اجواء عيادة المريض

لاريب في ان عيادة المريض محبوبة ومطلوبة لله تعالى ، ومستحبة شرعا ، وقد ورد : ان من عاد مريضا شيعه سبعون الف ملك ؛ يستغفرون له حتى يرجع الى منزله
اجواء عيادة المريض
 اجواء عيادة المريض

 





 

لاريب في ان عيادة المريض محبوبة ومطلوبة لله تعالى ، ومستحبة شرعا ، وقد ورد : ان من عاد مريضا شيعه سبعون الف ملك ؛ يستغفرون له حتى يرجع الى منزله (1).
والاخبار في هذا المجال كثيرة ، لامجال لاستقصائها ، فمن ارادها فليراجعها في مظانها من كتب الحديث ، كالوسائل ج ٢ ، والبحار ، وغير ذلك.

حد القصد الى عيادة المريض :

ولربما يمكن ان يقال : ان قول النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) لعلي عليه‌السلام : « سر ميلا عد مريضا » (2) يستفاد منه عدم مطلوبية ذلك فيما فوق ميل ..
ولكننا بدورنا لا نوافق على هذه الاستفادة ؛ ونرى : ان من القريب جداً ، ان يكون المراد السير على الاقدام ونحوه ، فهو كناية عن مطلوبية تحمل المشقة في هذا السبيل ، ولو بأن يسير الانسان ميلا ، وليس في مقام تحديد المسافة التي تستحب منها العيادة .. واذن .. فحيث تتوفر الوسائل لعيادة المريض ولو بأن يسير اميالا بالسيارة مثلا ، فان ذلك يكون مطلوبا ومحبوبا ، بل يزيد محبوبية كلما زادت المشقة في ذلك ..

لا عيادة على النساء :

وأما بالنسبة لخروج النساء الى عيادة المريض ، فانه غير مطلوب منهن ، ولا امرن به ، فقد ورد انه : ليس على النساء عيادة .. ولعل ذلك يرجع الى ان الشارع يرغب في تقليل اختلاط الرجال بالنساء ، حفظا للمجتمع من كثير من المتاعب ، التي ربما تنشأ عن أمر كهذا .. ومن اجل ذلك نجد الزهراء عليها‌السلام ترجح للمرأة : ان لا ترى الرجل ، ولا الرجل يراها ، كأسلوب انجح في مقاومة كل مظاهر الانحراف ، ولو بعدم المساهمة في ايجاد محيط يساعد عليه .. فهو لا يريد ان يقطع اليد التي تسرق ، وانما يريد ان يهيىء الظروف التي تمنع حتى من التفكير بالسرقة ، التي تؤدي الى قطعها ..

العيادة كل ثلاثة ايام :

وقد لا حظنا : ان الروايات الواردة عن المعصومين عليهم‌السلام لم تصر على تكثير العيادة للمريض ، فلم تجعل العيادة له في كل يوم ، بل هي توصي بأن تكون في كل ثلاثة ايام مرة : بل عن الصادق عليه‌السلام : لا تكون العيادة في اقل من ثلاثة ايام ، فاذا وجبت فيوم ، ويوم لا ، فاذا طالت العلة ترك المريض وعياله (3)
وفي نص آخر عن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : اغبوا في العيادة واربعوا الا ان يكون مغلوبا.
فالمراد من هذه الرواية هو : انه اذا كان المريض غير مغلوب ، فتأخروا في عيادته ... أما اذا كان مغلوبا فانه يعاد يوما ، ويوما لا ، حسبما ورد في الرواية الاولى .. ويؤيده ما ورد في ذيلها ايضا.
لكن العلامة المجلسي رحمه‌الله يرى : ان المراد : انه اذا كان مغلوبا فينبغي ان يترك المريض وعياله ، كما في الرواية الاولى. والمراد بأغبوا : العيادة له يوما وتركه يوما (4).
ونحن نستبعد ما ذكره ، فانه اذا كان مغلوبا ، فان العيادة تتأكد ، كما هو مقتضى الطبع والذوق والسليقة .. وأما اذا طالت العلة ، فانه امرا آخر : ويناسب ان يترك المريض وعياله ، ليمكن لهم مباشرة خدمته ، وتحمل مشقاتها ، فلا يزيد في احراجهم ، كما ان المريض نفسه لا يرى نفسه عبئا على غيره ، ولا يضطر لان يتطلب من عياله ما ربما لا يكون لديهم ميل الى تحمله وانجازه له .. والعيادة تكون كل ثلاثة ايام مرة ، وهو ما يظهر من الرواية الاولى بقرينة ذيلها وبقرينة الرواية الثانية ايضا ، والتي تفيد : ان الاحسن ان لا تكون متوالية ، بل الارجح ان يغب ( اي يباعد ) في العيادة ، فتكون في اليوم الرابع بعد الثلاثة ايام ..
هذا .. ولكن المجلسي رحمه‌الله قد فهم من الرواية الاولى : « ان المراد به : انه لا ينبغي ان يعاد المريض في اول ما يمرض الى ثلاثة ايام ، فان برىء قبل مضيها ، والاّ فيوما تعود ، ويوما لا تعود. ويحتمل ان يكون ان اقل العيادة : ان يراه ثلاثة ايام متواليات ، وبعد ذلك غبا. او ان اقل العيادة ان يراه في كل ثلاثة ايام ، فلما ظهر منه ان عيادته في كل يوم افضل استثنى من ذلك حالة وجوب المرض ، ولا يخفى بعد الوجهين الاخيرين وظهور الاول » .
ولكننا نرى ـ كما تقدم ـ ان ا*لوجه الاخير هو الاظهر ؛ والاولان بعيدان .. وذلك بقرينة رواية اغبوا في العيادة واربعوا ، الا ان يكون مغلوبا. ولكن بمعنى ان العيادة في الحالة الطبيعية هي بعد مضي ثلاثة ايام فيعوده في اليوم الرابع ، فاذا ثقل المريض ، ووجبت ، فانه يعوده ويوما لا .. فاذا طالت العلة ترك المريض وعياله ..
العيادة بعد ثلاثة ايام :
وعن علي عليه‌السلام : العيادة بعد ثلاثة ايام الخ.. فاذا شفى المريض قبلها فلا عيادة له .. وقد تقدم احتمال المجلسي ارادة هذا المعنى من الرواية الاولى المتقدمة تحت العنوان المتقدم ، وقد تقدم : انه ليس ظاهرا منها ، والا لوجب طرح الرواية الاخرى .. وما ذكرناه نحن هناك هو الاوجه في الجمع بين الاخبار ..

العيادة ثلاث مرات :

وعلى المؤمن ان يعود اخاه في مرضه ثلاث مرات فاذا زاد عن ذلك فقد طالت العلة .. فليتركه وعياله ، فقد روى عنه (صلی الله عليه وآله وسلم) : العيادة ثلاثة ، والتعزية مرة (5).

اوقات العيادة :

انه يفهم من النصوص : انه لا يفرق في العيادة بين ان تكون صباحا او مساء ، وقد روى عن ابي عبد الله عليه‌السلام ، انه قال : ايما مؤمن عاد مريضا حين يصبح شيعه سبعون الف ملك فاذا قعد معه غمرته الرحمة ، واستغفروا الله عز وجل له حتى يمسي ، وان عاده مساء كان له مثل ذلك حتى يصبح . قال المجلسي : « ربما يستفاد منه : ان ما شاع من انه لا ينبغي ان يعاد المريض في المساء لا عبرة به » .
وبهذا المعنى روايات كثيرة لا مجال لاستقصائها وتتبعها .. بل اننا نستطيع ان نقول : بما ان المريض في المساء يأخذه الملل ، ويتوقع قدوم الليل الذي يراه طويلا عليه .. فزيارته في هذا الوقت لها فائدة ايضا ، لانها تخفف عنه وحشته ، وترفع عنه حالة الملل ، والانتظار التي يعيشها ، ولعله لاجل هذا نجد الإمام الحسن (عليه السلام) يقتصر على ذكر العيادة في المساء ، فيقول لابي موسى حينما جاءه عائدا : « ما من رجل يعود مريضا ممسيا الا خرج معه سبعون الف ملك يستغفرون له حتى يصبح ، وكان له خريف في الجنة » (6) ..
او لعله لاجل ان ابا موسى قد زاره مميسا فكان من المناسب ذكر هذا القسم من الحديث له ، فلا يدل على الاختصاص : هذا ولكن الرواية قد رويت ايضا بين علي وابي موسى حينما جاء عائدا للحسن عليه‌السلام. وروى ما يشبه ذلك بين علي عليه‌السلام ؛ وبين عمرو بن حريث ، وفي كليهما ذكر العيادة في الصباح والمساء معاً .. ولا مانع من تكرر الحادثة في الجميع ..
العيادة لمن؟!
وقد ورد انه لا عيادة لـ :
١ ـ شارب الخمر ، فعن الرضا عليه‌السلام ، عن آبائه عليهم‌السلام : ان رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) قال : شارب الخمر ان مرض فلا تعودوه ... الخبر .
٢ ـ اهل الذمة ، فقد روى عنه (صلی الله عليه وآله وسلم) : لا تعودوا مريضهم ، ولا تشيعوا جنائزهم
ولكن قد روى في الجعفريات بسنده : ان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) عاد يهوديا في مرضه (7) ،
والذي يبدو لنا هو : انه اذا كان ثمة مصلحة في عيادتهم ، فلا مانع منها ، كما فعله النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، اذ الظاهر : ان مرادهم بذلك اليهودي هو ذلك الغلام الذي مرض ، فعاده (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فكانت النتيجة هي انه قد اسلم نتيجة لذلك .. كما روى .
اما حيث لا مصلحة ، فلا يعادون ، كما هو ظاهر الرواية الاولى ..
واما بالنسبة لعيادة غير الشيعي ، فقد ورد الامر بها ، لان ذلك يوجب توثيق عرى المودة بين المسلمين وشد ازرهم على عدوهم ، وتقريب القلوب فيما بينهم ، كما انه يعكس الاخلاق الرفيعة ، والانسانية الفاضلة.
فعن الصادق عليه‌السلام : اياكم ان تعملوا عملا نعيّر به ... الى ان قال : صلوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم الى شيء من الخير الخ ..
٣ ـ و ٤ ـ و ٥ ـ عن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : ثلاثة لا يعادون : صاحب الدمل ، والضرس ، والرمد (8).
٦ ـ وجع العين .. فقد ورد عن الصادق (عليه السلام) : لا عيادة في وجع العين .
ولكن قد ورد : ان رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) قد عاد علياً عليه‌السلام في وجع عينه .الا ان يقال : ان قول الصادق المتقدم يحمل على نفي تأكد الاستحباب ، وما فعله (صلی الله عليه وآله وسلم) يحمل على الرجحان في الجملة .. او على خصوصية لامير المؤمينن عليه‌السلام في ذلك ..

عيادة الرجل للمرأة :

وقد ورد : انه (صلی الله عليه وآله وسلم)‌وسلم قد عاد بعض النساء ، كأم العلاء ، وعاد ايضا امرأة من الانصار في مرض الم بها (9) ..
عيادة بني هاشم :
وان اكرام من ينتسب الى رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)‌وسلم يكون اكراما للرسول نفسه ، اذا كان المكرم قاصدا لذلك .. ومن اولى من الرسول بالتعظيم والتكريم؟! ..
كما ان اكرام بني هاشم ، الذين يتعرضون الى مختلف انواع الاضطهاد والتنكيل ، ويتحملون المصاعب والمصائب بسبب ارتباطهم بالرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وانتسابهم اليه ، هذا الاكرام يكون من اقرب القربات ، ولعل هذا يفسر لنا ماروي عن الإمام الكاظم عن آبائه عليهم‌السلام ، عنه (صلی الله عليه وآله وسلم)‌وسلم :
« عيادة بني هاشم فريضة ، وزيارتهم سنة » .
عيادة الأقارب :
وقد ورد في وصية امير المؤمنين عليه‌السلام لولده : « واكرم عشيرتك فانهم جناحك .. الى ان قال : واكرم كريمهم ، وعد سقيمهم » (10).

استحباب الهدية للمريض :

ولان المريض يحتاج الى اظهار المحبة والعطف ، ولان ذلك يربط على قلبه ، ويجعله يطمئن الى محبة الاخرين له ، فان الهدية له تكون تعبيرا عن هذا الحب ، وهذا العطف.
وقد روى بعض موالي الإمام الصادق عليه‌السلام قال : مرض بعض مواليه ، فخرجنا اليه نعوده ، ونحن عدة من موالي جعفر ، فاستقبلنا جعفر في بعض الطريق ، فقال لنا : اين تريدون؟ فقلنا : نريد فلانا نعوده ، فقال قفوا ، فوقفنا ..
فقال : مع احدكم تفاحة ، او سفرجلة ، او اترجة ، او لعقة من طيب ، او قطعة من عود بخور؟
فقلنا ، ما معنا شيء من هذا.
فقال : اما تعلمون ان المريض يستريح الى كل ما ادخل به عليه؟

عدم شكوى المريض الى عواده :

لقد ورد في كثير من النصوص الدعوة الى كتمان المرض ، واعتبار ذلك من كنوز البر ، وان من كتم وجعا اصابه ثلاثة ايام من الناس ، وشكا الى الله عز وجل كان حقا على الله ان يعافيه منه، وان من مرض ليلة ولم يشك ما اصابه فيها الى احد كتب الله له عبادة ستين سنة ، وان المريض في سجن الله ما لم يشك الى عواده.
وقد مدح امير المؤمنين عليه‌السلام رجلا ، فكان مما قال : « وكان لا يشكو وجعا الا عند برئه » (11).
وهناك مضامين اخرى في هذا المجال ، لا مجال لتتبعها ، فلتراجع في مظانها.
ونريد ان نشير هنا : الى ان هذه النصوص ناظرة الى الكتمان الذي يكون من اجل الاعتماد على كرم الله سبحانه ، والطافه ، ويعطى المريض دفعة روحية قوية ، تكون ثمرتها القرب من درجة المتوكلين ، التي هي من اعظم الدرجات. والتي يفوز من وصل اليها ، ويرتاح ويسعد من حصل عليها ..
واكثر من ذلك ، فان الانسان يصير مقتنعا تماما بأن الله وحده هو الذي يملك النفع والضرر. وهو الشافي ، ومنه الشفاء ، وبه الشفاء. وان كل من سواه لا يستطيعون بدونه حيلة ، ولا يهتدون سبيلا.
نعم .. يمكن ان يكونوا واستطة لافاضة الخير من قبل الله تعالى ، مالك كل شيء وخالقه ..
ولعل الى هذا يشير ما ورد في النصوص المتقدمة من التأكيد على لزوم كون الشكوى الى الله سبحانه لا الى غيره ..
فان ذلك ليس الا من اجل ان يمر هذا الانسان بالتجربة الروحية التي تصهره في بوتقتها ، وتنفى كل خبث عنه ، وليخرج بعد ذلك طاهرا مطهرا نقيا ..
وما احلى التجربة ، وما انجحها وانجعها في هذا الوقت الذي يشعر فيه الانسان بالضعف وبالحاجة ، ويبقى ثلاثة ايام يعيش في الاجواء الالهية ؛ مع الله الغني والقوي والمالك لكل شيىء .. وتكون ظروفه الخاصة هذه ، وهذه الاجواء التي يعيشها سببا في ان يخرج من مرضه هذا بروحية جديدة ، تؤثر على كل حالاته ، ومجمل سلوكه تأثيرا قويا وبعيدا وشاملا في احيان كثيرة. ولربما يعادل الرقي الروحي والانساني الذي يحصل عليه خلال ليلة واحدة فقط ما يحصل عليه من عيادة ستين سنة ، كما جاء في الرواية ..
وبملاحظة النصوص التي وردت في هذا المجال نعرف : ان الشكوى التي ورد الترغيب في الابتعاد عنها هي الشكوى التي تستبطن استدرار عطف المشكو اليه ، نتيجة لشعوره بضعف الشاكي وعجزه ، والله لا يريد لعبده ان يكون ضعيفا وعاجزا الاّ امام الله عز وجل ...
ومن الجهة الاخرى ، فان الله تعالى لا يريد لعبده ان يعتقد بأن غير الله تعالى يملك له شيئا من النفع او الضر ، فان هذا امر مرغوب عنه ومرفوض ، لان الله وحده هو مالك كل شيء ، وبيده النفع والضرر ؛ وهو الكبير المتعال ..
وكذلك .. فان الشكوى التي تستبطن استعظام الامر الذي نزل بالشاكي واعتباره ان ذلك ينافي عدل الله سبحانه وتعالى ولطفه ورحمته .. ان هذه الشكوى مرغوب عنها شرعا ، ومرفوضة جملة وتفصيلا ، بل لابد من الصبر والتسليم ؛ فعن الصادق عليه‌السلام : من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها ، وادى الى الله شكرها كانت له كفارة ستين سنة ، قال : قلت : وما قبلها بقبولها؟ قال صبر على ما كان فيها .. وعنه عليه‌السلام ، ايما رجل اشتكى ، فصبر واحتسب ، كتب الله له من الاجر اجر الف شهيد .. وعن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، انه قال : يكتب انين المريض حسنات ما صبر ، فان جزع كتب هلوعاً .
وورد : ان الصادق عليه‌السلام سئل عن حد الشكاية للمريض ، فقال : ان الرجل يقول : حممت اليوم ، وسهرت البارحة ، وقد صدق ، وليس هذا شكاية ، وانما الشكوى ان يقول : قد ابتليت بما لم يبتل به احد ، ويقول : لقد اصابني ما لم يصب احدا
قال المجلسي رحمه الله تعالى : « هذا تفسير للشكاية التي تحبط الثواب ، والاّ فالافضل : ان لا يخبر به احدا ، كما يظهر من الاخبار السابقة. ويمكن حمله على الاخبار لغرض كاخبار الطبيب مثلا »
فالإخبار بالمرض لايلازم الشكوى ، كما دل عليه الخبر الانف .. وقد تقدم ايضا : ان المريض في سجن الله ما لم يشك على عواده. وان من مرض يوما وليلة فلم يشك الى عواده ، بعثه الله يوم القيامة مع خليله ابراهيم. وانه ما من عبد ابتليته ببلاء فلم يشك الى عواده الا ابدلته لحماً خيراً من لحمه (12) الخ ..
وكل ذلك يدل على ان الإخبار بالمرض شيء ، والشكوى المرغوب عنها شيء آخر .. وأما اختلاف الروايات في الترغيب بعدم الشكوى ليلة ، او ثلاثة ايام ، او مطلقا ، فيحمل على اختلاف درجات الفضل فيها ..
واما رواية من كتم وجعا اصابه ثلاثة ايام الخ .. فيمكن ان يقال ؛ ان المراد فيها ، ان اخباره لاخوانه بعد الثلاثة يصير له فضل. او ان المراد بالكتمان عدم الشكوى ، لاعدم الإخبار بالمرض مطلقا ؛ بقرينة قوله فيها ، « وشكا الى الله عز وجل » فتكون كغيرها من الروايات.
وأما الرواية التي تجعل كتمان المرض من كنوز البر ، فلابد وان تحمل على ما ذكر ايضا. او على صورة الشفاء السريع ، حيث لا يطول المرض ، او على ما ذكره المجلسي آنفا ..
ويبقى ان نشير الى ان ما ورد من قول الإمام الصادق عليه‌السلام للحسن بن راشد : يا حسن اذا نزلت بك نازلة ، فلا تشكها الى احد من اهل الخلاف ، ولكن اذكرها لبعض اخوانك ، فانك لن تعدم من خصال اربع : اما كفاية ، واما معونة بجاه ، او دعوة تستجاب ، او مشورة برأي
وكذا ما عن الصادق (عليه السلام) ، من شكا الى مؤمن فقد شكا الى الله عز وجل ، ومن شكا الى مخالف فقد شكا الله عز وجل.
فان الظاهر هو انها ناظرة الى شكوى غير المرض ، وحيث لا تستبطن الشكوى ايا من المعاني المرغوب عنها شرعا ..
ويشير الى ذلك قوله : « اما كفاية » وذلك لان المرض لاتتأتى فيه الكفاية ، وأما ما بعد هذه الفقرة كالمعونة بالجاه مثلا فيمكن ان تتأتى فيه ، بأن يستعمل نفوذه لايصاله الى الطبيب الفلاني ، او ادخاله المستشفى الفلاني ، وما اشبه ذلك وبالنسبة للمشورة بالرأي واستجابة الدعاء ، فالامر فيهما واضح ...
وأما الحديث الثاني ، فهو مطلق ، ولعله يشير الى ما تضمنه حديث الحسن بن راشد ، لان السياق منسجم معه اكثر من غيره ، حيث ان المريض قد منع من الشكوى حتى الى عواده ، وان كانوا من اخوانه ، كما اشرنا اليه ..

عدم اسماع المريض التعوذ من البلاء :

وقد تقدم : ان محمد بن علي (عليه السلام) كان لايسمع المبتلى التعوذ من البلاء ، وتقدم ما يشير الى الحكمة في ذلك حين الكلام على موضوع « الممرض في المستشفى ».
عدم اطالة الجلوس عند المريض :
وان عوارض المرض ، والحالات المتغيرة ، التي تطرأ على المريض ، لربما تفرض عليه احيانا : ان يكون في وضع لايرغب ان يراه عليه احد ..
كما ان نفس الحالة العلاجية له لربما يكون اطلاع الغير عليها موجبا لتألم المريض نفسيا .. واذا كانت العيادة ضرورية ايضا ، فوجه الجمع هو عدم اطالة مكث العائد عند المريض حتى لايزيد في احراجه ، او في المه النفسي.
ومن هنا .. فقد ورد عنهم عليهم‌السلام استحباب عدم اطالة الجلوس عند المريض ، حتى عبر عنها الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه ـ كما روى ـ بقوله : « العيادة قدر فواق ناقة » (13).
وعن امير المؤمنين عليه‌السلام ، قوله : ان من اعظم العواد اجراً لمن اذا عاد اخاه خفف الجلوس الا اذا كان المريض يحب ذلك ويريده ، ويسأله ذلك الخ
فانه اذا كان المريض يريد ذلك ، فان الاستجابة له يكون فيها تقرب الى الله تعالى من جهة ، كما ان طلبه هذا .. يكشف عن عدم وجود ما يحتمل ان يكون موجبا للحرج بالنسبة اليه .. من جهة اخرى ..
وضع اليد على المريض ، والجلوس عند رأسه :
ولعل لاجل ان يطمئن المريض الى انه لايزال مقبولا لدى الاخرين ، ولاتنفر النفوس منه ، وكذلك الحال بالنسبة للعائدة نفسه ... نلاحظ : ان ثمة اوامر بوضع العائد يده على المريض ، واعتبر ان الذي يخالف ذلك يكون من الحمقى ، وعيادة الحمقى اشد على المريض من وجعه ، حيث يتسبب الاحمق بكثير من الآلام النفسية للمريض ، بسبب تصرفاته غير اللائقة ، والمشعرة للمريض بضعفه ونقصه ..
وقد ذكر البعض : ان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) كان اذا عاد مريضا وضع يده على جبتهه ، وربما وضعها بين ثدييه ، ويدعو له
وقد روي عن ابي عبد الله عليه‌السلام : تمام العيادة للمريض : ان تضع يدك على ذراعه وتعجل القيام من عنده ، فان عيادة النوكي اشد على المريض من وجعه (14) ..
وفهم الشهيد رحمه‌الله : ان وضع اليد على ذراعه هو حال الدعاء له
ولكن قد ورد عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : قوله : من تمام العيادة للمريض ان يضع العائد احدى يديه على الاخرى ، او على جبهته. وفهم المجلسي رحمه‌الله : ان المقصود هو ان يضع العائد يده على جبهة نفسه ، واحتمل ان يكون ذلك لاجل اظهار الحزن والتأسف على مرضه ، كما هو الشايع ، فلا يبعد ان يكون ذكرهما على سبيل المثال ..
ولكن الاظهر هو ما تقدم من انه يضع يده على المريض نفسه ، او على ذراعه ... ( وذكر الذراع للمثال على الظاهر ) .. ويمكن حمل هذه الرواية على ذلك ، لانها ليست نصا فيما ذكره المجلسي ، فيمكن ارجاع الضمير على المريض فيها ، ويشير الى ذلك بالاضافة الى النصوص المتقدمة ما عن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : ان من تمام عيادة المريض : ان يدع احدكم يده على جبهته او يده فيسأله كيف هو ، وتحياتكم بينكم بالمصافحة.. وكذا قوله : (صلی الله عليه وآله وسلم) من تمام عيادة المريض اذا دخلت عليه ان تضع يدك على رأسه ، وتقول : كيف اصبحت (15).
فانها ظاهرة في ان يضع يده على المريض ـ كما اعترف به المجلسي قدس‌سره ، ولكنه اورد عليه : بأنه وان كان اظهر معنى ، ولكنه ـ بمعنى هذا الاخير والذي قبله ـ عاميان..
ولكننا نقول : ان الرواية الاخرى التي تقول : تمام العيادة ان تضع يدك على المريض اذا دخلت عليه ، ورواية وضع اليد على الذراع ليستا بعاميتين ، وهما تؤيدان ارادة هذا المعنى ، وهو وضع العائد يده على يد المريض ، او على جبهته.
وثمة احاديث اخرى في وضع العائد يده على المريض ، او على جبهته ، فمن ارادها فليراجعها. واخيرا .. فقد روى عن ابن عباس : ان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) كان اذا عاد المريض جلس عند رأسه.

دعاء المريض للعائد والعكس :

وحيث ان المريض يكون في هذه الحالة اقرب الى الله تعالى منه في غيرها ، فان دعاءه يكون اقرب الى الاستجابة ، ولاجل ذلك .. ولاجل ان يشعر انه ايضا يملك في مرضه هذا امتياز يفقده الاخرون ، فلا يجب ان يشعر بالذل والضعف ، فانه كما هو محتاج الى غيره ، كذلك ، فان غيره محتاج اليه .. من اجل ذلك ، نجد : انه قد روي عن ابي عبد الله عليه‌السلام قوله : اذا دخل على اخيه عائدا له فليسأله يدعو له ، فان دعاءه مثل دعاء الملائكة .. (16)
كما انه يستحب ان يدعو العائد للمريض ايضا ، فعن زرارة ، عن احدهما : اذا دخلت على مريض ، فقل : اعيذك بالله العظيم الخ .. وقد تقدم : انه يستحب للمريض ان يأذن لاخوانه بالدخول عليه ، فانه ما من احد الا وله دعوة مستجابة ..

دعاء المساكين للمريض :

وعن الصادق عليه‌السلام لاتستخفوا بدعاء المساكين للمرضى منكم ، فانه يستجاب لهم فيكم ، ولا يستجاب لهم في انفسهم.. وعن الصادق عليه‌السلام : يستحب للمريض : ان يعطسي السائل بيده ، ويأمر السائل ان يدعو له (17).
سؤال المريض عن حاله ، وعما يشتهي :
ويذكر البعض : انه (صلی الله عليه وآله وسلم) كان يسأل المريض عن شكواه ، وكيف يجده ، ويسأله عما يشتهي وهذا يعبر للمريض عن الاهتمام بأمره ، وبما يعاني فيسر لذلك ، ويرتاح له ، ويطمئن به ..

التأميل بالصحة والسلامة :

والمريض يحتاج الى بعث الثقة في نفسه ليقوى على المرض ، ولا ينهار امام عوارضه وعواديه التي لا يجد فيها حيلة ، ولا لدفعها عن نفسه سبيلا .. ولعل هذه يفسر لنا ماروي عنه (صلی الله عليه وآله وسلم) : اذا دخلتم على المريض فنفّسوا له في الاجل ، فان ذلك لا يرد شيئا ، ولكنه يطيب النفس والمراد بالتنفيس : التوسعة ، اي وسعوا له في الاجل ، واملوه بالصحة والسلامة ، كأن يقول له : لابأس عليك ، وستشفى ان شاء الله قريبا
وقد ذكر البعض : ان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) كان ربما قال للمريض : « لابأس عليك طهور ان شاء الله » .

الاكل عند المريض :

عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، انه قال : نهى رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)‌وسلم : ان يأكل العائد عند المريض ، فيحبط الله اجر عيادته .. ولماذا لا ..
مادام انه لربما يكون المريض ممنوعا عن طعام كهذا ، فاذا أكل عنه ، فانه يجعله يشتيهيه ، ويتحسر على قدرته على تناول مثله .. فيكون قد زاده بعيادته له الماً ، بدل ان يخفف عنه.

ما يقال للمريض بعد شفائه :

ولقد كان امير المؤمنين عليه‌السلام ، اذا رأى المريض قد برىء قال : يهنك الطهر من الذنوب ..
وعن الحسن بن علي عليه‌السلام : انه قال لرجل ابلّ من علته : ان الله قد ذكرك فاذكره ، واقالك فاشكره .. وروى ذلك عن علي امير المؤمنين ايضا .
وعن السجاد عليه‌السلام ما جمع فيه بين ما تقدم عن عمه الحسن ، وما تقدم عن جده أمير المؤمنين عليه‌السلام (18).
نعم .. وما احسنها من كلمة! .. منسجمة كل الانسجام مع الروحية التي يهتم الاسلام بتقويتها ، ومع الاهداف التي يحاول ان يوجه اليها الانسان الذي يتعرض الى الابتلاء بالمرض ، ومتاعبه ، ومضاعفاته .. تلك الروحية ، وهاتيكم الاهداف التي نطقت بها الروايات ، ودلت عليها التوجيهات التي صدرت عنهم عليهم‌السلام للمريض ، ولعواده ، كما قدمنا بعضا من الاشارة اليها فلا نعيد ..
المصادر :
1- الوسائل ج ٢ ص ٦٣٤ ، وفروع الكافي ج ١ ص ١٢٠.
2- البحار ج ٧٧ ص ٥٢ وج ٧٤ ص ٨٣ عن نوادر الراوندي ص ٥ وفقه الرضا ص ٤٨ ومكارم الاخلاق ص ٤٣٧ ، ومستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢٢.
3- الكافي ج ٣ ص ١١٧ والوسائل ج ٢ ص ٦٣٨ وسفينة البحار ج ٢ ص ٢٨٥ ومستدرك الوسائل ج ١ ص ٨٤ والبحار ج ٨١ ص ٢٢٦ وفي هامشه عن مكارم الاخلاق ص ٤١٤.
4- البحار ج ٨١ ص ٢٢٣.
5- البحار ج ٨١ ص ٢٢٧ وفي هامشه عن مكارم الاخلاق ص ٤١٥.
6- امالي الطوسي ج ٢ ص ١٧ وسفينة البحار ج ٢ ص ٢٨٥ ، والوسائل ج ٢ ص ٦٣٧ والبحار ج ٨١ ص ٢١٥ و ٢١٦.
7- مستدرك الوسائل ج ١ ص ٨٣.
8- البحار ج ٨١ ص ٢٢٤ عن الجواهر للكراجكي ، ومستدرك الوسائل ج ١ ص ٨٤ ومجمع الزوائد ج ٢ ص ٣٠٠ عن الطبراني في الاوسط.
9- الترغيب والترهيب ج ٤ ص ٢٩٣ عن ابي داود وص ٢٩٨ عنه وعن الطبراني والمصنف ج ١١ ص ١٩٥ / ١٩٦ ومجمع الزوائد ج ٢ ص ٣٠٧ وتيسير المطالب في امالي الإمام ابي طالب ص ٤٢٧.
10- كشف المحجة ص ١٧٣ ، والبحار ج ٧٧ ص ٢١٨ عنه.
11- نهج البلاغة ، قسم الحكم ، الحكمة رقم ٢٨٩ والبحار ج ٨١ ص ٢٠٤ / ٢٠٥.
12- الكافي ج ٣ ص ١١٦ ومشكاة الانوار ص ٢٧٩ وراجع : البحار ج ٨١ ص ٢٠٢ وفي هامشه عن معاني الاخبار ص ١٤٢ و ٢٥٣
13- الكافي ج ١ ص ١١٧ / ١١٨ والوسائل ج ٢ ص ٦٤٢.
14- الكافي ج ٣ ص ١١٨ والوسائل ج ٢ ص ٦٤٢ والبحار ج ٨١ ص ٢٢٧ وفي هامشه عن مكارم الاخلاق ص ٤١٥.
15- سفينة البحار ج ٢ ص ٢٨٥ والبحار ج ٨١ ص ٢٢٣ وامالي الطوسي ج ٢ ص ٢٥٣ ومستدرك الوسائل ج ١ ص ٨٦.
16- مجمع الزوائد ج ٢ ص ٢٩٧ عن ابي يعلى.
17- البحار ج ٨١ ص ٢٠٩ عن دعوات الراوندي.
18- تحف العقول ص ٢٠٣ والبحار ج ٧٨ ص ١٣٨.

 

ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Saturday, February 11, 2017
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
المزيد من العناصر