عضویت پارسی English
قال الامام علی علیه‌السلام: إنتَظِرُوا الفَرَجَ و لاتَیأَسوا مِن رَوحِ اللهِ. بحارالأنوار، ج52، ص123

عدد المشاهدات : 457

4 ربیع الثانی 1438

الوحدة والاتّحاد

الوحدة والاتّحاد

 الوحدة والاتّحاد

 





 

قال جلّ اسمه في الكتاب المبين العزيز : (وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميِعَاً وَلا تَفَرَّقُوا) (1).
وظاهر الآية الإرشاد إلىٰ ما في الاتحاد من المصلحة وما في الافتراق من المفسدة؛ وهما من الاُمور الوجدانية التي يدركها كلّ من له شعور كما يدرك عوارضه الشخصيّة ، وحكم العقل بذلك أشدّ وضوحاً من حكمه بحسن الإحسان وقبح الظلم والعدوان.
ولا يتوقّف تحقّق الاتّحاد علىٰ عدول كلّ إلىٰ ما عليه الآخر؛ لأنه غير مقدور لذهاب الأدلّة إلىٰ غير ما يراه الآخر ، فقد تؤدّي به إلىٰ أن حكم الله دائر مدار اجتهاد المجتهد ، فما أدّىٰ إليه نظره بعد بذل ، وسعه وطاقته في استنباط الحكم فهو حكم الله في حقّه وحقّ مقلّديه ، وهو علىٰ قوله بالتصويب فيه إشكال عند الآخر. مضافاً إلى أن رجوع الشافعيّ إلى الحنفيّ ليس بأولىٰ من رجوع الحنفيّ إليه ، وكذا في غيرهما ، ومخالف لما اتّفق عليه إخواني من أهل السنة وهو : أن من أخذ بقول واحد من الفقهاء الأربعة فقد أصاب ، وعمل بالصواب ، وكان معذوراً يوم الحساب (2).
ولا ينافي تحقّق الاتّحاد بيان ضعف دليل الآخر أو بطلانه بالحجّة الواضحة ، ليرجع عن الخطأ في القول. ولا ينافيه تنويه كلّ بمذهبه بما لا يمسّ مذهب الآخر ، كما لا ينافي تحقّق الاتّحاد الاختلافُ في الفروع؛ لوقوعه بين أئمّة المذاهب ، بل في المذهب الواحد.
والكلّ مأجور فيما أصاب ومعذور في الخطأ؛ لأخذه بالحجج والبيّنات والبراهين والدلالات. فما أدّىٰ إليه رأيه بحسبها فهو الحقّ اليقين ، ولا يضرّه الخلاف فيه ولا قلّة القائل به. كما لا ينفع كثرة القائل به؛ إذ لم يكن دليل عليه ولا حجّة لقائله.
وفيما أعلم أنْ ليس أحد من الفقهاء إلّا وعنده رأي يخالفه الآخر فيه ، ولا فرق بين ما تفرّد به أبو حنفية والشافعي في الفروع الشرعيّة من الآراء الّتي لا موافق لهما فيها.
ولا يقول أحد من إخواني المسلمين : إن الشافعيّة والحنفيّة معذورون فيما انفردوا والشيعة غير معذورين فيما انفردوا؛ إذ لا أظن أن أحداً من المسلمين يقول بأن أبا حنيفة يجوز اتّباعه ، وجعفر بن محمد لا يجوز اتّباعه والأخذ منه. مع أن أبا حنيفة كان يأخذ عنه ويتعلّم منه. وقد صحّ ذلك عند إخواني المسلمين وذكروه في كتبهم؛ كعبد الحميد المعتزلي (3) والقوشجي الأشعري وغيرهما (4).
حديث : أهل بيتي عدول
وقد قال النبي صلى الله عليه واله : «في كلّ خلف من اُمّتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (5).
وقد تواترت بذلك الأخبار وتظافرت ، وتطابقت الأحاديث الصحيحة وتناصرت ، وصرّحت تصريحاً لا يتطرّق إليه الاحتمال ولا يشوبه الإجمال.
وكفاك خبر التمسّك بالثقلين ، فهو نصّ صريح في لزوم متابعة الأئمّة من آل الرسول صلى الله عليه واله في الأقوال والأفعال علىٰ جميع الاُمّة ، وبراءة ذمّة المكلّف باتّباع أحدهم.
وقد أخرجه الترمذيّ ومسلم عن زيد بن أرقم ، وأحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدريّ. وأخرجه أحمد والطبرانيّ أيضاً في (الكبير) عن زيد بن ثابت. وأخرجه أحمد أيضاً عن زيد بن أرقم. وأخرجه البزاز عن اُمّ هاني.(6)
وطرقه كثيرة ، قال ابن حجر في (الصواعق) : (قد روىٰ هذا الحديث ثلاثون صحابياً) (7).
وقال في (ينابيع المودّة) : (إنّه عن نيف وعشرين صحابياً) (8).
ومنها خبر السفينة (9) ، وقد روي بطرق كثيرة صحيحة السند ، واضحة الدلالة.
فالشيعة علىٰ ثقة من أمرهم ، وتثبّت في طريقتهم ، ويقين في عقيدتهم ، لا في ضيق مجال لفقدان الدليل ، ولا في ضعف عن الاستدلال ، ولا في عجز عن رفع الشكّ والإشكال ، ولا يعتريهم في شبه المشبهين انزعاج ولا زلزال. كما هو حالهم في جميع عقائدهم من الاُصول والفروع ، فهم في جميع ذلك علىٰ حجة ودليل.
نعم ، يتوقّف صدق الاتّحاد علىٰ سدّ أبواب الانتقادات المذهبيّة ، ونظر كلّ فرقة إلى الاُخرىٰ كنظر بعضهم إلىٰ بعض. فبه يحصل الإخاء التامّ الّذي جاء به الإسلام ، وينتظم عقد اجتماعهم ، وتحصل الغاية المقصودة والضالّة المنشودة.
ولا تحصل حقيقة الاتّحاد بتزويق العبارات وتنميق المقالات ، ولا بالظواهر والمظاهر دون الحقائق والجواهر ، بل لابدّ من عوامل نفسيّة تؤدّي إلى النجاح؛ من إرادة جدية ، وحركة جوهريّة ، عملاً لا قولاً ، وجدّاً لا هزلاً ، بصفة مَرضيّة وأعمال عطرة مسكيّة ، وجعل كلّ مصلحة نوعيّة فردية ، واستعمال قانون العدل وميزان القسط وناموس النصَف في كلّ قضيّة ، بخلق فاضل بحقيقة راهنة بعاطفة كريمة بنفس زكيّة ، كوارثَين متساويَين صالحَين عادلين اقتسما ميراثهما بالسويّة.
ويكون ذلك بتقييد النفوس الشهويّة بقيود العقل والرويّة ، وبسعي كلّ فرد من المسلمين في مصلحة أخيه كسعيه في مصلحته الذاتيّة بنفوس وأيدٍ متّحدة وقلوب مؤتلفة غير متناكرة؛ فإنّ قلوب المؤمنين جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، والمرء مع من أحب.
وقد جبلت النفوس علىٰ حبّ من أحسن إليها ، وإن الله تعالىٰ للمسلم عون مادام عوناً لأخيه ، ويجعل الله له المخرج من كلّ ضيق : (ومن يَتَّق اللهَ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجَاً) (10).
فبذلك تثبت في المجتمع الإسلامي كلمتهم وتنقطع سلسلة الشقاء والعناء عنهم.
فكلمة التوحيد دينهم والدعوة إليها ديدنهم ، والتآزر والتعاضد والتساعد دأبهم وتبادُلهم الصفاءَ سجيّتهم ، والنصَف والعواطف الكريمة أخلاقهم. والاتّحاد بهذا المعنىٰ غير موجود ، بل يكاد [يكون] تحقّقه عندنا من المستحيلات.
كيف ، والكلّ ينظر إلى الآخر بعين السخط والغضب ، وبعين الحقد والحسد وبعين العدوّ الألد! فإنْ جامل في القول فذو لسانين ، وإنْ أظهر الولاء فذو وجهين. فمجاملته للمخاتلة ، ومصانعته للمخادعة؟

محاورة مع البعض من أهل السنّة

وقد جرىٰ ذلك بمحضر جماعة يظهرون حبّ الوحدة والاتّحاد ، قولاً لا فعلاً ، ويبطنون الحسد والأحقاد. فلمّا انصرف الرقيب قابل رجل منهم زملاءه بوجهه الثاني ، قائلاً : ليس الوحدة والاتّحاد إلّا أخلاق جبناء النفوس ، فعلىٰ ماذا تكونون أهل خير وثروة وعزّة وقوة وغيركم محروم؟ فلا سعي إلّا في المصالح الذاتيّة.
فما يهمّني إنْ قويت وضعفتهم؛ ولا يزعجني إنْ سلمت وهلكتم. فلا صلاح ولا نجاح إلّا ما وصل إلىٰ نفسي ، ولا يتفاوت الحال كأن طريقة التقاطع أو التواصل أو النميمة أو الفتن. فلا ردّ الوديعة واجب ، ولا الظلم حرام إذا كان هناك مصلحة شخصيّة توفر الماليّة.
إلىٰ غير ذلك من أهازيج الأقوال وسمادير (11) المقال ، فأخذ من الجهل جلبابه ، ومن الفتن دينه ومن النميمة ديدنه ، ومن ضغائن القلب وشحن الصدور ونكر النفس أخلاقه ، فهو علىٰ ضدّ الوحدة والاتّحاد ، والإخلاء التامّ الّذي جاء به الإسلام. لا يردع بقول زاجر ، ولا يزيده الوعظ إلّا عتوّاً وعناداً واستكباراً.
هذا كتاب الله يدعو إلى الاعتصام بالوحدة وينهىٰ عن الافتراق بقول : (واعْتَصِمُوا بَحَبْلِ اللهِ جَميِعَاً وَلَا تَفَرَّقُوا) (12).
ويقول : (ولَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُم) (13).
وهذه شمس العقل مشرقة وأنواره مضيئة ، تكشف عن ضرورة الاتّحاد ومضرّة الاختلاف. وهؤلاء الزعماء المصلحون حجج الإسلام آيات الله في الأنام ، ينادون وقد طار نداؤهم كلّ مطير بأن داء المسلمين اختلافهم ودواءه اتّفاقهم ، صادعون بما اُمروا من توحيد الكلمة في كلمة التوحيد ، ودخول من يدين بها تحت عنوانها ، بعنوان واحد ومعنًى فارد ، متمسّكون بالعروة الوثقى الّتي لا انفصام لها ، باذلون جهودهم السامية ، ومقاصدهم العليّة الباعثة لروح الحياة في المجتمع الإسلامي.
وهؤلاء هم الداة المصلحون والرجال الناصحون الذين رموا نحو هدفهم فأصابوا ، وبعثوا للنفوس ما يشوقها وإلى الأسواء ما يقطع جرثومتها ، صارخين في الجهات الأربع بضرورة الاتحاد.
وكفاك شاهداً علىٰ ضرورة الاتّحاد ومضرة الاختلاف ، سيرة نبيّنا محمد صلى الله عليه واله. جاء صادعاً بما اُمر من توحيد الكلمة في كلمة التوحيد ، مخلصاً في توحيد الله ، قائماً بأمره منزجراً عن نهيه ، فانياً في العبادة ، مهذّباً للأخلاق ، مربيّاً للنفوس ، مغذّياً لها بنور الحق والمعرفة؛ فمهدت له سبل التوفيق وهُيِّئت له عوامل النجاح ، فاستطاع بعون الله تحويل أهل من ديانة إلىٰ ديانة ، مع ما هم فيه من العصبية والنخوة والفظاظة وغلظة القلب ، فقبّح أفعالهم وذمّ آراءهم ، وأبطل سننهم الراسخة في قلوبهم ، المتمكنة في ضمائرهم ، بأساليب عجيبة؛ لأنه كان صلى الله عليه واله واقفاً علىٰ دقائق أخلاقهم ، محيطاً بغوامض أمزجتهم ، رقيق القلب لطيف الحس ، يعامل كل واحد المعاملة اللائقة به ، المناسبة له.
وهذه من الحكم التي يخصّ الله بها من يشاء من عباده ، ويحرمها من يشاء. ولهذا الاختصاص والحرمان أبلغ الأثر في التوفيق والإخفاق.
وقوله صلى الله عليه واله : «الأرواح جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (14).
وقوله صلى الله عليه واله : «جبلت القلوب علىٰ حبّ من أحسن إليها» (15).
يرمى إلىٰ هذه الحكمة؛ لأن الإنسان غالباً مركّب من شخصيّات عديدة ، لا تظهر إلّا في أحوال وأوقات خاصّة ، فإذا تغيّرت تلك الأحوال والأوقات تغيّرت تلك الشخصيّات ، فقد يكون هادئاً وإذا به يصبح ثائراً ، وقد يكون رقيق القلب وإذا قاسياً. فإذا
جهل أهل المراتب السامية هذه الأجزاء النفسيّة ، فقد يؤدّي بهم الإخفاق إلى الذهاب بحياتهم ، أو إلى القضاء علىٰ [حياة بلادهم]
فإذا نظرت إلىٰ سيرته صلى الله عليه واله تجد الحجّة البالغة والعلم الإلهيّ ، وتعرف غايته المقصودة ، وهي توحيد الكلمة في كلمة التوحيد ، ومحبّته للاتحاد وكراهته للاختلاف.
وصاحب الشريعة الإسلاميّة قد أوضح تلك الأسرار النافعة والجوامع الطيّبة ، بالفعل تارة وبالقول اُخرىٰ. وقد تمركز ذلك في الأذهان وفي قلب كلّ من له شعور ، علىٰ نحو الاقتصاد؛ فهو يؤثّر أثره الطيّب ويثمر ثمره الجنيّ مالم تمنع الموانع.
فيا إخواني ، المسلمين لن تصلوا إلى الغاية المقصودة والضالّة المنشودة ما لم يحفظ كلّ منكم حقّ أخيه بميزان عدل ، وقانون قسط ، وناموس نصف.
فليس من ميزان العدل وقانون القسط وناموس النصف أنْ يقابل المظلوم في حق أو الداعي في عدل برميه بالتفيق والمشاغبة ، بل يوزن بميزان الحق؛ فإنْ كان مظلوماً نصر وإنْ كان ظالماً اُرشد ـ وهو معنىٰ : «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» (16) ـ إنْ أمكن ، وإلّا جودل بالّتي هي أحسن بلطف ولين ، وبرهان ساطع مبين ، لا بالتحقير والإهانة فتشعل نار الحقد والبغضاء؛ فيتسلّط العدوّ من الأجانب والأغيار ، لما تعلم أن في كلّ محيط وبيئة من البيئات الإسلامية من جاس خلالها ، ساعياً في استئصالها بكل وسيلة خفيّة.
فيا أيها المسلمون ، أما في ذلك جامع لاختلاف الكلمة؟ أما في ذلك موجب للتساعد والتعاضد؟ أما في ذلك مشعل لنار الحميّة والغيرة؟ أما في ذلك مزيل للأضغان والأحقاد؟ أما في ذلك مقتضٍ للاتّحاد؟ ألستم أهل النفوس الأبيّة؟ ألستم أهل الاُنوف الحميّة والشيمة العربية؟! أما في شدّة تلك الآلام باعث لاستيقاظ عزائمكم؟ أما في كلّ ذلك مقتضٍ لاستعمال نواميس النصف؟ أمن العدل أن يغصب الفرد حقّ الآخر أو يسلبه ما له أو يسلبه ما له أو يستعبد نفسه؛ وذلك لما يثبته لنفسه من العظمة؟
فإذا عظم قدره عنده استحقر من سواه فأبعده وأقصاه ، ورأىٰ أن حقّه أنْ يقوم بين يديه. وإذا لقي أحداً انتظر حتّىٰ يبتدئ بالسلام ، وإذا نوظر أنف أنْ يردّ الكلام ، وإذا رد عليه غضب ، وإذا أسدىٰ لأحد نوعاً من المعروف انتهره وامتنَّ عليه واستخدمه ، وإذا وعظ بالغ في النصح ، وإذا وُعِظَ امتنع عن القبول وأخذته العزة بالإثم. وإذا قويت تلك الصفة امتنع عن قبول الحقّ إذا أتىٰ به غيره ، فتراه يناظر في مسائل الدين ، ومتى اتّضح الحقّ علىٰ لسان غيره شمّر لجحده ، واحتال لدفعه بالنقض والإبرام لقصد الغلبة والإفحام ، فلا يغتنم الحقّ ولا يدرك المرام.
فكم من مشتاق إلى العلم باقٍ في رذيلة الجهل؛ لاستنكافه عن تحصيله من أهله ، أو لحسده وإن كان يعلم بضعة نفسه ، وكم قاصدٍ إفحام غيره وتعجيزه ، وتنقيصه في أفعاله وأقواله. وقدحه بنسبته إلى القصور والجهل؛ ليظهر فضل نفسه ونقص أخيه ، فيزكّي نفسه تارة
ويتهجم على أخيه اُخرىٰ. فهذه عوامل نفسيّة تكون باطنيّة وظاهريّة في الأقوال والأفعال ، مذمومة مهلكة ، تقضي على الوحدة والاتحاد وتؤدّي إلىٰ كلّ سخيمة (17).
فعلى الحرّ الكريم التوقّي عنها ، وألّا يقنع بمنزلة إذا رأىٰ ما هو أشرف منها :
وإذا كانت النفوسُ كباراً / تعبت في مرادِها الأجسامُ (18)
ويجرد نفسه على تلك السخائم والمآثم ، من الحقد والحسد ، بباعث حقيقيّ جديّ ، لا بالمصانعة والمجاهلة ، ولا بالمخادعة والمخاتلة ، ولا بالمنافسة في المنافع الشخصيّة كما هو الحال الجاري ، بل يعقد كلّ فردٍ نيّته على الإخاء التامّ الّذي جاء به الإسلام ، بل لم يكن الإسلام إلّا به. ليعرض كلّ فرد فكّ أبواب الانتقادات المذهبيّة ، بل يسدّون رتاجها.
ولعلك تكون آيساً من حصول الإلفة والاتّحاد الّتي هي النتيجة والثمرة اليانعة لتلك المساعي الشريفة؛ لما تجد من عدم التأثير وتباين حالات المسلمين. فكأن الدعاة المصلحين والرجال الناصحين يدعونهم إلى التقاطع والتنابذ ، أو كأنّ تلك المقدمات عقيمة أو أنها تنتج من غير سنخها ، أو أن تلك البذور التي غرسها المصلحون وسقوها بماء العناية والرعاية انتجت من غير جنسها.
كلّا ثم كلّا ، وإنما تلك البذور الطيّبة والجوامع النافعة ، منسلكة في سلسلة المقتضيات لا في سلسلة العلل التامّات ، فهي تؤثر أثرها الطيب وتثمر ثمرها الجنيّ : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ) (19) ، ما لم تمنع الموانع عن تأثير تلك المقتضيات.
فما عليه المسلمون اليوم من التقاطع والتناكر والتنابذ ثمرة لغير هذه الشجرة ، بل من بذور الشقاق الّتي بذرها عدوّهم الّذي لا زال لهم بالمرصاد ، ولا ينفكّ حتّىٰ يوردهم تلك الهوّة السحيقة ، وينصب شراك الخدع ليضرب بعضهم بعضاً؛ عليهم الضعف ، فيكسح الكلّ ويمحو الجميع.
فالواجب علىٰ دعاة الطرفين وعقلاء الفريقين سدّ باب الانتقاد ، وعدم إنكار ما جاء في فضل آل الرسول والصحابة من القرآن والسنّة عموماً وخصوصاً.
أما إذا فكّ باب النقد والمجادلة والإنكار في كلّ آية أو رواية واردة في فضيلتهم ، أو تخصيص بدون [مُخصّص] ، أو تقييد بغير مقيّد ، أو ترجيح بلا مرجّح ، من تخصيص آية التطهير : (إِنَّما يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرَاً) (20) بزوجات تعبت في مرادِها الأجسامُ النبيّ صلى الله عليه واله (21) ، وخروج من قال فيها النبيّ صلى الله عليه واله : «فاطمة بضعة مني» (22).
ومثل ذلك في آية القربىٰ (23) وآية المباهلة (24) ، وخصّص بعض الآيات بلا مخصّص وقيّد بعضها بلا مقيّد ، و [كانت] الروايات الواردة في شأنهم كلّها غير صحيحة عنده ، حتّىٰ ما كانت موجودة في الكتب المعتبرة ـ ولعله تأتي سانحة فنذكر فيها ممّا ذكره بعض كتبة العصر ممّا يوجب احتدام نار البغضاء بين الفريقين ـ فهيهات أنْ تصلح حالة المسلمين؛ إذ ذاك باعث على المقابلة بالمثل ، فتشغل نار الأحقاد ، ويتحامل كلّ فريق بنشر كلّ غميزة في الآخر.
فالواجب علىٰ دعاة الطرفين وعقلاء الفريقين أنْ ينظروا بعين الإنصاف ، فإنّ علىٰ كلّ حق حقيقة وعلىٰ كل صواب نوراً ، ويمنعوا جريان الأقلام في هذه المواضيع ، أليست تجري بسمّ نقيع يقضي علىٰ روح الإسلام والمسلمين؟ أما وقفتم علىٰ ما كتبه بعض كتاب أهلا لعصر من إخواننا المسلمين وما نسبه من المطاعن لفرقة الشيعة التي هم منها براء براءة الذئب من دم يوسف ، من التناقض والتضليل واماتة الدين ممّا يدمي القلوب ويبعث الحماسة ويزرع الضغائن والأحقاد ، مع أنها الطائفة التي قامت بالواجبات الإسلاميّة المُبلية في الإسلام بلاء حسناً؟
فإذا كان الكاتب من إخواني ينشر ما كتب في اُمّة جعلها الله اُمّة واحدة ، وجعل الاُخوّة فيما بينهم ، فيكف حال الأفراد الذين ينعقون مع كلّ ناعق ، الذين لا يفقهون معنى التشيّع ولا من أحوال الشيعة شيئاً؟ فهو أحرىٰ أنْ يتقوّل علىٰ تلك الطائفة الأقوال المفتعلة.
فيا إخواني من دعاة الطرفين وعقلاء الفريقين ، قد عرفتم المضرّة في الاختلاف ، والضرورةَ اللازمةَ في الاتّحاد وشدّ أركانه وإحكام أساسه ، فلا حياة للإسلام والمسلمين إلّا به.
ولعلّي أقول : إن من يكتب عنهم لا يعرف مذهب الشيعة ولا معنى التشيّع ، ولا يفقه اُصولهم الإسلامية. ولو عرف ذلك لأنصف من نفسه؛ ولأمات تلك النشرات ، ولأعقبها بالمحو بعد الإثبات.
ولو كان يعرف الضروريّ له ويفرّق بين الشرط والمانع والركن ، ويعرف ذلك من الإيمان؛ لسطع إليه البرهان. ولو أنه سلك طريق الاحتياط وتوقّف عن نشر هذه الشطحات ، مع البحث والفحص عن اُصولهم الإسلاميّة وما هم عليه؛ لكان له طريق نجاة ، لقوله تعالىٰ : (وَلا تَقْفُ مَا لَيس لَكَ بِهِ عِلْمَ) (25).
فإنّ نسبة التضليل والمنكر قول بدون علم ، ودعوًى بلا دليل. ولعلّ من يكتب لا يعرف معنى الاحتياط ، أو يعرفه ولا يرىٰ ما هو فيه من مصاديقه ، وليس له أنْ يقول : لا أعرف من أمرهم شيئاً؛ وهو يكتب عنهم كلّ شيء ، إلّا أنْ يفارق وجدانه ، وينظر إلىٰ ما في كتب الفريقين بعين ترىٰ الشيء الواحد بما هو أحد اثنين.
المصادر:
1- آل عمران : 103.
2- أحكام الزوااج على المذاهب الأربعة : 11 ـ 12.
3- شرح نهج البلاغة 18 : 1.
4- ينابيع المودَّة : 457.
5- الصواعق المحرقة 150 ، 236. وروي باختلاف في الكافي : 1 : 32/2 ، عن الصادق عليه السلام ، الوسائل 78 : 27 ، أبواب صفات القاضي ، ب 8 ، ح 2 ، مناقب آل أبي طالب 303 : 1.
6- الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 5 : 662/3786 ، 663/3788(2) صحيح مسلم 4 : 1492/2408.(3) مسند أحمد 14 : 3 ، 17 ، 182 : 5 ، 189.(4) مسند أحمد 181 : 5 ـ 182 ، 189 ـ 190.(5) المعجم الكبير 153 : 5 ـ 154/ 4921 ، 4922 ، 4923.(6) مسند أحمد 366 : 4 ـ 367 ، 371.
7- الصواعق المحرقة : 42 ، وفيها (رواهُ ستة عشر صحابياً ، وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه واله ثلاثون صحابياً) ، 150 ، وفيها : (إن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً) ، 228 ، وفيها : (ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً). لكن ورد لفظ : (ثلاثون صحابيا) في تعليقته على حديث الغدير : 42 ، 122.
8- ينابيع المودّة 41 : 1.
9- (9) المعجم الكبير 45 : 3/ 2636 ، 27 : 12/ 12388 ، المستدرك على الصحيحين 163 : 3/ 4720 ، كنز العمّال 95 : 12/ 34151.
10- الطلاق : 2.
11- السمادير : ما يتراءىٰ للإنسان. لسان العرب : 357 : 6 ـ سمدر.
12- آل عمران : 103.
13- الأنفال : 46.
14- علل الشرائع 107 : 1 /1 ، البحار 249 : 6 /87 ، المعجم الكبير 185 : 9 /8912 ، 230 : 10 /10557 ، كنز العمال 23 : 9 /24740.
15- كنز العمّال 115 : 16 /44102
16- مسند أحمد 99 : 3 ، 201.
17- السخيمة : الحقد ، لسان العرب 205 : 6 ـ سخم.
18- شرح ديوان المتنبي (المتن) : 245 : 2.
19- إبراهيم : 24.
20- الأحزاب : 33.
21- جامع البيان 13 : 12 ، الدرّ المنثور 376 : 5.
22- صحيح البخاريّ 1361 : 3 /3510 ، المعجم الكبير 404 : 22 /1012 ، السنن الكبرىٰ 102 : 7 /13395 ، 340 : 10 /20862 ، كنز العمّال 404 : 22 /34222 ، مشكاة المصابيح 369 : 3 /6139 ، شرح السنّة 120 : 8 /3956 ، المستدرك على الصحيحين 173 : 3/ 4751 ، كشف الخفاء 86 : 2 /1831 ، مناقب آل أبي طالب 380 : 3.
23- الشورىٰ : 23.
24- آل عمران : 61.
25- الإسراء : 36.

 

الكلمات الرئيسية :

الوحدة

,

الاتحاد

,

المسلمين

,

الشيعة

,

السنة

اضف التعليق