مراحل ما بعد الدنيا

 






 

الدنيا على مرّ أيّامها وتطاول قرونها لابدّ وأن تنتهي يوماً ، وتسجّل ختاماً ، نحو عالمٍ ينتظرنا وآخرة في قبالنا ، لا مفرّ منه لكلّ شخص ، ولا محيص عنه لكلّ فرد.
«أّيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ ، وَلا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ ، وَأَخْرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُم» (1).
والمراحل التي ينتقل فيها الانسان من دار الدنيا إلى عالم الاُخرى مراحل كثيرة تبتدأ بموته ، وتنتهي بغاية عاقبته : الجنّة أو الجحيم ، والخلود المقيم.
ونختار من هذه المراحل عنونة أربعة عشر مرحلة نذكرها وما يناسبها ، ونستعين الله تعالى في بيانها وهي :
* الموت ، ويوم الموت لكلّ فردٍ هو آخر يوم من دنياه وأوّل يوم من آخرته وقيامته.
* البرزخ.
* القبر.
* أشراط الساعة.
* نفخ الصور وفناء الدنيا.
* البعث والحشر.
* الميزان.
* الحساب.
* الأعمال.
* الوسيلة.
* الحوض.
* الشفاعة.
* الصراط.
* الجنّة والنار ، وهي النهاية الخالدة ، ومصير يوم القيامة.

الموت

وهي الحقيقة الثابتة التي يدركها الوجدان بالعيان ، وتستغني عن إقامة الدليل والبرهان.
وقد خلقه الله تعالى كما خلق الحياة فكان مخلوقاً من مخلوقاته كما يفيده قوله عزّ اسمه في سورة الملك ، الآية 2 :
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).
وفي حديث الامام الباقر عليه السلام في الكافي :
«الْحَيَاةُ وَالْمَوْتَ خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللهِ فَإذَا جَاءَ الْمَوْتُ فَدَخَلَ فِي الْإنْسَانِ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ إلّا وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ الْحَيَاةُ» (2).
وهو يتحقّق بفعل الله تعالى القاهر لعباده ، والذي يتوفّى الأنفس حين موتها.
ويتنفّذ بواسطة ملك الموت وأعوانه كما في قوله تعالى :
(قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (3).
قال في تصحيح الاعتقادات :
«الموت هو يضادّ الحياة ، يبطل معه النمو ، ويستحيل معه الاحساس ، وهو يحلّ محل الحياة فينفيها» (4).
وقال في حقّ اليقين :
«يجب الاقرار بأنّ كلّ حيّ سوى الله يموت» (5).

وصف الموت

جاء وصف الموت وبيانه في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ... من ذلك :
حديث الامام العسكري عن آبائه الكرام عليهم السلام : قيل للصادق عليه السلام : صف لنا الموت؟
قال عليه السلام :
«لِلْمُؤمِنِ كَأَطْيَبِ رِيحٍ يَشَمُّهُ فَيَنْعَسُ لِطِيبِهِ وَيَنْقَطِعُ التَّعَبُ والْأَلَمُ كُلُّهُ عَنْهُ وَلِلْكَافِرِ كَلَسْعِ الْأَفَاعِيِّ وَلَدْغِ الْعَقَارِبِ أَوْ أَشَدَّ.
قِيلَ : فَإِنَّ قَوْماً يَقُولُونَ : إٍنَّهُ أَشَدُّ مِنْ نَشْرٍ بِالْمَنَاشِيرِ! وَقَرْضٍ بِالْمَقَارِيضِ! وَرَضْخٍ بِالْأَحْجَارِ! وَتَدْوِيرِ قُطْبِ الْأَرْحِيَةِ عَلَى الْأَحْدَاقِ.
قَالَ : كَذَلِكَ هُوَ عَلَى بَعْضِ الْكَافِرِينَ وَالْفَاجِرِينَ ، أَلا تَرَوْنَ مِنْهُمْ مَنْ يُعَايِنُ تِلْكَ الشَّدَائِدَ؟ فَذَلِكُمُ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا لا مِنْ عَذَابِ الآْخِرَةِ فَإِنَّهُ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا.
قِيلَ : فَمَا بَالُنَا نَرَى كافِراً يَسْهُلُ عَلَيْهِ النَّزْعُ فَيَنْطَفِئُ وَهُوَ يُحَدِّثُ وَيَضْحَكُ وَيَتَكَلَّمُ ، وَفِي الْمُؤْمِنِينَ أَيْضاً مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَفِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ مَنْ يُقَاسِي عِنْدَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ هَذِهِ الشَّدَائِدَ؟
فَقَالَ : مَا كَانَ مِنْ رَاحَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ هُنَاكَ فَهُوَ عَاجِلُ ثَوَابِهِ ، وَمَا كَانَ مِن شَدِيدَةٍ فَتَمْحِيصُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ لِيَرِدَ الْآخِرَةَ نَقِيّاً ، نَظِيفاّ ، مُسْتَحِقّاً لِثَوَابِ الْأَبَدِ ، لا مَانِعَ لَهُ دُونَهُ ؛ وَمَا كَانَ مِنْ سٌهُولَةٍ هُنَاكَ عَلَى الْكَافِرِ فَلِيُوَفَّى أَجْرَ حَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا لِيَرِدَ الْآخِرَةَ وَلَيْسَ لَهُ إِلاّ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعَذَابِ.وَمَا كَانَ مِنْ شِدَّةٍ عَلَى الْكَافِرِ هُنَاكَ فَهٌوَ ابْتِدَاءُ عَذَابِ اللهِ لَهُ بَعْدَ نَفَادِ حَسَنَاتِهِ ذَلِكُمْ بِأَنَّ اللهَ عَدْلٌ لا يَجُورُ» (6).

حكمة الموت

المحيا والممات امتحانٌ للانسان لأعماله وأفعاله وأقواله فلا ينبغي أن تكون الحياة هنا أبديّة مع كونها امتحانية.
وكفى بمقدار حياة الانسان وقتاً كافياً للامتحان.
وبالموت ينتقل الانسان إلى العالم الأمثل ، وإلى عالم الجزاء.
1 ـ قال تعالى :
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (7).
وجاء الحديث في تفسيره عن الامام الرضا عليه السلام :
«ليبلوكُم بتكليف طاعَتِهِ وَعِبادتِهِ» (8).
2 ـ حديث الامام الصادق عليه السلام :
«إِنَّ قَوْماً فِيمَا مَضَى قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَرْفَعُ عَنَّا الْمَوْتَ فَدَعَا لَهُمْ ، فَرَفَعَ اللهُ عَنْهُمُ الْمَوْتَ ، فَكَثُرُوا حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْمَنَازِلُ ، وَكَثُرَ النَّسْلُ ، وَيُصْبِحُ الرَّجُلُ يُطْعِمُ أَبَاهُ وَجَدَّهُ وَأُمَّهُ وَجَدَّ جَدِّهِ وَيُوَضِّيهِمْ ـ أي يطهّرهم عن الأدناس والأرجاس ـ وَيَتَعَاهَدُهُمْ ، فَشَغَلُوا عَنْ طَلَبِ الْمَعَاشِ.
فَقَالُوا : سَلْ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَرُدَّنَا إِلَى حَالِنَا الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا. فَسَأَلَ نَبِيُّهُمْ رَبَّهُ ، فَرَدَّهُمْ إِلَى حَالِهِمْ» (9).
3 ـ قال النبي صلى الله عليه وآله :
«لَوْ لا ثَلاثةٌ فِي ابْنِ آدَمَ مَا طَأْطَأَ رِأْسَهُ شَيْءٌ الْمَرَضُ ، وَالْمَوْتُ ، وَالْفَقْرُ ، وَكُلُّهُنَّ فِيهِ وَإِنَّهُ لَمَعَهُنَّ وَثَّابٌ» (10).

الاستعداد للموت

لا شكّ في أنّ سفر الموت يحتاج إلى إعداد عُدّة ، واستعداد وأهبّة.
فانّ الموت وإن كان سهلاً على المؤمن وراحة له إلاّ أنّه انتقال إلى عالم جديد له ، غريب عليه ، صعب لديه ، عالم وحشة وشدّة ولهذا عبّر عنه القرآن الكريم بالسكرة بقوله تعالى : (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (11).
فتحتاج إلى عُدّة وذخيرة ، فما هي الذخيرة لذلك العالم؟
هذا ما تلاحظ بيانه في الأحاديث الشريفة التالية :
1 ـ حديث الامام الصادق عليه السلام : أنّه قال أميرالمؤمنين عليه السلام :
«ما أنْزَلَ الموتَ حقّ مَنزِلَتِهِ مَن عدّ غَداً مِن أجَلِهِ» (12).
2 ـ حديث عبدالأعلى مولى آل سام قال :
قلت لأبي عبدالله عليه السلام : قول الله عزّوجلّ : (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً) (13).
قال : «ما هو عندك؟».
قلت : عدد الأيّام.
قال عليه السلام : «إنّ الآباء والأُمّهات يحصُون ذلك ، ولكنّه عدد الأنفاس» (14).
3 ـ حديث الدرّة الباهرة : قيل لأميرالمؤمنين عليه السلام ما الاستعداد للموت؟
فقال :
«أَدَاءُ الْفَرَئِضِ ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ ، وَالاشْتِمَالُ عَلَى الْمَكَارِمِ ، ثُمَّ لا يُبَلِي أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ ، أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ.
وَاللهِ مَا يُبَالِي ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ» (15).
4 ـ وصيّة لقمان لابنه جاء فيها :
«يَا بُنَيَّ تَعَلَّمْتَ سَبْعَةَ آلافٍ مِنَ الْحِكْمَةِ فَاحْفَظْ مِنْهَا أَرْبَعاً ، وَمَرَّ مَعِي إِلَى الْجَنَّةِ :
أَحْكِمْ سَفِينَتَكَ فَإِنَّ بَحْرَكَ عَمِيقٌ.
وَخَفِّفْ حِمْلَكَ فَإِنَّ الْعَقَبَةَ كَئُودٌ.
وَأَكْثِرِ الزَّادَ فَإِنَّ السَّفَرَ بَعِيدٌ.
وَأَخْلِصِ الْعَمَلَ فَإِنَّ النَّاقِدَ بَصِيرٌ» (16).
وعليك بكتاب أميرالمؤمنينُّ الجليل إلى محمّد بن أبي بكر وأهل مصر فان فيه الدستور الكامل للاستعداد للموت (17).
والأحاديث الشريفة في هذا المقام كثيرة جدّاً.

سكرات الموت

لا شكّ أنّ الموت للمؤمن المطيع راحة ولذّة ، ولكن لغيره غمرات وسكرات لا يتحمّل ألمه.
1 ـ ففي حديث الامام الصادق عليه السلام :
«إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْثَقَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَلَوْ لا ذَلِكَ مَا اسْتَقَرَّ» (18).
2 ـ حديث الامام الصادق عليه السلام :
«أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيه اشْتَكَى عَيْنُهُ ، فَعَادَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ فَإِذَا هُوَ يَصِيحُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى اللهٌ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَجَزَعاً أَمْ وَجَعاً؟
فَقَالَ : يَا رَسوُلَ اللهِ مَا وَجِعْتُ وَجَعاً قَطُّ أَشّدَّ مِنْهُ.
فَقَالَ : يَا عَلِيُّ إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ إِذَا نَزَلَ لِقَبْضِ رُوحِ الْكَافِرِ نَزَلَ مَعَهُ سَفُّودٌ مِنْ نَارٍ فَيَنْزِعُ رُوحَهُ بِهِ ، فَتَصِيحُ جَهَنَّمُ.
فَاسْتَوَى عَلَيُّ عَلَيهِ السلام جَالِساً ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أَعِدْ عَلَيَّ حّدِيثَكَ ، فَلَقَدْ أَنْسَانِي وَجَعِي مَا قُلْتَ ...
ثُمَّ قَالَ : هَلْ يُصِيبُ ذَلِكَ ، أَحَداً مِنْ أُمَّتِكَ؟
قَالَ : نَعَمْ حَاكِمُ جَائِرٌ ، وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْماً ، وَشَاهِدُ زُورٍ» (19).
لكن الموت للمؤمن المطيع لا سكرات فيه بل هو كشرب الماء البارد في اليوم الحار ، فيه لذّة للشارب.
3 ـ ففي حديث كنز الفوائد عن أميرالمؤمنين عليه السلام انه قال :
«كُنْتُ سَاجِداً أُدْعُو رَبِّي بِدُعَاءِ الْخَيْرَاتِ فِي سَجْدَتِي ، فَغَلَبَنِي عَيْنِي ، فَرَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي وَأَقْلَقَتْنِي.
رَأَيْتُ رَسسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَائِماً وَهُوَ يَقُولُ :
يَا أَبَا الْحَسَنِ طَالَتْ غَيْبَتُكَ ، فَقَدْ اشْتَقْتُ إِلَى رُؤْيَاكَ ، وَقَدْ أَنْجَزَ لِي رَبِّي مَا وَعَدَنِي فِيك.
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهٍ وَمَا الَّذِي أَنْجَزَ لَكَ فِيَّ؟
قَالَ : أَنْجَزَ لِي فِيكَ وَفِي زَوْجَتِكَ وَابْنَيْكَ وَذُرِّيَّتِكَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي عِلِّيِّينَ.
قُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولِ اللهِ فَشِيعَتُنَا؟
قَالَ : شِيعَتُنَا مَعَنَا ، وَقُصُورُهُمْ بِحِذَاءِ قُصُورِنَا ، وَمَنَازِلُهُمْ مُقَابِلَ مَنَازِلِنَا.
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا لِشِيعَتِنَا فِي الدُّنْيَا؟
قَالَ : الْأَمْنُ وَالْعَافِيَةُ.
قُلْتُ : فَمَا لَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ؟
قَالَ : يَحْكُمُ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ ، وَيُؤْمَرُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِطَاعَتِهِ.
قُلْتُ : فَمَا لِذَلِكَ حَدٌّ يُعْرَفُ.
قَالَ : بَلَى إِنَّ أَشَدَّ شِيعَتِنَا لَنَا حُبّاً يَكُونُ خَرُوجُ نَفْسِهِ كَشُرْبِ أَحَدِكُمْ فِي يَوْمِ الصَّيْفِ الْمَاءَ الْبَارِدَ الَّذِي يَنْتَقِعُ بِهِ الْقُلُوب ...» (20).

ملك الموت

1 ـ في حديث الامام الصادق عليه السلام :
قيل لملك الموت عليه السلام : كيف تقبض الأرواح وبعضها في المغرب وبعضها في المشرق في ساعةٍ واحدةٍ؟
فقال : أدعوها فتجيبني ...
قال : فقال ملك الموت عليه السلام : إن الدنيا بين يدي كالقصعة بين يدي أحدكم يتناول منها ما شاء ، والدنيا عندي كالدرهم في كف أحدكم يقلبه كيف يشاء» (21).
2 ـ عن اسباط بن سالم قال :
«قلت لأبي عبدالله عليه السلام : جعلت فداك يعلم ملك الموت يقبض من يقبض؟
قال : لا ، إنما هي صكاك ، تنزل من السماء ، اقبض نفس فلان بن فلان» (22).
3 ـ في حديث الامام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
«أن ملك الموت يتصفح الناس في كل يوم خمس مرات عند مواقيت الصلاة ، فإن كان ممن يواظب عليها عند مواقيتها لقّنه شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ونحى عنه ملك الموت إبليس» (23).

لقاء الموت

1 ـ عن الامام الباقر عليه السلام قال :
«أتى النبي صلى الله عليه وآله رجل فقال : ما لي لا أحب الموت؟
فقال له : ألك مال؟
قال : نعم.
قال : فقدمته؟
قال : لا.
قال : فمن ثم لا تحب الموت» (24).
2 ـ عن الامام الصادق ، عن أبيه ، عن جدّه عليه السلام قال :
«سئل أميرالمؤمنين عليه السلام بما ذا أحببت لقاء الله؟
قال : لما رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه» (25).
3 ـ في الحديث :
«جاء رجل إلى أبي ذر فقال :
يا أبا ذر! ما لنا نكره الموت؟
فقال : لأنكم عمرتم الدنيا ، وأخربتم الآخرة ، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب.
قال له : فكيف ترى قدومنا على الله؟
فقال ـ أبو ذر ـ : أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسيء منكم فكالآبق يرد على مولاه.
قال : فكيف ترى حالنا عند الله؟
قال ـ أبو ذر ـ : اعرضوا أعمالكم على الكتاب ، إن الله يقول : (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ).
قال : فقال الرجل : فأين رحمة الله؟
قال ـ أبو ذر ـ : رحمة الله قريب من المحسنين (26).

ساعة الموت

وما أعظمها من ساعة ، وما أحوجنا فيها إلى رحمة الله الواسعة ، وعناية النبي والعترة الطاهرة عليهم السلام.
ومن الأحاديث في ذلك :
1 ـ حديث عقبة بن خالد قال :
«دخلنا على أبي عبدالله عليه السلام أنا والمعلى بن خنيس فقال : يا عقبة لا يقبل الله من العباد يوم القيامة إلا هذا الذي أنتم عليه ، وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقر به عينه إلا أن تبلغ نفسه هذا وأو مأ بيده إلى الوريد.
قال : ثم اتكأ وغمز إلي المعلى أن سله.
فقلت : يا ابن رسول الله إذا بلغت نفسه هذه فأي شيء يرى؟ فردد عليه بضعة عشر مرة : أي شيء يرى؟
فقال : في كلها ، يرى لا يزيد عليها.
ثم جلس في آخرها فقال : يا عقبة ، قلت : لبيك وسعديك ، فقال : أبيت إلا أن تعلم؟
فقلت : نعم يا ابن رسول الله إنما ديني مع دمي فإذا ذهب دمي كان ذلك وكيف بك يا ابن رسول الله كل ساعة وبكيف فرق لي.
فقال : يراهما والله.
قلت : بأبي أنت وأمي من هما؟
فقال : ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام يا عقبة لن تموت نفس مؤمنة أبداً حتى تراهما.
قلت : فإذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدنيا؟
قال : لا بل يمضي أمامه.
فقلت له : يقولان شيئاً جعلت فداك؟
فقال : نعم يدخلان جميعاً على المؤمن فيجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عند رأسه ، وعلي عليه السلام عند رجليه ، فيكب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول : يا ولي الله أبشر أنا رسول الله ، إني خير لك مما تترك من الدنيا.
ثم ينهض رسول الله ، فيقوم عليه علي صلوات الله عليهما حتى يكب عليه فيقول : يا ولي الله أبشر أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحبني أما لأنفعك.
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : أما إن هذا في كتاب الله عزّوجلّ.
قلت : أين هذا جعلت فداك من كتاب الله؟
قال : في سورة يونس قول الله تبارك وتعالى ها هنا : (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (27)
2 ـ حديث أبي بصير :
«قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : إذا حيل بينه ـ أي المحتضر ـ وبين الكلام أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله ومن شاء الله فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عن يمينه والآخر عن يساره فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله : أما ما كنت ترجو فهو ذا أمامك وأما ما كنت تخاف منه فقد أمنت منه.
ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول : هذا منزلك من الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة.
فيقول لا حاجة لي في الدنيا ، فعند ذلك يبيض لونه ويرشح ـ أي يعرق ـ جبينه وتقلص شفتاه وتنتشر منحراه وتدمع عينه اليسرى فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها فإذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد فتختار الآخرة فتغسله فيمن يغسله وتقلبه فيمن يقلبه.
فإذا أدرج في أكفانه ووضع على سريره خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدماً وتلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم.
فإذا وضع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه ثم يسأل عما يعلم ، ـ أي ما يجب أن يعلم ـ فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله صلى الله عليه وآله فيدخل عليه من نورها وضوئها وبردها وطيب ريحها.
قال : قلت : جعلت فداك فأين ضغطة القبر؟
قال : هيهات ما على المؤمنين منها شيء والله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه فيقول : وطئ على ظهري مؤمن ولم يطأ على ظهرك مؤمن وتقول له الأرض ، والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري ، فأما إذا وليتك فستعلم ما ذا أصنع بك فتفسخ له مد بصره» (28).
3 ـ حديث الامام الصادق عليه السلام انه قال :
«منكم والله يقبل ولكم والله يغفر إنه ليس بين أحدكم ـ أي أنتم الشيعة ـ وبين أن يغتبط ويرى السرور وقرة العين إلا أن تبلغ نفسه ها هنا ـ وأومأ بيده إلى حلقه ـ ثم قال :
إنه إذا كان ذلك واحتضر حضره رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعلي عليه السلام وجبرئيل ، وملك الموت عليه السلام ، فيدنو منه علي عليه السلام فيقول : يا رسول الله إن هذا كان يحبنا أهل البيت فأحبه ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل إن هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأحبه ، ويقول جبرئيل لملك الموت : إن هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأحبه وارفق به.
فيدنو منه ملك الموت فيقول : يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك ، أخذت أمان براءتك ، تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا.
قال : فيوفقه الله عزّوجلّ فيقول : نعم.
فيقول : وما ذلك؟
فيقول : ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.
فيقول : صدقت أما الذي كنت تحذره فقد آمنك الله منه ، وأما الذي كنت ترجوه فقد أدركته أبشر بالسلف الصالح موافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة عليهما السلام ، ثم يسل نفسه سلاً رفيقاً ، ثم ينزل بكفنه من الجنة وحنوطه من الجنة بمسك أذفر بذلك الكفن ويحنط بذلك الحنوط ثم يكسى حلة صفراء من حلل الجنة.
فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنة يدخل عليه من روحها وريحانها ثم يفسح له عن أمامه مسيرة شهر وعن يمينه وعن يساره ثم يقال له : نم نومة العروس على فراشها أبشر بروح وريحان وجنة نعيم ورب غير غضبان ثم يزور آل محمد في جنان رضوى فيأكل معهم من طعامهم ويشرب من شرابهم ويتتحدث معهم في مجالسهم حتى يقوم قائمنا أهل البيت.
فإذا قام قائمنا بعثهم الله فأقبلوا معه يلبون زمرا زمرا فعند ذلك يرتاب المبطلون ويضمحل المحلون وقليل ما يكونون هلكت المحاضير ونجا المقربون من أجل ذلك.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام ، أنت أخي وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام.
قال : وإذا احتضر الكافر حضره رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعلي عليه السلام وجبرئيل عليه السلام ، وملك الموت عليه السلام ، فيدنو منه علي عليه السلام فيقول : يا رسول الله إن هذا كان يبغضنا أهل البيت فأبغضه ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله يا جبرئيل إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه ، فيقول جبرئيل : يا ملك الموت إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه واعنف عليه.
فيدنو منه ملك الموت فيقول : يا عبد الله أخذت فكاك رهانك؟ أخذت أمان براءتك؟ تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا؟ فيقول : لا.
فيقول أبشر يا عدو الله بسخط الله عزّوجلّ وعذابه والنّار ، أما الذي كنت تحذره فقد نزل به ، ثم يسل نفسه سلاً عنيفاً.
ثم يوكل بروحه ثلاثمائة شيطان كلهم يبرق في وجهه ويتأذى بروحه ، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار فيدخل عليه من قيحها ولهبها» (29).
4 ـ حديث الامام الصادق عليه السلان انه قال :
«ما من أحد يحضره الموت إلا وكل به إبليس من شيطانه أن يأمره بالكفر ، ويشككه في دينه حتى تخرج نفسه.
فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه ، فإذا حضرتم موتاكم فلقّنوهم شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسوله صلى الله عليه وآله حتى يموت» (30).
فنسأل الله تعالى أن يجيرنا من همزات الشياطين ، ومن العديلة عند الممات وفي آخر ساعات الحياة كما تلاحظ في أحاديث المعالم الزلفى : ص 71 ، ب 19 الأحاديث.
5 ـ حديث الأربلي في كشف الغمّة قال :
حدّث الحسين بن عون قال :
«دخلت على السيد بن محمد الحميري عائدا في علته التي مات فيها ، فوجدته يساف به ـ يعني في حالة السياق واحتضار الموت ـ ووجدت عنده جماعة من جيرانه ، وكانوا عثمانية.
وكان السيد جميل الوجه رحب الجبهة ، عريض ما بين السالفين ، فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد ، ثم لم تزل تزيد وتنمي حتى طبقت وجهه بسوادها.
فاغتم لذلك من حضره من الشيعة ، وظهر من الناصبة سرور وشماتة ، فلم يلبث بذلك إلا قليلاً حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد أيضاً وتنمي حتى أسفر وجهه وأشرق.
وافتر السيد ضاحكاً مستبشراً فقال :
كذب الزاعمون أن علياً *** لن ينجي محبه من هنات
قد وربي دخلت جنة عدن *** وعفا لي الإله عن سيئاتي
فأبشروا اليوم أولياء علي *** وتوالوا الوصي حتى الممات
ثم من بعده تولوا بنيه *** واحداً بعد واحدٍ بالصفات
ثم أتبع قوله هذا : أشهد أن لا إله إلا الله حقاً حقاً ، وأشهد أن محمداً رسول الله حقاً حقاً ، وأشهد أن علياً أميرالمؤمنين حقاً حقاً ، أشهد أن لا إله إلا الله : ثم أغمض عينه لنفسه فكأنما كانت روحه زبالة طفئت أو حصاة سقطت.
قال : علي بن الحسين : قال لي أبي الحسين بن عون : وكان أذنيه حاضراً فقال : الله أكبر ما من شهد كمن لم يشهد ؛ أخبرني وإلا صمتا الفصيل بن يسار ، عن أبي جعفر وعن جعفر عليهما السلام أنهما قالا : حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة : محمداً وعلياً وفاطمة وحسناً وحسيناً بحيث تقرّ عينها ، أو تسخن عينها ، فانتشر هذا الحديث في الناس فشهد جنازته والله الموافق والمفارق» (31).

البرزخ

البرزخ في اللغة بمعنى : الحاجز بين شيئين (32).
وكلّ فصل بين شيئين برزخ (33).
وعالم البرزخ هو ما بين العالَمين : الدنيا والآخرة (34).
فمن حين موت كلّ شخص إلى يوم القيامة هو برزخه (35).
ويلزم الاعتقاد بهذا العالم ، وما يكون فيه من القبر إلى القيامة.
قال السيّد شبّر :
«اعلم أنّ عذاب البرزخ وثوابه قد انعقد عليه اجماع المسلمين ، بل لعلّه من ضروريّات الدين ومنكره كافر.
ولم ينكره إلاّ شرذمة قليلة ممّن يدّعي الاسلام ، وقد انعقد الاجماع على خلافهم سابقاً ولاحقاً ، وكذا بقاء النفوس بعد الموت» (36).
علماً بأن بموت الانسان يبدأ هذا العالم ، ويجري فيه الجزاء بالثواب أو العقاب.
فانه وإن مات البدن ، إلاّ أنّ الروح باقٍ حساس مشعر ، يحسّ اللذات والآلام.
والمعتقد الصحيح هو بقاء الأرواح وأثابتها أو معاقبتها في البرزخ كما صرّح به شيخ المحدّثين الصدوق حيث قال :
«اعتقادنا في النفوس انّها خلقت للبقاء ولم تُخلق للفناء ...
واعتقادنا فيها انّها اذا فارقت الأبدان فهي باقية ، منها منعمة ومنها معذّبة ، إلى أن يردّها الله تعالى بقدرته إلى أبدانها» (37).
والمستظهر من الآيات القرآنيّة والأحاديث المعصوميّة ، والأدلّة البرهانيّة ثبوت عالم البرزخ ، وانّ النفس باقية بعد الموت في عالم البرزخ ، إمّا منعّمة كروح المؤمن ، أو معذّبة كروح الكافر ، أو ملهيأ عنها كروح المستضعف كما يأتي بيانها.
الدليل على عالم البرزخ
دلّ على البرزخ الكتاب الكريم ، والأحاديث المتظافرة ، وإجماع الأُمّة ، فلاحظ ما يلي :
أمّا في القرآن الكريم :
1 ـ قوله تعالى :
(وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (38).
جاء في التفسير : «البرزخ هو أمرٌ بين أمرين وهو الثواب والعقاب ، بين الدنيا والآخرة» (39).
2 ـ قوله تعالى :
(لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) (40).
جاء في التفسير : «ذلك في جنات الدنيا قبل القيامة والدليل على ذلك قوله : بكرة وعشيّاً ، فالبكرة والعشي لا تكون في الآخرة في جنّات الخلد ، وإنّما يكون الغد والعشي في جنّات الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين ، وتطلع فيها الشمس والقمر» (41).
3 ـ قوله تعالى :
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (42).
جاء في تفسير الفقرة الاولى من الآية الشريفة : «ذلك في الدنيا قبل القيامة ففي القيامة لا يكون غدوّاً ولا عشيّاً» (43).
وأمّا في الأحاديث الشريفة :
1 ـ حديث عمرو بن يزيد قال :
«قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إني سمعتك وأنت تقول : كل شيعتنا في الجنة على ما كان فيهم؟
قال : صدقتك كلهم والله في الجنة.
فقال : أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي ، ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ.
قلت : وما البرزخ؟
قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة» (44).
2 ـ حديث الامام الصادق عليه السلام انّه قال :
«والله ما أخافُ عليكم إلا البرزخ ، فأمّا إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم» (45).
3 ـ الخطبة العلويّة المباركة ورد فيها :
«أولئكم سلف غايتكم وفراط مناهلكم الذين كانت لهم مقاوم العز ، وحلبات الفخر ، ملوكا وسوقاً ، وسلكوا في بطون البرزخ سبيلاً» (46).
الدليل على بقاء الأرواح
يدلّ على بقاء الأرواح مضافاً إلى ما تقدّم :
أوّلاً : الكتاب :
الآيات المباركة التي يستفاد منها الحياة بعد الشهادة أو الموت لتوصيفها بصفات الاحياء مثل :
1 ـ قوله تعالى :
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (47).
فمادام كون البدن ميّتاً ، لا تكون الحياة والرزق إلاّ للروح ، فهي حيّة تُرزق والارتزاق من صفات الأحياء.
2 ـ قوله تعالى :
(وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) (48).
ثانياً : السنّة :
وهي الأحاديث المتواترة التي تفيد بمضمونها بقاء الأرواح بعد موت الأبدان حيث وصفت الروح بصفات الأحياء مثل :
1 ـ حديث أبي بصير عن الامام الصادق عليه السلام انه قال :
«إن الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة ، تعارف وتسائل ، فإذا قدمت الروح على الأرواح يقول : دعوها فإنها قد أفلتت من هول عظيم.
ثم يسألونها : ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟
فإن قالت لهم : تركته حياً ارتجوه ، وإن قالت لهم : قد هلك ، قد هوى هوى» (49).
أي سقط إلى دركات الجحيم إذ لو كان من السعداء لكان يلحق بنا.
2 ـ حديث عبدالله بن سنان عن الامام الصادق عليه السلام انه قال :
«... إن المؤمن إذا توفي صارت روحه إلى هذا النهر ـ أي نهر الجنّة ـ ورعت في رياضه ، وشربت من شرابه.
وإن عدونا إذا توفي صارت روحه إلى وادي برهوت ، فأخلدت في عذابه ، وأطعمت من زقومه ، وأسقيت من حميمه ، فاستعيذوا بالله من ذلك الوادي» (50).
3 ـ حديث أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال :
«إن من وراء اليمن وادياً يقال له : وادي برهوت ، ولا يجاوز ذلك الوادي إلا الحيات السود والبوم من الطيور ، في ذلك الوادي بئر يقال لها : بلهوت ، يعدى ويراح إليها بأرواح المشركين ، يسقون من ماء الصديد ـ أي ماء الجروح ـ» (51).
4 ـ حديث زيد النرسي عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال :
«إذا كان يوم الجمعة ويوما العيدين أمر الله رضوان خازن الجنان أن ينادي في أرواح المؤمنين وهم في عرصات الجنان : أن الله قد أذن لكم الجمعة بالزيارة إلى أهاليكم وأحبائكم من أهل الدنيا.
ثم يأمر الله رضوان أن يأتي لكل روح بناقة من نوق الجنة عليها قبة من زبرجدة خضراء غشاؤها من ياقوتة رطبة صفراء ، على النوق جلال وبراقع من سندس الجنان وإستبرقها ، فيركبون تلك النوق ، عليهم حلل الجنة ، متوجون بتيجان الدر الرطب تضيء كما تضيء الكواكب الدرية في جو السماء من قرب الناظر إليها لا من العبد فيجتمعون في العرصة.
ثم يأمر الله جبرئيل من أهل السماوات أن تستقبلوهم فتستقبلهم ملائكة كل سماء وتشيعهم ملائكة كل سماء إلى السماء الأخرى.
فينزلون بوادي السلام وهو واد بظهر الكوفة ، ثم يتفرقون في البلدان والأمطار حتى يزوروا أهاليهم الذين كانوا معهم في دار الدنيا ، ومعهم ملائكة يصرفون وجوههم عما يكرهون النظر إليه إلى ما يحبون ، ويزورون نحفر الأبدان حتى ما إذا صلى الناس وراح أهل الدنيا إلى منازلهم من مصلاهم نادى فيهم جبرئيل بالرحيل إلى غرفات الجنان فيرحلون.
قال : فبكى رجل في المجلس قال : جعلت فداك هذا للمؤمن فما حال الكافر؟
فقال : أبو عبدالله عليه السلام أبدان ملعونة تحت الثرى في بقاع النار ، وأرواح خبيثة مسكونة بوادي برهوت من بئر الكبريت في مركبات الخبيثات الملعونات ، يؤدي ذلك الفزع والأهوال إلى الأبدان الملعونة الخبيثة تحت الثرى في بقاع النار ، فهي بمنزلة النائم إذا رأى الأهوال.
فلا تزال تلك الأبدان فزعة ذعرة ، وتلك الأرواح معذبة بأنواع العذاب في أنواع المركبات المشخوطات الملعونات المصفوفات مسجونات فيها لا ترى روحاً ولا راحةً إلى مبعث قائمنا ، فيحشرها الله من تلك المركبات فترد في الأبدان ، وذلك عند النشرات فتضرب أعناقهم ، ثم تصير إلى النار أبد الآبدين ودهر الداهرين» (52).
5 ـ حديث الأصبغ بن نباتة ذكر فيه :
«أن أميرالمؤمنين عليه السلام خرج من الكوفة ، ومر حتى أتى الغريّين فجازه ، فلحثناه وهو مستلق على الأرض بجسده ليس تحته ثوب.
فقال له قنبر : يا أميرالمؤمنين ألا أبسط ثوبي تحتك؟
قال عليه السلام : لا ، هل هي إلا تربة مؤمن أو مزاحمته في مجلسه؟
قال الأصبغ ، فقلت : يا أميرالمؤمنين تربة مؤمن قد عرفناه كانت أو تكون ، فما مزاحمته في مجلسه؟
فقال عليه السلام : يا ابن نباتة لو كشف لكم لرأيتم أرواح المؤمنين في هذا الظهر حلقاً يتزاورون ويتحدثون.
إن في هذا الظهر روح كل مؤمن ، وبوادي برهوت نسمة كل كافر» (53).
إذن فبقاء الأرواح حق بالدليل الصراح ، من الآيات الظاهرة ، والأحاديث الزاهرة.
مع ما عرفت من الاجماع عليه فيما تقدّم عن حقّ اليقين فيه.
ولأجل بقاء الأرواح بعد الموت وإحساسها الحياة صحّ مخاطبتها وتوجيه الكلام إليها في مثل ما تلاحظه من خطب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأميرالمؤمنين عليه السلام لها في ليلة بدر ، ويوم البصرة وهذا يشهد على حياة الأرواح واحساسها وبقائها ، ففي الحديث :
«روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه وقف على قليب بدر فقال للمشركين الذين قتلوا يومئذ وقد ألقوا في القليب : لقد كنتم جيران سوء لرسول الله ، أخرجتموه من منزله وطردتموه ، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه ، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً.
فقال له عمر : يا رسول الله ما خطابك لهام قد صديث.
فقال له صلى الله عليه وآله : مه يا ابن الخطاب ، فو الله ما أنت بأسمع منهم وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع الحديد إلا أن أعرض بوجهي هكذا عنهم».
كما روى أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام بعد واقعة البصرة مرّ على قاضي السوء كعب بن سور الذي أفتى الناس بمحاربة أميرالمؤمنين ، وعلّق في عنقه مصحفاً وخرج بأهله وولده لحرب أميرالمؤمنين عليه السلام ، فوقف أميرالمؤمنين عليه وهو ميّت ، فقال :
«أجلسوا كعب بن سور ، فأجلس فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : يا كعب لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ثم قال : أضجعوا كعباً.
ومر على طلحة بن عبيدالله فقال : هذا الناكث بيعتي والمنشئ الفتنة في الأمة والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي أجلسوا طلحة بن عبيدالله ، فأجلس فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟
ثم قال : أضجعوا طلحة وسار.
فقال له بعض من كان معه : يا أميرالمؤنين أتكلم كعباً وطلحة بعد قتلهما؟
فقال : يا رجل فو الله لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر» (54).
تابع باقي مراحل الحياة الاخروية علی موقعنا بالرجوع مرحلة الی الوراء .
المصادر:
1- نهج البلاغة ، الخطبة 203.
2- الكافي : ج 3 ، ص 259 ، ح 34.
3- سورة السجدة ، الآية 11.
4- تصحيح الاعتقادات : ص 94.
5- حقّ اليقين : ج 2 ، ص 55.
6- عيون الأخبار : ج 1 ، ص 213 ، ح 9.
7- سورة المُلك ، الآية 2.
8- كنز الدقائق : ج 13 ، ص 351.
9- الكافي : ج 3 ، ص 260 ، ح 36.
10- البحار : ج 6 ، ص 118 ، ح 5.
11- سورة ق ، الآية 19.
12- الكافي : ج 3 ، ص 259 ، ح 30.
13- سورة مريم ، الآية 84.
14- الكافي : ج 3 ، ص 259 ، ح 33.
15- البحار : ج 6 ، ص 137 ، ب 4 ، ح 43.
16- الاختصاص : ص 341.
17- الغارات : ج 1 ، ص 237.
18- البحار : ج 6 ، ص 166 ، ح 37.
19- البحار : ج 6 ، ص 170 ، ح 46.
20- البحار : ج 6 ، ص 166 ، ح 30.
21- الفقيه : ج 1 ، ص 134 ، ح 354.
22- الكافي : ج 3 ، ص 255 ، ح 21.
23- الكافي : ج 3 ، ص 136 ، ح 2.
24- البحار : ج 6 ، ص 127 ، ب 4 ، ح 9.
25- البحار : ج 6 ، ص 127 ، ب 4 ، ح 11.
26- الكافي : ج 2 ، ص 458 ، ح 20.
27- سورة يونس ، الآيات 63 ـ 64./(2) المحاسن : ص 133 من كتاب الصفوة ، ح 158.
28- الكافي : ج 3 ، ص 129 ، ح 2.
29- الكافي : ج 3 ، ص 131 ، ح 4.
30- الكافي : ج 3 ، ص 123 ، ح 6.
31- البحار : ج 6 ، ص 192 ـ 193.
32- مجمع البحرين : ص 191.
33- مجمع البحرين : ج 7 ، ص 116.
34- مرآة الأنوار : ص 64.
35- حقّ اليقين : ج 2 ، ص 64.
36- حقّ اليقين : ج 2 ، ص 68.
37- الاعتقادات : ص 47.
38- سورة المؤمنون ، الآية 100.
39- تفسير القمي : ج 2 ، ص 94.
40- سورة مريم ، الآيتان 62 ـ 63.
41- تفسير القمي : ج 2 ، ص 52.
42- سورة غافر ، الآية 46.
43- تفيسر القمي : ج 2 ، ص 258.
44- الكافي : ج 3 ، ص 242 ، ح 3.
45- البحار : ج 6 ، ص 214 ، ب 8 ، ح 2.
46- نهج البلاغة ، الخطبة 216 ومنهاج البراعة : ج 14 ، ص 217.
47- سورة آل عمران ، الآية 169.
48- سورة البقرة ، الآية 154.
49- الكافي : ج 3 ، ص 244 ، ح 3.
50- الاختصاص : ص 321.
51- الكافي : ج 8 ، ص 261 ، ح 375.
52- البحار : ج 6 ، ص 292 ، ب 9 ، ح 18.
53- البحار : ج 6 ، ص 242 ، ب 8 ، ح 65.
54- حقّ اليقين : ج 2 ، ص 73.