السيدة زينب في الكوفة

 






 

غادرت السيدة زينب كربلاء بعد ظهر اليوم الحادي عشر من المحرم مثقلة بما لا تتحمله الجبال الرواسي من الهموم والأحزان ، فلأول مرة في حياتها تسافر دون أن يحيط بها رجالات أسرتها وحماة خدرها ، وهي قد رزئت بأفجع مصيبة يمكن أن تحل بانسان ، حيث فقدت أكثر من سبعة عشر بطلاً من أهلها ما على وجه الأرض لهم شبيه ، اضافة الى حوالي السبعين من أنصارهم والمدافعين عنهم ، وشاهدت السيدة زينب مصارعهم على بوغاء كربلاء بتلك الصورة الفظيعة . .
وكانت الأربع والعشرون ساعة التي سبقت سفرها الى الكوفة من أصعب واشد الساعات التي مرت عليها في حياتها ، حيث أحرق الظالمون خيامها ، وهجموا عليها مع باقي نساء ويتامى عشيرتها ، وسلبوا كل ما لديهن من الحلي والحلل . .
ودخلت السيدة زينب الكوفة صباح اليوم الثاني عشر من المحرم تحيط بها كل تلك الهموم والآلام ، وتثقل كاهلها تلك المصائب والأحزان . . .
من جهة أخرى فقد خطط حاكم الكوفة عبيدالله بن زياد للاستفادة من وصول سبايا الامام الحسين عليه السلام في اظهار قوة السلطة وتصميمها على سحق أي محاولة تمرد أو معارضة ، وأن يجعل من قدوم السبايا تظاهرة لإدانة تحرك الامام الحسين وثورته ، وللإحتفاء بانتصاره الزائف على ثورة الحق والعدل . . .
في غمرة هذه الأجواء دخلت السيدة زينب الكوفة مع السبايا على جمال غير مهيأة لإراحة راكبيها ، وفي حال مأساوي فظيع . . .
وللسيدة زينب في الكوفة تاريخ وذكريات ، فقد كانت سيدة الكوفة أيام خلافة أبيها أمير المؤمنين علي عليه السلام قبل عشرين سنة من دخولها الآن . . فلابد وأن تستعيد في نفسها صور تلك الأيام ، وأن تثور في قلبها ومخيلتها الذكريات . . ففي تلك المحلة كانت تقيم ، وذاك محراب أبيها علي ومنبره في مسجد الكوفة . . وهذه الأزقة التي كان يسلكها أبوها علي . . وهذا باب دارها الذي كان يقصده السائلون والمحتاجون . .
وتتوالى الصور والذكريات في مخيلة السيدة زينب ، ولعلها تتمنى وترغب في أن تسرح بفكرها وتسترسل بمشاعرها مع تلك الصور والذكريات العزيزة ، لكن سياط الواقع الأليم تنتزعها من تلك الذكريات انتزاعاً . .
عن حذلم بن كثير قال : قدمت الكوفة سنة 61 هـ عند مجيء علي بن الحسين من كربلاء الى الكوفة ومعه النسوة ، وقد أحاط بهم الجنود ، وقد خرج الناس للنظر اليهم ، وكانوا على جمال بغير وطاء ، فجعلن نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن . .
ورأيت علي بن الحسين قد أنهكته العلة ، وفي عنقه الجامعة ، ويده مغلولة الى عنقه ، وهو يقول بصوت ضعيف : إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا ؟ ! .
قال حذلم بن كثير : ورأيت زينب بنت علي ، ولم أر خفرة أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين ، وقد أومأت الى الناس أن أسكتوا ، فارتدت الأنفاس ، وسكنت الأصوات ، فقالت :
ـ الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار . .
أما بعد : يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر .
أتبكون ؟ فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة . .
إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا . .
تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم . .
ألا وهل فيكم الا الصلف والنطف ، والكذب والشنف ، وملق الأماء وغمز الأعداء . .
أو كمرعى على دمنة ، أو كقصة على ملحودة . .
ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون . .
أتبكون وتنتحبون ؟ ! .
أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً . .
فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً . .
وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ خيرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجتكم ، ألا ساء ما تزرون ! .
وبعداً لكم وسحقاً ، فلقد خاب السعي ، وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ورسوله وضربت عليكم الذلة والمسكنة . .
ويلكم يا أهل الكوفة ! .
أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم ؟ .
وأي كريمة له أبرزتم ؟ .
وأي دم له سفكتم ؟ .
وأي حرمة له انتهكتم ؟ .
لقد جئتم شيئاً إدّا ! تكاد السماوات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر
الجبال هدّا ! ! .
ولقد جئتم بها خرقاء ، شوقاء ، كطلاع الأرض ، وملء السماء ، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ؟ ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون . .
فلا يستخفنكم المهل ، فإنه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثأر ، وإن ربكم لبالمرصاد . .
قال الراوي : فوالله لقد رأيت الناس حيارى يبكون ، قد ردّوا أيديهم في أفواههم ، ورأيت شيخاً واقفاً الى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته بالدموع ، ويده مرفوعة الى السماء وهو يقول : بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونساؤكم خير النساء ، ونسلكم خير النسل ، لا يبور ولا يخزي أبداً . .
فقال لها الامام : علي بن الحسين : « أسكتي يا عمة فأنت بحمد الله عالمة غير معلمة ، وفهمة غير مفهمة » (1)
لكن اسم الراوي الذي نقل عنه الخطاب يختلف من مصدر الى آخر فالشيخ الطبرسي ينقله عن حذيم بن شريك الأسدي ، ويكرر اسمه ثلاث مرات بين فقرات الرواية ، كما ينقل عنه أيضاً خطاب الإمام زين العابدين في الكوفة (2)
وحذيم بن شريك الأسدي ذكره الشيخ الطوسي في ( رجاله ) في أصحاب الحسين ( عليه السلام ) (3)
أما الشيخ النقدي فقد قال : أن الخطبة قد تواترت الروايات عن العلماء وارباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم بن كثير .
وذكر أن حذلم بن كثير من فصحاء العرب . . وقال : إن الجاحظ رواها في كتابه ( البيان والتبين ) عن خزيمة الأسدي (4) أما الشيخ القرشي فقد أثبت الرواية عن « حذلم بن بشير » (5)
ولم يثبت السيد المقرم اسماً للراوي واكتفى بعبارة « يقول الراوي » (6)
وذكر أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في كتابه ( بلاغات النساء ) سند الخطبة كما يلي : « عن سعيد بن محمد الحميري ـ أبو معاذ ـ عن عبدالله بن عبد الرحمن ـ رجل من أهل الشام ـ عن شعبة ، عن حذام الأسدي ، وقال مرة أخرى حذيم قال : قدمت الكوفة » (7) .

آفاق الخطاب

يمثل خطاب السيدة زينب في الكوفة أول تصريح وتعليق على واقعة كربلاء بعد حدوثها يصدر من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وتكمن أهمية الخطاب في أنه موجه للمجتمع المسؤول عن ما حدث بصورة مباشرة وهو المجتمع الكوفي . . والخطاب أيضاً يعتبر الجولة الأولى في معارك السيدة زينب ضد الاجرام والظلم الأموي . .
من هنا لابد من قراءه الخطاب قراءة متأنية واعية ، ونسلط هنا الأضواء على بعض آفاق ذلك الخطاب الهام :
أولاً : تحمل المجتمع الكوفي المسؤلية المباشرة عما حدث للامام الحسين وأهل البيت وعن مصير الثورة المقدسة ، فالكوفيون هم الذين كاتبوا الحسين وألحوا عليه بالقدوم اليهم ، وبايعوا سفيره مسلم بن عقيل ، فكيف خذلوا الامام وتخلوا عنه ، واستسلموا لترهيب ابن زياد وترغيبه ؟
ثم إن الجيش الذي زحف لقتال الامام ، وصنع تلك الجريمة الكبرى ، كان في أغلب قياداته وجنوده من أبناء المجتمع الكوفي . .
وبعد كل ما حدث لماذا يتفرج الكوفيون على نتائج الأحداث ، وهم يرون رأس الامام الحسين ورؤوس أهل بيته مرفوعة على أطراف الرماح تخترق شوارع بلدتهم ، ويشاهدون نساء الحسين وعيالاته أسارى سبايا بين ظهرانيهم ، فلماذا السكوت والخنوع والصمت على كل ما يجري ؟ وماذا ينتظرون لكي تتحرك غيرتهم الدينية وشيمتهم العربية ؟ .
لذلك تنقل الرواية التي ضمنت الخطاب قول الامام زين العابدين ( عليه السلام ) معلقاً على بكاء نساء أهل الكوفة : « إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا » ؟ .
وهذا ما ركزت عليه السيدة زينب في خطابها ، إذ اعتبرت أهل الكوفة مسؤولين بشكل مباشر عن الفاجعة ، ووجهت اليهم أشد التوبيخ والذم . . .
فقالت عنهم : « أهل الختل والغدر » والختل هو الخداع ، والغدر هو الخيانة ونقض العهد ، فأهل الكوفة بدعوتهم الامام للقدوم اليهم وبمبايعتهم له والتزامهم بنصرته ثم التخلي عنه بل والمشاركة في قتاله قد مارسوا أسوأ أنواع الخداع والخيانة ونقض العهد . . واعتبرتهم السيدة زينب نموذجاً وتطبيقاً للمثل المعروف عن المرأة الحمقاء التي كانت تغزل مع جواريها الى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن ، وهذا دأبها كل يوم . . وهو مثل ذكره القرآن الحكيم : ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ) (8) .
وكأن السيدة زينب بقولها : « إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا » تشير الى أن أهل الكوفة قد تكرر في تاريخهم وواقعهم أنهم يقفون الى جانب الحق ويقدمون التضحيات ، لكنهم وفي ذروة الصراع مع أهل الباطل يتراجعون وينسحبون ، ويضيعون بذلك جهودهم وتضحياتهم ومستقبلهم ، حصل ذلك في موقفهم مع الامام علي حيث خاضوا معه معركة الجمل ومعركة صفين ، وحينما لاح فجر النصر لهم بعد تضحياتهم الكبيرة استجابوا لخدعة معاوية برفع المصاحف وطلب التحكيم ، فاغتالوا بذلك انتصارهم وأعطوا الفرصة لعدوهم . . وكرروا ذات الموقف مع الامام الحسن حيث بايعوه والتفوا حوله وزحفوا معه لمواجهة تمرد معاوية لكنهم لما حانت ساعة المواجهة تخاذلوا وهدموا بذلك صرح الشرعية والقيادة الذي بنوه ببيعتهم للامام الحسن . . ومع الامام الحسين مارسوا نفس الطريقة والحالة ، فهم قد بايعوا الامام وأقدموه اليهم ، وكادت الكوفة أن تستعيد دورها القيادي بخضوها لسفير الامام مسلم بن عقيل ، لكنهم في اللحظات الأخيرة والحساسة ، بدّدوا كل تلك الآمال ، واغتالوا مستقبلهم ومستقبل الأمة . . اذاً فهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، وزينب بهذا التمثيل تحاكي ما قاله أبوها من قبل لذات المجتمع حين قال : « أما بعد : يا أهل العراق ، فإنما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلما أتمت أملصت ، ومات قيمها ، وطال تأيمها ، وورثها أبعدها » (9) .
أوليست زينب تفرغ عن لسان أبيها ؟ كما قال الراوي . . وتوجه زينب لهم التهمة بصراحة ووضوح في فقرات عديدة من خطابها : « فلقد ذهبتم بعارها وشنارها » . . « ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم » . . . « لقد جئتم شيئاً إدّاً » ، « ولقد جئتم بها حرقاء شوهاء » . .
ثانياً : التركيز على نقاط ضعف المجتمع الكوفي ومساوئ أخلاقه : فالجريمة لم تنطلق من فراغ ، وإنما هي نتيجة طبيعية لتلك الأخلاقيات المنحرفة . . .
وتنبههم الى أبرز مساوئ أخلاقهم بقولها : « وهل فيكم الا الصلف والنطف ، والكذب والشنف ، وملق الاماء ، وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة ، أو كقصة على ملحودة » .
و « الصلف » : هو التمدح بما ليس في الذات أو فوق ما في الذات اعجاباً وتكبراً (10)
ومن يقرأ رسائل الكوفيين للامام الحسين ، وكلماتهم أثناء مبايعتهم والتفافهم حول سفيره مسلم بن عقيل ، والتي ادعوا فيها اخلاصهم وتفانيهم واستعدادهم للتضحية فداءاً للامام الحسين عليه السلام ، وأكدوا فيها تصميمهم على مقاتلة الأعداء وإلحاق الهزيمة بهم . . ومن يلاحظ حقيقة موقفهم وواقعهم فيما بعد تجاه الامام الحسين ، يرى بوضوح أنهم يتصفون بالصلف كما قالت عنهم السيدة زينب ، وقد سبقها أبوها الامام علي في اكتشاف هذه الصفة السلبية للمجتمع الكوفي في قوله لهم :
ـ « كلامكم يوهي الصم الصلاب ، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء ! تقولون في المجالس كيت وكيت ، فاذا جاء القتال قلتم : حيدي حياد » (11)
ولا غرو فإنها تفرغ عن لسان أبيها . . أما « النطف » فهو التلطخ بالعيب ، أو القذف بالفجور . .
و « الشنف » بالتحريك البغض والتنكر . .
وتشير السيدة زينب الى ابتلائهم بمرض التملق المفرط « ملق الاماء » فالأمة التي لا حول لها ولا قوة تجد نفسها مضطرة الى إبداء أعلى درجة من الخضوع والطاعة والانقياد لسيدها ، وتبالغ في جلب ودّه ورضاه ، والمجتمع الكوفي كان كذلك في تعامله مع السلطة المهيمنة عليه آنذاك . .
و « الغمز » الطعن بالشر . .
« كمرعى على دمنة أو كقصة على ملحودة » تشير بذلك الى حالة الازدواجية التي كان يعاني منها المجتمع الكوفي ، فظاهره حسن يغري بينما ما تنطوي عليه النفوس سيء خبيث ، وتشبههم بالزرع الأخضر في مكان أوساخ الحيوانات وفضلاتها « مرعى على دمنة » ، وبالقبر المجصص ظاهره بالجص الجميل المنظر ، ولكن ماذا في حفره القبر غير الرفاة المتفسخة لجسد الميت « كقصة على ملحودة» . .
ويعلق السيد المقرم على هذه الفقرة بقوله :
والذي أراه أن النكتة في هذه الأستعارة : ان القصة بلغة الحجاز الجص ، والملحودة القبر لكونه ذا لحد ، فكأن القبر يتزين ظاهره بياض الجص ولكن داخله جيفة قذرة ، وأهل الكوفة وإن تزين ظاهرهم بالإسلام ، الا أن قلوبهم كجيف الموتى بسبب قيامهم بأعمال الجاهلية الوخيمة العاقبة من الغدر وعدم الثبات على المبادىء الصحيحة ، وقد أنفردت « متممة الدعوة الحسينية » بهذه النكات البديعة
التي لم يسبقها مهرة البلغاء اليها ، لأنها ارتضعت در « الصديقة الكبرى » التي أخرست الفصحاء بخطابها المرتجل (12)
ثالثاً : توضيح أبعاد الفاجعة : فما حدث في كربلاء لم يكن أمراً سهلاً ، وليس شيئاً عادياً بسيطاً ، إنه كارثة مروعة ، وفجيعة عظمى ، وجريمة نكراء .
والسلطة الحاكمة قد تحاول تبسيط ما حدث ، فهو تمرد على النظام اضطر الجيش الى قمعه ليس إلا ! ! .
لكن السيدة زينب في خطابها أوضحت للناس الأبعاد الحقيقية لما حدث حين قالت : « فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها ابداً » .
فالفظائع التي ارتكبت في كربلاء بحق أهل البيت تمثل جريمة نكراء تسود وجوه وتاريخ أصحابها بالعار والشنار وهو أقبح العيب ، ولا يمكن ازالة وتطهير آثار تلك الجريمة أبداً .
ثم تخاطبهم قائلة :
ويلكم يا أهل الكوفة ! أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم » .
فبالمقياس الديني أنهم قد اعتدوا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فالحسين سبطه وحبيبه والعزيز على قلبه ، وعيال الحسين وثقله ، هم حرمة رسول الله . . فكيف يسمحون لأنفسهم كمسلمين أن يقترفوا ذلك ؟ .
إنها جريمة في مستوى الشرك بالله ( سبحانه ) لذلك تصفها السيدة زينب بما وصف به القرآن شرك الكافرين وادعاهم أن لله ولداً : (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً * لقد جئتم شيئاً إدّاً )(13)
كما تشير السيدة زينب الى أنهم مارسوا الجريمة بأكبر قدر من الحقد والبشاعة : « ولقد جئتم بها خرقاء وشوهاء » .
وتثبت السيدة زينب في خطابها قضية تداولت نقلها بعض المصادر من أن السماء أمطرت دماً يوم متقل الحسين ، وحينما تقول ذلك السيدة زينب يصبح أخباراً حقيقياً صادقاً ، وهي بذلك تذكر من قد يكون غافلاً عن الربط بين القضيتين أي قتل الحسين ، وإمطار السماء دماً ، كما تخلد هذا الحادث للتاريخ والأجيال .
رابعاً : منزلة الحسين ومقامه : لابد وأن الإعلام الأموي سيسعى جاهداً للتقليل من شأن الحسين والأفتراء على شخصيته ، كما حصل لأبيه الإمام علي ، لذلك ركزت السيدة زينب في خطابها على التأكيد على منزلة الحسين ومقامه فهو : « سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شاب أهل الجنة » .
خامساً : الأنذار بالأنتقام : فعدالة الله ( تعالى ) تأبى أن تمر تلك الجريمة النكراء دون عقاب يتناسب مع خطورتها لكن العقاب قد لا يأتي فورياً « فلا يستخفنكم المهل فانه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثأر وإن ربكم لبالمرصاد » .
وكان الإنتقام الالهي من قتلة الحسين ومن المجتمع المتواطئ معهم شديداً وقوياً ، حيث لم يعرف ذلك المجتمع بعدها أمناً ولا استقراراً .

في مواجهة ابن زياد

امعاناً منه اذلال سبايا أهل البيت ، استجابة لأحقاده الكامنة ضد آل الرسول ، ولاستعراض القوة ، وتمكين الرعب في قلوب الناس . . فقد عقد في قصره ومجلس حكمه مهرجاناً ضخماً أحضر فيه رجالات جيشه وقادة عسكره وزعماء الكوفة الملتفين حوله ، وأمر باحضار رأس الحسين بين يديه ، وادخال السبايا عليه .
وجلس ابن زياد على أريكة حكمه الجائر منتشياً بانتصاره الزائف ، وبيده عصاة يعبث بها في رأس الحسين ، وينكث بين شفتيه .
فلما رآه يزيد بن ارقم لا ينجم عن نكته بالقضيب ، قال له :
اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فوالذي لا آله غيره ، لقد رأيت شفتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على هاتين الشفتين يقبلهما ! ! ثم انفضخ الشيخ يبكي ، فقال له ابن زياد :
أبكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك ! ! .
قال : فنهض فخرج ، فلما خرج سمعت الناس يقولون : والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله ! .
قال : فقلت : ما قال ؟ .
قالوا : مرّ بنا وهو يقول : « ملك عبدٌ عُبدا ، فاتخذهم تلدا ، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل ، فبُعداً لمن رضي بالذل » (14)
وأدخلت السبايا عليه وكن في حالة يرثى لها من الأرهاق والعناء والألم ، وكانت في الطليعة زينب وهي تلبس أرذل الثياب ، وقد تنكرت وانحازت الى ناحية من المجلس تحف بها النساء المسبيات .
وابن زياد يعلم مكانة السيدة زينب في البيت العلوي ، لذلك اراد ان يصوب اليها بسهام الشماتة ، وأن يتلذذ باذلالها في مجلسه وأمام الملأ .
فالتفت نحوها قائلاً : من هذه الجالسة ؟ .
فلم تكلمه استهانة به ، واحتقاراً لشأنه .
وأعاد السؤال مرة ثانية وثالثة دون أن يظفر منها بجواب ، الا أن احدى السيدات المسبيات انبرت اليه مجيبة .
هذه زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله .
وانفعل ابن زياد مع ترفع السيدة زينب عن اجابته واندفع يخاطبها غاضباً متشمتاً : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم ! ! .
ومع أن السيدة زينب كانت تحبذ التسامي والتعالي على حقارة ابن زياد ، وأن لا تدخل معه في حديث استهانة به . . الا أن الموقف كان يتطلب من السيدة زينب ممارسة دورها الرسالي في الدفاع عن ثورة أخيها الحسين ، وتأكيد موقعية أهل بيتها العظيمة في الأمة ، وتمزيق هالة السلطة والقوة التي أحاط بها ابن زياد نفسه ، لذلك بادرت الى الرد عليه قائلة :
« الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد ، وطهرنا من الرجس تطهيراً إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا يا ابن مرجانة » .
وما كان ابن زياد يتوقع هذا الرد الشجاع القوي من امرأة تعيش أفظع مأساة ، وأسوأ حال ، فأراد أن يلفتها الى مأساتها ومصيبتها حتى تفقد جرأتها وتنهار معنوياتها ، فقال لها متشفياً :
فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ .
لكن العقيلة أفشلت محاولته وانطلقت تجيبه بكل بسالة وصمود :
« ما رأيت الا جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجهم وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانه ! ! » .
إنه لموقف ايماني بطولي عظيم يندر أن يحتفظ تاريخ البشرية بمثيل له : لقد تجاوزت السيدة زينب بارادتها وبصيرتها النافذة كل ما أحاط بها من الآم الماساة ، ومظاهر قوة العدو الظالم ، ولم تبال بجبروته وعساكره ، بل جابهته بالتحدي وجهاً لوجه أمام أعوانه وجمهوره ، معلنة أنها لا يساورها أي شعور بالهزيمة والهوان ، فما حدث لأسرتها شيء جميل بمنطق الرسالة التي يحملونها ، والمسألة لا تعدو أن تكون استجابة لأمر الله ( تعالى ) الذي فرض الجهاد ضد الظلم والعدوان ، وهي واثقة أن المعركة بدأت ولم تنته ، ونهايتها الحاسمة يوم القيامة بين يدي الله وهناك سيكون النصر الحقيقي حليفاً لها ولأسرتها الكريمة .
ثم تختم كلامها بالدعاء بالهلاك للطاغية المتجبر أمامها مخاطبة له « ثكلتك أمك يابن مرجانة » .
وكان ردها عليه قاسياً شديداً أسقط هيبته الزائفة في أعين الحاضرين جميعاً ، بل حطم كبرياءه وغروروه ، واستبد به الغضب متوعداً السيدة زينب بالعقوبة والتنكيل . . فتدارك الموقف عمرو بن حريث ليخفف من غلواء غضب ابن زياد
قائلاً :
أصلح الله الأمير إنما هي أمرأة ! وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها ؟ إنها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل ! .
فتراجع ابن زياد عن تهديده بالعقوبة والتنكيل الجسدي مستبدلاً به العقاب النفسي حيث توجه الى السيدة زينب ليلذع قلبها بعبارات الشماتة والتشفي قائلاً :
« لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك ، فأثار بهذا الكلام شجون السيدة زينب ، وأشعل الحزن والألم في قلبها ، ولعها أرادت حينئذٍ استخدام سلاح العاطفة وإعلان المظلومية فأجابته بلوعة وأسى .
« لعمري لقد قتلت كهلي ، وأبدت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن يشفك هذا فقد أشتفيت » .
وشعر ابن زياد بالضعف والصغار أمام منطق العقيلة زينب فغير دفة الحديث قائلاً : هذه سجاعة ، لعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً .
فردته السيدة زينب بقولها : « إن لي عن السجاعة لشغلاً ما للمرأة ما للمرأة والسجاعة » (15)
ونقل السيد المقرم عن الكامل في التاريخ للمبرد: لقد أفصحت زينب بنت علي وهي أسن من حمل الى ابن زياد ، وأبلغت ، وأخذت من الحجة حاجتها . (16)
فقال ابن زياد لها : إن تكوني بلغت من الحجة حاجتك فقد كان أبوك خطيباً شاعراً .
فقالت : ما للنساء والشعر ! .
وكان ابن زياد ألكناً يرتضخ الفارسية (17)

تأثير زينب والسبايا في الكوفة :

كان هدف السلطة الأموية من التشهير بسبايا أهل البيت ارعاب الناس حتى لا يفكر أحد في معارضة السلطة أولاً ، وتعبئة الجمهور ضد الإمام الحسين وثورته ثانياً ، باظهاره خارجياً متمرداً قد شق عصا المسلمين طمعاً في السلطة والحكم .
لكن وجود العارفين بفضل أهل البيت في الأمة ، والحالة المأساوية للسبايا والتي كانت تثير مشاعر التعاطف معهم ، والدور الرسالي الذي قامت به السيدة زينب في الإعلام الصادق للثورة الحسينية وكذلك الإمام زين العابدين وبعض نساء العائلة الحسينية كأم كلثوم وفاطمة بنت الحسين . . كل ذلك أفشل مخطط السلطة بل وجعل آثاره ونتائجه معكوسة ، حيث تأججت روح الثورة والرفض في أوساط الجماهير المسلمة ضد السلطة ، وتعاطف الناس مع أهل البيت ( عليهم السلام ) .
ففي الكوفة ينقل لنا التاريخ بعض الأحداث والمشاهد الرافضة لسياسات السلطة الأموية والمتعاطفة مع أهل البيت على إثر دخول السبايا .
وقد تحدث راوي خطاب السيدة زينب عن تأثير خطابها على الناس ـ كما سبق ـ .
وحينما خطبت السيدة فاطمة بنت الحسين على صغر سنها فقد أثار خطابها مشاعر الناس « فارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب وقالوا : « حسبك يا ابنة الطاهرين فقد حرقت قلوبنا وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا » (18)
وعلى أثر خطاب السيدة أم كلثوم أيضاً : « ضج الناس بالبكاء ونشرن الشعور وخمشن الوجوه ، ولطمن الخدود ، ودعون بالويل والثبور ، ولم ير أكثر باك ولا باكية من ذلك اليوم »(19)
ولما سمع الناس خطاب الإمام علي بن الحسين قالوا بأجمعهم : « نحن يا ابن رسول الله سامعون مطيعون ، حافظون لذمامك ، غير زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فإنا حرب لحربك ، وسلم لسلمك ، نبرأ ممن ظلمك وظلمنا » (20)
وزيد بن أرقم وهو صحابي معروف أعلن احتجاجه واعتراضه على ابن زياد لما رأى عبثه برأس الحسين ( عليه السلام ) ـ كما سبق ـ .
وكان في مجلس ابن زياد رجل من بكر بن وائل يقال له جابر ، آلمه ما حصل لأهل البيت وأذهلته التصرفات الطائشة لابن زياد ، فانتفض معلناً معلناً معارضته ، وهو يقول مخاطباً ابن زياد : « لله عليّ أن لا أصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك الا خرجت معهم » (21)
من أهم مواقف الرفض والمعارضة التي برزت في الكوفة ذلك اليوم ، انتفاضة عبدالله بن عفيف الأزدي الغامدي ، وكان ضريراً ذهبت احدى عينيه يوم الجمل ، والأخرى بصفين مع الإمام أمير المؤمنين وكان لا يفارق المسجد يتعبد فيه .
وعند دخول السبايا الى الكوفة اعتلى عبيدالله بن زياد منبر مسجد الكوفة ليعلن فرحته وانتصاره بمقتل الحسين قائلاً :
« الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه ، وقتل الكذاب ابن الكذاب » الحسين بن علي وشيعته ! .
وحينما طرقت هذه الكلمات الفاجرة مسامع عبدالله بن عفيف ، انفتل من عبادته وصاح بابن زياد من وسط المسجد غاضباً :
ياابن مرجانة الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ، والذي ولاك وابوه ، ياابن مرجانة ، أتقتلون أولاد النبيين ، وتتكلمون بكلام الصديقين ؟ ! .
وطاش لب الطاغية ، فقد كانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأسه فصاح بأعلى صوته : من هذا المتكلم ؟ .
فأجابه ابن عفيف بكل شجاعة وبسالة : أنا المتكلم يا عدو الله أتقتلون الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنهم الرجس ، وتزعم أنك على دين الإسلام ؟ واغوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار ؟ لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين .
فصاح ابن زياد وقد امتلأ غضباً : عليّ به .
فبادرت الجلاوزة لإلقاء القبض عليه ، فنادى بشعار أسرته « يا مبرور » وكان في المجلس سبعمائة رجل من الأزد ، وثبوا اليه وأنقذوه من أيدي الجلاوزة ، ثم حصلت مناوشات بين جنود ابن زياد وأسرة عبدالله بن عفيف انتهت بإلقاء القبض عليه ، وأمر ابن زياد بقتله وصلبه (22)
وأشار الطبري الى مواقف مشابهة لموقف ابن عفيف ، قال : وثب اليه عبدالله بن عفيف الأزدي ، ثم الغامدي ، ثم أحد بني والبة (23)
وحتى عائلة ابن زياد واسرته ظهرت في اوساطهم أصوات ومواقف رافضة لقتل أهل البيت ، حيث ينقل عن أم عبيدالله بن زياد وهي مرجانة أنها سخطت عليه ووبخته قائلة : يا خبيث قتلت ابن رسول الله لا رايت وجه الله أبداً (24)
وأخوه عثمان بن زياد أيضاً أعلن رفضه وانكاره لما حصل وخاطب أخاه عبيدالله بن زياد معنفاً .
والله لوددت أنه ليس من بني زياد الا وفي أنفه خزامة الى يوم القيامة وان الحسين لم يقتل (25)
المصادر :
1- اعتمدنا في نقل النص على المصادر التالية : أ ـ ( الاحتجاج ) للطبرسي ص 303 . ب ـ ( حياة الإمام الحسين ) للقرشي ج 3 ص 334 . جـ ـ ( مقتل الحسين ) للمقرم ص 311 . د ـ ( زينب الكبرى ) للنقدي ص 48 .
2- الاحتجاج / الطبرسي ج 1 ص 303 ـ 305 .
3- أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين ج 4 ص 606 .
4- زينب الكبرى / النقدي ص 49 ـ 50 .
5- حياة الإمام الحسين / القرشي ج 3 ص 334 .
6- مقتل الحسين / المقرم ص 334 .
7- بلاغات النساء / ابن طيفور ص 23 .
8- سورة النحل آية 92 .
9- نهج البلاغة / الإمام علي الخطبة رقم : 71 .
10- المنجد في اللغة .
11- نهج البلاغة / الإمام علي الخطبة رقم : 29 .
12- مقتل الحسين المقرم ص 312 .
13- سورة مريم آية 88 ـ 89 .
14- تاريخ الأمم والملوك / الطبري ج 6 ص 262 .
15- تاريخ الأمم والملوك / الطبري ج 6 ص 262 ـ 263 . و ( الكامل في التاريخ ) ابن الأثير ج 4 ص 81 و ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ص 343 .
16- ونقل السيد المقرم عن ( الكامل في التاريخ ) للمبرد ( ج 3 ص 145 ) طبع سنة : 1347 هـ قوله
17- مقتل الحسين / المقرم ص 325 .
18- المصدر السابق ص 315 .
19- المصدر السابق ص 316 .
20- المصدر السابق ص 317 .
21- حياة الإمام الحسين / القرشي ج 3 ص 343 ، نقلاً عن ( مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ) ص 98 .
22- تاريخ الأمم والملوك / الطبري ج 6 ص 263 . ( حياة الإمام الحسين ) القرشي ج 3 ص 348 .
23- تاريخ الأمم والملوك / الطبري ج 6 ص 263 .
24- حياة الإمام الحسين / القرشي ج 3 ص 358 نقلاً عن عدة مصادر .
25- تاريخ الأمم والملوك / الطبري ج 6 ص 268 .