والآلات المباحة والأشجار والمصاحف والكتب والحليّ وصنوف الحيوان... (34).
شرائط الموقوف عليه
هناك عدّة شرائط لها علاقة بالموقوف عليهم، نشير إليها فيما يلي:
يشترط في الموقوف عليه التعيين، فلا يصحّ أن يوقف السجّاد لأحد المسجدين، بل لا بدّ من أن يعيّن أحدهما حتّى يصحّ الوقف (35).
لا يصحّ الوقف على الجهات المحرّمة وما فيه إعانة على المعصية، كالمعونة على شرب الخمر أو الزنا (36)
لا يشترط في الموقوف عليه أن يكون مسلماً، بل يصحّ الوقف لغير المسلم أيضاً إجمالاً (37)

كيف يُعيّن متولّي الوقف؟

الوقف يحتاج لمتولٍّ يدير شؤونه ويراعي الانتفاع به على أفضل وجه. وهناك عدّة أمور تُطرح في هذا الإطار:
الأمر الأوّل: كيف يعيّن متولّي الوقف؟
هناك عدّة طرق لتعيين متولّي الوقف
الطريق الأول: الواقف الذي قام بجعل شيء من ملكه وقفاً، يستطيع عندما يريد الوقف أن يعيّن متولّياً عليه، فإذا عيّن شخصاً عند الوقف يكون المتولّي هذا الشخص، ولكنّه إذا أغفل تعيين وليّ عند الوقف لا يستطيع تعيينه بعد ذلك.
وإذا أراد تعيين المتولّي عند الوقف فالخيارات متوفّرة أمامه من عدّة جهات:
أوّلاً: يستطيع أن يعيّن نفسه متولّياً للوقف إذا أحبّ ذلك، ويستطيع أن يولّي غيره، بل يستطيع أن يجعل أمر التولية بيد شخص آخر، فيقول إنّ المتولّي من يعيّنه فلان.
ثانياً: يستطيع أن يجعل التولية دائمةً لهذا الشخص، ويستطيع أن يجعلها محدّدة بزمن ما، ويستطيع أن يجعل التولية لشخص لمدّة معيّنة ثمّ بعده لشخص آخر... بل يستطيع أيضاً أن يجعل التولية لشخص ثمّ هذا الشخص يعيّن شخصاً آخر بعده، وهكذا (38)...
ثالثاً: يمكن أن يجعل التولية لأكثر من شخصٍ، فإذا جعلها لشخصين - مثلاً - يمكن أن يجعلها لكلٍّ منهما مستقلاً، بمعنى أنّه يستطيع كلّ واحد منهما أن يتصرّف من دون مراجعة الآخر، ويمكن كذلك أن يجعلها لهما معاً وليس لكلّ منهما مستقلاً، بمعنى أنّهما لا يتصرّفان إلا بعد الإتفاق معاً، وإذا عيّنهما الواقف متولّيين ولم يذكر أنّ كلّاً منهما مستقلّ في تصرّفه أم مرتبط بالآخر، ففي مثل هذه الحالة لا يتصرّفان إلا معاً ولا يتصرّف كلّ منهما بشكل مستقلّ. ولو مات أحدهما أو لم يعد يمتلك الأمانة أو الكفاءة، يعيّن الحاكم الشرعيّ شخصاً آخر ينضمّ إلى الأوّل في تولية الوقف (39).
رابعاً: إذا جعل الواقف تولية الوقف لشخصٍ ما، فلا يجب على هذا الشخص القبول بالتولية، سواء كان حاضراً عند إجراء الوقف أم غائباً، وسواء وصله خبر توليته في حياة الواقف أو بعد وفاته، ومع عدم القبول يصبح الوقف بلا متولٍّ منصوبٍ من قبل الواقف، ويعود للحاكم الشرعيّ تنصيب متولٍّ عليه.
الطريق الثاني: إذا لم يعيّن الواقف متولّياً أصلاً، أو عيَّن شخصاً ضمن صفات معيّنة لكنّها لم تتوفّر، مثل أن يقول "المتولّي على الوقف على العادل من أولادي" ولم يكن بين أولاده شخص عادل، أو كان في السابق ولكنّه لم يعد الآن، ففي مثل هذه الحالة يكون الواقف كمن لم يعيّن متولّياً أصلاً، ولا يمكن أن يبقى الوقف بلا متولٍّ، بل هناك طريق آخر لتعيين متولٍّ على الوقف، وهو الحاكم الشرعيّ، أو الشخص المنصوب من قبل الحاكم الشرعيّ لمثل هذه الأمور، خصوصاً في الأوقاف العامّة كالمساجد والحسينيّات والمقابر وأمثالها (40).
الطريق الثالث: مع عدم وجود حاكم شرعيّ أو شخص منصوب من قبله، لفقده من الأساس أو لعدم إمكانيّة الوصول إليه رغم وجوده، ففي مثل هذه الحالة تكون تولية الوقف لعدول المؤمنين (41).
الأمر الثاني: ما هي صفات متولّي الوقف(42)؟
أوّلاً: يُعتبر فيه أن يكون أميناً، ويمتلك الكفاءة التي تؤهّله لحمل هذه المسؤوليّة، فلا يجوز جعلها لمن كان خائناً غير موثوق به، أو لمن لا يمتلك الكفاءة في تولّي أمور الوقف .
ثانياً: لا يُشترط فيه العدالة والعدالة هي أن يكون الإنسان بطبيعته من أهل الصلاح الذين يلتزمون بفعل الواجبات وترك المحرّمات ، بل تكفي فيه الأمانة كما ذكرنا (43).
ثالثاً: بالنسبة للمجنون والصغير لا يمكن تولّيتهما على الوقف، إلا إذا قُصد أنّ المتولّي في هذا الزمن هو وليّ الصغير، فإذا صار
الصغير كبيراً يصبح هو المتولّي على الوقف بعد ذلك، ويمكن ذلك في المجنون أيضاً إذا كان يُتوقع شفاؤه من الجنون بعد فترة، فيمكن جعل وليّه الذي يتولّى أموره وليّاً على الوقف حتّى يبرأ من جنونه فيصبح هو المتولّي بعد ذلك (44).
الأمر الثالث: ما هي وظيفة متولّي الوقف؟
إذا عيّن الواقف وظيفة المتولّي، فلا يمكن للمتولّي أن يتجاوز ما عيّنه له الواقف (45)، وإذا سمّاه كمتولٍّ على الوقف بدون أن يحدّد وظيفته، تكون وظيفته ما هو متعارف عادة من التصرّفات، كتعمير الوقف وإجارته وتحصيل أجرته وقسمتها على الموقوف عليهم، وأداء مصاريفه ونحو ذلك، بشكل يراعي فيه الاحتياط والصلاح (46).
يمكن للواقف تولية بعض الأمور لشخص وبعضها لشخص آخر، فيجعل أمر التعمير وتحصيل المنافع - مثلاً - لشخص، وحفظها وقسمتها على الموقوف عليهم لشخص آخر. وإذا فوّض إلى شخص التعمير وتحصيل الفائدة ولم يذكر الجهات الأخرى من الحفظ والتقسيم ... يكون الوقف بلا متولٍّ منصوب في هذه الجهات غير المذكورة (47).
- لا يمكن للمتولّي تفويض التولية إلى غيره حتى مع عجزه عن التصدّي، إلا إذا جعل الواقف له ذلك عند جعله متولّياً (48).
إذا لم يشترط الواقف على المتولّي أن يباشر الأعمال بنفسه، يمكن للمتولّي توكيل شخص لمتابعة بعض الأمور المتعلّقة بالوقف. ولا يشترط أن يباشر بنفسه جميع أعمال الوقف (49).
يمكن للواقف أن يعيّن للمتولّي بدلاً ماليّاً ليستوفيه من الوقف، أو يعيّن له شيئاً من المنافع، ويكون ما عيّنه الواقف أجرةً للمتولّي على عمله ولا يستطيع أن يأخذ أزيد منه، وإذا لم يعيّن له شيئاً من ذلك يجوز للمتولّي أن يأخذ من منافع الوقف بدلاً مقابل عمله، بالمقدار الذي يستحقّه عمله عرفاً (50).
يجوز للواقف أن يجعل ناظراً على المتولّي، ويمكن أن يكون للناظر إحدى وظيفتين:
الوظيفة الأولى: إطّلاع الواقف على عمل المتولّي وطريقة أدائه، من دون أن يكون له أيّة سلطة على المتولّي، وفي مثل هذه الحالة يبقى المتولّي مستقلاً في تصرّفاته، وإنّما اللازم عليه إطلاع الناظر على هذه الأعمال.
والوظيفة الثانية: جعله ناظراً يصوّب عمل المتولّي ويرشده، ففي مثل هذه الحالة لم يجز لمتولّي الوقف التصرّف إلا بإذن الناظر، ويعمل بناءً على تصويبه وإرشاده. وإذا وضع الواقف ناظراً على المتولّي ولم يحدّد وظيفته بشكل واضح فاللازم مراعاة الوظيفتين معاً، بمعنى أن يطّلع المتولّي الناظر على أعماله ولا يعمل إلا بإذنه في نفس الوقت (51)

الآثار المترتّبة على الوقف

إذا تحقّق الوقف بشرائطه السابقة، لحقته أحكام الوقف، فللوقف أحكامه الخاصّة التي تصبح لازمة بعد تحقّق الوقف، وفيما يلي آثار الوقف وأحكامه:

أولاً: إلغاء الملكيّة

1 – ما تمّ وقفه بشكل مؤبّد يخرج عن ملك مالكه الأصلي. وبالتالي لا يستطيع أن يتصرّف فيه بعد ذلك بأيّ تصرّف مبتنىً على الملكيّة (52).
2 – الوقف لا يملكه أحد، فوقف الممتلكات يعني إلغاء الملكيّة وجعل منافعها عامّة (53).
3 – إذا تمّ الوقف بشرائط لا يستطيع الواقف أن يعيد النظر فيه بعد ذلك، فلا يمكنه استثناء شيء منه وإخراجه من الوقف، كما لا يمكنه أن يُدخل فيه ما لم يكن منه (54). وإن كان يمكنه أن ينشئ وقفاً جديداً يضيف فيه ما شاء (55).

ثانياً: تصرّفات ممنوعة

1 – لا يجوز تغيير الوقف من شيء إلى شيء آخر، كتحويل البيت الموقوف إلى دكاّن، أو بالعكس، إلا إذا كان الوقف للانتفاع به ولم يعد من إمكانيّة للانتفاع به بوصفه الحالي، فعندها يجوز تبديله إلى شيء آخر يمكن الاستفادة منه (56).
2 – لا يجوز بيع الأوقاف العامّة كالمساجد والمقابر وغيرها، حتى عند خرابها وعدم إمكانيّة الاستفادة منها، أمّا ما يتعلق بها من فرش وأدوات وأشباه ذلك، فما دام يمكن الانتفاع بها فلا يجوز بيعها، ولو باستخدامها في أمور أخرى غير ما أُعدَّت له، كسجّاد المسجد - مثلاً - إذا أمكن الافتراش به في ذلك المحلّ بقيَ على حاله فيه، ولو فرض استغناء الشخص عن الافتراش لكن يحتاج إلى ستر يقي أهله من الحرّ أو البرد - مثلاً - يمكن جعل السجاد ستراً لذلك المحلّ، وإذا استغنى المسجد عنه تماماً ولم يعد يمكن الاستفادة منه بشكل من الأشكال، بحيث لا يترتّب على بقائه في المسجد سوى التلف والضرر يمكن حينئذٍ نقله إلى مكان آخر مماثل، أي يُنقل إلى مسجد بحسب مثالنا. وإذا لم يعد يمكن الاستفادة منه في أيّ مسجد جُعلَ في المصالح العامّة الأخرى كالحسينيات - مثلاً - وإذا لم يعد يمكن الاستفادة منه في أيّ مكان ولم يعد يمكن الاستفادة منه إلا ببيعه يمكن حينئذٍ بيعه وصرف ثمنه في ذلك المحلّ (57).
– بالنسبة للإجارة، فلا تجوز إجارة الأوقاف التي تمّ وقفها لاستعمالها من قبل الموقوف عليهم كالبيت الموقوف ليسكنه زوار العتبات المقدّسة، فإنّه لا تجوز إجارته (58).
وأما إذا وُقفت لتكون منفعتها في مصلحة الموقوف عليهم، فإنّ الإجارة هي من طرق الانتفاع أيضاً ويكون الوقف شاملاً لها. فلا إشكال في جواز الإجارة في مثل هذه الحالة. سواءً كان الوقف عامّاً أو خاصّاً (59).

ثالثاً الاستفادة من الوقف

1 – لو أجّر منزلاً أو دكّاناً لمستأجر، ثمّ وقفه بعد ذلك، فإنّ الوقف يصحّ، ويبقى المكان بيد المستأجر بحسب عقد الإيجار، ويبقى المالك الأصليّ يستوفي الإيجار إلى تمام المدّة، ثمّ تتحوّل بعد ذلك منفعته للموقوف عليهم. ولو فُرض أنّ المستأجر ترك المكان قبل انتهاء مدّة عقد الإيجار لسبب من الأسباب، بقيت المنفعة لصالح المالك الأصلي إلى انتهاء المدّة الأصليّة للإيجار (60).
2 – إذا وقف أشجاراً، وكان فيها ثمر موجود حين الوقف، فإنّ هذا الثمر يبقى على ملك الواقف، والثمر الحادث بعد ذلك يوزع على الموقوف عليهم، وكذلك إذا أوقف حيواناً وكان حاملاً فإنّ هذا الحمل يبقى على ملك المالك (61).
3 - ولو وقف داراً على أولاده أو على المحتاجين منهم، فإذا لم يحدّد وجهة الاستفادة من الوقف، فهو وقف لكلّ ما فيه مصلحتهم، فيمكنهم الاستفادة منه بالشكل المناسب حتّى ولو بالإجارة ويوزّع بدل الإيجار عليهم، ويقتسمون المال بالسويّة إلا إذا حدّد الواقف نسبة معيّنة عند الوقف، فيقسمونها بحسب تحديدها. وإنْ وقفها عليهم لسكناهم، فيتعيّن عليهم الاستفادة منها بالسكن فيها فقط ولا تصحّ إجارتها، وإذا كانت واسعة كافية للجميع، فلهم جميعاً أن يسكنوها، ويتمّ تقسيم السكن بحسب ما نصّ الوقف إذا كان فيه نصّ بذلك، وإذا لم يكن هناك نصّ بتقسيم السكن وكان هناك متولًٍّ للوقف، فللمتولّي القسمة بينهم، وإذا لم يكن هناك متولٍّ للوقف، يلجأون للقرعة ويتمّ التقسيم على أساسها.
وإن لم تكفِ لسكنى الجميع فإنّ تصالحوا واتفقوا فالصلح والإتفاق يكفي، وإن لم يتوافقوا على شيء كان المتَّبع نظر المتولّي من قبل الواقف لتعيين الساكن، وإذا لم يكن هناك متولٍّ استعانوا بالقرعة، فمن خرج اسمه يسكن، وليس لمن لم يسكن مطالبته بأجرة حصته (62).

مصرف منافع الوقف

1 – إذا كان الأفراد الموقوف عليهم معدودين، كما لو وقف على فقراء قرية، توزّع منافع الوقف على الجميع.
2 - إذا كان الأفراد الموقوف عليهم غير محصورين بعدد لم يجب الإيصال إلى الجميع، ويكتفي بالإيصال إلى مجموعة تتناسب مع مقدار المنفعة التي يريد توزيعها (63).
3 - لو كان للوقف منافع متجدّدة وثمرات متنوّعة، يملك الموقوف عليهم جميعاً هذه المنافع، ففي الشجر والنخل يملكون ثمرهما ومنفعة الاستظلال بهما والسعف والأغصان والأوراق اليابسة، وفروخهما وغير ذلك. إلا إذا خصّص الواقف عند الوقف بعض المنافع دون البعض الآخر (64).
4 - ما وقف لمصلحة المسجد، فمع عدم تعيين جهة خاصة للاستفادة من الوقف يُصرف في منافع المسجد من تعميره وضوئه وفرشه وخادمه (65)...
5 - ما وقف لمصلحة مقام، يُصرف في تعميره وضوئه وخدّامه المواظبين على بعض الأشغال اللازمة المتعلّقة به (66).
6 - ما وقف على سيّد الشهداء عليه السلام يُصرف في إقامة تعزيته من أجرة القارئ وما يتعارف صرفه في المجلس للمستمعين وغيرهم (67).
7 - ما وقف بعنوان "في سبيل الله" يُصرف في كلّ ما يكون وصلة إلى الثواب، وكذلك لو وقف في وجوه البرّ (68).
8 - ما وقف على أرحامه أو أقاربه يُصرف على كلّ من يصدق عليه عرفاً هذا العنوان. ولو وُقف على الأقرب فالأقرب كان الترتيب بحسب طبقات الإرث (69).
9 - ما وقف على أولاده اشترك الذكر والأنثى ويقسم بينهم على السواء للذكر مثل نصيب الأنثى (70).
10 - ما وقف على العلماء كان المقصود منه علماء الدين، فلا يشمل غيرهم كعلماء الطبّ والنجوم ... (71).
11 - ما وقف على أهل مشهد كالنجف مثلاً اختصّ بالمتوطّنين والمجاورين، ولا يشمل الزوّار والمتردّدين (72).

حكم مجهول المصرف

إذا كان هناك وقف، ولكن لم يُعلم على أيّ شيء تم وقفه، وبالتالي مَن هو المستفيد من هذه المنافع، فأين يضع منافع الوقف؟

يختلف الحكم بحسب حالات الوقف التالية:

الحالة الأولى: إذا فُرض أنّ هناك شيئاً مؤكّداً ومتيقّناً أنّه مورد للصرف، كما إذا لم يُدرَ أنّه وقف على الفقراء أو الزوّار فيقتصر على الشيء المؤكّد بالصرف فيعطى الفقراء من الزوار، ولا يعطى الفقراء غير الزوار، ولا الزوار الأغنياء.
الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك شيء مؤكّد للصرف، ولكن كان هناك تأكُّدٌ أنّ المصرف هو أحد أمورٍ محدّدة ومحصورة، كما إذا لم يُدرَ أنّه وقف على المسجد الفلانيّ أو على الحسينيّة أو فقراء هذا البلد، ففي مثل هذه الحالة يُلجأ إلى القرعة ويُقترَع بين هذه الأشياء ويُعمل بناءً على هذه القرعة.
الحالة الثالثة: إذا كان الشكّ في المصرف بين عناوين وأشخاص كثيرين غير محصورين، كما لو عُلم أنه وقف على ذريّة أحد أفراد البلد الفلانيّ، ففي مثل هذه الحالة لا نلجأ إلى القرعة لأنّ الأفراد كثيرون جدّاً في البلد ويخرجون عن إطار الحصر. ففي مثل هذه الحالة تصبح منافع الوقف بحكم مجهول المالك، فيُتصدّق بها بإذن الحاكم على الأحوط.
الحالة الرابعة: إذا كان الشكّ في المصرف ليس بين أشخاص بل بين جهات غير محصورة، فمن المحتمل أن يكون المسجد أو الحسينيّة أو مجلس سيّد الشهداء أو الطريق ... ففي مثل هذه الحالة تُصرف المنافع في ما يشاءه من وجوه البرّ في هذه الجهات المحتملة (73).

حكم الوقف إذا خرب أو تضرّر

1- لو خرب الوقف وانهدم بشكل تامّ، فإن أمكن تعميره ولو بصرف بدل إجارته ونحوها لزم ذلك على الأحوط، وإن لم يمكن تعميره بهذا الشكل، فالأحوَط أن تُجعل بحسب وضعها الآن وقفاً أيضاً وتُصرَف بحسب ما كان مقرّراً في الوقف الأساسيّ قبل خرابه (74).
2- إذا تضرّر الوقف ولم يُهدم ويُخرب كليّاً وإنّما احتاج إلى الترميم والإصلاح للمحافظة عليه والاستفادة منه بالشكل المطلوب، فإن كان الواقف من الأساس عيّن نسبةً أو مبلغاً معيناً ليُصرف في إصلاحه وترميمه يُستفاد من هذا المال، وإن لم يكن عيّن شيئاً من ذلك يُصرف من محاصيله وفوائده لذلك. وهذا الصرف في الترميم مقدَّم على الصرف على الموقوف عليهم، ولو لم يمكن ترميمه إلا من خلال بيع جزء منه لإصلاح الباقي بثمن هذا الجزء، يجوز ذلك ويبيع هذا الجزء ليصلح ويرمم الباقي (75).
3- لو احتاج الوقف إلى الترميم والإصلاح ولم يتوفّر المال ليصرف فيه يجوز للمتولّي أن يقترض مالاً ليرمّم به قاصداً أداء هذا القرض بعد ذلك ممّا ينتجه الوقف، فيقترض متولّي البستان مثلاً لتعميره بقصد أن يؤدّي دينه من عائداته، ومتولّي المسجد أو المشهد أو المقبرة ونحوها بقصد أن يؤدّيه من عائدات موقوفاتها، بل يجوز أن يصرف في ذلك من ماله بقصد القرض ثمّ يستوفي القرض لنفسه ممّا ذُكر، ولو اقترض له وصرفه من دون أن يقصد الأداء من الوقف نفسه، لا يستطيع أن يؤدّيه من مال الوقف بعد ذلك (76).

متى يجوز بيع الوقف؟

الأوقاف الخاصّة كالوقف على الأولاد، والأوقاف العامّة التي كانت على العناوين العامّة كالفقراء لا يجوز بيعها ونقلها بأحد النواقل إلا في حالات استثنائيّة، وهي:
الأولى : إذا خربت بحيث لا يمكن إعادتها إلى حالها الأولى، ولا الاستفادة منها إلا ببيعها والاستفادة من ثمنها، فمثل هذه تُباع ويُشترى بثمنها ما ينتفع به الموقوف عليهم، ويُراعى شراء ما هو أقرب للعين الموقوفة.
الثانية: إذا أصبحت غير مؤهّلة للاستفادة منها بسبب الخراب أو غيره، مع عدم إمكانيّة إعادتها للاستفادة، كما إذا انهدمت الدار، فلو بيعت يمكن أن يُشترى بثمنها دار أخرى أو ملك آخر تساوي منفعته منفعة الدار أو تقرب منها أو تكون لها منفعة معقولة - بالحدّ الأدنى -، وأمّا إذا كان الثمن المقبوض على تقدير بيعها لا يشتري شيئاً ذا منفعة معقولة لم يجز بيعها وتبقى على حالها .
الثالثة: إذا اشترط الواقف في وقفه أن يباع عند حدوث أمر مثل قلّة المنفعة، أو كثرة المصاريف والضرائب، أو وقوع الخلاف بين المستفيدين أو أيّ أمر آخر... فلا مانع من بيعه عند حدوث ذلك الأمر.
الرابعة : إذا وقع بين أصحاب الوقف اختلاف شديد لا يُؤمَن معه من تلف الأموال وزهق النفوس ولا تنتهي المشكلة إلا ببيعه، فيباع ويقسم ثمنه بينهم، ولو فُرض أنّه يرتفع الاختلاف ببيعه وصرف الثمن في شراء شيء آخر يجب ذلك (77).
المصادر :
1- الضحی: 5 - 7. / -الأمالي - الشيخ الصدوق - ص270.
2- الكافي - الشيخ الكليني - ج7 - ص 65.
3- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 ص70 – المسألة 34 .
4- م . ن. ص 63 – المسألة 5.
5- وهو المسمّى بالمعاطاة.
6- الإمام الخامنائي دام ظله : مجرد جمع المال لشراء لوازم الحسينيّات لا يعتبر وقفاٍ،ولكن بعد شراء لوازم الحسينيّة به ووضعها للاستفادة منها في الحسينيات يحصل الوقف المعاطاتي، ولا حاجة لاجراء صيغة الوقف.
7- تحرير الوسيلة – الإمام روح الله الخميني - ج2- ص63 - المسألة 3 .
8- م . ن. ص 63 – المسألة 4 .
9- م . ن. ص 63 – المسألة 6.
10- م . ن. ص 64 – المسألة 7 .
11- م . ن. ص 65 – المسألة 13 .
12- م . ن. ص 65 – المسألة 14 .
13- م . ن. ص 65 – المسألة 15.
14- م . ن. ص 65 – المسألة 16.
15- م . ن. ص 67 – المسألة 22.
16- م . ن. ص 67 – المسألة 23.
17- م . ن. ص 68 – المسألة 28.
18- م . ن. ص 68 – المسألة 28.
19- م . ن. ص 67 – المسألة 24.
20- م . ن. ص 67 – المسألة 24.
21- م . ن. ص 67 – المسألة 25.
22- م . ن. ص 67 – المسألة 26.
23- م . ن. ص 67 – المسألة 21.
24- الإمام الخامنائي دام ظله : المسجد من الأوقاف العامّة، ولا يقبل التخصيص بجماعة أو بطائفة أو قبيلة في الوقف للمسجديّة، وأمّا في مقام التسمية فلا مانع من إضافته إلى شخص أو أشخاص بمناسبة ما، ولكن لا ينبغي للمومنين المشاركين في بناء المسجد التسامح في ذلك.
25- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني- ج2 ص 75 – المسألة 63.
26- م . ن. ص 85– المسألة 92.
27- م . ن. ص 85– المسألة 94.
28- م . ن. ص 86– المسألة 96.
29- م . ن. ص 86– المسألة 97.
30- الإمام الخامنائي دام ظله : إذا كان الواقف مكرهاً على الوقف فلا يصح وقفه ما لم تلحقه إجازته، على إشكال في كفاية الإجازة اللاحقة في صحّته.
31- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2- ص 69 – المسألة 29.
32- م . ن. ص 69 – المسألة 30.
33- الإمام الخامنائي دام ظله : يشترط في صحّة الوقف سبق الملكيّة الشرعيّة الخاصّة للواقف، فلا يصح لأحد أن يوقف ما ليس بمملوك له شرعاً كالغابات والمواقع الطبيعيّة التي هي من الأنفال والأموال العامّة
34- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني -ج2 ص 69 – المسألة 31.
35- م . ن. ص 71 – المسألة 37.
36- الإمام الخامنائي دام ظله : لو ثبت أنّ الجهة التي وقف الملك لأجلها هي جهة حرام، ومن مصاديق الإعانة على الإثم والعصيان، فمثل هذا الوقف باطل، ولا تصحّ الاستفادة من تلك الأموال في الجهة المحرمّة شرعاً. /-راجع تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني -ج2 ص 71 – المسألة 39.
37- م . ن. ص 71 – المسألة 38./-الإمام الخامنائي دام ظله : يصحّ الوقف من غير المسلم من أهل الكتاب وغيره فيما يصحّ من المسلم، ويجب على المتولّي العمل على شرائط الواقف، وليس لهم إهمالها ولا التعدّي عنها.
38- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 - ص 82 – المسألة 78.
39- -الإمام الخامنائي دام ظله : ولو حدث فيما بينهم التشاحّ والاختلاف، وجب عليهم الرجوع في ذلك إلى الحاكم الشرعيّ لإلزامهم على الاجتماع. وليس لأحدهما أن يعزل الآخر ما لم يُجعل له ذلك في نصبه متولّياً. /-راجع تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 - ص 83 – المسألة 82.
40- م . ن. ص 84 – المسألة 87.
41- 5 م . ن. ص 84 – المسألة 88.
42- الإمام الخامنائي دام ظله : إذا ادّعى بعض المتولّين على البعض الآخر بالخيانة وجب عليهم رفع أمر من اتّهموه إلى الحاكم الشرعيّ.
43- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 - ص 82 – المسألة 80.
44- م . ن. ص 82 – المسألة 80.
45- الإمام الخامنائي دام ظله : ليس المتولّي الموقوفة جعل ما يتنافى مع مقتضى الوقف، ولا يجوز شرعاً العمل به.
46- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 ص 82 – المسألة 83.
47- م . ن. ص 82 – المسألة 83.
48- -الإمام الخامنائي دام ظله : لا يحقّ لمن لا تتوفّر فيه الشروط تصدّي التولية، ولا معارضة الواجد للشروط.
49- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 ص 82 – المسألة 83.
50- م . ن. ص 82 – المسألة 83.
51- م . ن. ص 84 – المسألة 86. /-الإمام الخامنائي دام ظله : لا يجوز لناظر الوقف بعد قبول النظارة عزل نفسه بنفسه من النظارة عليه، كما لا يجوز ذلك لمتولّي الوقف.
52- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 - ص 66 – المسألة 17.
53- م . ن. ص 77 – المسألة 67.
54- م . ن. ص 74 – المسألة 59.
55- الإمام الخامنائي دام ظله: لا يجوز للواقف ولا للمتولّي تغيير وتبديل الوقف بعد فرض تحقّقه ونفوذه شرعاً بتحققّ القبض، ولا تغيير بعض شروطه ولا إضافة شروط إليه، ولا تزول الوقفيّة بتغيير الوقف عن حالته السابقة.
56- تحرير الوسيلة - الإمام روح الله الخميني - ج2 ص 78 – المسألة 68.
57- م . ن. ص 78 – المسألة 71.
58- م . ن. ص 78 – المسألة 72.
59- م . ن. ص 78 – المسألة 74.
60- م . ن. ص 68 – المسألة 27.
61- م . ن. ص 76 – المسألة 65.
62- م . ن. ص 77 – المسألة 64.
63- م . ن. ص 71 – المسألة 41.
64- م . ن. ص 77 – المسألة 61.
65- م . ن. ص 74 – المسألة 56.
66- م . ن. ص 74 – المسألة 57.
67- م . ن. ص 74 – المسألة 58.
68- م . ن. ص 72 – المسألة 44.
69- م . ن. ص 72 – المسألة 45.
70- م . ن. ص 72 – المسألة 46.
71- م . ن. ص 73 – المسألة 53.
72- م . ن. ص 74 – المسألة 54.
73- تحرير الوسيلة- الإمام روح الله الخميني - ج2 ص 74 – المسألة 60.
74- م . ن. ص 78– المسألة 69.
75- م . ن. ص 78– المسألة 70.
76- 2 م . ن. ص 85– المسألة 91.
77- م . ن. ص 80 – المسألة 73.