عضویت پارسی English
قال الامام علی علیه‌السلام: لا تُشرِکَنَّ فی مَشوَرَتِکَ حَریصا یُهَوِّنُ عَلَیکَ الشَّرَّ وَ یُزَیِّنُ لَکَ الشَّرَهَ. غرر الحکم، ح10353

عدد المشاهدات : 215

15 جمادی الاول 1438

الفرق بين السنة والشيعة

الفرق بين السنة والشيعة

 الفرق بين السنة والشيعة

 





 

لا فرق بين الشيعة والسنة؛ لاجتماعهم في الأركان الأربعة : الإخلاص في توحيد الله ، واعتقاد النبوّة ، والمعاد ، والدعائم.
نعم ، هنا فرق معنويّ أصليّ تمتاز به الإمامية عن سائر الفرق؛ وهو الاعتقاد بالإمامة ، وأنّها منصب إلهيّ كالنبوّة ، إلّا أن الإمام لا يوحىٰ إليه ، بل يتلقّىٰ الأحكام من النبيّ صلى الله عليه واله بعناية ربانيّة ، بعد الأمر من الله لنبيه صلى الله عليه واله بالنصّ عليه ونصبه إماماً لخلقه.
وما عداه من الفروق عرضيّة لا توجب فارقاً في القضيّة ، كالفرق بين المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة ، بل كلّ فرقة لا تكاد تتّفق مع الاُخرىٰ في الأحكام الفرعيّة ، حسب اختلاف الاستنباط من الأحاديث المرويّة.
فالشيعة معنى الإسلام بالمعنى الأخصّ ، والواضع صاحب الشريعة الإسلاميّة. وشاهده غير واحد من الأحاديث بطرق وثيقة من علماء إخواني السنّة وأعلامهم ، كما رواه السيوطي في كتاب (الدر المنثور) في تفسير قوله تعالىٰ : (اُولئكَ هُمْ خَيْرُ البَرِّيِة) ، قال : «أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال : كنا عند النبي صلى الله عليه واله فأقبل علي عليه السلام ، فقال صلى الله عليه واله : «والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة». ونزلت هذه الآية (1).
وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال : (لمّا نزلت هذه الآية : (إِنَّ الّذِيْنَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (2) ، قال رسول الله صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام : «أنت وشيعتك راضين مرضيّين» (3).
وأخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام قال : «قال لي رسول الله صلى الله عليه واله : ألم تسمع قوله تعالىٰ (إِنَّ الّذِيْنَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئكَ هُمْ خَيْرُ البَريَّةِ) (4)؟ هم أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الاُمم للحساب ، تدعون غرّاً محجَّلين» (5). انتهىٰ.
وروىٰ ابن حجر في صواعقه أحاديث كثيرة في هذا الباب بطرق عديدة وثيقة.

جهة وضع لفظة التشيّع

وأما الثالث ـ أعني : جهة الوضع ـ فهي اتّباع الأحسن من القول ، وهو السبب في تسمية الشيعة بالشيعة. قال جلّ اسمه في كتابه العزيز وخطابه الوجيز : (وَالّذِيْنَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوْتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَ أنَابُوا إِلىٰ اللهِ لَهُمُ البُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ* الذِيْنَ يَسْتَمِعُون القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهٌ) (6) إلىٰ آخره.
تنبيهاً علىٰ مطابقة القول الصريح للنقل الصحيح؛ لأن القول الأحسن إنّما يتميّز ويتبيّن بالبرّ المقرون بالهداية من الله. فهذه الآية أحد الموازين الّتي وضعها الله لاُولي الألباب [ليَمِيزوا] بها الحقّ؛ لأن من يستمع قولاً يخالف قول الآخر فينظر إليه بعين بصيرة في تمييز أحسنه فهو من أهل البشرىٰ.
فإنّ من استمع إلىٰ قول من يقول : إن صاحب الشريعة الإسلاميّة صلى الله عليه واله اعتمد علىٰ رجل مطهّر من الذنوب ، منزَّه من الخطأ والعيوب ، آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب ، وعلّمه من علمه ألف باب ، يفتح له من كلّ باب ألف باب ، فخلّفه في أُمَّته بأمر من الله واختيار منه تعالىٰ؛ لئلا تضلّ الاُمّة.
ثم استمع إلىٰ قول من يقول : إنّه لم يوصِ إلى أحد ، فاتبع أحسن القولين طلباً للبشرىٰ من الله ، كان من أولي الألباب؛ لأن النبيّ صلى الله عليه واله لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاُمّة إلّا وقد بيّنه ، كما قال تعالىٰ : (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) ، فكيف يهمل هذا الأمر الخطير ويترك الاُمّة في حيرة؟
ومن الواضح عند أهل البصيرة أن الناس لا تتّفق آراؤهم في أمر يسير ، إلّا بنحو من الغلبة ، فكيف يجوز اتّفاقهم جميعاً في مثل هذا الأمر العظيم؟
هب أنّهم اتفقوا ، فكيف لهم باختيار الأصلح ، وليس لهم الاطلاع علىٰ باطنه ومكنون سريرته والله تعالىٰ يقول : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتَارُ مَا كانَ لهمُ الخِيَرَةُ) (7).
ويقول خطاباً لنبيّه : (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْن نَعْلَمُهُم) (8)؟
فيكف يجوز لآحاد الناس معرفة الأصلح؟ (وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ‏ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) (9).
وكذلك لو استمع إلىٰ قول من يقول : إن من يعتمد عليه سول الله صلى الله عليه واله لابدّ أنْ يكون الأفضل؛ لما تواتر (10) عندنا وعند إخواني السنة (11)
اعتبار كونه الأفضل ، الأشدّ بلاءً ، والأعظم جهاداً ، والأقوىٰ حدساً وذكاءً ، من يرجع إليه في جميع الاُمور والعلوم؛ الأسخىٰ كفّاً ، الأكمل زهداً ، الأعظم حلماً ، الأوفر علماً ، الأحسن خلقاً ، الأفصح لساناً ، الأصدق قولاً ، الأصوب منطقاً ، الأشجع قلباً ، الأسدّ رأياً ، الأقضىٰ في الحكم ، الأشدّ حياءً ، الأعلىٰ همَّة ، الأكثر حرصاً علىٰ إقامة حدود الله وأحكامه ، الأحفظ لكتاب الله ، الأعرف بتنزيله ، الأعلم بتأويله وتفسيره.
واستمع إلىٰ آخر يقول بعدم اشتراط كلّاً أو بعضاً ، فاتّبع أحسن القولين ، كان من أهل البشرىٰ وصدق عليه الاسم.
وكذلك من استمع إلىٰ قول من يقول : إن المراد من اُولي الأمر الّذين أمر الله بطاعتهم في قوله تعالىٰ : (أَطيعُوا اللَّهَ‏ وَ أَطيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (12) ، أنّهم هم الأئمّة المعصومون من أهل بيت النبوّة ، كما ورد في غير واحد من الأخبار. منها : رواية جابر بن عبد الله قال : لمّا نزلت هذه الآية ، قلت : يا رسول الله ، قد عرفنا الله ورسوله ، فمن اُولوا الأمر الّذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ قال : «هم خلفائي ، أئمّة المسلمين من بعدي» (13).
ثم استمع إلىٰ آخر يقول غير ذلك ، أو : إنّهم خلفاء بني العباس ، وبني اُمّية (14) ، فاتّبع الأحسن من القولين كان من أهل البشرىٰ.
وكذلك لو استمع إلىٰ قول من يقول : إن لنا ميزاناً إلهيّاً نفرّق به بين الحق والباطل وهو كتاب الله والأئمّة المعصومون من الخطأ ، الّذين طهرهم الله من الرجس تطهيراً؛ لقول النبي صلى الله عليه واله المتّفق عليه من الفريقين : «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي» في غير واحد من الأخبار المتواترة عندنا ، المستفيضة عند إخواني من السنة.
ومعنىٰ عدم افتراقهما أن علم الكتاب عندهم؛ ولهذا فرض الله طاعتهم ، وسمّاهم أهل الذكر في قوله تعالىٰ : (فَسْئَلُوا أَهْلَ‏ الذِّكْرِ إِنْ‏ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون‏) (15).
وسمع آخر يقول بكفاية الكتاب والسنّة (16) ، فاتّبع أحسن القولين كان من المصاديق لهذا الاسم.
فاتّباع الأحسن من القول هو جهة الوضع لهذا الاسم ، وقد أكّده العقلُ الصريح والنقل الصحيح عن صاحب الشريعة الإسلامية صلى الله عليه واله ، فإنّه لا يزال يحثّ علىٰ هذا الميزان الإلهيّ المستفاد من الآية الكريمة. وهو لا يختصّ بالاُصول الدينيّة ، بل يجري في سائر اُمور المعاش والمعاد والعمل والاعتقاد. وفي كلّ أمر تردّد فيه ذواللب بين فعله وتركه ، فعليه أنْ يجيل فكره فيه ، ويعرض كليهما علىٰ عقله السليم وذهنه المستقيم ، ويزنهما بالشرع القويم. ثم يتّبع الأحسن ، مثل قول صاحب الشريعة الإسلامية صلى الله عليه واله : «دع ما يربيك إلىٰ ما لا يريبك» (17).
وقوله : «الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (18).
ومثل قوله عليه السلام : «ما اشتبه عليك علمه فالفظه» (19).
فإنّ أمثال هذه هدايات إلى اتّباع الأحسن من القول ، قال الله تعالىٰ في شأن موسىٰ عليه السلام : (وَ كَتَبْنا لَهُ‏ فِي‏ الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) (20).
كلمة (الشيعة) علىٰ لسان صاحب الشريعة صلى الله عليه واله
فصاحب الشريعة الإسلامية صلى الله عليه واله لا زال يحثّ على استعمال هذا الميزان العدليّ ، والقانون القطعيّ النصَفيّ ، ويكررّ لفظ الشيعة بفنون العبارات منها : عن الدار القطني وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه واله قال : «يا علي أنت وأصحابك في الجنة».
ورواه ابن الأثير في نهايته.
حديث : أنت وشيعتك
وروىٰ فيها أن النبيّ صلى الله عليه واله قال لعلي : «ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين».
ورواه أيضاً ابن حجر في صواعقه (21).
وفي (الصواعق) أن رسول الله صلى الله عليه واله قال : «يا عليّ أنت وشيعتك الفائزون والآمنون والراضون المرضيّون».
والأحاديث في ذلك مستفيضة عند علماء الحديث من الخاصّة والعامّة. راجع مسند الإمام أحمد بن حنبل (22) ، وخصائص النسائي.
وأكثرها مرويّ في الصحيحين ، [وغيرهما] ، مثل قوله في حديث الطائر : «اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك» (23).
ومثل : «لاُعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله» (24).
ومثل : «وعليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ» (25).
حديث الثقلين
فصاحب الشريعة الإسلامية صلى الله عليه واله لا زال متعاهداً لتلك البذرة الّتي وضعها في حقل بذرة الإسلام ساقياً لها بماء واحد نمير عذب ، مزعجاً للجاهلين ، صارخاً في الغافلين ، منادياً : «يا أيها الناس ، إنّي تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلوا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
وهذا الحديث أخرجه الترمذي (26) والنسائي.
وقال صلى الله عليه واله : «إنّي تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلوا بعدي؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».
أخرجه الترمذي (27) عن زيد بن أرقم.
وقال صلى الله عليه واله : «إنّي تارك فيكم خليفتين؛ كتاب الله حبل ممدود بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، لن يفترقا حتّىٰ يردا عليّ الحوض» ، أخرجه الإمام أحمد (28) من حديث زيد بن ثابت بطريقين صحيحين.
وقال صلى الله عليه واله : «إنّي اُوشك أنْ اُدعىٰ فاُجيب. فإنّي تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله عزّوجلّ ، وعترتي أهل بيتي. وإن اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا عليّ الحوض. فانظروا كيف تخلفوني فيهما».
أخرجه الحاكم في (المستدرك) (29).
وقال صلى الله عليه واله في غدير خمّ ، بعد رجوعه من حجة الوداع : «كأنّي دعيت فأجبت ، إنّي تركت الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله تعالىٰ ، وعترتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّىٰ يردا علي الحوض» ، ثم قال صلى الله عليه واله : «إن الله مولاي وأنا مولىٰ كل مؤمن» ، ثم أخذ بيد علي عليه السلام ، وقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه وهذا وليّه ، اللّهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» إلىٰ آخره.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بطريقين ؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (30) وأبو يعلى.
والصحاح المصرّحة بلزوم التمسك بالثقلين متواترة ، وهو صلى الله عليه واله لا يزال يكرّرها في مواضع عديدة؛ في عرفة ، وفي حجّة الوداع ، وفي غدير خم ، وبعد رجوعه صلى الله عليه واله من الطائف ، وعلى المنبر في المدينة ، وفي حجرته الّتي مرض صلى الله عليه واله فيها وهي مملوءة من أصحابه ، قال : «أيها الناس يوشك أنْ اُقبض قبضاً سريعاً ، فيُنطلق بي وقد قدّمت معذرة إليكم ، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب ربي عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي». ثم أخذ بيد علي عليه السلام فرفعها ، فقال : «هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتّىٰ يردا عليَّ الحوض».
ذكر ذلك ابن حجر في الباب [الحادي عشر] من (الصواعق) (31) ، في تفسير الآية الرابعة : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) .
وقد اعترف بذلك غير واحد من أعيان الجمهور.
وفي حديث الثقلين عن الطبراني أنه صلى الله عليه واله قال : «فلا تتقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».
قال ابن حجر في باب وصيّة النبيّ صلى الله عليه واله بهم في (الصواعق) : وفي قوله صلى الله عليه واله : «فلا تتقدّموهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم» ، دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العالية والوضائف الدينية كان مقدّماً علىٰ غيره) (32) إلىٰ آخر كلامه.
حديث السفينة والنجوم وباب حطّة
ومما يدلّك على أن صاحب الشريعة الإسلاميّة صلى الله عليه واله لا زال يتعاهد تلك البذرة الّتي وضعها في حقل بذرة الإسلام قوله صلى الله عليه واله : «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» (33).
و «إِنَّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غفر له» (34).
وقوله صلى الله عليه واله : «النجوم أمان لأهل الأرض ، وأهل بيتي أما لاُمتي من الاختلاف في الدين» (35)
والّذي أرىٰ أن المراد بأهل بيته ليس جميعهم ، علىٰ نحو الاستغراق؛ لأنه مقام لا يكون إلّا لحجج الله قائمين بأمره ، بدلاله العقل والنقل.
وقال ابن حجر في صواعقه : (وقال بعضهم يحتمل أنْ يراد بأهل البيت الّذين هم أمان علماؤهم؛ لأنّهم الذين يهتدىٰ بهم كالنجوم ، والّذين إذا فقدوا جاء أهلَ الأرض من الآيات ما يوعدون.
قال : (وذلك عند نزول المهدي؛ لما يأتي في أحاديثه أن عيسىٰ عليه السلام يصلي خلفه ، ويقتل الدجال في زمنه. وبعد ذلك تتابع الآيات) إلىٰ آخر كلامه (36).
حديث المنزلة
وقال صلى الله عليه واله في خروجه لغزوة تبوك لعليّ عليه السلام : «أنت مني بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا إنه [لا نبيّ من بعدي] ، إنّه لا ينبغي أنْ أذهب [إلّا] وأنت خليفتي ، أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي ومؤمنة».
أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، والنسائي في خصائصه ، والحاكم في (المستدرك) ، والذهبي في تليخصه وغيرهم.
ومن الواضح المتمركز في ذهن كلّ عربي فنّيّ ، دلالته علىٰ ثبوت عموم المنازل لعليّ عليه السلام ، عدا ما استثني من النبوّة ، والاستثناء دليل العموم.
هذا من ناحية الدلالة ، وأما سنده فلا يختلج في صحّته ريب ، ولا سنح في نفس كلّ أحد مناقشة. وقد صرّح بصحّته غير واحد من علماء السنة كالذهبي في تلخيصه (37).
وابن حجر ذكر الحديث في (الصواعق) ، ونقل القول بصحّته عن أئمّة الحديث [الّذين] عليهم في مثل ذلك المعوّل.
ومن المعلوم عند كلّ أحد مناصبة مُعاوية وحربه لعلي عليه السلام ، ولكنه بالرغم من تلك العداوة لم ينكر حديث المنزلة. قال ابن حجر في صواعقه : (أخرج الإمام أحمد رجلاً سأل معاوية عن مسألة ، فقال : سل عنها علياً فهو أعلم بها ، فقال : جوابك فيها أحبّ إلي من جواب علي. قال : بئس ما قلت ، لقد كرهت رجلاً كان يغرّه رسول الله صلى الله عليه واله بالعلم غرّاً ، ولقد قال له : «أنت مني بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا أنه لا نبي بعدي».
وقد روىٰ هذا الحديث كلّ من كتب في مناقب أهل البيت وفضائل الصحابة من الأئمّة كأحمد بن حنبل ، وغيره ممّن كان قبله أو بعده. فهو من الأحاديث المسلّمة في كلّ عصر وعند كلّ خلف.
أما الإشكال على الحديث بخصوصيّة المورد ، فهو لو سلّم لا يخصص الوارد ولا يخرجه عن العموم؛ لأن المورد لا يخصص الوارد.
وأما الإشكال عليه بعدم حجية العام في الباقي بعد التخصيص فهو من الإشكالات السخيفة ، أو الأغلاط والنوادر الظريفة ، لا يتصوّره فيما نحن فيه إلّا الخابط خبط عشواء ، أو كحاطب في ليلة ظلماء ، نعوذ بالله من الجهل. إذ كلّ من له أدنىٰ رويّة وإحاطة ببعض القواعد الصناعيّة ، يعتقد أن تخصيص العامّ لا يخرجه عن الحجّيّة في الباقي ما لم يكن مجملاً. فلو قال المولىٰ لعبده : (أكرم اليوم كلّ من دخل بيتي إلّا زيداً) ، وترك العبد إكرام غير زيد ممن دخل ، عدّ عاصياً واستحقّ الذمّ والعقوبة عرفاً وعقلاً.
ولا يلتفت إلى اعتذاره بتخصيص العامّ ، بل يكون العذر أقبح ، بل سيرة المسلمين على الاستناد إلى العمومات المخصّصة. ولو لا حجّيّة العمومات المخصّصة لتعذّر الوصول إلى الأحكام الشرعيّة ، وأخذها من الأدلّة التفصيلة. وما من عام إلّا وقد [خُصِّصَ] ، فإذا لم تكن العمومات حجّة انسدّ باب العلم في كثير من الأحكام ، والعياذ بالله.
والنصوص في شأن عليّ عليه السلام وولده عليهم السلام كثيرة ، وهي مرويّة في مؤلّفات كلّ من الفريقين. أضف إلىٰ ذلك المؤيّدات لتلك النصوص البالغة ما ينوف على أربعين حديثاً ، وأضف إلىٰ ذلك أحاديث الوصيّة ؛ وهي لكثرتها لا يسع المقام ذكرها ، وقد كفانا ذلك موسوعات كتب الخاصّة والعامّة.(38)
ثم إنّك بعد أنْ عرفت أصل التسمية ، وعرفت واضعها وجهة الوضع ، لا أظنك تتوهّم أن غيرهم من الصحابة الّذين لم يتّصفوا بهذه الصفة قد خالفوا النبيّ صلى الله عليه واله ولم يتّبعوه في إرشاده وتعاليمه ونصوصه ، بل هم أجلّ وأسمىٰ من أنْ تدرك مقامهم ساقطات الأوهام. ولعلّ تلك الكلمات لم يلتفتوا إلى المراد منها.
ثمّ لمّا اختار الله لرسوله الانتقال من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية ، رأىٰ بعض الصحابة ألّا تكون الخلافة لعلي عليه السلام ، خشية من هيجان نفوس قريش؛ لكراهتهم اجتماع النبوّة والخلافة لبني هاشم ، بخيال أن النبوّة والخلافة بأيديهم يضعونها حيث شاؤوا. فامتنع علي عليه السلام ولم يبايع إلّا بعد ستّة أشهر علىٰ ما ذكر في (صحيح البخاري) ، واتّبعه جماعة كثيرة من أعيان الصحابة. وليس امتناعه لأثرة ولا رغبة في الإمرة والملك ، وإنّما غرضه الأهمّ الاحتياط في تقوية الإسلام وخشية من تفرّق كلمته.
وحيث وجد أن الخليفتين نهجا فيما هو المرام ، وبذلا جهدهما في إظهار كلمته وإعزاز ناموسه ، رأىٰ أن الإغضاء عمّا له من الحقّ أولىٰ من الوقوف موقف الحياد. فبايع بباعث المحافظة على الإسلام وعلى الاُمّة لئلا تعود لجاهليّتها.
وأنت الخبير بعزّة الإسلام وكرامته عند أمير المؤمنين عليه السلام ، وكم ضحىٰ بنفسه ، وكم قذف بنفسه في لهوات المنايا ، ومواقفه مع
النبيّ صلى الله عليه واله مشهورة. فسلّم التصرف والرئاسة لغريه ، وهو علىٰ منصبه الإلهيّ ، وشيعته مهتدون بهداه ومستنيرون بنوره ومتديّنون بأحكامه.
هذا ، ومن قام بالأمر في المسلمين لا زال باذلاً جهده في إعزاز الإسلام من دون استئثار واستبداد ، وإذا تفاقم أمر الحوادث في الأحكام أرجعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. راجع (صحيح البخاري) و (المستدرك) و (المستطرف) و (الصواعق). وليس في ذلك الوقت للشيعة والتشيّع ظهور؛ لأن الإسلام جارٍ علىٰ مجاريه القويمة.
أما لمّا قام معاوية بما قام ، وفعل في شريعة الإسلام ، وسار بضدّ ما عليه الخلفاء الراشدون ، [فقد] رأىٰ أمير المؤمنين عليه السلام أن جعل معاوية والياً فضلاً عن كونه خليفة ، ضرر كبير على الإسلام ، وأن من ألزم الاُمور محاربته ومنابذته ، وأنه لا يجوز الركون إلىٰ رجل شأنه الغدر والمخادعة والمخاتلة.
وكفىٰ شاهداً [تصرّفه] في أموال المسلمين وصرفها في شهواته ، وإعطاء مصر لابن العاص بالغدر والخيانة واستلحاق زياد وقهر الاُمّة علىٰ بيعة يزيد. ومن هذا ومثله عرف المسلمون أنه رجل لا رابطة بينه وبين الدين.
وقد ذكر الزمخشري في كتابه المسمىٰ بـ (ربيع الأبرار) أن معاوية قال : (أما أبوبكر فقد سلم من الدنيا وسلمت منه ، وأما عمر
فقد عالجها وعالجته ، وأما عثمان فقد نال منها ونالت منه. وأما أنا فقد تضجّعتها ظهراً لبطن ، وانقطعت إليها وانقطعت إلي). فهذا كلامه عن نفسه شاهد صدق على أنه دنيويّ ليس بينه وبين الدين صحابة ، لا ارتباطية ولا اتفاقية.
وبعد قتل علي انتظم الأمر لمعاوية ، وفعل ما فعل في الشريعة ، وعاهد الحسن عليه السلام وغدر ، وقال : (كلّ عهد وشرط فهو تحت قدمي) (39)
ثم دسَّ إلى الحسن عليه السلام السمّ فقتله ، وأخذ البيعة لولده يزيد قهراً ـ وأمره غير خفيُ ولا يحتاج إلى البيان ولا إلىٰ إقامة برهان ـ ثم تعقّبه شهادة الحسين عليه السلام وما جرىٰ عليه من المصائب الّتي أدمت القلوب.
فأعمال معاوية ويزيد كانت أسباباً معدّة لتمركز مقامات عليّ عليه السلام وولده في النفوس ، وغرس محبّتهم في القلوب ، ولفتت أنظار الاُمّة إلىٰ ما يرويه الصحابة في فضائلهم ، وتنويه النبيّ صلى الله عليه واله بشأنهم وبأحقّيّتهم. فكلَّما تعقب بنو اُمّية أبناء علي وفاطمة عليهما السلام بالقتل والسمِّ والأسر ، ظهر التشيّع لهم وانتشر ، وكلَّما كتموا فضائلهم ظهرت ، وإنْ حوّروها إلى المثالب انعكست.
فكانت المظلومية كعلّة تامّة في شيوع التشيُّع في الاُمة الإسلاميَّة.
المصادر :
1- الدرّ المنثور 643 : 6.
2- البيِّنة : 7 ، وفي غيرها كثير.
3- الدرّ المنثور 643 : 6 ، وفيه كذا بالنصب.
4- البينة : 7.
5- الدرّ المنثور 643 : 6.
6- الزمر : 17 ـ 18.
7- القصص : 68.
8- التوبة : 101.
9- الأعراف : 43.
10- تجريد الاعتقاد : 222 ـ 226 ، مناهج اليقين : 312 ـ 317.
11- الأحكام السلطانيَّة (القاضي الفرّاء) : 20 ، شرح المواقف 349 : 8 ، الصواعق المحرقة : 8.
12- النساء : 59.
13- مناقب آل أبي طالب 243 : 1 ـ 344 ، البحار 289 : 23/ 16 ، 250 : 36/ 67.
14- انظر تاريخ الخلفاء (السيوطي) : 12 ـ 13.
15- النحل : 43 ، الانبياء : 7.
16- الدرّ المنثور 314 : 2.
17- مسند أحمد 153 : 3 ، تفسير جوامع الجامع 13 : 1 ، الوسائل 167 : 27 ، أبواب صفات القاضي ، ب 12 ، ح 43 وفي الأخيرين عن الصادق عليه السلام.
18- التهذيب 474 : 7/ 1904.
19- نهج البلاغة : 572/ الكتاب : 45 ، البحار 474 : 33 ، 340 : 40 ، 320 : 67 ، 448 : 72 ، الوسائل 159 : 27 ، أبواب صفات القاضي ، ب 12 ، ح 17.
20- الأعراف : 145.
21- الصواعق المحرقة : 154.
22- راجع مسند أحمد 108 : 1 ، 162 ، 179 ، 32 : 3 ، 204 : 5 ، 68 : 6 ، 369 ، 432 ، 438.
23- كنز العمال 166 : 13/ 36505 ، 167/36507 ، المستدرك على الصحيحين 142 : 3/ 4651 ، بلفظ : «اللهم جئني».
24- صحيح البخاريّ 1077 : 3/ 2783 ، 1086/ 2812 ، صحيح مسلم 1146 : 3/1807 ، 1490 : 4/ 2404.
25- المستدرك على الصحيحين 129 : 3/ 4611 ، الجامع الصحيح (سنن الترمذيّ) 633 : 5/ 3714 ، والنقل بالمعنىٰ.
26- الجامع الصحيح (سنن الترمذيّ) 662 : 5/ 3786.
27- الجامع الصحيح (سنن الترمذيّ) 663 : 5/ 3788.
28- مسند أحمد 182 : 5/ 189.
29- المستدرك علىٰ الصحيحين : 160 : 3 ـ 161/ 4711 ، ولم ينقله بتمامه ، ونقله بتمامه الترمذي. انظر الهامش : 5 من ص 71.
30- المصنّف في الحديث والآثار 176 : 7 ، كتاب فضائل القرآن ، ب 27 ، ح 5 ، 494 : 7 ، 499 ،
31- الصواعق المحرقة 149 ـ 151.
32- الصواعق المحرقة : 229.
33- المعجم الكبير 45 : 3/ 2636 ، 27 : 12/ 12388 ، المستدرك على الصحيحين 163 : 3/ 4720 ، الصواعق المحرقة : 152 ، 186 ، كنز العمال 95 : 12/ 34151.
34- الصواعق المحرقة : 150 ، 152 ، ينابيع المودة 30 : 1.
35- المستدرك على الصحيحن 162 : 3/ 4715 ، الصواعق المحرقة : 236 ، كنز العمال 34189 : 12.
36- الصواعق المحرقة : 152.
37- التلخيص (في ذيل المستدرك على الصحيحين) 134 : 3.
38- كشف الغمّة 63 : 1 ، المعجم الكبير 221 : 6/ 6063 ، ينابيع المودَّة : 135.
39- كتاب الفتوح 294 : 4.

 

الكلمات الرئيسية :

الشيعة

,

السنة

,

فرق

,

مذاهب

,

اديان

اضف التعليق