ممتلکات الانبیاء

 





 

توجد في القرآن الكريم عدّة نصوص تتعلّق بالأموال التي يملكها النبيّ والإمام باعتبار المنصب الإلهي الذي يشغلانه .
فهناك نصٌّ في الأنفال وهو قوله تعالى : «يَسْألُونَكَ عَن الأنْفَالِ قُل الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ »(1).
ونصٌّ آخر في الفي‏ء ، وهو قوله تعالى : «وَمَا أفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ٍ قَدِيرٌ * مَا أفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ »(2).
ونصٌّ ثالثٌ في الخمس ، وهو قوله تعالى : «وَاعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ »(3).
والأنفال كما حدّدت في الروايات هي مجموعة الأموال التي منحت الشريعة ملكيّتها للنبي والإمام باعتبار المنصب لا الشخص ، وقد فصّلت أنواع هذه الأموال في الروايات :
ففي رواية إسحاق بن عمّار قال : سألتُ أبا عبداللَّه عليه السلام عن الأنفال فقال : « هي القرى التي خربت وانجلى أهلها فهي للََّه‏وللرسول وما كان للملوك فهو للإمام ، وما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب .
وكلُّ أرضٍ لا ربَّ لها ، والمعادن منها . ومن مات وليس له مولى فماله من الأنفال »(4) .
والفي‏ء نوعٌ من الأنفال ، لأنّه عبارة عن الغنائم التي حصل عليها المسلمون من الكفّار بدون قتال نتيجةً لاستسلامهم ، وهو لهذا يكون ملكاً للنبي والإمام كسائر أنواع الأنفال .
غير أنّ النصَّ القرآني في سورة الحشر استعرض مصرف الفي‏ء ، حيث نفى في الآية الأولى اختصاص المقاتلين به لأنّه لم يوجف عليه بخيلٍ ولا ركاب ، وأثبت في الآية الثانية أ نّه «لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ».
وهذا لا يعني أنّ الفي‏ء ملكٌ لهذه الجهات لكي يكون معارضاً مع الحكم بملكيّة النبي للأنفال بما فيه الفي‏ء ، فإنّه لا تنافي بين كون النبي هو المالك باعتبار المنصب ، وكون المصالح المرتبطة بتلك الجهات هي المصرف .
فالآية بصدد بيان المصرف ، كآية الزكاة «إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ »(5)، وليست بصدد بيان المالك .
وهكذا يستخلص من مجموع آيتي الأنفال والحشر تحديد المالك وتحديد المصرف .
ونحن نرجّح هذا في تفسير آية الفي‏ء ، إذ نستظهر وحدة الموضوع في الآيتين المتعاقبتين ، خصوصاً مع عدم تكرار ( الواو ) في صدر الآية الثانية .
وأمّا ما ورد من أنّ الآية الاُولى واردة في الفي‏ء والثانية واردة في خمس الغنيمة ، فهو ضعيف السند ، ولهذا لا يُمكن الاعتماد عليه‏(6) .
ويظهر من بعض الروايات تنزيل الأنفال منزلة الفي‏ء في الأحكام : فقد جاء في رواية الحلبي أنّ « الأنفال مثل ذلك هو بمنزلته »(7) ، فإذا ثبت في الآية ما هو مصرف الفي‏ء باعتباره فيئاً بعد إلغاء خصوصيّة أهل القرى ، فيثبت التنزيل كون ذلك مصرفاً للأنفال بشكل عام .
وبذلك نعرف أنّ الأنفال حين حدّد له المصرف المذكور في آية الحشر اُريد به أن يكون أحد الأدوات الفعّالة للضمان الاجتماعي وإيجاد التوازن العام بمفهومه الإسلامي ، والحيلولة دون التناقضات الصارخة في التوزيع .
الأنفال باللغة
الأنفال في أصل اللغة مشتقة من الجذر "نَفَل"، حيث يقول صاحب معجم لسان العرب: « النَّفَلُ، بالتحريك: الغَنِيمة والهِبَة...، والجمع أَنْفالٌ ونِفالٌ...، نَفَّلَهُ نَفَلًا وَأَنْفَلَهُ إِيَّاهُ ونَفَلَهُ، بالتخفيف، ونفَّلْتُ فُلانًا تَنْفِيلًا: أَعْطَيْتُهُ نَفَلًا وغُنْمًا.
وَنَفَّلَ الإمامُ الجُنْدَ: جَعَلَ لَهُم ما غَنِمُوا. والنَّافِلَةُ: الغَنِيمة...، وصلاةُ التطوع نافلة لأنها زِيادةُ أَجْرٍ لَهُم على ما كُتِبَ لهم من ثَوابِ ما فُرِضَ عَليهم...، وكُلُّ عَطِيَّةٍ تَبَرَّعَ بها مُعْطِيها من صدقةٍ أو عمل خير فهي نافلة. ابن الأعرابي: النَّفَلُ الغنائم، والنَّفَلُ الهبة، والنَّفَلُ التطوع. » الأنفال بالقرآن الكريم
وقد جاء ذكر الأنفال في قوله تبارك وتعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)(8).
وقد سميت السورة التي جاءت بها هذه الآية بسورة الأنفال، وهي سورة مدنية، إلا البعض من آياتها التي نزلت في مكة.
وعدد آيات هذه السورة خمسٌ وسبعون آية. وقد بين أهل التفسير أن السبب في نزول الآية السابقة هو تساؤل بعض المسلمين عن الغنائم التي غَنِمها المسلمون في يوم بدر، والنزاع الذي حصل بين بعضهم فيها، فبين الله تعالى في هذه الأية أن الأنفال هي لله والرسول. ولعلماء التفسير عدة أقوالٍ في معنى كلمة الأنفال الواردة في الآية السابقة.
وهي على النحو التالي:
أن الأنفال هي الغنائم كلها التي غَنِمَها المسلمون يوم بدر.
أن الأنفال هي أنفال السرايا. ومعنى أنفال السرايا: ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قَسَمِهِم مع بقية الجيش.
أن الأنفال هي كل ما ناله وأصابه المسلمون من المشركين بغير قتال، من متاع، أو دواب، أو عِدَّة، أو أسلحة، أو ما شابه ذلك، وهو ما يسمى عند العلماء بـ (الفيء).
أن النفل هو الخمس الذي جعله الله لأهل الخُمُس.
أن النفل هو خمس الخمس. إن القول الأول من هذه الأقوال، والذي ينص على أن الأنفال هي الغنائم كلها، هو القول الذي عليه عامة أهل التفسير، فالأنفال هي الغنائم التي وقع بين المسلمين نزاعٌ على قسمتها، فبين الله تعالى في هذه الآية أن قسمة هذه الأنفال راجعة لله ولرسوله.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يُقَسِّم هذه الغنائم بأمر من الله تعالى وفق ما تقتضيه المصلحة العامة. ولكن من المفسرين من يقول بأن الآية الأولى من سورة الأنفال منسوخة بآية أخرى، ومنهم من نفى ذلك.
المصادر :
1- الأنفال : 1
2- الحشر : 6 - 7
3- الأنفال : 41
4- وسائل الشيعة 9 : 531 - 532 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام ، الحديث 20
5- التوبة : 60
6- تهذيب الأحكام 4 : 134 ، الحديث 10 ؛ وسائل الشيعة 9 : 527 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام ، الحديث 12
7- تهذيب الأحكام 4 : 133 ؛ وسائل الشيعة 9 : 527 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام ، الحديث 11
8- الأنفال: 1