السياسة الاموية المنحرفة

 





 

عندما ارتفعت راية الحقّ مرفرفةً فوق ربوع مكّة ، ومعلنةً عن انتصارها دخل أبو سفيان ومعاوية في الإسلام ونار الحقد تستعر في قلبيهما ، ونزعة الثأر من الرّسول صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام تكمن في صدريهما ، فتحوّلا من كونهما كافرين إلى كونهما مستسلِمَين طليقين من طلقاء الرّسول صلى‌الله‌عليه‌ و آله و سلم. ولم يطل العهد حتّى حكم عثمان بن عفان فتسرّب ما كان مختبئاً في القلب وظهر على لسان أبي سفيان ، وهو يخاطب عثمان بقوله : صارت إليك بعد تيمٍ وعديّ فأدرها كالكرة ؛ فإنّما هو الملك ولا أدري ما جنّة ولا نار (1).
وخاطب أبو سفيان بني اُميّة ثانيةً : يا بني اُميّة ، تلقّفوها تلقّف الكرة ، فو الذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم ، ولتصيرنّ إلى صبيانكم ورثة (2).
وحين أطلّ معاوية من نافذة السّقيفة على كرسيّ الحكم بانت نتائج الانحراف واتّضحت خطورته ؛ فإنّه قد لاحظ أنّ أبا بكر وعمر وعثمان قد ملكوا قبله ولم تسمح لهم الظّروف بإعادة صرح الجاهليّة من جديد ، ولا زال صوت الحقّ هادراً كلّ يوم بالتوحيد وبالرسالة لمحمّد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم (3).
كما إنّ الانحراف السّياسي الذي ولّدته السّقيفة وتربّت عليه فئات من الاُمّة استثمره معاوية أيّما استثمار ، فقد احتجّ على النّاس بأنّ أبا بكر بويع بدون نصّ سماويّ ، أو أمر من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، وأنّه خالف سيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ؛ إذ جعل عمر خليفةً من بعده ، وصنع عمر ما لم يصنعه قبله وخالف بذلك الله ورسوله وأبا بكر. ووفق هذا المنطق فإنّ الاُمّة ومصير الرسالة الإسلاميّة تكون اُلعوبة بيد معاوية يسوسها كيف يشاء ؛ من هنا قرّر أن يبايع بالخلافة ليزيد (4) من بعده.
وقد خلت السّاحة السّياسية للزمرة الاُمويّة بعد فتن ومصاعب أشعلها معاوية مستغلاًّ جهالة طبقات من الاُمّة ، وموظّفاً كلّ الطّاقات التي وقفت ضدّ الإمام عليّ عليه السلام لصالحه في مواجهة تيار الحقّ بقيادة الإمام الحسن عليه السلام ، واستأثر بالحكم بعد قتله للإمام الحسن عليه السلام واستهتاره بقيم الإسلام وتعاليمه ، وكان حاذقاً في إحكام سيطرته وملكه ، ولكنّه لم يجرؤ لإعلان خطّته تثبيتاً لملك بني اُميّة باستخلاف يزيد من بعده وفي الاُمّة مَنْ هو صاحب الخلافة الشّرعية وهو الإمام الحسن عليه السلام ، ومن بعده أخوه الإمام الحسين عليه السلام الذي كان على الاُمّة أن تعود لقيادته بعد افتقادها للحسن عليه السلام.
يُضاف إلى ذلك أنّ أحداً من الخلفاء الثلاثة لم يوصِ بالخلافة لولده من بعده. ونظراً لما كان ينطوي عليه يزيد من ضعف واستهتار ومجون فقد مضى معاوية بكلّ جدٍّ ليحبك الأمر ويدبّره بطريقة يخدع بها الاُمّة ، بل يقهرها على قبول البيعة ليزيد ؛ من هنا بادر إلى قتل الإمام الحسن السّبط عليه السلام وخيار المؤمنين في خطوة اُولى ، ليرفع بذلك أهمّ الموانع التي كانت تحول بينه وبين تنفيذ خطّته.
على أنّ أصحاب النفوس الرذيلة والمطامع الدنيوية على استعداد تام لبلوغ أتفه المطامع من أيّ طريق كان. فقد روي أنّ المغيرة بن شعبة ـ الذي كان والياً من قبل معاوية على الكوفة ـ علم بأنّ معاوية ينوي عزله ، فأسرع إلى نسج خيوط مؤامرة جلبت الويلات على الاُمّة الإسلاميّة ، وليكون بذلك سمساراً يصافق على ما لا يملك ؛ إذ همس في أذن يزيد يمنّيه بخلافة أبيه ، ويزيّن له الأمر ويسهّله. ووجد معاوية أنّ خطّة شيطانية يمكن أن يكون المغيرة عاملاً لتنفيذها (5)
فسأله مخادعاً : ومَنْ لي بهذا؟ فردّ عليه المغيرة : أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة ، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. وهكذا قبض المغيرة على ربح عاجل لصفقة مؤجّلة ، ورجع إلى الكوفة بكلّ قوّة لينفّذ الخطّة ، وهو يقول : لقد وضعت رِجل معاوية في غرز بعيد الغاية على اُمّة محمّد (6).
ورفض زياد بن أبيه هذه الخطّة الخبيثة ؛ ولعلّه لما كان يلمسه من رذائل في شخصية يزيد بحيث تجعله غير صالح لزعامة الاُمّة. وقد أثارت هذه الخطّة مطامع أطراف اُخرى من بني اُميّة ، فمدّ كلّ من مروان بن الحكم وسعيد بن عثمان بن عفان عنقه لذلك (7).
وجمّد معاوية رسمياً وبشكل مؤقّت خطّته لأخذ البيعة ليزيد ؛ وذلك ليتّخذ إجراءات اُخرى تمهّد للإعلان الرسمي وفي الفرصة المناسبة لذلك.
أساليب معاوية لإعلان بيعة يزيد :
لمس معاوية رفض العائلة الاُموية المنحرفة لحكم يزيد من بعده ، فكيف بصاحب الحقّ الشّرعي الإمام الحسن عليه السلام ، ومن بعده الإمام الحسين عليه السلام ، وعدد من أبناء الصحابة؟!
من هنا مضى جادّاً باتّخاذ سبل اُخرى تتراوح بين مخادعة الاُمّة وبين قهرها بالقوّة على بيعة الخليع يزيد ، ومن تلك السبل :
أ ـ استخدام الشّعراء لإسباغ فضائل على يزيد ، ولبيان مقدرته وإشاعة أمره ؛ لكي تخضع الاُمّة لولايته (8) ، وأوعز إلى ولاته والخطباء في الأمصار لنشر تلك الفضائل المفتعلة.
ب ـ بذل الأموال الطائلة وشراء ذمم المعارضين ممّن كان يقف ضدّ يزيد ، لا بدافع العقيدة والحرص على الإسلام وإنّما بدوافع شخصية وذاتية.
ج ـ استقدام وفود من وجهاء الأنصار (9) ومناقشة قضية يزيد معهم ؛ لمعرفة الرافض والمؤيّد منهم ، ومعرفة نقاط الضّعف لكي ينفذ منها إليهم.
د ـ إيقاع الخلاف بين عناصر بني اُميّة الطّامعين في الحكم ؛ كي يضعف منافستهم ليزيد ، فقد عزل عامله على يثرب سعيد بن العاص واستعمل مروان ابن الحكم مكانه ، ثمّ عزل مروان واستعمل سعيداً (10).
هـ ـ اغتيال الشّخصيات الإسلاميّة البارزة ، والتي كانت تحظى باحترام كبير في نفوس الجماهير ، فاغتال الإمام الحسن عليه السلام ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن خالد ، وعبد الرحمن بن أبي بكر (11).
و ـ استخدام سلاح الحرمان الاقتصادي ضدّ بني هاشم ؛ للضغط عليهم وإضعاف دورهم ، فقد حبس عنهم العطاء سنة كاملة (12) ؛ إذ وقفوا مع الإمام الحسين عليه السلام يرفضون البيعة ليزيد.
٣ ـ محاولات الإمام الحسين عليه السلام لإيقاظ الاُمّة :
لم يخلد الإمام الحسين عليه السلام إلى السّكون والخمول حتّى عند إقراره الصّلح مع معاوية ، فقد تحرّك انطلاقاً من مسؤوليّته تجاه الشّريعة والاُمّة الإسلاميّة ، وبصفته وريث النبوّة ـ بعد أخيه الإمام الحسن عليه السلام ـ مراعياً ظروف الاُمّة ، وساعياً إلى المحافظة عليها.
وقد عمل الإمام عليه السلام في فترة حكم معاوية على تحصين الاُمّة ضدّ الانهيار التام ، فأعطاها من المقوّمات المعنوية القدرَ الكافي كي تتمكّن من البقاء صامدةً في مواجهة المحن.
وإليك جملة من هذه المواقف :
مواجهةُ معاوية وبيعة يزيد :
أعلن الإمام الحسين عليه السلام رفضه القاطع لبيعة يزيد وكذا زعماء يثرب ؛ فقرّر معاوية أن يسافر إلى يثرب ليتولّى بنفسه إقناع المعارضين ، فاجتمع بالإمام وعبد الله بن عباس ، فأشاد بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم وأثنى عليه ، وعرض بيعة ابنه ومنحه الألقاب الفخمة ، ودعاهما إلى بيعته، فانبرى الإمام عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :
«أمّا بعد يا معاوية ، فلن يؤدّي المادح وإن أطنب في صفة الرّسول صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، وقد فهمتُ ما لبست به الخلف بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم من إيجاز الصّفة ، والتنكّب عن استبلاغ النّعت ، وهيهات هيهات يا معاوية! فضح الصبحُ فحمةَ الدُّجى ، وبهرت الشمسُ أنوار السّرج ، ولقد فضّلت حتّى أفرطت ، واستأثرت حتّى أجحفت ، ومنعت حتّى بخلت ، وجُرت حتّى تجاوزت ، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقّه من نصيب حتّى أخذ الشّيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل.
وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لاُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، تريد أن توهم النّاس في يزيد ، كأنّك تصفُ محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استفرائه الكلاب المهارشة عند التحارش ، والحمام السّبق لأترابهنّ ، والقيان ذوات المعازف ، وضروب الملاهي ، تجده ناصراً.
ودع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه! فوالله ما برحتَ تقدح باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم حتّى ملأتَ الأسقية ، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ، ولات حين مناص، ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الأمر ، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً ، ولعمر الله لقد أورثنا الرّسول صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ولادة ، وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرّسول صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، فأذْعنَ للحجّة بذلك ، وردّه الإيمان إلى النّصف ؛ فركبتم الأعاليل ، وفعلتم الأفاعيل ، وقلتم كان ويكون حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك ، فهناك فاعتبروا يا اُولي الأبصار.
وذكرتَ قيادةَ الرجلِ القومَ بعهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم وتأميرَه له ، وقد كان ذلك لعمرو ابن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرّسول وببعثه له ، وما صار لعمرو يومئذ حتّى أنف القوم إمرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدّوا عليه أفعاله ، فقال صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم : لا جَرَمَ يا معشرَ المهاجرين ، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري ، فكيف تحتجُّ بالمنسوخ من فعل الرّسول في أوكد الأحكام وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف ضاهيتَ بصاحب تابعاً وحولك من يُؤمن في صحبته ، ويُعتمد في دينه وقرابته ، وتتخطّاهم إلى مسرف مفتون ، تريد أن تُلبس النّاس شبهةً يسعد بها الباقي في دنياه ، وتشقى بها في آخرتك؟! إنّ هذا لهو الخسران المبين ، واستغفر الله لي ولكم.
وذهل معاوية من خطاب الإمام عليه السلام ، وضاقت عليه جميع السبل ، فقال لابن عباس : ما هذا يابن عباس؟ فقال ابن عباس : لعمر الله! إنّها لذرّية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، وأحد أصحاب الكساء ، ومِنَ البيت المطهّر ، فاسأله عمّا تريد ؛ فإنّ لك في النّاس مقنعاً حتّى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين (13).
وقد اتّسم موقف الإمام الحسين عليه السلام مع معاوية بالشدّة والصّرامة ، وأخذ يدعو المسلمين علناً إلى مقاومة معاوية ، ويحذّرهم من سياسته الهدّامة التي تحمل الدمار إلى الإسلام.
محاولة جمع كلمة الاُمّة والاستجابة لحركة الجماهير :
وأخذت الوفود تترى على الإمام من جميع الأقطار الإسلاميّة وهي تعجّ بالشكوى وتستغيث به ؛ نتيجة الظلم والجور الذي حلّ بها ، وتطلب منه القيام بإنقاذها من الاضطهاد ، ونقلت العيون في يثرب إلى السّلطة المحلّية أنباء تجمّع النّاس واختلافهم إلى الإمام عليه السلام ، وكان الوالي مروان بن الحكم ؛ ففزع من ذلك وخاف من عواقبه جدّاً ، فرفع مذكّرة إلى معاوية جاء فيها : أمّا بعد ، فقد كثر اختلاف النّاس إلى الحسين. والله ، إنّي لأرى لكم منه يوماً عصيباً (14).
واضطرب معاوية من تحرّك الإمام الحسين عليه السلام ؛ فكتب إليه رسالةً جاء فيها : أمّا بعد ، فقد اُنهيت إليّ عنك اُمور ، إن كانت حقّاً فإنّي لم أظنّها بك رغبة عنها ، وإن كانت باطلة فأنت أسعد النّاس بمجانبتها ، وبحظّ نفسك تبدأ ، وبعهد الله توفي ، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك ؛ فإنّك متى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك ، فاتّق الله يا حسين في شقّ عصا الاُمّة ، وأن تردّهم في فتنة (15).
فضح جرائم معاوية :
كتب الإمام عليه السلام إلى معاوية مذكّرةً خطيرةً كانت ردّاً على رسالته ، يحمّله فيها مسؤوليّات جميع ما وقع في البلاد من سفك الدماء ، وفقدان الأمن ، وتعريض الاُمّة للأزمات. وتعدّ من أروع الوثائق الرسمية التي حفلت بذكر الأحداث التي صدرت من معاوية ، وهذا نصّها : «أمّا بعد ، بلغني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي اُمور أنت عنها راغب ، وأنا بغيرها عندك جدير ، وأنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله تعالى. أمّا ما ذكرت أنّه رقى إليك عنّي فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون ، ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ، ومن الإعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين حزب الظلمة.
ألستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستعظمون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم؟! قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيْمان المغلّظة ، والمواثيق المؤكّدة ؛ جرأةً على الله واستخفافاً بعهده.
أوَ لست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، العبد الصالح الذي أبلتْه العبادة فنحل جسمُه واصفرّ لونُه؟! فقتلته بعد ما أمّنته وأعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال.
أوَ لستَ بمدّعي زياد بن سُميّة المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمَت أنّه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم : الولدُ للفراش وللعاهر الحجر. فتركت سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم تعمّداً ، وتبعت هواك بغير هدىً من الله ، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسملُ أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنّك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك؟!
أوَ لستَ قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنّه على دين عليّ (عليه السلام) ، فكتبتَ إليه أن اقتل كلّ مَنْ كان على دين عليّ. فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودين عليّ هو دين ابن عمّه صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين ؛ رحلة الشتاء ، ورحلة الصّيف؟!
وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ودينك ولاُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، واتّق شقّ عصا هذه الاُمّة وأن تردّهم إلى فتنة. وإنّي لا أعلم فتنةً أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها ، ولا أعظم لنفسي ولديني ولاُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم أفضل من أن اُجاهرك ؛ فإنْ فعلتُ فإنّه قربة إلى الله ، وإن تركتُه فإنّي استغفر الله لديني ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت : إنّي إن أنكرتك تنكرني ، وإن أكدك تكدني ، فكدني ما بدا لك ؛ فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك ، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ؛ لأنّك قد ركبت جهلك ، وتحرّصت على نقض عهدك. ولعمري ، ما وفيتَ بشرط ، ولقد نقضتَ عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان ، والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا أو قُتلوا ، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلَنا ، وتعظيمهم حقَّنا ، مخافة أمر لعلّك إن لم تقتلهم مُتّ قبل أن يفعلوا ، أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فأبشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يُغادر
صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها ، وليس الله بناسٍ لأخذك بالظنّة ، وقتلك أولياءه على التُّهم ، ونفيك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك النّاس ببيعة ابنك الغلام الحدث ، يشرب الشّراب ، ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ قد خسرت نفسك ، وبترت دينك ، وغَشَشْتَ رعيّتك ، وسمعت مقالة السّفيه الجاهل ، وأخفت الورع التقيّ» (16).
ولا توجد وثيقة سياسية في ذلك العهد عرضت لعبث السّلطة ، وسجّلت الجرائم التي ارتكبها معاوية غير هذه الوثيقة ، وهي صرخة في وجه الظلم والاستبداد.
استعادة حقّ مضيّع :
وكان معاوية ينفق أكثر أموال الدولة ؛ لتدعيم ملكه ، كما كان يهب الأموال الطائلة لبني اُميّة ؛ لتقوية مركزهم السّياسي والاجتماعي ، وكان الإمام الحسين عليه السلام يشجب هذه السّياسة ، ويرى ضرورة إنقاذ الأموال من معاوية الذي يفتقد حكمه لأيّ أساس شرعي ، ولا يقوم إلاّ على القمع والتزييف والإغراء.
وقد اجتازت على يثرب أموال من اليمن مرسولةً إلى خزينة دمشق ، فعمد الإمام عليه السلام إلى الاستيلاء عليها ووزّعها على المحتاجين ، وكتب إلى معاوية : «من الحسين بن عليّ إلى معاوية بن أبي سفيان. أمّا بعد ، فإنّ عيراً مرّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحُللاً ، وعنبراً وطيباً إليك ؛ لتودعها خزائن دمشق ، وتعلّ بها بعد النّهْل بني أبيك ، وإنّي احتجت إليها فأخذتها. والسّلام» (17).
فأجاب معاوية : من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسين بن عليّ. سلام عليك. أمّا بعد ، فإنّ كتابك ورد عليّ تذكر أنّ عيراً مرّت بك من اليمن تحمل مالاً وحُللاً ، وعنبراً وطيباً إليّ ؛ لأودعها خزائن دمشق ، وأعُلّ بها بعد النهل بني أبي ، وإنّك احتجت إليها فأخذتها ، ولم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إليّ ؛ لأنّ الوالي أحقّ بالمال ، ثمّ عليه المخرج منه. وأيم الله ، لو تركت ذلك حتّى صار إليّ لم أبخسك حظّك منه ، ولكنّي قد ظننت يابن أخي أنّ في رأسك نزوةً ، وبودّي أن يكون ذلك في زماني ، فأعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك ، ولكنّي والله أتخوّف أن تبتلي بمَنْ لا ينظرك فواق ناقة (18).
إنّ الإمام الحسين عليه السلام دلّل بعمله على أن ليس من حقّ الخليفة غير الشّرعي أن يتصرّف في أموال المسلمين ، وأنّ ذلك من حقوق الحاكم الشّرعي ، والحاكم الشّرعي هو الإمام الحسين عليه السلام نفسه الذي ينفق أموال بيت المال وفق المعايير الإسلاميّة. وقد أكّد عليه السلام في رسالته على أنّه لا يعترف رسميّاً بخلافة معاوية ؛ إذ لم يصفه بأمير المؤمنين كما كان يصفه الآخرون ؛ ومن هنا حاول معاوية الالتفاف على موقف الإمام عليه السلام فوصف نفسه في رسالته الجوابية بأمير المؤمنين ووالي المسلمين ، ولكنّه فشل في محاولته تلك ، فقد بات موقف الإمام الحسين عليه السلام معياراً إسلامياً ، وملاكاً فارقاً وفاصلاً بين الصواب والخطأ للمسلمين جميعاً على مدى التأريخ ، في حين لم يعرِ المسلمون لموقف معاوية أيّ اهتمام ، ولم يعتبروه سوى أنّه تشويه للحقيقة وتضليل للرأي العام.
لقد كان موقف الإمام عليه السلام هذا إشارة واضحة للاعتراض على تصرّفات وحكم معاوية ، والمطالبة بسيادة الحقّ والعدل الإلهي.
تذكير الاُمّة بمسؤوليّتها :
عقد الإمام عليه السلام في مكة مؤتمراً سياسيّاً عامّاً دعا فيه جمهوراً غفيراً ممّن شهد موسم الحجّ من المهاجرين والأنصار والتابعين وغيرهم من سائر المسلمين ، فانبرى عليه السلام خطيباً فيهم ، وتحدّث عمّا ألمّ بعترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم وشيعتهم من المحن والإحن التي صبّها عليهم معاوية ، وما اتّخذه من الإجراءات المشدّدة في إخفاء فضائلهم ، وستر ما اُثر عن الرّسول صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم في حقّهم ، وألزم الحاضرين بإذاعة ذلك بين المسلمين، وفيما يلي ما رواه سليم بن قيس عن هذا المؤتمر ، ونصّ خطاب الإمام عليه السلام ، حيث قال : ولمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن عليّ ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن جعفر ، فجمع الحسين بني هاشم ونساءهم ومواليهم ومَنْ حجّ من الأنصار ممّن يعرفهم الحسين وأهل بيته ، ثمّ أرسل رُسلاً ، وقال لهم : «لا تدعوا أحداً حجّ العام من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم المعروفين بالصّلاح والنّسك إلاّ اجمعوهم لي».
فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل وهم في سرادق ، عامّتهم من التابعين ، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم ، فقام فيهم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «أمّا بعد ، فإنّ هذا الطاغية ـ يعني معاوية ـ قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم ، وإنّي اُريد أن أسألكم عن شيء ، فإن صدقت فصدّقوني ، وإن كذبتُ فكذّبوني. اسمعوا مقالتي واكتموا قولي ، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ؛ فمَنْ أمنتم من النّاس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون ؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب ، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون».
قال الراوي : فما ترك الحسين شيئاً ممّا أنزل الله فيهم إلاّ تلاه وفسّره ، ولا شيئاً ممّا قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم في أبيه وأخيه واُمّه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه ، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه : اللّهمّ نعم ، قد سمعنا وشهدنا. وممّا ناشدهم عليه السلام أن قال :
«اُنشدكم الله ، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول الله حين آخى بين أصحابه فآخى بينه وبين نفسه ، وقال : أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال : اُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ رسول الله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه ، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل تسعة له ، وجعل عاشرها في وسطها لأبي ، ثمّ سدّ كلّ باب شارع إلى المسجد غير بابه ، فتكلّم في ذلك مَنْ تكلّم ، فقال : ما أنا سددتُ أبوابكم وفتحت بابه ، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه ، ثمّ نهى النّاس أن يناموا في المسجد غيره ، وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله ، فولد لرسول الله وله فيه أولاد؟
قالوا : اللّهمّ نعم. قال : أفتعلمون أنّ عمر بن الخطاب حرص على كوة قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فأبى عليه ، ثمّ خطب فقال : إنّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال : اُنشدكم الله ، أتعلمون أنّ رسول الله قال في غزوة تبوك : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي؟ قالوا : اللّهمّ نعم، قال : اُنشدكم الله ، أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم حين دعا النّصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأتِ إلاّ به وبصاحبته وابنيه؟ قالوا : اللّهمّ نعم، قال : اُنشدكم الله ، أتعلمون أنّ رسول الله دفع إليه اللواء يوم خيبر ، ثمّ قال : لأدفعه إلى رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله كرّار غير فرّار ، يفتحها الله على يديه؟
قالوا : اللّهمّ نعم. قال : أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم بعثه ببراءة ، وقال : لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم لم تنزلْ به شدّة قطّ إلاّ قدّمه لها ثقةً به ، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ ، إلاّ يقول يا أخي؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم قضى بينه وبين جعفر وزيد ، فقال : يا عليّ أنت منّي وأنا منك ، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم كلّ يوم خلوة ، وكلّ ليلة دخلة ، إذا سأله أعطاه ، وإذا سكت أبداه؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة عليها‌السلام : زوّجتك خير أهل بيتي ؛ أقدمهم سلماً ، وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم قال : أنا سيّد ولد آدم ، وأخي عليّ سيّد العرب ، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجّنة ، والحسن والحسين ابناي سيّدا شباب أهل الجّنة، قالوا : اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم أمره بغسله ، وأخبره أنّ جبرئيل يعينه عليه؟ قالوا : اللّهمّ نعم. قال :
أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم قال في آخر خطبة خطبها : أيّها النّاس ، إنّي تركتُ فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وأهل بيتي ، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا؟ قالوا : اللّهمّ نعم.
فلم يدع صلى‌الله‌عليه‌ وآله وسلم شيئاً أنزله الله في عليّ بن أبي طالب خاصّة وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيّه إلاّ ناشدهم فيه ، فيقول الصحابة : اللّهمّ نعم قد سمعناه ، ويقول التابعي : اللّهم قد حدّثنيه مَنْ أثق به فلان وفلان.
ثمّ ناشدهم أنّهم قد سمعوه يقول : مَنْ زعم أنّه يُحبّني ويُبغض عليّاً فقد كذب ، ليس يُحبّني وهو يُبغض عليّاً. فقال له قائل : يا رسول الله ، وكيف ذلك؟ قال : لأنّه منّي وأنا منه ؛ مَنْ أحبّه فقد أحبّني ، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ الله ، ومَنْ أبغضه فقد أبغضني ، ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله؟ فقالوا : اللّهمّ نعم ، قد سمعناه. وتفرّقوا على ذلك (19).
موت معاوية :
لقد كان موت معاوية بن أبي سفيان في سنة ستّين من الهجرة (20).
واستقبل معاوية الموت غير مطمئن ، فكان يتوجّع ويظهر الجزع على ما اقترفه من الإسراف في سفك دماء المسلمين ونهب أموالهم ، وقد وافاه الأجل في دمشق محروماً عن رؤية ولده الذي اغتصب له الخلافة وحمله على رقاب المسلمين ، وكان يزيد فيما يقول المؤرّخون مشغولاً عن أبيه ـ في أثناء وفاته ـ برحلات الصيد ، وغارقاً في عربدات السكر ونغمة العيدان (21).
المصادر :
1- الاستيعاب ٢ / ٦٩٠.
2- مروج الذهب ١ / ٤٤٠ ، تأريخ ابن عساكر ٦ / ٤٠٧.
3- مروج الذهب ٢ / ٣٤٣ ، وشرح النهج ٢ / ٣٥٧.
4- الإمامة والسّياسة ١ / ١٨٩.
5- الكامل في التأريخ ٣ / ٢٤٩ ، وتأريخ اليعقوبي ٢ / ١٩٥ ، والإمامة والسّياسة ٢ / ٢٦٢.
6- الكامل في التأريخ ٣ / ٢٤٩.
7- وفيات الأعيان ٥ / ٣٨٩ ، والإمامة والسّياسة ١ / ١٨٢ ، وتأريخ اليعقوبي ٢ / ١٩٦.
8- الأغاني ٨ / ٧١ ، وشعراء النصرانية بعد الإسلام ـ للويس شيخو اليسوعي / ٢٣٤.
9- الكامل في التأريخ ٣ / ٢٥٠.
10- تأريخ الطبري ٤ / ١٨.
11- مقاتل الطالبيّين / ٢٩ ، وتأريخ الطبري ٥ / ٢٥٣ ، والكامل في التأريخ ٣ / ٣٥٢.
12- الكامل في التأريخ ٣ / ٢٥٢ ، والإمامة والسّياسة ١ / ٢٠٠.
13- حياة الإمام الحسين عليه السلام ٢ / ٢١٩ ـ ٢٢٠.
14- حياة الإمام الحسين عليه السلام ٢ / ٢٢٣.
15- المصدر السابق : ٢ / ٢٢٤.
16- حياة الإمام الحسين عليه السلام ٢ / ٢٣٥ عن الإمامة والسياسة ١ / ٢٨٤ ، والدرجات الرفيعة / ٣٣٤ ، وراجع الغدير ١٠ / ١٦١.
17- نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤ / ٣٢٧ ، الطبعة الاُولى ، وناسخ التواريخ ١ / ١٩٥.
18- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤ / ٣٢٧ ، وناسخ التواريخ ١ / ١٩٥.
19- كتاب سُليم بن قيس / ٣٢٣ ، تحقيق محمّد باقر الأنصاري.
20- سيرة الأئمّة الاثني عشر ٢ / ٥٤.
21- حياة الإمام الحسين عليه السلام ٢ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠.