عضویت پارسی English
قال الامام الصادق علیه‌السلام: مَنِ اهتَمَّ لِرِزْقِهِ کُتِبَ عَلَیْهِ خَطیئَةٌ. امالى طوسى، ص300

عدد المشاهدات : 229

11 جمادی الاول 1438

خير امة اخرجت للناس

خير امة اخرجت للناس

 خير امة اخرجت للناس

 





 

يقول الدكتور طه حسين: أن قريشاً فهمت قول أبي بكر (في السقيفة) على غير ما أراده هو، وعلى غير ما فهمه أصحابه في ذلك الوقت، فاستيقنت أن الإمامة حق لها لا ينبغي أن يعدوها الى غيرها، وأنه حق لها لمكانتها من النبي وقد كانت قريش في هذا الفهم خاطئة متكلفة ما في ذلك شك.
ولو قد صح فهمها وتأويلها لظهرت عليها حجة بني هاشم، ولكان بنو هاشم أحق المسلمين بالإمامة ما استطاعوا أن ينهضوا بأعبائها...
ومهما يكن من شيء فقد نشأت هذه الارستقراطية القرشية فجاءة على غير حساب من الناس، وكانت أرستقراطية قد غلط بها.
أراد أبو بكر أن تكون الإمامة في المهاجرين ما وجد بينهم الكفء القوي على النهوض بها، فحولت قريش ذلك فيما بعد الى منافعها وعصبيتها وخرجت بذلك عن أصل خطير من أصول الإسلام)(1)
وليس في اعترافنا بغلبة النفس البشرية وطباعها وميولها على رجال الجيل الأول ونسائه، واقترافهم أخطاء سياسية لأسباب بشرية، ما ينقص من قدرهم أو يخرجنا من الملة، لأن أمور الحكم إنما تستقيم حين يكون التعاون والتضامن بين الحاكمين والمحكومين في الأصول التي يقوم عليها النظام، فليس يكفي أن يكون الحاكم يقظ الضمير مؤثراً للعدل مصطنعاً للمعروف حريصاً على رضا الله، كافياً بعد ذلك لمشكلات السياسة، خراجاً منها إذا أدلهمت، وإنما يجب أن يكون لرعيته حظ من الضمير الحي اليقظ، ومن حب العدل، وايثار المعروف، والحرص على رضا الله.
وهذه هي المشكلة الأولى التي واجهت نظام الحكم الجديد، فلم يكن العرب كلهم أصحاب رسول الله، بل لم تكن كثرة العرب قد صاحبت النبي واتصلت به، وإنما كان أصحاب رسول الله كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، ولم يكن إيمان العرب بالدين الجديد مطابقاً أو مقارباً لإيمان هذه الطبقة من أصحاب النبي، وإنما كان من العرب من حَسُن إيمانه، ومنهم من أسلم ولم يؤمن ... بل كان من العرب من جرت كلمة الإسلام على لسانه ولكنه احتفظ بجاهليته كاملة في قلبه ونفسه وضميره... فلم يكن هناك توازن بين الحاكم والمحكوم...
وأخرى لاينبغي أن ننساها ولا ينبغي أن يضيق بها المتحرجون الذين يغالون في حسن الظن بالإنسان، وهي أن هذا الضمير الديني الحي اليقظ قد يتعرض للفتنة والمحنة، وقد يلقى أخطاراً كثيرة من الأحداث والخطول، فما أكثر ما يخلص الإنسان نفسه وقلبه وضميره للحق والخير والعدل والإحسان، ثم تلم به أسباب الفتنة، وتلح عليه وتسرف في الإلحاح حتى تضطره الى أن يتأول في بعض الأمر، ثم ما يزال ينتقل من تأول الى تأول، ومن تعلل الى تعلل، ومن تحلل الى تحلل، حتى ينظر ذات يوم فإذا بينه وبين الإخلاص الأول أمد بعيد...
فليس من الغريب في شيء أن يتعرض كثير من الصالحين ومن أصحاب النبي أنفسهم لأسباب الفتن ودواعي الغرور، وأن يطرأ عليهم من الأحداث والخطوب ما يباعد بينهم وبين عهدهم الأول حين كان الإسلام غضاً، وحين كانوا يتصلون مصبحين وممسين)(2)
هذا رأي صحيح، ولا أراني متفقاً مع الأستاذ عبدالكريم الخطيب فيما ذهب إليه من أن الصحابة خاضوا المعارك التي خاضوها فيما بينهم وهم على غير يقين من صحة تصرفاتهم أو خطئها، واستشهاده بموقف سعد بن أبي وقاص من علي (عليه السلام) وبموقف الزبير أيضاً حين اعتزل قتال الإمام عليه السلام.
بل إني أختلف معه بشدة حين قول (هذه المعارك التي دارت بين المسلمين في موقعة الجمل، وفي صفين، وفي الحروب الكثيرة التي جاءت بعد ذلك مع الخوارج والأمويين والعلويين والعباسيين هذه المعارك كلها كانت باسم الدين ولحساب الدين)(3) فهذا رأي لا يستبين به الحق من الباطل.
ونحن حين نرى في أفعال هؤلاء العظماء رأياً لا ينبغي أن نخرج من تحليل مواقفهم وآرائهم كما هي مدونة في التاريخ الى أكثر من ذلك، لا لأنهم في منزلة بين البشر والملائكة، بل لأن الإسلام منع سباب المسلم عامة.
ولأصحابنا أسوق رأي الأستاذ المودودي رحمه الله في هذا إذ يقول:
(وهناك فرق أساسي بين نظرتي ونظرة الآخرين في هذا الأمر كثيراً ما يسيئون بسببه فهم موقفي، فالناس يفهمون أن العظيم لا يخطيء أبداً، وأن من يخطيء فليس عظيماً، ومن ثم لا يريدون أن يقال عن أي فعل من فعال العظماء أنه خطأ، الى جانب أنهم يظنون أن من يقول عن فعل من فعال العظماء أنه خطأ لا يعتبرهم عظماء.
أما رأيي ونظرتي فعلي عكس هذا، فعندي أن أي فعل صادر عن عظيم ـ غير الأنبياء ـ يمكن أن يكون غلطاً، ومع ذلك يظل العظيم عظيماً، ولا أقول بخطأ فعل من فعال عظيم من العظماء إلا عند ما يثبت لدي بالوسائل والطرق الموثوق بها أنه خطأ، وعند ما لا يمكن تأويل فعله بأي دليل معقول.
غير أني حين أرى ـ مع هذا الشرط ـ أن فعلاً من فعاله غلط، أقول إنه غلط، وأقف في نقدي عند هذا الحد.
وفي رأيي أن العظيم لا تتأثر عظمته بهذا الخطأ، ولا ينقص احترامه أو يقل، فإني لا أرى ضرورة على الإطلاق لإنكار الأخطاء الواضحة التي أخطأها من اعتبره عظيماً فأداريها وأسويها وأخفيها، أو أثبت صحتها بالتماس تآويل لها غير معقولة وغير منطقية، لأن النتيجة المحتومة للقول عن الخطأ أنه صواب هي انقلاب معيارنا وتبديل مقياسنا للصواب والخطأ، واجتماع كافة
الأخطاء التي أخطأها مختلف العظماء فرداً فرداً وتراكمها فينا، فإخفاء ما هو ظاهر وساطع سطوع الشمس ـ في رأيي ـ لا يكون فيه نجاح وفلاح بل انحراف وزلل آخر)(4)
ولغير أصحابنا أسوق رأي الدكتور طه حسين إذ يقول:
(أما نحن فلسنا نعاصرهم ولا نشاركهم فيما شجر بينهم من الخلاف، وليس من المعقول لذلك أن نقحم عواطفنا في أمرهم إقحاماً، وإنما سبيلنا أن ننظر في أعمالهم وأقوالهم من حيث صلتها بحياة الناس وأحداث التاريخ، وأن نخطّيء من نخطيء، ونصوِّب من نصوب منهم من هذه الجهة وحدها، دون أن نقضي في أمر دينهم بشيء، فإن الدين لله، ودون أن نستبيح لأنفسنا أن نقول كما كان يقول أنصارهم وخصومهم هؤلاء مؤمنون وهؤلاء كافرون، وهؤلاء في منزلة بين بين، وهؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، ذلك شيء لا نخوض فيه، وليس لنا أن نخوض فيه، وإنما أمره الى الله وحده، فأما الذي الينا فهو أن نتبين من أعمالهم وأقوالهم ما يلائم الحق والعدل والصواب وما لا يلائمه، وهذا في نفسه كثير، ولكن لا بد مما ليس منه بد)(5)
فالوقائع التي قرأناها على الصفحات الماضية لا يصح أن نسميها (فتنة) لكي نلقي بالتبعة على من أراد للأمة هذه الفتنة وهو الله سبحانه وتعالى، لنبريء ذمة أشخاص نعزهم ونحبهم.
كما أنها أيضاً لم تكن ـ كما قال الأستاذ الخطيب وكما رأيت ـ لله وفي الله، ولا فعلوها وهم لا يدرون من أمر أنفسهم شيئا، ولا هي كما قال كثير في القديم والحديث ـ اجتهاد.
فذلك كله مراوغة ومدافعة، وإنما هي أخطاء وانحرافات ارتكبوها بطبيعتهم البشرية، التي ألهمها خالقها فجورها وتقواها.
هذه الأخطاء حين تراكمت أدت الى انقسام مزدوج في بناء الدولة وكيانها، لم يلتئم منذ ذلك اليوم الى هذا اليوم الذي نحن فيه.
فهو قد وقع في القيادة كما قد وقع في النسيج الإجتماعي المكون من أفراد الأمة الذين يشكلون معاً وجنباً الى جنب خير أمة وخير شعب.
فأما الإنقسام الذي وقع في القيادة فهو الأساس والأخطر، لأن انقسام الأمة والناس لم يكن في الحقيقة إلا نتيجة له.
ولأن الإسلام دين شامل كامل كان لابد من أن تكون القيادة التي تنفذه قيادة شمولية تستوعب جميع جوانب هذه النظرية الواسعة، فتقود الحرب، وتفقه الدين، وتدير الدولة، وتخط السياسة، وتعلم أسرار الدين، وتفهم الشريعة، وتشبع الأرواح، وتحق الحق، ولا تحابي قريباً أو نسيباً، وتحفظ أموال الناس، وتسوي بين أفراد المجتمع.
قيادة تكون ـ باختصار ـ أعلم الناس بالنظرية التي تقوم عليها الدولة، فتطابق شموليتها شمولية هذا الدين.
وكان مؤسس الدولة المحاط بوحي الله وعنايته ورعايته خير نموذج للقيادة المطلوبة، بحكم كونه نبي الله المرسل لتطبيق هذه النظرية.
فلما انقطع الوحي بوفاة النبي، كان لابد من أن تحل محل المؤسس قيادة بهذه المواصفات تضمن سير الدولة الوليدة في الخط السماوي الذي وضع لها.
هذه القيادة الثانية بعد المؤسس كان لابد من كونها أقرب النماذج شبهاً برسول الله، وأفهم الموجودين للنظرية، وأدنى من المؤسس من غيرها.
قيادة تكون قد توفر لها من العلم والمعرفة الغزيرة ما لم يتوفر للآخرين، فتقيم الإسلام كما هو بغير محاباة لقبيلة، ولا مناصرة لعصبية.
لكن ما حدث كان خلاف هذا، نعم تولاها فاضل لا شك في فضله، لكنها كانت تحتاج لمن هو أفضل ولا شك في أفضليته، لأن الدول المبنية على نظريات فكرية ثورية تحتاج الى الإستمرار فترة على نفس خط المؤسس حتى تستقر لها الأمور.
وقد رأينا كيف تم تعيين قيادة الدولة بعد المؤسس مرات وليس مرة، وكيف لعبت المصالح الشخصية، والعصبية القبلية دورها في كل هذه الأحداث، فأخذ الإنحراف الأول البسيط الذي كان كالشعرة ينتقل بالدولة والناس خطوة خطوة حتى انتهى الأمر الى ما رأينا... وإذا بخير أمة أخرجت للناس يقودها بعد انتهاء فترة الخلفاء الأربعة ومنذ بداية حكم بني أمية أطول الناس عداوة للإسلام، وآخرهم دخولاً فيه، وأقلهم معرفة برسول الله، وأكثرهم تطاولاً عليه... من الملاعين وأبناء الملاعين والمطاريد، وأبناء البغايا والعاهرات.
ولأن هذه الأشكال لم تكن صالحة للقيادة جامعة لصفاتها انقسمت القيادة الى ثلاثة إتجاهات متفرقة كان من المفروض أن تجتمع كلها في شخص واحد: الجانب القانوني المتعلق بالشريعة وأحكامها، والجانب الروحي، والجانب السياسي.
وبدلاً من أن تكون القيادة عالمة بالشريعة، قائدة في الروحانيات، مدبرة للسياسة، إذا بهذه الجوانب تنفصل عن بعضها، ويستقل بكل جانب واتجاه منها قيادة لا تجمع الثلاثة في آن واحد.
فاستقل بالقيادة القانونية من عرفوا بعد ذلك بالفقهاء، ثم انحصر مفهوم الشرع على يديهم في المعنى الفقهي الإصطلاحي الضيق، لأن هؤلاء طلقوا السياسة واكتفوا بجانب أو اثنين من جوانب القيادة، وساحوا في البلدان يعرفون الناس في ظل الأنظمة المنحرفة بأمور الدين، التي انتهج كل منهم في شرحها وجهة شخصية بناء على ما فهم من الدين.
نعم أدى هؤلاء الفقهاء خدمات علمية بارزة، لكن تفرق علمهم في الناس ـ مع كونهم ليسوا أعلم من في الأمة ـ أدى الى اختلاف الناس باختلاف آراء الفقهاء، وشهد تاريخ الأمة نشأة أفقهة كثيرة، تبعاً لكل من خاض في هذا المضمار، ثم انقرض أكثرها لظروف سياسية في أغلبها، وبقي منها الأربعة التي نعرفها.
وأما الجانب الروحي فلم يجد من هؤلاء حظاً من الإهتمام، فاستقل به من اهتموا بشؤونه، وغلبتهم همومه، فانقطعوا عن الدنيا، وطلقوا السياسة، واستغرقوا في الروحانية استغراقاً، وعرفوا اصطلاحاً فيما بعد باسم الصوفية، ومنهم من تأثر بالفلسفة اليونانية، ومنهم من اقتبس من النصرانية، ومنهم من اتبع الشريعة، ومنهم من شطح.
نعم جرت محاولات لربط الطريقة بالشريعة كما فعل أبو حامد الغزالي، لكن محاولته اقتصرت على الجمع بين الجانب القانوني والجانب الروحي، وبقيت بعيدة عن الجانب السياسي، أوقد أهملته إهمالاً.
هذا وذاك ـ أعني الجانب القانوني والجانب الروحي ـ يمكن أن تطلق عليهما مجازاً القيادة الدينية، مع أنها تسمية غير دقيقة، لكون السياسة ديناً أو جزءاً من الدين لا ينفك.
وبقي الثالث وهو جانب الحكم والسياسة وهو ما انفرد به من لا علم لهم بالقانون والشرع، ولا بالروح وعوالمها وأحوالها ومقاماتها.
وأخذ بزمام الأمور في هذا الميدان أسوأ الناس في الأغلب من تاريخ الأمة.
صحيح قذفت الأقدار بنفر معدودين من الصالحين الى كراسي الحكم، لكنهم لم يحاولوا الجمع بين الجوانب المذكورة أو رد القيادة الى ما ينبغي أن تكون عليه، فكانوا كضوء خاطف وسط الظلام، ظهر ثم انقضى سريعاً، ربما قيل أن يدرك أغلب الناس وجوده.
ساد الأمة إذن إنقسام بين القيادة الدينية بجانبيها القانوني والروحي، وبين القيادة السياسية، وانفصلت هذه عن تلك، وتنفر هؤلاء من أولئك، وكثيراً ما تحول هذا الإنشقاق الى صراع وعداوة.
(ظل النفور والتصادم ـ أو على الأقل عدم التعاون ـ السمة الغالبة على ما بين القيادتين من علاقة، فالقيادة السياسية قليلاً ما كانت تساعد القيادة الدينية (ظل النفور والتصادم ـ أو على الأقل عدم التعاون ـ السمة الغالبة على ما بين القيادتين من علاقة، فالقيادة السياسية قليلاً ما كانت تساعد القيادة الدينية في القيام بواجبها، كما أن القيادة السياسية لم تقبل إلا أقل القليل من العون الذي كانت القيادة الدينية تقدمه لها، لأن الثمن الذي كان عليها أن تدفعه للقيادة السياسية نظير مساعدتها لها، ما كان إيمانها ولا ضميرها يرضى بدفعه.
وكذلك كان الناس أنفسهم قليلاً ما يثقون فيمن اقترب ـ من أفراد القيادة الدينية ـ من السلاطين أو نال منهم منصباً أو منحنة أو عطاء، فأضحى معيار أهلية القيادةالدينية وصلاحيتها ـ في نظرهم ـ انقطاعها واستغناؤها عن الحكام، وصمودها أمام غضبهم وقهرهم وبأسهم، فإن شذ أحد أفرادها عن هذا المعيار نظر الناس اليه نظرات ثاقبة شديدة، وامتنعوا عن الإعتراف بعظمته، اللهم إلا إذا رفض المساومة والمهادنة على أمر الدين رغم قربه من الحاكم.
بل إن نفس من كانوا يبيعون أنفسهم للقيادة السياسية ـ فضلاً عن عامة المسلمين ـ ما كانوا ليقبلوا إماماً وزعيماً دينياً يبيع نفسه للحاكم مثلهم، أو يحرف أحكام الدين تحت ضغط القوة والجبر.
هكذا انفصل طريق القيادة الدينية عن القيادة السياسية منذ منتصف القرن الأول الهجري(6) .
هذا الإنقسام لم يظهر برأسه متأخراً كما يظن البعض بل في عهد الصحابة وأمام أعينهم، حتى وجد في الدولة الإسلامية ثلاثة خلفاء مبايعين في آن واحد (فكان مروان بن الحكم خليفة مبايعاً في الشام ومصر، وعبدالله بن الزبير خليفة مبايعاً بالحجاز والبصرة، والمختار الثقفي خليفة مبايعاً في الكوفة)(7)
فما إن استقر الأمر لبني أمية حتى راح يتداول الحكم في الأمة من لا دين لهم ولا خلق، وامتدت سلسلتهم منذ ذلك الوقت والى يومنا هذا.
فلئن أدت مشكلة القيادة الى أن يوجد في جيل الصحابة وعلى رؤوسهم وفوق كرسي دولتهم من استحل حرمات الله والناس فأحرق الكعبة وضربها بالمجانيق واستباح مدينة رسول الله لجنده فاغتصبوا نساءها من صحابيات وتابعيات حتى أن (الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان إذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها، ويقول لعلها قد افتضت في وقعة الحرة)(8) (وحبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زواج)(9) فإن نفس المشكلة التي لم تحل بعد قد سلطت على رقاب المسلمين في مختلف العصور وخاصة في عصرنا الحديث من ارتكبوا ويرتكبون ما هو أكثر من ذلك، لأن المشكلة بعينها لم تزل.
وما النظم الحالية في بلاد المسلمين إلا إمتداد لذلك النظام القديم، مربوطة به بحبل وثيق طويل طوله أربعة عشر قرناً.
أما انقسام الأمة الذي جاء نتيجة انقسام القيادة، فكان له صور وأشكال، وظهر واضحاً في أكثر من مجال.
ففي المجال الإجتماعي والإقتصادي اندثرت (المؤاخاة) التي سوى بها المؤسس تسوية تامة بين أفراد المجتمع، ونشأت في مكانها طبقات غير متساوية هنا وهناك (فوجدت طبقة الارستقراطية العليا ذات المولد والثراء الضخم والسلطان الواسع، ووجدت طبقة البائسين الذين يعملون في الأرض ويقومون على مرافق هؤلاء السادة، ووجدت بين هاتين الطبقتين المتباعدتين طبقة متوسطة هي طبقة العامة من العرب الذين كانوا يقيمون في الأمصار، ويغيرون على العدو، ويحمون الثغور، ويذودون عمن وراءهم من الناس وعما وراءهم من الثراء، وهذه الطبقة هي التي تنازعها الأغنياء ففرقوها شيعاً وأحزاباً)(10)
وفي مجال الفكر والعقيدة انقسم المسلمون فرقاً وأحزاباً، لأن التذبذب الذي عاشوه جعل أمور الفكر والإعتقاد موضع بحث ونقاش، فنشأ لكل فريق من رجال الجيل الأول حماة ومعارضون ونشأت فرق أخرى أما كرد فعل لبقية الفرق، وأما بوحي من السلطة واشارة، فإذا بالنسيج السوى يتمزق قطعة قطعة، واذا بالفكر مشتت، والعقيدة مختلف في تفاصيل أمورها ومسائلها، وإذا بعامة الناس منفصلة عن صراعات الفكر ودوامات الفرق، وازدادت الشقة بين الفرق وبعضها، فغلا كل منها وتطرف... ولما رأى العامة ذلك انكب كل فرد على مصالحه وشأنه، فأعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله مؤثراً السلامة، تاركاً مساندة الحق وهو يعرفه.
وأتصور ـ إن كان من حقي أن أتصور ـ أن السبب في الإنحراف الذي اتسع ثم الإنقسام الذي وقع هو أن الدولة الإسلامية ـ وهي دولة فكرية ـ تحتاج الى مرجع يضم في صدره علماً يقينياً محدداً، ويعرف تفاصيل الشرع، وتتوافر فيه خصائص العلماء والساسة والزهاد العباد، فيكون أقرب الى الشخصية الكاملة، شخصية المؤسس.
هذا المرجع تكون له هيمنة المشرف على شئون الدولة كي لا يتلاعب بشرعها متلاعب، أو يتأول قانونها متأول، أو يتحلل
منه متحلل، هو الفيصل في المنازعات إذا نشبت، والقائل بكلمته إذا الأمور ادلهمت، لما له من علم شامل واسع، وعقل مدبر، وروح شفافة، ولكونه قد شرب مما لم يشرب منه غيره، واختصه النبي المؤسس بما لم يطلع عليه غيره.
وقد وجد هذا المرجع فعلاً، وبهذه المواصفات فعلاً، فكان إماماً يسلم الكل بإماماته، ويحتاجون الى رأيه، ويلجأون اليه في المعضلات، فقد حفظت لنا كتب التاريخ والحديث رأيهم فيه، وتسليمهم بمنزلته، حتى كان إذا وقع أحدهم في ورطة قال (معضلة ولا أبا حسن لها).
لكنهم مع هذا، ورغم وجود المرجع بينهم، واستشارتهم له، لم يجعلوا لرأيه إلزاماً، فكانوا يطلبون رأيه فيشير عليهم ويستحسنونه، لكنهم بعد ذلك أحرار في أن يعملوا به أو لا يعملوا.
ومن هنا وقعت المخالفات لأنهم سلموا للإمام المرجع بمنزلته، ولم يضعوا في يديه قوة التنفيذ والإلزام، فصار رأيه بلا وزن في الدولة.
هذه واحدة.
وأما الثانية فهي أن من وصلوا الى سلطة الدولة الوليدة ما كانوا يصلحون للمرجعية والإمامة وإن صلح بعضهم أو كلهم لمنصب رئاسة الدولة والحكومة، فلما سارت الدولة برأي رئيس الحكومة أو الجهاز التنفيذي، متحررة من سلطة المرجع، كانت كدولة بلا إمام ومرشد، فوقع ما وقع. وأتصور أن هذا النظام لو أخذ به لرضيت الأطراف كلها، ولسارت الدولة بيد من سارت ومن لا تنكر كفاءتهم، ولكن في وجود مرجع امام يقول لرئيس الدولة: قف، إذا رأى منه ما يخالف الشرع عمداً أو سهواً.
وإذا تذكرنا أن قواعد وضوابط الدولة ونظام الحكم وتفاصيل الأمور لم تكن تكتب آنذاك، كان لابد من وجود من يعرفها ويعلمها علم اليقين، ومن ثم يبدو النص عليه وتعيينه للدولة والأمة من قبل الله ورسوله أمراً طبيعياً، لكونه الأعلم والأفهم والأشجع، والأقرب الى المؤسس والألصق به.
وإذا عرفنا أن منفذ السياسة وبرامج الدولة، ومدير حكومتها، لا يشترط فيه أن يكون الاعلم وإن اشترط له العلم، ولا يشترط
له ما هو مشترط في المرجع المرشد، كان عدم تعيينه والنص عليه ثم ترك اختياره للأمة والناس بالشورى أمراً طبيعياً، مادام هناك من يضمن سير الدولة على الطريق المحدد المرسوم، وله سلطة إعطاء الضوء الأحمر والأخضر بما لديه من علم وفهم.
وقد لا يعجب كلامي هذا أهل التشيع أو بعضهم، وقد يضيق به أهل التسنن أو جلهم، لكن عليهم جميعاً ألا ينسوا أنه مجرد تصور فردي، وقراءة ذاتية.
المصادر :
1- الفتنة الكبرى: ص36، 37، 38.
2- الفتنة الكبرى: ص31، 39، 40.
3- الإمامة والخلافة: ص132 ـ 133.
4- الخلافة والملك: ص208 ـ 209، دار القلم، الكويت 1978.
5- الفتنة الكبرى: ص41.
6- الخلافة والملك، أبو الأعلى المودودي: ص137.
7- الفخري لابن طباطبا: ص86.
8- نفس المصدر: ص84.
9- الفتنة الكبرى: ص41.
10- البداية والنهاية لابن كثير: 8/372، مطبعة السعادة مصر، وانظر للتفصيل ص219 ـ 221.

 

الكلمات الرئيسية :

الامامة

,

ثقافة

,

الامة

,

الامام

,

الاسلام

,

الدين

اضف التعليق