ضرورة الوحدة الإسلامية

 






 

ان المستعمرين والحكام المستبدين وطالبي الجاه قد قسموا الوطن الإسلامي، وفصلوا الامة عن بعضها، وجعلوها شعوباً متفرقة، كما قام المستعمرون بتقسيم الدولة العثمانية الكبرى في زمانها. فقد اتحدت روسيا وانكلترا والنمسا وسائر الدول الاستعمارية، ودخلوا معها في حروب، ومن ثم احتلت كل دولة منهم قسماً من مناطقها - بدأ انحطاط الامبراطورية العثمانية منذ أوائل القرن التاسع عشر، ففي حرب الاتحاد البلقاني الذي انتهى بمعاهدة لندن (سنة 1913م) فقدت هذه الدولة جميع ممتلكاتها الأوربية تقريبا مع بحر ايجه. وأثناء الحرب العالمية الأولى، ومع صدور اتفاق لوزان (1932م) خرجت البلاد العربية: العراق وسورية وما يسمى اليوم بالسعودية والاردن وفلسطين من تحت سيطرتها، وصارت تحت اشراف الدول الأوربية. وبعد ذلك استقلت المناطق التركية، وانحصرت بتركية الحالية.لا سبيل لدينا ـ لتحقيق وحدة امتنا الإسلامية، واخراج وطننا الإسلامي وتحريرة من تحت سيطرة ونفوذ المستعمرين، والدول العميلة له ـ سوى بتأسيس دولة. اذ لكي نحقق الوحدة والحرية للشعوب الإسلامية يجب إسقاط الحكومات الظالمة والعميلة، ومن ثم إقامة الحكومة الإسلامية العادلة التي تكون في خدمة الناس. ولئن كان حكام الدولة العثمانية لا يتمتعون باللياقة المطلوبة، وبعضهم كان فاسداً، وكان نظامهم نظام سلطنة، لكن كان لايزال خطر ظهور اشخاص صالحين من بين الشعب قائماً بالنسبة للمستعمرين، لأنه ربما قام هؤلاء باستلام الحكم بمساعدة من الناس، وقضوا على وجود الاستعمار. لذا قاموا بتقسيمها في الحرب العالمية الأولى، وبعد حروب متعددة، حيث تحولت المناطق التي كانت تحكمها إلى دول صغيرة تبلغ بين عشرة إلى خمسة عشر دولة، سلموا كل واحدة منها إلى أحد عملائهم. وفيما بعد خرجت بعض هذه الدول من ايدي اتباع الاستعمار وعملائه.
فتأسيس الحكومة هو لأجل حفظ نظام ووحدة المسلمين، كما تقول الزهراء (عليه السلام) في خطبتها من أن الأمامة هي لأجل حفظ النظام، وتبديل افتراق المسلمين إلى اتحاد(1).

ضرورة انقاذ الشعب المظلوم والمحروم

وبالاضافة إلى ذلك فان المستعمرين قد فرضوا ـ ومن خلال عملائهم السياسيين الذي سلطوهم على الناس ـ انظمة اقتصادية ظالمة قسمت الشعب إلى فئتين: ظالم ومظلوم. فصار يقف من هذا الجانب مئات الملايين من المسلمين الجياع والمحرومين من الطبابة والعلم، بينما يقف إلى تلك الجهة عدد قليل نسبياً من الاثرياء وأصحاب التأثير سياسياً من المترفين والفاسدين.
وصار الشعب الجائع والمحروم يسعى باستمرار لانقاذ نفسه من ظلم الحكام الناهبين، وتحسين وضع معيشته. لكن الأقلية الحاكمة والاجهزة الحكومية الجائرة تمنعهم من تحقيق ذلك. نحن مكلفون بانقاذ الشعب المظلوم والمحروم. نحن مكلفون بأن ندعم المظلومين وأن نكون اعداء الظالمين. وهذا هو التكليف الذي ينبَّه عليه امير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته المعروفة لولديه العظيمين حيث يقول: "وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً"(2).
علماء الإسلام مكلفون بمحاربة استغلال واحتكار الظالمين، وبعدم السماح للجوع والحرمان بالتفشي في أوساط الكثير من أفراد الأمة، بينما يعيش الظلمة والناهبون وآكلوا المال الحرام في نعمة ورفاه. يذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) ان السبب الذي يدعوه إلى قبول الحكم هو الميثاق الذي اخذه الله تعالى على العلماء، من ألاّ يسكتوا أمام جشع الظالمين ونهبهم، وجوع المظلومين وحرمانهم. يقول (عليه السلام) : «أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظمة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيْت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز»(3).
كيف نستطيع أن نبقى ساكتين اليوم ونحن نرى أن عدداً من الخونة واللصوص عملاء الاجانب قد اغتالوا ـ بالقوة، وبمساعدة من الأجانب ـ ثروات وحاصل أتعاب مئات الملايين من المسلمين، ولا يسمحون لهم بالاستفادة من الحد الأدنى من النعم (والحاجات) ؟
إن وظيفة علماء الإسلام وجميع المسلمين هي: ان ينهوا هذا الوضع الظالم، وأن يسقطوا في هذا السبيل ـ الذي هو سبيل إسعاد مئات الملايين من البشر ـ الحكومات الظالمة ويقيموا الحكومة الإسلامية.

ضرورة الحكومة من خلال الاحاديث

إن تأسيس الحكومة أمر لازم بحسب ضرورة العقل والأحكام الإسلامية ونهج الرسول الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين (عليه السلام)، وبحسب مفاد كثير من الآيات والروايات. وكنموذج على ذلك أذكر هذه الرواية المنقولة عن الامام الرضا (عليه السلام) :
.روى عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار، قال: حدثني ابو الحسن علي بن محمد بن قُتيْبَة النيسابوري، قال: قال ابو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري: أن سأل سائل فقال: أخبرني هل يجوز ان يكلَّف الحكيم ... فإن قال قائل: ولم جعل أولى الامر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة. منها: أن الخلق لما وُقِفَوا على حد محدود، وأمروا أن لا يتعدوا تلك الحدود ـ لما فيه من فسادهم ـ لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيها أميناً يأخذهم بالوقف عندما أُبيح لهم، ويمنعهم من التعدي على ما حَظَرَ عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحدٌ لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره. فَجُعِلَ عليهم قيِّمٌ يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام. ومنها: أننا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بَقوا وعاشوا الا بقيَّم ورئيس لما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا.
فلم يَجُزْ في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم انه لابد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون به جمعهم، وجماعتهم، ويُمْنَعْ ظالمهم من مظلومهم. ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيِّماً اميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة، وذهب الدين وغُيَّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبَّهوا ذلك على المسلمين. إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت حالاتهم، فلو لم يجعل قيَّماً حافظاً لما جاء به الرسول الأول، لفسدوا على نحوا ما بيَّناه وغُيَّرت الشرائع والسنن والأحكام والأيمان، وكان في ذلك فساد الخلق اجمعين(4)!!.
وكما يستنبط من كلام الامام (عليه السلام) فهناك أسباب وعلل عديدة تستدعي لزوم تشكيل الحكومة وتولي "ولي الأمر". وهذه العلل والاسباب والجهات ليست ظرفية ولا محدودة بزمان، فلزوم تشكيل الحكومة في النتيجة أمر مستمر. فتعدي الناس مثلا عن حدود الإسلام، وتجأوزهم لحقوق الآخرين، وغصبهم لها لأجل تأمين اللذة والمنفعة الشخصية أمر يحصل باستمرار. فلا يمكن القول أن هذا إنما كان في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) لكن الناس بعده صاروا ملائكة! لقد شاءت حكمة الخالق أن يعيش الناس بالعدل، وأن يتحركوا ضمن حدود الأحكام الإلهية.
فهذه الحكمة دائمة، ومن السنن الإلهية التي لا تقبل التغيير. وبناءً عليه فهناك ضرورة ـ في أيامنا هذه وعلى الدوام ـ لوجود ولي للأمر، أي حاكم قيم على النظام والقانون الإسلامي، حاكم يمنع الظلم والتجأوز والتعدي على حقوق الآخرين، ويكون أميناً وحارساً لخلق الله، وهادياً للناس إلى التعاليم والعقائد والأحكام والنُظم الإسلامية، ويقف امام البدع التي يضعها الاعداء والملحدون في الدين وفي القوانين والنظم. أولم تكن خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) لأجل هذا الأمر؟ فتلك العلل والضرورات التي جعلته (عليه السلام) حاكماً لا تزال موجودة هذه الأيام أيضاً، مع فارق أنه الآن لا يوجد شخص معين، وإنما صار المنصوب هو "العنوان" وذلك ليبقى محفوظاً إلى الأبد.
المراد هو أن المذكور في ضرورة تشكيل الحكومة وهداية الناس صار عنوان "ولي الامر" لا أنه قد سمي شخص معين مثل أمير المؤمنين (عليه السلام). وبناء عليه فإدارة النظام الإسلامي في كل عصر هي من وظائف الشخص الذي ينطبق عليه عنوان "ولي الامر".إذن إن كان من الواجب بقاء أحكام الإسلام، والوقوف بوجه تعديات الاجهزة الحاكمة الظالمة على حقوق الشعب الضعيف، ومنع الأقلية الحاكمة من تأمين مصالحهم وملاذهم من خلال نهب الشعب وإفساده. واذا كان واجبا إقامة النظام الإسلامي، والتعامل مع الجميع بطريقة الإسلام العادلة، وعدم التخطي عنها. وإذا كان واجباً الوقوف بوجه البدع ووضع القوانين المخالفة للإسلام بواسطة المجالس المزورة. وإذا كان واجباً إزالة نفوذ الأجانب من البلاد الإسلامية، فالحكومة أمر لازم. إذ أن هذه الأمور لا تتم دون حكومة ومؤسسات، وبالطبع فالمطلوب هو الحكومة الصالحة، والحاكم الذي يكون قيِّماً أميناً وصالحاً. وإلا فإن الحكام الموجودين لا ينفعون، لأنهم ظلمة وفاسدون ولا يملكون اللياقة المطلوبة.
في الماضي، وحيث أننا لم ننهض لأجل تأسيس الحكومة، وازالة تسلط الحكام الخونة والفاسدين بشكل جماعي ومنسق، والبعض منا تراخى في اداء المطلوب، بل حتى انه انزعج من القيام بالعمل التوجيهي والتبليغي، بل بالعكس حتى لقد كانوا دعاة للحكام الظلمة. لهذه الأسباب صارت الأوضاع بهذا النحو، فضعف نفوذ الإسلام وحاكميته في المجتمع، وابتليت الامة الإسلامية بالتقسيم والعجز، وتعطلت أحكام الإسلام، وغُيَّرت وبُدِّلت، وقام المستعمرون ـ من خلال عملائهم السياسيين، ولاجل تحقيق اغراضهم المشؤومة ـ بترويج القوانين والثقافة الاجنبية بين المسلمين، وحولوا الناس إلى مغتربين. وكل هذا كان بسبب عدم امتلاكنا لقيِّم ورئيس، وسلطة قيادية. ونحن نحتاج لمؤسسات حكومية صالحة، وهذا الأمر من البديهيات.
نمط الحكومة الإسلامية واختلافها مع سائر أنماط الحكوماتالحكومة الإسلامية ليست كأي نوع من انماط الحكومات الموجودة. فهي مثلاً: ليست استبدادية، بحيث يكون رئيس الدولة مستبدّاً ومتفرداً برأيه، ليجعل أرواح الشعب وامواله ألعوبة يتصرف فيها بحسب هواه، فيقتل من يشاء، وينعم على من يشاء، ويهب من يشاء من اموال الشعب واملاكه. فرسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)وامير المؤمنين (عليه السلام) وكذلك سائر الخلفاء لم يكن لهم هذه الصلاحيات. فالحكومة الإسلامية لا هي استبدادية ولا مطلقة، وانما هي مشروطة. وبالطبع ليست مشروطة بالمعنى المتعارف لها هذه الايام، حيث يكون وضع القوانين تابعاً لآراء الاشخاص والأكثرية. وإنما مشروطة من ناحية ان الحكام يكونون مقيدين في التنفيذ والادارة بمجموعة من الشروط التي حددها القرآن الكريم والسنَّة الشريفة للرسول الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم). ومجموعة الشروط هي نفس تلك الأحكام والقوانين الإسلامية التي يجب أن تُراعى وتنفذ. ومن هنا فالحكومة الإسلامية هي "حكومة القانون الالهي على الناس".
ويكون الدستور المرجع والمستند الاعلى للادارة، حيث يعترف فيه باحترام الحقوق الأصلية والأساسية لجميع الافراد والمجموعات. والحكومة المشروطة توجد بشكلين أساسيين هما: الملكي والجمهوري. وصلاحيات رئيس الجمهورية في نظام المشروطة تكون اقل بالنسبة إلى صلاحيات الملك.الفرق الاساسي للحكومة الإسلامية مع حكومات "الملكية المشروطة"، "والجمهورية" هو في كون ممثلي الشعب أو الملك هم الذين يقومون بعملية التشريع في مثل هذه الأنظمة، بينما في الحكومة الإسلامية يختص التشريع بالله تعالى. فالشارع المقدس في الإسلام هو السلطة التشريعية الوحيدة. فلا حقَّ لأحدٍ بوضع القوانين، ولا يمكن وضع أي قانون غير حكم الشارع موضع التنفيذ. لذا ففي الحكومة الإسلامية بدلاً من "مجلس التشريع" الذي يشكل احدى السلطات الثلاث في الحكم يكون هناك "مجلس تخطيط" يضع الخطط لمختلف الوزارات من خلال أحكام الإسلام، وتحدد كيفية أداء الخدمات العامة في جميع أنحاء البلاد من خلال هذه المخططات.
إن القوانين الإسلامية التي وردت في القرآن والسنة يتلقاها المسلمون بالقبول والطاعة. وهذا مما يسهل عمل الحكومة، ويجعلها مرتبطة بالشعب، بينما في الحكومات الجمهورية والملكية المشروطة فإن غالبية الذين يعتبرون أنفسهم ممثلي أكثرية الشعب يضعون ما يشاؤون ويسمونه "قانون" ومن ثم يفرضونه على الشعب.
الملكية أو السلطة شكل من أشكال الحكم يحمل فيه رئيس البلاد اسم الملك أو الملكة، وخصوصية هذا النظام هو: وراثة الحكم، وان كان يتم أحياناً على شكل انتخاب من قبل الملك أو آخرين. والحكومة الملكية تارة تكون غير محدودة، وتكون فيها جميع سلطات الدولة بيد الملك، وتصدر السلطات الثلاث عنه، وهذه تسمى حكومة مطلقة. وتارة تحدد سلطات الملك بواسطة مجلس تشريعي، ويفوض وضع القوانين لممثلي الشعب، وهذا النوع من الحكومة يسمى "بالسلطة المشروطة".
الجمهورية نوع من الحكم ينتخب فيه الحاكم بتصويت مباشر أو غير مباشر من الشعب. ولا يوجد توارث في هذا الشكل من الحكم ومدة الرئاسة فيه محدودة، والجمهورية في نظام البلدان التي تمتلك ديمقراطية برلمانية، لكن أحياناً يطلق اسم الجمهورية على الحكومة الدكتاتورية غير الملكية أيضاً.حكومة الإسلام هي حكومة القانون. وفي هذا النمط من الحكومة تنحصر الحاكمية بالله والقانون ـ الذي هو أمر الله وحكمه ـ فقانون الإسلام أو أمر الله له تسلط كامل على جميع الأفراد وعلى الدولة الإسلامية. فالجميع بدءاً من الرسول الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم)ومروراً بخلفائه وسائر الناس تابعون للقانون ـ وإلى الأبد ـ لنفس ذلك القانون النازل من عند الله، والمبلَّغ بلسان القرآن والنبي (صلی الله عليه وآله وسلم). إذا كان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)قد تولى الخلافة، فقد كان ذلك بأمر من الله، إذ أن الله تعالى هو الذي جعله (صلی الله عليه وآله وسلم)خليفة. "خليفة الله في الارض" لا أنه قام بتشكيل الحكومة من نفسه وأراد أن يكون رئيساً على المسلمين. كما انه حيث كان يحتمل حصول الخلاف بين الأمة بعد رحيله ـ إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام والايمان ـ فقد الزم الله تعالى الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)بأن يقف فوراً وسط الصحراء ليبلّغ أمر الخلافة(5).
فقام الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)بحكم القانون واتَّباعاً لحكم القانون بتعيين أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة، لا لكونه صهره، أو لأنه كان قد أدى بعض الخدمات، وإنما لأنه (صلی الله عليه وآله وسلم)كان مأموراً وتابعاً لحكم الله، ومنفذاً لأمر الله.
أجل، فالحكومة في الإسلام تعني اتباع القانون، والقانون وحده هو الحاكم في المجتمع.
فحيث اعطيت صلاحيات محدودة للرسول الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم)وللولاة، فانما كان ذلك من الله. وفي كل وقت كان يقوم فيه النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)ببيان أمر أو إبلاغ حكم، فإنما يكون ذلك منه إتباعاً لحكم الله وقانونه. واتباع الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)إنما هو أيضاً بحكم من الله حيث يقول تعالى: {وأطيعوا الرسول} اتباع أولي الأمر أيضاً بحكم من الله حيث يقول تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(6).
فرأي الاشخاص وحتى رأي الرسول الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم)ليس له أي دور في الحكومة والقانون الإلهي، فالجميع تابعون لإرادة الله تعالى.
والحكومة الإسلامية ليست سلطنة ملكية ولا امبراطورية. ففي هذا النوع من الحكومات يكون الحكام مسلطون على ارواح واموال الناس، وهم يتصرفون فيها بحسب آرائهم، والإسلام يجلُّ عن هذا النهج والنمط من الحكم. ولذا لا تجد في الحكومة الإسلامية ـ وخلافاً لأنظمة السلطنة والملكية والامبراطورية ـ آثر للقصور الكبيرة، والعمارات المجللة، والخدم والحشم، والمكاتب الخاصة، ومكاتب ولي العهد، وسائر لوازم السلطنة، والتي تقضي على نصف أو على قسم كبير من ميزانية البلاد. كلكم تعرفون كيف كانت حياة النبي الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم)الذي كان رئيس الدولة الإسلامية وحاكمها. وقد استمرت هذه السيرة بعده (صلی الله عليه وآله وسلم)إلى عهد بني أمية. وان كانوا قد خالفوا في أمور أخرى، وظهر الانحراف الفاحش في عهد عثمان(7)
وذلك الانحراف هو الذي أوصلنا اليوم إلى هذه المصائب. وقد أصلح نهج الحكومة في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان مسارها الصلاح والاستقامة. ومع أنه (عليه السلام) كان يحكم بلاداً واسعة، كانت ايران ومصر والحجاز واليمن من مناطقها، فقد كان يعيش حياة لا يقدر عليها حتى طالب العلم الفقير. بحسب المروي فقد اشترى يوماً قميصين اعطى الأفضل منها لخادمه قنبر، والآخر ـ لما كانت أكمامه طويلة ـ فقد قام بقطع الزائد منها، وارتداه بأكمامه الممزقة(8).
هذا مع كونه حاكماً لبلاد كبيرة في المساحة وعدد السكان، وكثيرة الموارد. فلو كانت هذه السيرة محفوظة، وكان الحكم على الطريقة الإسلامية، لما حصل كل هذا التسلط على أرواح الناس واموالهم، ولا الملكية ولا السلطنة، ولا كل هذه المظالم والنهب والسرقة للخزينة العامة، ولا كل هذه المنكرات والفواحش. إذ ان الكثير من المفاسد إنما تنشأ من هذه الاجهزة والعوائل الحاكمة المستبدَّة. فهؤلاء الحكم هم الذين يقيمون اماكن الفساد، ويبنون مراكز الفحشاء والخمور، ويصرفون الموقوفات على دور السينما. لو لم يكن هذا البذخ الملوكي، وهذا التبذير والاختلاس موجوداً لما أصيبت خزينة البلاد بالعجز حتى يخضعوا من ثمَّ لأمريكا وانكلترا طلباً للقروض والمساعدات. إن البلاد أضحت محتاجة بسبب هذا التبذير والاسراف، وإلا فهل كان نفطنا قليلاً أو أننا لا نمتلك المعادن والثروات؟ اننا نمتلك كل شيء، لكن هذه الهبات والاختلاسات، وهذا التلاعب الذي يجري كله على حساب الشعب والخزينة العامة قد أوقع البلاد في العجز. لو لم تكن هذه الأمور موجودة لما كان هناك حاجة للذهاب إلى إمريكا ليتذلل (الشاه) هناك أمام طأولة ذلك الرجيل (رئيس جمهورية أمريكا) طالباً المساعدة.
ومن جهة اخرى فالتشكيلات الادارية الزائدة، ونمط الادارة الذي يعتمد على اختلاق الملفات "وكتابنا وكتابكم" ذلك الاسلوب البعيد عن الإسلام، يفرض على البلاد مصاريف لا تقل عن النوع الأول من المصاريف المحرمة. هذا النظام الاداري بعيد عن الإسلام. وهذه التقليدات الزائدة التي لا تورث الناس سوى التعب والتعطيل وزيادة المصارف ليست من الإسلام.
فمثلاً ذلك النمط الذي حدده الإسلام من اجل احقاق الحقوق، والفصل في الدعأوي، واجراء الحدود والقانون الجزائي بسيط وعملي وسريع للغاية. فعندما كان يُعمل بالقانون القضائي الإسلامي كان قاضي الشرع في المدينة يفصل الخصومات بمعأونة موظفين أو ثلاثة موظفين وقلم ودواة، ومن ثم يخلَّي بين الناس وأعمالهم وحياتهم العادية.
أما الآن فالله يعلم كثرة هذه التشكيلات الادارية للمحاكم ورسومها وتقيداتها، ومع هذا لا ينجز أي عمل أيضاً. فهؤلاء هم الذين يوقعون البلاد في الفقر دونما نتيجة سوى التعب وضياع الوقت.شروط الحاكم الشروط اللازمة للحاكم ناشئة من طبيعة نمط الحكومة الإسلامية بشكل مباشر. فبعد الشروط العامة مثل العقل والتدبير، هناك شرطان أساسيان هما:
1ـ العلم بالقانون.
2ـ العدالة.
عندما اختلف بعد رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)حول من يجب أن يتولى الخلافة، لم يبرز أي اختلاف بين المسلمين في أن الخليفة يجب ان يكون الفاضل، وانما كان الاختلاف في موضوعين فحسب:
1ـ بما ان حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فالعلم بالقانون بالنسبة للحاكم، يكون امراً ضرورياً كما ورد في الرواية. وليس فقط للحاكم، بل للجميع مهما كان عملهم أو مرتبتهم.فالعلم بأمر كهذا ضروري. غاية الامر أن الحاكم يجب أن يكون الافضل من الناحية العلمية. ولقد استدل ائمتنا (عليه السلام) لامامتهم أيضاً بأن الامام يجب أن يكون أفضل من الآخرين(9).
كما كانت اشكالات الشيعة على الآخرين حول أن الخليفة سئل السؤال الفلاني فلم يتمكن من الاجابة، فهو إذن لم يكن يليق بالخلافة والامامة، وقد قام بالعمل الفلاني مخالفاً للأحكام الإسلامية، فهو لا يليق بالامامة(10) وما شابه.
فالعلم بالقانون والعدالة بالنسبة للمسلمين شرطان وركنان أساسيان في أمر الامامة، ولا دخالة ولا ضرورة لشيء آخر فيها، كالعلم بكيفية الملائكة مثلاً، أو بأوصاف الصانع تبارك وتعالى. فهذه كلها لا دخل لها في موضوع الامامة، كما انه لو صار شخص ما عالما بجميع العلوم الطبيعية، واكتشف كل قواها، أو كان عارفاً بالموسيقى بشكل جيد، فلا يعني ذلك أنه لائق بالخلافة، ولا يكتسب بهذا أولوية تولي الحكومة على العدول العلماء بالقانون الإسلامي، ليس لتلك الأمور علاقة بالخلافة، وقد تم الكلام والبحث حول زمان الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)وائمتنا (عليه السلام)، وكان مسلَّماً بين المسلمين أيضاً، وهو أن الخليفة والحاكم يجب أن يكون عارفاً أولاً بالأحكام الإسلامية، اي عالماً بالقانون، وأن يكون عادلاً ثانياً، ويتمتع بالكمال العقائدي والاخلاقي، والعقل يقتضي ذلك. إذ أن الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون، وليست حكومة الأهواء والاشخاص على الناس.
فإذا لم يكن الحاكم عارفاً بالقانون فهو لا يليق للحكومة، لأنه إذا قلَّد الغير تضعف قوة الحكومة، واذا لم يقلد، ولم يرجع للغير لا يستطيع أن يكون حاكماً ومنفذاً لقانون الإسلام، وهذا أمر مسلم إذ أن "الفقهاء حكام على السلاطين"(11) .
فلو كان السلاطين متبعين للإسلام، فيجب أن يتبعوا الفقهاء ويسألونهم عن القوانين والأحكام، ومن ثم ينفذونها. وفي هذه الصورة يكون الحكام الحقيقيون هم الفقهاء. إذن يجب أن تكون الحاكمية رسميا للفقيه، لا لأولئك المضطرين لاتباع الفقهاء نتيجة جهلهم بالقانون. وبالطبع فليس من اللازم معرفة المسؤولين والقادة والموظفين الاداريين بكل القوانين الإسلامية، ولا أن يكونوا فقهاء. وانما يكفي أن يعرفوا القوانين التي لها علاقة بعملهم. كما كان الأمر في زمن الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين (عليه السلام). فالحاكم ولي الأمر يجب أن يكون حائزاً لهذين الشرطين (العلم والعدالة) لكن المعأونين والمسؤولين والمبعوثين إلى المناطق المختلفة يجب أن يكونوا عارفين بالقوانين ذات العلاقة باعمالهم، ويرجعون في الأمورالأخرى إلى "مصدر الامر".
2ـ الحاكم يجب أن يكون عادلاً ومتمتعاً بالكمال العقائدي والاخلاقي، والا يكون ملوثاً بالمعاصي. فالذي يريد إقامة الحدود، وتطبيق القانون الجزائي الإسلامي، وادارة بيت المال، وموارد البلاد ومصارفها، والذي يمنحه الله صلاحية إدارة عباده، يجب الا يكون من أهل المعاصي: {لا ينال عهدي الظالمين}(12) .
فالله تعالى لا يمنح صلاحيات كهذه للجائر. والحاكم إذا لم يكن عادلاً فإنه لن يتصرف بعدالة في أداء حقوق المسلمين، وأخذ الضرائب وصرفها بشكل صحيح، وفي تنفيذ القانون الجزائي. ومن الممكن حينها أن يحمل اعوانه وأنصاره واقرباءه على رقاب الناس، وأن يصرف بيت مال المسلمين في أغراضه الشخصية وأهوائه.
بناءً على هذا فنظرية الشيعة حول نمط الحكومة ومن الذي يجب ان يتولاها في مرحلة ما بعد رحيل الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)إلى زمان الغيبة واضحة. اذ بمقتضاها يجب أن يكون الإمام هو الأفضل، وعالماً بالأحكام والقوانين، وعادلاً في تنفيذها.
المصادر : من کتاب الحکومة الاسلامية للامام الخميني قدس سره الشريف .
1- نص كلامها (عليه السلام) : "وطاعتنا نظاماً للملة وامامتنا أماناً للفرقة" كشف الغمة، ج1، ص483.
2- نهج البلاغة، الكتاب رقم 47.
3- نهج البلاغة، الخطبة رقم 3 (الشقشقية)
4- علل الشرائع، ج1، ص 251، باب 182، الحديث 9
5- إشارة إلى واقعة الغدير المترتبة على نزول هذه الآية {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته...} سورة المائدة، الآية 67، وكتاب الغدير، ج1، ص 214 ـ 229.
6- سورة النساء، الآية 59.
7- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج2، ص126 ـ 161، شرح الخطبة 30، وص324 ـ 333، ج3، 3 ـ 69، شرح الخطبة 135، والغدير ج8، ص 97 ـ 323.
8- بحار الأنوار، ج4، ص324
9- قال الامام علي (عليه السلام) : "أيها الناس إن أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه واعلمهم بأمر الله فيه". نهج البلاغة، الخطبة 172. والاحتجاج، ج1، ص299. وبحار الانوار، ج25، ص116، كتاب الامامة، باب في صفات الامام.
10- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي، المقصد الخامس، المسألة السادسة
11- قال الامام الصادق (عليه السلام) : "الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك" بحار الانوار، ج1، ص183، كتاب العلم، باب 21، حديث 92.
12- سورة البقرة، الآية 124.