عضویت پارسی English
قال الامام الصادق علیه‌السلام: وتَدخُلُ بِشَفاعَتِها شِیعَتی الْجَنَّةَ بِأجمَعِهِم. بحارالأنوار، ج60، ص216

عدد المشاهدات : 90

12 صفر 1438

سيدة نساء العالمين

سيدة نساء العالمين

 سيدة نساء العالمين

 





 

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : « ان هذا ملك مقرب لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة ، استأذن ربّه أن يسلّم عليّ ويبشرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة » (1) .
ورد هذا الحديث بسند معتبر في عدة كتب روائية سواء من العامة أو الخاصة والظاهر من خلال مراجعة هذا الحديث أنّه ممن أتفقت عليه العامة والخاصة حيث نقلته كتب الفريقين المعتدة خصوصاً عند السنة وفي الصحاح الستة وعليه فلا مجال للطعن أو النقاش في سند هذا الحديث المبارك الذي يظهر كرامة فاطمة الزهراء عليها السلام على الله وعلى الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، والحديث يروي لنا قصة ملكاً لم ينزل إلى أرض سابقاً أستأذن الله تعالى أن يمسلم على رسوله الكريم وإنّ يبشره بأن فاطمة الزهراء عليها السلام هي سيدة نساء هل الجنّة ، وعليه نقف مع هذا الحديث لنرى مدى شموليته وسعته في دلالته على كون فاطمة الزهراء أفضل من مريم عليها السلام أم لا ؟ باعتبار وجود آية قرآنية ذكرت مريم عليها السلام في كونها سيدة نساء العالمين في قوله تعالى : ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله إصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) فلنقف مع هذه الآية ومع الحديث المبارك :
1 ـ لنعرف ايهما أفضل فاطمة عليها السلام ام مريم عليها السلام ؟
2 ـ ومن هي سيدة نساء العالمين ؟
3 ـ وماهي الثمرة العقائدية في ذلك ؟
كل هذه الأسئلة تطرح في المقام الذي نحن فيه وعليه لابد لنا أن نجيب عليها لكي تكون لنا قدرة خاصة على الفهم العقائدي لحياة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام . فنقول ومن باب مقدمة للبحث في هذا الموضوع المهم إنّه : ـ
لا شك ولا ريب إنّه ورد في كتب الفريقين عدة أحاديث تبين أفضل النساء في الدنيا والآخرة وإنّه لم يكمل من النساء إلاّ الجنّة إشتاقت إلى أربع من النساء وكذلك ورد أيضاً إنّ الله أختار من النساء أربع وكثيرة هي الأحاديث التي تظهر هذه المسألة وقد تظاهرت الروايات من العامة والخاصة في ذلك . ونحن نذكر في هذه المقدمة ، بعض هذه الأحاديث وعلى أثر ذلك ندخل في صلب الموضوع الذي أخترنا البحث عنه والوقوف معه والاستفاده من دلالته ، أما هذه الاحاديث التي نقلت في طياتها النساء اللواتي إختار هن الله تعالى فمنها :
* ماورد عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تعالى اختار
من النساء أربعاً : مريم وآسية وخديجه وفاطمة (2) .
* وروي عن مسلم والترمذي ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلاّ مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (3) .
* وجاء عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم انه قال : اشتاقت الجنة الى أربع من النساء : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون ، وخديجة بنت خويلد وفاطمة (4) .
* وعن ابن عباس قال : خط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض أربعة خطوط قال : تدرون ما هذا ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم : فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم : أفضل نساء أهل الجنّة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم إمرأة فرعون ، ومريم بنت عمران (5) .
إذن يظهر من هذا الأحاديث أن الإيمان كمل فيهن وإن الله تعالى اختارهن وفضلهن على كثير من نساء الدنيا والآخرة فهلمّ معي لنقف معهن لنرى خصوصية كل واحدة منهن ـ وهن آسية ومريم وخديجة وفاطمة ـ بحيث ورد الحديث بأنهّن خير النساء ، ونقول :
لو نظرنا إلى حياة هؤلاء النسوة صارفين النظر عن نصوص الكتاب والسنة لالفينا ان كل واحدة منهّن تختص بفضيلة دون غيرها من الصالحات الباقيات .
* فأسية إمرأة فرعون آمنت بالله مخلصة له لائذة به وحده وهي في بيت شر العباد ، ورأس الكفر والالحاد ، وقد جاهرت بأيمانها منكرة على فرعون كفره وفساده ، متحدية ظلمه وطغيانه ، فأوتد لها الاوتاد ، حتى قضت شهيدة الحق والإيمان ولم تكن هذه الكرامة لواحدة من الثلاثة .
* أما السيدة مريم فقد كرمها بولادة السيد المسيح من غير أب وما عرفت هذه الكرامة لأمرأة على وجه الأرض .
* أما السيدة خديجة فأنها أول من آمن وصدّق الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وصلّت هي وعلي بن أبي طالب عليهم السلام أول صلاة أقيمت في الإسلام ، وهي أول من بذل الأموال لنصرة هذا الدين ... ولولا أموالها ، وحماية أبي طالب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لقضي على الإسلام في مهده ، ولم يكن له عين ولا أثر .. ولم تكن هذه الكرامة لغيرها من نساء العالمين .
أما فاطمة الزهراء عليها السلام فإنها بضعة من رسول الله ، بل هي نفسه خلقاً وخلقاً ومنطقاً وصلاحاً وتقى يرضيه ما يرضيها ، ويؤذيها ما يؤذيه ، وهي أم الحسنين سيدي شباب أهل الجنّة ، وعقيلة سيد الكونين ، بعد رسول الله ولم تكن هذه الكرامة لأمها خديجة ولا لأسية ولا لمريم (6) . أما التفاضل بينهنّ فأننا نتركه لئلا يطول المقام بنا ونقف هنا مع حياة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام ، ومريم بنت عمران لأثبات المراد من هذا البحث .
فمن القضايا العقائدية المهمة لدى الشيعة الإمامية والتي تأخذ حيزاً كبيراً على الصعيد الفكري والعقائدي هي مسألة تفضيل سيدة نساء العالمين على مريم وبقية النساء المؤمنات الاخريات ، فنحن بأعتبارنا شيعة ونعتقد بأهل البيت عليهم السلام وبما ورد من مقامهم ومنزلتهم وقداستهم إنّ هذه مسألة مسلمة لدينا ولكن هناك من يدعي خلاف ذلك وإن مريم عليها السلام هي سيدة العالمين وهي المفضلة على بقية النساء الأخريات والسبب إلى ذهاب بعض من يدعي هذه المقولة هو بما ورد من القرآن الكريم حيث جاء قوله تعالى ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) (7) .
ليثبت كون مريم عليها السلام رمزاً قرآنياً قد طرحه القرآن في الفكر العقائدي لدى المسيحية ، فكيف اذن تحل هذه القضية وخصوصاً نحن الشيعة يجب علينا أن نحمل عقائدنا عن وعي وإستدلال وبرهان صحيح معتمد على الإستدلالات العقلية المثبوت في محلها ، أما أن نأخذ عقائدنا في هذه القضية أو في قضايا أخرى اعتماداً على العواطف والمديح والمبالغات فهذا مما لا يقبله أهل البيت عليهم السلام وخصوصاً نحن أبناء الدليل حيث ما مال نميل ، وكذلك فإن أهل البيت عليهم السلام ليسوا محتاجين مديحنا وقد مدحهم من هو أفضل واحسن وهو القرآن الكريم بأعظم ما يكون ويكون من المدح والثناء العلي حيث وصفهم بأنهم مطهرون « ويطهركم تطهيراً » وكذلك قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم عدل القرآن ، فما يكون كلامنا ومديحنا بعد ذلك
اذن فالقضية ليست قضية مديح وإطراء مواقف بل هي قضية عقائدية نعم ،إذا أردنا أن نمدحهم ونقدم لهم الذكر والثناء فذلك من باب التقرب إلى الله تعالى وليس من باب رفع مقامهم بل مقامهم رفيع وإذا وتينا علم وفهم إنما لكي نتعرف على علو مقامهم وشانهم عند الله تعالى فعليه إذا طرحت هذه الفكرة ، أو القضية بكون فاطمة عليها السلام أفضل من مريم يجب أن تكون مدعومة بالدليل العلمي الشرعي والإستدلال المنطقي وخاصة من القرآن الكريم والسنة لكي تكون عقيدتنا في هذه القضية مبنية على المتانة والصحة ، اذن فالسؤال المطروح هو كيفية كون فاطمة أفضل من مريم والحال إن مريم يخاطبها القرآن الكريم ( يا مريم إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين ) والظاهر أنّ نساء العالمين نص قرآني بالصراحة يقول مريم اصطفيت على نساء العالمين فكيف تكون فاطمة أفضل منها ؟ هذه سؤال مطروح فيما نحن فيه وكيف نحمله مع الحديث الذي قدمناه في أول البحث من أن فاطمة سيدة نساء الجنّة .
ومن جهة أخرى ينقدح سؤال مهم أيضاً وهو أنّ مريم عليها السلام ولدت نبياً وهو عيسى ، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام وكانت طريقة ولادتها بمجزة ربانية حيث حملت به من غير أب ، فهي إذن ليست ولدت شخصاً عادياً بل نبي من الأنبياء العظماء وهذا الحال لم يحدث لفاطمة عليها السلام لم تولد نبياً من غير زوج فما هو باب التفضيل والحال ان مريم محاطة ومحفوفة بالمعاجز فهذه الأمور تطرح ولابد أن تعالج واحدة ، ويجب على ذلك ألاّ نحمل العقائد على السذاجة وعلى العواطف والتقليد لأن التقليد يفيد في الأحكام الشرعية أما في العقائد فيجب على الإنسان أن يحملها عن وعي وإدراك واستدلال وفهم . لذا أصول الدين لا يجب أن يقلد فيها الآخرين بل التقليد في الفروع بأعتبار إنها تحتاج إلى تفحص وإفناء عمر في دراستها والبحث فيها وهذا لا يتسنى ولا يتيسر لكافة الناس فيكون الوجوب الكفائي فيها أما الأصول فيجب على الجميع ان يفهموها بوعي عميق وإستدلال ولا يكون الإنسان المتدين فيها ساذج وتبعى للآخرين بل لابد من أن يصل إليها بالتفكر والإستدلال ، وعليه تكون هذه الأسئلة مهمة من الناحية العقائدية ولا بدون فهمها بالدليل القرآني والسنتي فكيف نصل إلى غاية المطلوب وكيف نحصل على الجواب الصحيح فيها ؟ فنقول :
قبل ان نجيب على هذه الأسئلة وكيفية بنائها البناء الصحيح العقائدي وعلى ضوء القرآن والسنة نقدم مقدمة بسيطة وهي أن هذه الأسئلة والإشكالات التي تطرح حول فاطمة الزهراء عليها السلام ليست شبهات ولا إشكالات جديدة بل هي كانت مطروحة من زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم واللطيفة إن هذه الإشكالات والإثارات والشبهات هي في الحقيقة تخدمنا جداً ، لأنها تكون مربية ومعمقة لعقائدنا فنحن نجد الكثير من العقائد في حياتنا نمر عليها مرور الكرام إما عندما تثار الشبهات حول عقيدة معينة فكما تؤدي إلى زعزعة بعض النفوس الضعيفة كذلك تؤدي إلى أن يكون أهل الأقلام والفكر والتحقيق يغوصون في فهم العقائد ودعمها قرآنياً أو روائياً وعلى ضوء الاستدلالات الصحيحة وبالنتيجة تكون العقيدة معمقة ودقيقة وتقف بوجه الشبهات والإشكالات التي تطرح عليها ، والأمثله على ذلك كثير جداّ مثلما طرحت بعض الإشكالات المغرضة حول وجود صاحب الزمان « عج » وقضية الزهراء بصورة عامة كل هذه الإشكالات بالنتيجة وكما قلنا كانت مفيدة بقدر ماهي مضرة ببعض ضعاف النفوس وعلى كل فالذي نريد القول به هو أن الردود العلمية الدقيقة للأشكالات والشبهات التي تطرح قد أنضجت القضايا العقائدية بشكل أو آخر .
أما الجواب على مسألة تفضيل الزهراء عليها السلام على مريم عليها السلام فيكون على شكل نقاط نذكرها لكي يتبين لنا الحق في ذلك :
1 ـ إن الحديث الذي بدأنا به البحث قال بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وهذا القول يحمل نفس معنى أن فاطمة سيدة نساء العالمين لأن الجنّة فيها المؤمنات فقط والقديسات الطاهرات فتكون فاطمة سيدتهّن فمن باب الأولوية تكون فاطمة سيدتهنّ في الدنيا كما هي سيدتهّن في الآخرة فالمعنى واحد سواء في الدنيا أو في الجنّة .
2 ـ أن ما طرحه القرآن الكريم من كون مريم عليها السلام قد إصطفاها الله تعالى على نساء العالمين كان على لسان النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو الذي أخبرنا بالقرآن وهو الذي أوحي إليه من الله تعالى ، ونقول كذلك بإعتبار الرسول ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحي أخبرنا وبلغنا ان فاطمة سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين ومريم سيدة عالمها فكما بلغنا الرسول القرآن في الآيات الأولى من اصطفاء مريم كذلك بلغنا بقوله حول ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام والشاهد على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه القصة هو ما ورد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال : « ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً ذات يوم ، وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام » فقال : اللهم إنك تعلم ان هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس علي فأحب من أحبهم وأبغض من ابغضهم وأوالي من والاهم وأعادي من عاداهم ... إلى أن يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حق فاطمة ... وإنها لسيدة نساء العالمين . فقيل يا رسول الله ، أهي سيدة نساء عالمها ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ذاك لمريم بنت عمران ؛ فأما إبنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين : وإنها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك بن الملائكة المقربين ، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم فيقولون : يا فاطمة ! ( إن الله إصطفاك وطهرك وإصطفاك على نساء العالمين ) 42 آل عمران (8) . الى آخر الحديث .
فيكون الحديث الحديث بمثابة تحديد لاطلاق كلمة العالمين التي وردت في الآية القرآنية فتكون النتيجة أن مريم سيدة نساء عالمها وفاطمة سيدة نساء الاولين والآخرين .
3 ) أما القرآن الكريم فلقد وردت كلمة تفضيل على العالمين ليست لمريم فقط بل جاءت لبني إسرئيل ولانبياء بني إسرائيل فمثلاّ قوله تعالى ( واسماعيل واليسع ويونس ولوط وكلا فضلنا على العالمين ) (9) .
فالآية الشريفة بينت أن الله تعالى فضلهم على العالمين هذا هو الظاهر منها ولكن من منا يقول إن هؤلاء الأنبياء أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وآل وسلم ، ولا يوجد أحد يقول ذلك فنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ، بل هناك فرقاً شاسعاً بينه وبينهم وخاصة نحن نرى أن القرآن الكريم يقول ( وتلك رسلنا فضلنا بعضهم على بعض ) ... إذن بلسان القرآن الكريم ان هناك فرقاً بين الأنبياء وهناك تفضيل بينهم ، وهذا دليل واضح على أنهم ـ أي هؤلاء الأنبياء ـ أفضل أنبياء زمانهم ، إذ من القرآن الكريم نستفيد أن هذا الاطلاق يحمل تقييده معه أي يحمل قيده .
وهناك شواهد أخرى تدل على هذه المسألة المطروحة في المقام ، فهذا القرآن الكريم يقول ( يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) . فالمعروف أن بني إسرائيل هم اليهود والقرآن يقول فضلتكم على العالمين فهل هناك إنسان مسلم أو مسيحي يقول أن اليهود أفضل من عليها أو أفضل من المسلمين ؟ لا شك ولا ريب لا أحد يقول بهذه المقالة إلا من كان منهم إذن ما معنى أني فضلتكم على العالمين ؟ هل لانه في زمانهم كثرة الأنبياء ؟ وهذا في الحقيقة لا يدل على الافضلية وإذا كانت ثمة أفضلية في المقام فهي للانبياء لكثرتهم لا لذلك الشعب المتحجرف فبالعكس أن كثرة الأنبياء تدل على كثرة الفساد وشدة الانحراف عن طريق الأنبياء والطغيان الذي ملأهم ، فالانبياء إنما يبعثون لحاجة البشر اليهم ، وهذا ما أخبرنا به القرآن الكريم حيث كان اليهود بقتلون الأنبياء بغير حق فكلما كان يقتل نبي يبعث نبي آخر وهكذا وفي ذلك يقول القرآن الكريم : ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ) (10) . ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ) (11) .
إذن كثرة الأنبياء تدل على سقوط ذلك الشعب وكفره وإنتشار الفساد فيه وليس تدل على أفضلية ذلك الشعب ، وبني إسرائيل تلك الأمة المنحرفه والتي لازال شرها الى الآن على العالم الاسلامي بل على كل العالم كانت في الحقيقة أمة غير ناجحة وفاشله جداً والسبب في ذلك هو تمردها على انبياءها وعلمائها وقديّسيها وقادتها وهذا هو السبب في فشلهم ، وعلى هذا الاساس تكون كلمة الاصطفاء على العالمين مثل كلمة التفضيل إذن من نفس مفردات القرآن الكريم نستفيد من كلمة عالمين أي عالم زمانها سواء كانت كلمة عالمين في قضية تفضيل اليهود أو تفضيل الأنبياء أو تفضيل مريم عليها السلام ، فتكون كلمة عالمين يعني عالم زمانها ليس إلاّ .
4 ) روي أن زكريا كلما دخل على مريم عليها السلام وهي في محرابها ( وكان آنذاك رئيس الهيكل اليهودي فإهتم بها وتفقد شؤونها ) وجد عندها طعاماً وعهده بها أن لا يدخل عليها أحد ، فسألها متعجباً : أنى لك هذا ! ... قالت هو من عند الله ـ أي لا بواسطة أحد من الناس ـ أن الله يرزق من يشاء بغير حساب .
ولا شك ولاريب أن هذه كرامة لمريم عليها السلام فهل في فاطمة الزهراء عليها السلام موجودة هذه الكرامة أن انها إختصت بمريم فقط فتكون مفضلة على الصديقة عليها السلام ؟ قلنا : نعم حدثت مثل هذه الكرامة لسيدة النساء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد جاء في تفسير روح البيان للشيخ اسماعيل حقي عند تفسير قوله تعالى حكاية عن مريم : ( هو من عند الله ) جاء في هذا التفسير ما نصه بالحرف : « جاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمن قحط ، فأهدت له فاطمة رغيفين ولحماً .. فأتاها وإذا بطبق عندها مملوء خبزاً ولحماً ، فقال لها : انى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فقال : الحمد لله الذي جعلك شبيهه بسيدة بني اسرائيل ، ثم جمع رسول الله علياً والحسنين ، وجمع أهل بيته عليه فاكلوا وشبعوا ، وبقي الطعام كما هو فأوزعت فاطمة على جيرانها » (12) .
وفي كتاب ذخائر العقبى لحب الدين الطبري « إن علياً عليه السلام استقرض ديناراً ليشتري به طعاماً لاهله ، فالتقى بالمقداد بن الاسود في حال ازعاج ولما سأله الإمام قال : تركت أهلي يبكون جوعاً ، فآثره بالدينار على نفسه وأهله وانطلق الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصلى خلفه وبعد الصلاة قال النبي لعلي : هل عند شيء تعيشنا به ؟ وكأن الله قد أوحى إليه ان يتعشى عند علي ، فأطرق علي لا يحير جواباً ، فأخذ النبي بيده ، وانطلقا الى بيت فاطمة ، وإذا بحفنه من الطعام فقال لها علي عليه السلام أنّى لك هذا ؟ قال له النبي : هذا ثواب الدينار ، هذا من عند الله يرزق من يشاء بغير حساب ، الحمد لله الذي أجراك يا علي مجرى زكريا واجراك يا فاطمة مجري مريم ، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً ... »(13) .
وعليه قد ثبتت هذه الفضيلة للزهراء عليها السلام ملما ثبتت لمريم سواء من طرق العامة أو الخاصة .
5 ) واستدل الكثير من العامة والخاصة بأفضلية فاطمة عليها السلام على مريم وخصوصا ما تواتر عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم م الخاصة والعامة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم « فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني » فهذا الحديث من المواترات وفيه دلاله على كونها من نور الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكونها لحمه ودمه فهو خاتم الرسل فانه تكون ابنته أفضل من ابنت عمران .
أوما قال خـاتم الرسل فيها * فاطم بضـعتي ولاى ولاها
فاطم روحي التي بين جنبي * وريـحانتي التــي أهواها
أيها الناس بــاب فاطم بـابي * مثلما قــد غدا حماي حماها
أيّها النـاس فأحفظوني فــيها * تاه فـي الغيّ من بسوء أتاها
6 ) إن فاطمة الزهراء عليها السلام أفضل من مريم بل هي سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين وهذا ما أثبته الحديث المروي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل : « ولقد كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله ، من الجن والانس والطير والوحش والأنبياء والملائكة » (14) وكذلك ماورد في الحديث الشريف عن أهل بيت العصمة أنه « ما تكاملت نبوة نبي من الأنبياء حتى أقر بفضلها ومحبتها وهي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الاولى » (15) .
فالذي يظهر من هذين الحديثين ان فاطمة مفروضة الطاعة على جميع الاولين والاخرين بما فيهم النساء والأنبياء والخلق كلهم وكذلك لا تتكامل نبوة نبي إلاّ أن يقر بفضلها ومحبتها ، فاذا كان حال الصديقة الكبرى هكذا مع الأنبياء فكيف مع مريم عليها السلام ولم تكن نبية ؟
7 ) ويمكن أن نستفيد من الحديث المروي عن شفاعة فاطمة الزهراء عليها السلام يوم القيامة وان لها الشفاعة الكبرى كما لأبيها رسول الله انها الافضل وانها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين بينما لا يوجد عندنا نص في شفاعة مريم عليها السلام فلذلك يكون هذا الحديث المروي عن شفاعة فاطمة دليل على كونها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين وإلا كيف يكون لها مقام الشفاعة ؟ واليك الحديث المروي في شفاعتها لمحبيها وشيعتها يوم القيامة .
* عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : لفاطمة وقفة على باب جهنم فاذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كلّ رجل : مؤمن أو كافر ، فيؤمر بمجب قد كثرة ذنوبه الى النار ، فتقرأ بين عينيه محباً ، فتقول : إلهي وسيدي سميتني فاطمة ، وفطمت بي من تولاني وتولى ذريتي من النار ، ووعدك الحقّ وأنت لا تخلف الميعاد . فيقول الله عزوجل : صدقت يا فاطمة إني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك وأحب ذريتك وتولاهم من النار ، ووعدي الحق وأنا لا أخلف الميعاد وإنما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفعك ، ليتبين لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك مني ومكانتك عندي فمن قرأت بين عينيه مؤمناً فجذبت بيده وأدخلته الجنّة (16) .
إذن لا يبقى أي أشكال في كون فاطمة سيدة نساء الجنّة وسيدة نساء العالمين والأولين والآخرين ولا تنافي في كون مريم قد دعمها القرآن الكريم وإن الله قد اصطفاها فإن ذلك كان في زمانها ولايمتد إلى زمان الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام ، هذا من جهة اصطفاء مريم وكيفية التوفيق بين ذلك ، امّا بالنسبة للمعجزة الربانّية التي خصت بها مريم عليها السلام والكرامة التي أعطاها الله تبارك وتعالى إياها وهي إنها ولدت عيسى من غير أب عيسى عليه السلام ، وإنه نبي من الأنبياء ، وهذا غير موجود في الصديقة فاطمة عليها السلام ولم يقع لها بل ولدت الحسن والحسين وزينب عليها السلام بالطريقة الطبيعية فتكون مريم مفضلة على فاطمة فيكون الجواب على ذلك :
إننّا لا نتصور ولا نصدق على أن يكون هذا دليلاً على أفضلية مريم عليها السلام لماذا ؟ لأنّه بالنسبة لولادتها لعيسى عليه السلام وحملها به من غير أب يكون وحسب رأينا القاصر لسببين :
1 ـ إن مريم عليها السلام حملت بعيسى بهذه الطريقة لأنّه لم يكن في بني إسرائيل كفوء لها فمن من بني إسرائيل يستحق أن يكون زوجاً للقديسة الطاهرة وأباً لعيسى عليه السلام هذا من جهة ، ومن جهة أخرى إنّها نذرت نفسها لخدمة بيت الله آنذاك ولذلك كان اصطفاءها من قبل الله تعالى والدليل على عدم وجود كفوء لها إنها عندما حملت بعيسى وولدته فقدوها بني إسرائيل في المحراب فخرجوا في طلبها وخرج زكريا فأقبلت مريم وعيسى في صدرها وأقبلت مؤمنات بني إسرائيل يبزقن في وجهها فلم تكلمهن حتى دخلت في محرابها فجاء إليها بنو إسرائيل وزكريا فقالوا لها « يا مريم لقد جئت شيئاً فرّيا » أي شيئاً عظيماً في المناهي « يا أخت هارون ما كان أبوك إمرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيّا » ومعنى قولهم يا أخت هارون إن هارون هل كان رجلا فاسقاً زانياً فشبهوها به يعني أين هذا البلاء الذي جئت به والعار الذي ألزمته بني إسرائيل ؟! فأشارت الى عيسى في المهد فقالوا لها « كيف نكلم في المهد من كان صبيّا » فأنطق الله عيسى عليه السلام فقال « إنّي عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقياً ، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّاً .
إذن عندما جاءت إلى بني إسرائيل تحمل الطفل الكل شمتوا بها وانقلبوا عليها كما قال القرآن الكريم في ذلك « يا أخت هارون » يعني شماته ... والقرآن الكريم حكى جانب من شماتتهم فمريم عرفت انه ليس في بني إسرائيل لها ناصر ولا يذكر القرآن الكريم إنّ هناك من وقف مع مريم وانبرى للدفاع عنها مثلاً حتى يقول إنها كانت إمرأة طاهرة تاريخها نظيف ، هذه كانت صاحبة معجزات في أحضان نبي فلا بد أن نرى القضية قبل أن نحكم عليها بهذه السرعة ، فمن هذا القبيل لم يوجد رجل دافع عنها فاذاً كان هكذا موقفهم معها فأين يوجد الكفوء لها حتى تتزوج به وتكون ولادتها طبيعية فأذن لا يوجد كفوء لها يشاركها المعجزة والكرامة ويتحمل إلى جانبها مسؤولية السماء فالأكثرية بل الكل كانوا أناس غير ملتزمين والدليل على ذلك إننّا نجد أيضاً ، بعض أنصار الأنبياء جرحوا الأنبياء ، أصحاب موسى عليه السلام مثلا وهكذا فما كان هناك كفوء . بينما توفر الكفوء لفاطمة عليها السلام ألا وهو سيد الأوصياء وأمير الموحدين علي أبن أبي طالب أي نفس الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكما أخبر بذلك القرآن ، فتوفر الكفوء اذن دلالة على عدم الحاجة الى المعجزه ، هذا مانتصوره في الجواب الأوّل .
بــنت النــبي الذي لولا هــدايـته *** مــا كــان للـحق لاعــين ولاأثـر
هــي التــي ورثت حـقاً مـفاخره *** والعطر فـيه الذي فــي الورد مــدّخر
تزوجت فـي السما بالمرتضى شــرفاً *** والشمس يقرنها فــي الرتــبة القــمر
2 ـ أما بالنسبة لمريم وانها ولدت نبياً ولم تلد فاطمة نبياً فهذا يرد عليه بأن ولادة النبياء في بني اسرائيل حتى وان كانت ولادتهم طبيعية أو غير طبيعية لا يدل ذلك أن الأنبياء من بني اسرائيل أفضل من أهل البيت عليهم السلم فلقد ثبت بالادلة القاطعه ان أهل البيت لا يدانيهم آل من الآل سواء آل عمران أو آل لوط ... وغيرهم ممن ذكرهم القرآن الكريم فهؤلاء لايصلون ولا يرتقون الى منزلة أهل البيت عليهم السلام وهذا مسلم به وحتى أن حديث الكساء يشير الى ذلك الأمر ، هذا الحديث الذي اعترف به أحقد من عليها ـ أي على الشيعة ـ ألا وهو ابن تيميه في كتابه منهاج السنة الذي ثنّى ركبتيه وشد الأحزم لنقض كل فضائل أهل البيت عليهم السلام وحتي الرواية التي يجدها تحمل فضيلة فإنه ينكرها من الأساس فيكون بذلك مخالف لإسلوب العلماء والذين يريدون التخلص مثلاً من رواية بإسقاط سندها وضعفه عن القيام بالحجية .
إذن فحديث الكساء الشريف أثبت أفضلية أهل البيت عليهم السلام من بقية الآل وهذا بالحقيقة يجعل هذا الحديث يتألق في سماء العقيدة والمعرفة فإنه فاطمة ولدت حسناً وحسيناً ولا يقاس بهم لانبي من أنبياء بني إسرائيل ولا وصي وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم « علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل » فيه دلالة واضحة على ذلك لأنه لو أخذنا وفسرنا أن علماء أمتي هم الأئمة عليهم السلام بالخصوص فيكون الأفضلية لفاطمة عليها السلام من هذه الجهة وأضف إلى ذلك أنّ عيسى بن مريم عليه السلام وكما وردت الروايات في ذلك إنّه سوف يصلي خلف الإمام المهدي « عج » عند ظهوره الشريف وأضف الى ذلك أنّه أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام كان يقينهم ثابت ووصل مرحلة لا يصل إليها أحد من أنبياء بني أسرائيل أليس القرآن الكريم يقول في حق نبي من الأنبياء « أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي » يعني لم يصل الى مرحلة الأطمئنان القلبي الراسخ الذي هو عبارة عن اليقين الحقيقي ، أمّا علي وأولاد علي عليهم السلام « لو كشف لي الغطاء ما إزددت يقيناً » .
إذن ولادة مريم لعيسى بالمعجزة الربانيّة وإنّه كان نبياً لا يدل أفضليتهما من الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وعليه كل الأدلة المطروحة حول ذلك مردودة ، وهذا لا يعني إنّنا نطعن بشخصية مريم أو نريد أن نقلل من شأنها بل أتخذناها عظيمة من العظيمات وقسنا عليها عظماء الأمة .
والثمرة في هذا البحث من الناحية العقائدية وحسب ما نتصوره أنّه عندما ثبت أنّها سيدة نساء العالمين وأنها أفضل النساء من الأولين والآخرين فإنّه سوف يكون ظلمها وعدم رعاية حقها من قبل الذين ظلموها والذين رضوا بذلك ذا وبال عليهم في الدنيا بلعنهم والبرائة من ظلمهم وأفعالهم بحقّ سيدة نساء العالمين وفي الآخرة الخزي والعذاب الأليم « إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً أليماً » . وأيضا الثمرة في ذلك هو أننا بقدر مفرفتنا بمقامات أولياء الله تعالى ـ ومنهم فاطمة عليها السلام ـ والتي ورد البحث عليها وعلى طلب المزيد منها ، نزداد عند ذلك معرفة الله تعالى لأنّه من عرفكم فقد عرف الله تعالى لأنهّم هم الداّلين عليه وعلى عظمته ، وهذا ثابت للزهراء عليها السلام كما ثبت للأئمة عليهم السلام .
وكذلك أنّه متى ما عرفنا أنّه فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين عرفنا عند ذلك انّ لها مقاماً سامياً وكرامة ربانيّة ، وخاصّة نحن نؤمن بأنّها كانت مفروضة الطاعة على جميع الخلق بما فيهم الملائكة والجنّ والأنبياء وإنّه ما تكاملت نبوة نبي حتى أقر بفضلها ومحبتها وعلى معرفتها دارت القرون الأولى ، كلّ ذلك له الأثر الكبير في أنّ يعمق ارتباطنا بفاطمة عليها السلام ويدخل حبها في قلوبنا وفي صميم عقائدنا ونزداد تقاعلاً مع ظلاماتها وماجرى عليها من الظلم والعدوان وعظيم المحن التي مرت عليها . وأخيراً نختم هذا البحث بما ورد من كلمات الأعلام حول ثبوت كونها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين والأمر لا يخلو من فائدة فيما نحن فيه ، وإليك أقوال المحدثين :
* قال ابن أبي الحديد : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مال إليها وأحبّها ، فازاد ماعند فاطمة بحسب زيادة ميله ، وأكرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إكراماً عظيماً أكثر ممّا كان الناس يظنّونه ، وأكثر من إكرام الرجال لبناتهم ، حتّى خرج بها عن حدّ الآباء للأولاد ؛ فقال بمحضر الخاصّ والعامّ مراراً لا مرّة واحدة ، وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحدٍ « إنها سيّدة نساء العالمين ، وإنّها عديلة مريم بنت عمران ، وإنّها إذا مرّت في المواقف ناد منادٍ من جهة العرش : « يا أهل الموقف غضوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله » ، وهذا من الأحاديث الصحيحة (17) ...
* وقال شهاب الدين الآلوسيّ : عن ابن عبّاس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « أربع نسوة سادات عالمهّن : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، وأفضلّهن عالماً فاطمة » .. ووالذيّ أميل إليه أنّ فاطمة البتول أفضل النساء المتقدّمات والمتأخرات من حيث إنّها بضعة رسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ومن حيثيّات أخرى أيضاً ، ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة لجواز أن يراد بها أفضلّية غيرها عليها من بعض الجهات ، وبحيثّية من الحيثيّات ...
إذ البضعيّة من روح الوجود وسيّد كلّ موجود ، لا أراها تقابل بشيء ، وأين الثرّيا من يد المتناول ؟ ومن هنا يعلم أفضليّتها على عائشة رضي الله تعالى عنها الذاهب إلى خلافها الكثير محتّجين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « خذوا ثلثي دينكم عن الحميراء » ...
وأنت تعلم ما في هذا الإستدلال ، وأنّه ليس بنصّ على أفضليّة الحميراء على الزهراء ، أمّا أوّلاً ، فلأنّ قصارى ما في الحديث الأوّل على تقدير ثبوته إثبات أنّها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدين ، وهذا لا يدلّ على نفي العلم المماثل لعلمها عن بضعته علهي الصلاة والسلام ، ولعلمه صلى الله عليه وآله وسلم أنّها لاتبقي بعده زمناً معتدّاً به يمكن أخذ الدين منها فيه لم ـ يقل فيها ذلك ، ولو علم لربمّا قال : خذوا كلّ دينكم عن الزهراء ... على أنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم « إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض » يقوم مقام ذلك الخبر وزيادة كما لا يخفى . كيف لا ، وفاطمة رضي الله تعالى منها سيّدة تلك العترة (18) .
* وقال العلاّمة المجاهد السيّد شرف الدين رحمة الله : تفضيلها على مريم عليها السلام أمر مفروغ عنه عند أئمة العترة الطاهرة وأوليائهم من الإماميّة وغيرهم ، وصرّح بأفضليّتها على سائر النساء حتّى السيّدة مريم كثير من محققّي أهل السنّة والجماعة كالتقيّ السبكيّ ، والجلال السيوطيّ ، والبدر ، والزركشيّ ، والتقّي المقريزيّ ، وابن أبي داود ، والمناوي فيما نقله عنهم العلاّمة النبهاني في « فضائل الزهراء » ص 59 من كتابه « الشرف المؤبّد » ، وهذا هو الّذي صرّح به السيّد أحمد زيني دحلان مفتي الشافعيّة ونقله عن عدّة من أعلامهم ، وذلك حيث أورد تزويج فاطمة بعلّي في سيرته النبوّية (19) حتّى مريم رضي الله عنها ، كما اختاره المقريزيّ والزركشيّ والحافظ السيوطيّ في كتابه « شرح النقابة » و« شرح جمع الجوامع » بالأدلّة الواضحة التّي منها أنّ هذه الأمّة أفضل من غيرها ، والصحيح أنّ مريم ليست بنبيّة بل حكي الإجماع على أنّه لم يتنبأ امرأة قطّ .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم « مريم خير نساء عالمها ، وفاطمة خير نساء عالمها » (20) رواه الترمذّي . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «يابنّية ، ألا ترضين أنّك سيدّة نساء العالمين ؟ قالت : يا أبت فأين مريم ؟ قال : تلك سيدّة نساء عالمها » رواه ابن عبدالبرّ . وقد أخرج الطبراني بإسناد على شرط الشيخين ، قالت عائشة : « مارأيت أحداً قطّ أفضل من فاطمة غير أبيها » (21) ...
وروي المجلسيّ « ره » قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : قالت فاطمة سيّدة نساء العالمين من الأوليّن والآخرين ، وإنها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون ألف ملك من المقرّبين ، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم ، فيقولون : يا فاطمة « إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين » (22) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية امرأة فرعون » . وفي رواية مقاتل والضحّاك وعكرمة عن ابن عباس : « وأفضلهنّ » . وعن محمد بن سنان ، عن المفضّل قال : قلت لأبي عبد الله عليها السلام : أخبرني عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فاطمة : « إنّها سيّدة نساء العالمين » أهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين (23) .
وعن الحسن بن زياد العطّار قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ، أسيّدة نساء عالمها ؟ قال : ذاك مريم ، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين (24) .
وقال النبّي صلى الله عليه وآله وسلم : الحسن والحسين خير أهل الأرض بعدي وبعد أبيهما ، وأمّهما أفضل نساء أهل الأرض .
وفي الحديث : إنّ أسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران ، وخديجه يمشين أمام فاطمة كالحجاب لها إلى الجّنة .
* وروي السّيد الشبّر رحمه الله عن النبّي صلى الله عليه وآله وسلم : « فاطمة خير نساء أمتي إلاّ ما ولدته مريم » . ثمّ قال : وأحسن توجيهاته على تقدير صحّته أن تكون فيه « إلاّ » بمعنى الواو كما ذكره أهل العربيّة ، وحمّلوا عليه قوله تعالى « لئلاً يكون الناس عليكم حجّة إلاّ الّذين ظلموا » (25) ، ويكون المعنى أنّها خير نساء أمتّي وخير نساء أمّة ماولدته مريم وهو عيسى ؛ وخصّص تلك الامّة بالذكر لكثرة النساء الصالحات العابدات فيها دون أمم سائر الأنبياء (26) .
فاطمة سيدة نساء العالمين
إن قــيل حـوّا قـلت فـاطم فـخرها *** أو قــيل مــريم قـلت فـاطم أفـضل
أفــهل لحـــوّا والـــد كــمحمّدٍ *** أم هــل لمــريم مــثل فـاطم أشـبل
كـــلّ لهــا عــند الولادة حــالة *** مــنها عــقول ذوي البــصائر تـذهل
هــذي لنــخلتها التـجت فـتساقطت *** رطــبا جــنيّاً فــهي مــنه تأكــلّ
وضعت بـعيسى وهـي غـير مـروعةٍ *** أنّــي وحــارسها السّـرىّ الأبسـل
وإلى الجـدار وصفحة البــاب التـجت *** بـنت النّــــبيّ فأسـقطت مـا تـحمل
سـقطت وأسـقطت الجــنين وحـولها *** مــن كــلّ ذي حسبٍ لئـيم جـــحفل
هـــذا يـــعنّفها وذاك يـــدعّها *** ويـــردها هـــذا وهـــذا يــركل
وأمــامها أســد الأســود يــقوده *** بــالحبل قــنفذ هــل كـهذا مـعضل
ولســوف تأتـي فـي القـيامة فـاطم *** تشكـــو الى رب الســماء وتـــعول
ولتـــعرفنّ جـــنينها وحـــنينها *** بشكـــايةٍ مــنها السّــما تـــتزلزل
ربّـــاه مــيراثـي وبــعلي حـقّه *** غــصبوا وأبــناثي جــميعاً قـتّلوا (27)
المصادر :
1- مصابيح السنّة : 108 ، ومرآة المؤمنين : 184 ، ومنال الطالب : 22 ، وغالية المواعظ : 2 / 73 ، والبداية والنهاية : 3 / 206 ووسيلة النجاة : 207 و عشرات المصادر الاخری
2- الخصائص : 225 ، وسائل الشيعة : 1 / 225 ح 58 ، البحار : 14 / 201 ح 11 .
3- الفصول المهمة ص 127 ، مطالب السؤول ص 10 / شرح ثلاثيات مسند أحمد 2 / 511 . احقاق الحق 10 / 100 ، 19 / 49 .
4- قلائد الدرر على مافي الاحقاق : 10 / 99 .
5- مسند احمد ج 1 / 293 ، رواه مثله في الاسيتعاب : 4 / 376 ، ومستدرك الحاكم : 2 / 497 ، وج 3 / 160 من طريقين والإصابة : 4 / 378 ، وتهذيب التهذيب : 12 / 441 ، ومرآة المؤمنين : 184 ، وسير أعلام النبلاء : 2 / 126 ، وتهذيب الكمال : 22 ، وجامع الأحاديث : 685 ، وتفسير القرآن لابن كثير : 9 / 467 ، وكنز العمّال : 12 / 143 ، ومنتخب كنز العمّال : 5 / 284 ، والفتح الكبير : 1 / 214 ، وقصص
6- تفسير الكاشف : 2 / 59 .
7- آل عمران : آية 42 .
8- أمالي الصدوق : 393 / ح 18 ، عنه البحار : 43 / 24 ح 20 / تأويل الآيات : 1 / 111 ح 17 نور الثقلين : 1 / 281 ح 135 . اثبات الهداة : 1 / 538 ح 166 . بشارة المصطفى : 218 روضة الواعظين 180 ، غاية المرام 52 ح 32 .
9- الانعام : آية 86 .
10- البقرة : آية 61 .
11- النساء : 155 .
12- الخرائج والجرائح : 528 ح 3 ، البحار : 43 / 27 ح 30 ، الثاقب في المناقب : 295 تفسير الثعلبي : 202 / ، فرائد السمطين : 2 / 51 ، ابن كثير البداية والنهاية : 6 / 111 وروح المعاني : 3 / 124 ، الدرر المنثور : 2 / 20 ، واحقاق الحق : 3 / 538 .
13- ذخائر العقبى : 45 ، كفاية الطالب : 367 ، ووسيلة المآل : 89 ، ينابيع المودة : 199 ، كشف الغمة : 1 / 469 ، أمالي الطوسي : 2 / 228 البحار : 43 / 59 ح 51 .
14- دلائل الإمامة : 28 .
15- البحار : 43 / 105 .
16- البحار : 8 / 51 .
17- « شرح النهج » : 9 / 193 .
18- تفسير روح المعاني : 3 / 155 .
19- هامش النصّ والاجتهاد : المورد ، 114 .
20- إنما قال « عالمها » لأنّ عالمها أفضل من عالم مريم كما صرّح به المؤلف آنفاً . « فاطمة مهجة قلب المصطفى 95 .»
21- « السيرة الحلبيّة » : 2 / 6 .
22- البحار : 43 / 49 ، وقد تقدم ، والآية في آل عمران ، 42 .
23- العوالم : 11 / 46 ، 49 .
24- « العوالم » : 11 / 49 ، 51 .
25- البقرة : آية 150 .
26- « مصابيح الأنوار » 2 / 393 ، 394 .
27- القصيدة للمرحوم الشيخ محسن أبو الحب الكبير

 

الكلمات الرئيسية :

فاطمة

,

سيدة

,

العالم

,

نساء

,

العامة

,

الخاصة

اضف التعليق