عضویت پارسی English
قال الامام علی علیه‌السلام: إنتَظِرُوا الفَرَجَ و لاتَیأَسوا مِن رَوحِ اللهِ. بحارالأنوار، ج52، ص123

عدد المشاهدات : 139

2 جمادی الثانی 1438

اللعن علی لسان الرسول

اللعن علی لسان الرسول

 اللعن علی لسان الرسول

 





 

لقد صحّ عن رسول الله أنّه لعن أبا سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أميّة في قنوته(1)وهم من أقطاب قريش ، وفيهم أبو سفيان رأس بني أميّة.
وصحّ عنه صلى الله عليه وآله قوله لمّا أقبل أبو سفيان ومعه معاوية : اللهمّ العن التابع والمتبوع(2).
وفي آخر : اللهمّ العن القائد والسائق والراكب(3) ، وكان يزيد بن أبي سفيان معهم. وقوله صلى الله عليه وآله في مروان بن الحكم : اللهمّ العن الوَزغ بن الوزغ(4).
فبنو أميّة بعد عجزهم عن ردّ صدور أحاديث اللعن رووا عن أبي هريرة قوله صلى الله عليه وآله : اللّهم إني أتّخذ عندك عهداً لن تُخلفنيه ، فإنمّا أنا بشر ، فأيّ المؤمنين آذيته ، أو شتمته ، أو لعنته أو جلدته.. فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها يوم القيامة(5)!
ومن المعلوم أنّ هذه الروايات لا تّتفق مع أصول الإسلام والسير التاريخي والفكري لرسول الله ، وما جاء به من مفاهيم ، لأنّه قال : إني لم أُبعث لعّاناً وإنّما بعثت رحمة(6).
فهو صلى الله عليه وآله لم يكن لعّاناً في سجيّته ، ولم يلعن من لم يكن مستحقّاً للّعنة ، بل لعنَ جماعات وأفراداً مخصوصين يستحقّون اللعنة من الله ورسوله في ضمن ملاكات الأحكام الشرعية والموازين الإلهية ، ومثل هذا اللعن والسبّ والجلد لا معنى لإََنْ يكون رحمة لصاحبه.
وهؤلاء القوم لم يسلموا إلاّ ليحقنوا دماءهم ، بعدما عجزوا عن الوقوف أمام الدعوة وطمس الإسلام فدخلوا الإسلام لتحريف بعض المفاهيم وإبدال مفاهيم أخرى مكانها ، وكان ضمن مخططهم التقليل من مكانة الرسول والتعامل معه كإنسان عاديّ يصيب ويخطئ ويسبّ ويلعن ، كما كان في مخطّطهم الاستنقاص من الإمام عليّ ، لأنّه كان قد وتر شوكة قريش وسعى لتحطيم سلطانهم.
فقد جاء في كتاب معاوية إلى عماله : « أن انظروا من قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه ، فَأَدنُوا مجالسهم وقَرِّبوهم وأَكرموهم ، واكتبوا إليَّ بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ».
« فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحبّ إلي وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله »(7).
نحن لو تأملنا تاريخ قريش وما فعلته مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بدء الدعوة وقضايا فتح مكّة لوقفنا على خبث الأمويين واستغلالهم لرحمة رسول رب العالمين فقد اشتهر عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه لما سمع قول القائل :
اليوم يوم الملحمة/ اليوم تسبَى الحرمة
فقال له صلى الله عليه وآله : لا تَقُلْ هذا بل قل :
اليوم يوم المرحمة/ اليوم تحفظ الحرمة (8)
وجاء عنه قوله يوم الفتح في أعدى عدوه : « من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن »(9) ، وقوله : « اذهبوا أنتم الطلقاء »(10) ، لكن قريشاً ومع كلّ هذه الرحمة كانوا يتعاملون مع الرسالة والرسول بشكل آخر.
قال الواقدي : ... وجاءت الظهر فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وآله بلالاً أن يؤذّن فوق ظهر الكعبة وقريشٌ في رؤوس الجبال ، ومنهم من قد تَغيّب وستر وجهه خوفاً من أن يُقتلوا ، ومنهم من يطلب الأمان ، ومنهم من قد أمن.
فلمّا أذّن بلال وبلغ إلى قوله « أشهد أن محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله » رفع صوته كأشدّ ما يكون.
فقالت جويرية بنت أبي جهل : قد لعمري « رفع لك ذِكرك » فأمّا الصلاة فسنصلّي ، ولكن والله لا نحب من قتل الأحبة أبداً ، ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمّداً من النبوة ، فردّها ، ولم يُرِدْ خلاف قومه.
وقال خالد بن سعيد بن العاص : الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يدرك هذا اليوم.
وقال الحارث بن هشام : واثكلاه ، ليتني متّ قبل هذا اليوم ، قبل أن أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة !
وقال الحكم بن أبي العاص : هذا والله الحدث العظيم ، أن يصيح عبد بني جُمحَ ، يصيح بما يصيح به على بيت أبي طلحة.
وقال سهيل بن عمرو : إن كان هذا سخطاً من الله تعالى فسيغيره وإن كان لله رضا فسيقرّه.
وقال أبو سفيان : أمّا أنا فلا أقول شيئاً ، لو قلت شيئاً لأخبَرَتْه هذه الحصباء ، قال : فأتى جبرئيل عليه السلام فأخبره مقالة القوم(11).
ولو تأملت في ما رواه لنا العبّاس في كيفية إسلام أبي سفيان لعرفت أنّه لم يسلم عن قناعة وإيمان ، إذ قال العباس : غدوت به على رسول الله فلما راه قال : ويحك يا أبا سفيان!! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلاّ الله ؟
قال : بلى ، بأبي أنت وأمي ، لو كان مع الله غيره لقد اغنى عني شيئاً.
فقال : ويحك! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟!
فقال : بأبي أنت وأمي ، أما هذه ففي النفس منها شيء.
قال العباس : فقلت له : ويحك! تشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك.
قال : فتشهد(12).
فهنا يبدو واضحاً أن أبا سفيان كان أكثر بطئاً في قبول الشهادة الثانية من الاولى ، لأنّه كان يتصور بأن في الثانية تحطيم غروره وجبروته وموقعه السياسي والاجتماعي ، وذلك ما لا تعنيه كثيراً الشهادة الاولى بالنسبة له.
وقد ثبت عن أبي سفيان أنّه قال للعباس لما رأى نيران المسلمين وكثرة عددهم : لقد اصبح ملك ابن أخيك عظيماً.
فقال له العباس : ويحك! إنها النبوة.
فقال : نعم إذن.
وظل منظّر الفكر القرشي على هذه الوتيرة حتّى بعد وفاة النبي وخلافة الشيخين بل إن أبا محذورة كان يستحيي من الإباحة باسم رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل مكّة ، إذ جاء في المبسوط للسرخسي ـ عند بيانه لسبب الترجيع في الأذان ـ قوله : ... وقيل أن أبا محذورة كان مؤذّن مكّة ، فلما انتهى إلى ذكر رسول الله خفض صوته استحياءً من أهل مكّة لأنّهم لم يعهدوا ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وآله بينهم جهراً ، ففرك رسول الله صلى الله عليه وآله أذنَهُ وأمره أن يعود فيرفع صوته ليكون تاديباً له..(13)
فقد روي عن ابن عباس أنه قال : ... ولقد كنا في محفل فيه أبو سفيان وقد كف بصره وفينا علي صلوات الله عليه فأذن المؤذن فلما قال : أشهد ان محمداً رسول الله ، قال أبو سفيان : ها هنا من يحتشم ؟ قال واحد من القوم : لا . فقال : لله در أخي بني هاشم ، انظروا اين وضع اسمه ؟ فقال عليّ : أسخن الله عينك يا أبا سفيان ، الله فعل ذلك بقوله عز من قائل ( ورفعنا لك ذكرك ) فقال أبو سفيان : اسخن الله عين من قال لي ليس ها هنا من يحتشم (14) .
نعم ظلت نظرة قريش إلى النبيّ بعد البعثة مشوبة بهذا المنطق المزعوم مستغلين عطف النبي ورحمته صلى الله عليه وآله ، قال الواقدي : فكان سهيل بن عمرو يحدث فيقول : لما دخل محمّد صلى الله عليه وآله مكّة انقمعتُ فدخلتُ بيتي وأغلقته عليَّ ، وقلت لابني عبدالله بن سهيل : اذهب فاطلب لي جواراً من محمّد ، فإنّي لا آمن أن أقتل ، وجعلتُ أتذكّر أثري عنده وعند أصحابه فلا أرى أسوأ أثراً منّي ؛ فإنّي لقيته يوم الحديبية بما لم يلقه أحد به ، وكنت الذي كاتبه ، مع حضوري بدراً وأُحداً ، وكلّما تحركّت قريش كنت فيها.
فذهب عبدالله بن سهيل إلى رسول الله ، فقال : يا رسول الله ، أبي تؤمّنه ؟
قال : نعم ، هو آمن بأمان الله ، فليظهر ، ثمّ التفتَ إلى مَن حوله فقال : مَن لقي سهيل بن عمرو فلا يشدنّ النظر إليه ، ثمّ قال : قل له : فليخرج ، فلعمري إنّ سهيلاً له عقل وشرف ، وما مثل سهيل جهل الإسلام ، ولقد رأى ما كان يُوضَعُ فيه إن لم يكن له تتابع ، فخرج عبدالله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله صلى الله عليه وآله .
فقال سهيل : كان والله برّاً صغيراً وكبيراً.
وكان سهيل يقبل ويدبر غير خائف ، وخرج إلى خيبر مع النبيّ وهو على شركه حتّى أسلم بالجعرانة(15)...
هكذا تعامل رسول الله مع المشركين والطلقاء ، لكنّهم أضمروا النفاق للرسول والرسالة فانضووا تحت لوائه كي يغدروا بالإسلام ، بل سعوا بكل قواهم لطمسه ودفنه.
فقد جاء عن المغيرة أنّه طلب من معاوية ترك إيذاء بني هاشم ـ لمّا استقرّ له الأمر ـ لأنّه أبقى لذكره!!... فقال معاوية للمغيرة : هيهات! هيهات! أيّ ذكر
أرجو بقاءه ؟! مَلَك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره ، إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر.
ثمَّ ملك أخو عديّ ، فاجتهد وشمّر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره ، إلاّ أن يقول قائل : عمر.
وإنَّ ابن أبي كبشة لَيصاح به كلّ يوم خمس مرَّات : « أشهد أنَّ محمَّداً رسول الله » ، فأيّ عمل يبقى ؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا! لا أباً لك! لا والله إلاّ دفناً دفناً(16).
وجاء عن معاوية أنّه قال لما سمع المؤذّن يقول « أشهد أنَّ محمَّداً رسول الله » : لله أبوك يا بن عبدالله! لقد كنتَ عالي الهمَّة ، ما رضيتَ لنفسك إلاّ أن يُقرَنَ اسمك باسم ربِّ العالمين(17)!
ولا يستبعد هذا من معاوية وهو ابن أبي سفيان القائل لله درّ أخي بني هاشم . انظروا أين وضع اسمه ، والقائل : فوالذي يحلف به أبو سفيان.. لا جنَّة ولا نار(18) ، وهو الذي مرّ بقبر حمزة وضربه برجله ؛ وقال : يا أبا عمارة! إنَّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به(19)!
وهو ابن هند آكلة كبد حمزة سيّد الشهداء ، وهو أبو يزيد الذي هدم الكعبة ، وقتل الحسين بن عليّ وأباح المدينة لثلاثة أيّام ، والذي سمّى المدينة الطيّبة بـ « الخبيثة » إرغاماً لأنوف أهل بيت النبيّ! (20)
فمعاوية ـ ومن قبله أبوه صخر ـ كانا يتصوّران بأنّ النبيّ هو الذي أدرج اسمه في الأذان ، فقال أبو سفيان : لله در أخي بني هاشم ، انظروا اين وضع اسمه ، وقال ابنه معاوية : لله أبوك يا ابن عبدالله! لقد كنت عالي الهمَّة ، ما رضيت لنفسك إلاّ أن تقرن اسمك باسم ربِّ العالمين ، وهل هذان القولان إلاّ وجهٌ آخر للرواية التي وُضِعت وادَّعت أنّ بلالاً كان يؤذن « أشهد ان لا إله إلاّ الله ، حيّ على الصلاة » فقال عمر : قل في إثرها « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » ؟! وعنوا بذلك أنّ ذكر اسمه صلى الله عليه وآله في الأذان لم يكن من الله ، بل كان باقتراحٍ فقط!!
وبعد هذا فلا يمكن تبرير فعل معاوية والقول بأنّه تعرّف على المصلحة أو فقال ابن أبي العوجاء : دع ذكر محمد فقد تحير فيه عقلي وحدّثني عن الاصل الذي جاء به... « بحار الأنوار 4 : 18 ».
ومثل ذلك ما حكاه رشاد خليفة عن جماعة ان تكرار الشهادة الثانية « أشهد أن محمداً رسول الله » بجنب الشهادة الاولى « أشهد ان لا إله إلاّ الله » يعد شركاً أكبر « انظر القرآن والحديث والإسلام : 38 ،41 ،43 وكتابه الآخر قران أم حديث : 20 ،33 ».
اجتهد قبال النص ، بل الأمر تجاوز ذلك ، ودخل في إطار تكذيب الرسالة ، وتهرئة أصل من أكبر أصول الشريعة ، وهو الاعتقاد بنبوة محمّد المصطفى.
ومما يحتمل في الأمر هو أنّ هذه الرؤية تجاه ذكر اسم النبي في الأذان وأمثالها ، هي التي رسّخت فكرة كون الأذان مناماً ، وهي التي أقلقت الرسول المصطفى حتّى جعلته لا يُرى ضاحكاً بعد رؤياه التي رأى فيها الغاصبين ينزون على منبره نزو القردة .
وليس من الصدفة في شيء الترابط الموجود بين أن يرى رسول الله الشجرة الملعونة في منامه وبين أن يُسفّه الأمويّون مسألة الرؤيا ، ويغرون الإسراء والمعراج إلى رؤيا لا تعدو كونها مناماً!
الله جلّ وعلا ورفعه لذكر الرسول صلى الله عليه وآله
هذا ، ونحن نعلم بأنّ الذي رفع ذكرَ الرسول هو الله في محكم كتابه ، وإليك أقوال بعض العلماء والمفّسرين لتقف على المقصود ، وأنّه أمر ربّاني ، وليس كما تصوره أبو سفيان ومعاوية والأمويّون ومن لف لفهم :
قال الشافعي : أخبرنا ابن عيينة عن ابن نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( ورفَعنا لك ذِكرَك ) قال : لا أُذكَر إلاّ ذُكِرتَ معي « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله »(21). يعني ـ والله أعلم ـ ذكره عند الإيمان والأذان ، ويحتمل ذكره عند تلاوة الكتاب وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية.
وقال النووي في شرحه على مسلم ـ بعد ذكره المشهورَ عن الشافعي في رسالته ومسنده في تفسير قوله تعالى ( ورفعنا لك ذكرَك ) ـ : « وروينا هذا التفسير مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عن ربّ العالمين... »(22).
وفي مصنف ابن أبي شيبة الكوفي : حدّثنا ابن عيينة ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد ( وإنّه لَذِكرٌ لكَ ولِقَومك وسوف تُسألون ) يقال : ممن هذا الرجل ؟
فيقول : من العرب.
فيقال : من أيّ العرب ؟
فيقول : من قريش.
( ورفَعنا لك ذِكرَك ) لا أُذكرُ إلاّ ذكرتَ « أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله »(23).
حدّثنا شريك بن عبدالله ، عن ابن شبرمة ، عن الحسن في قوله ( ألم نشرح لك صدرَك ) : أي مُلِئ حكماً وعلماً ( ووضعنا عنك وِزرَك * الذي أنقَضَ ظهَرك ) قال : ما أثقل الحمل الظهر ( ورفعنا لك ذِكرَك ) بلى لا يذكر إلاّ ذكرت معه...(24).
وفي دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي في قوله تعالى : ( ورفعنا لك ذكرك ) قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : المراد الأذان والاقامة والتشهّد والخطبة على المنابر ، فلو أنّ عبداً عَبَد الله وصدّقه في كلّ شيء ولم يشهد أن محمّداً رسول الله لم يسمع منه ولم ينتفع بشيء وكان كافراً.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : ثمّ إنّ النبيّ سأل جبرئيل عليه السلام عن هذه الآية ، فقال : قال الله عزّوجلّ : اذا ذكرتُ ذُكِرتَ معي.
وقال قتادة رضي الله عنه : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، وقيل : رفع ذكره بأخذ الميثاق على النبيين وألزمهم الإيمان به والإقرار به.
وقيل ( ورفعنا لك ذِكرَك ) ليعرف المذنبون قدر رتبتك لديَّ ليتوسّلوا بك إليَّ فلا أردّ أحداً عن مسألته ، فأعطيه أياها إمّا عاجلاً وإمّا آجلاً ، ولا أخيّب من توسّل بك وإن كان كافراً(25).
وقال ابن كثير في البداية والنهاية : ( ورفعنا لك ذكرك ) ، فليس خطيب ولاشفيع ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ، فقرن الله اسمه باسمه في مشارق الأرض ومغاربها ، وذلك مفتاحاً للصلاة المفروضة ، ثمّ أورد حديث ابن لهيعة ، عن درّاج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله في قوله ( ورفعنا لك ذكرك ) قال : قال جبرئيل : قال الله : إذا ذكرتُ ذكرتَ(26).
وفي جامع البيان للطبري : حدّثنا ابن عبدالأعلى ، قال : حدّثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله ( ورفعنا لك ذِكرَك ) قال النبيّ صلى الله عليه وآله : ابدؤوا بالعبوديّة وثنّوا بالرسالة ، فقلت لمعمر : قال « أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده » فهو العبودية ، « ورسوله » أن تقول : عبده ورسوله.
حدّثنا بشر ، قال : حدّثنا يزيد ، قال : حدّثنا سعيد ، عن قتادة ( ورفعنا لك ذكرَك ) : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها : « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أن محمّداً رسول الله ».
حدّثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا عمرو بن الحرث ، عن درّاج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله أنّه قال : أتاني جبرئيل فقال : إنّ ربّي وربّك يقول : كيف رفعت لك ذِكرك ؟ قال : الله أعلم.
قال : إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي.
وفي زاد المسير لابن الجوزي : قوله عزّوجلّ ( ورفعنا لك ذِكرَك ) فيه خمسة أقوال :
أحدها : ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله أنّه سأل جبرئيل عن هذه الآية فقال : قال الله عزّوجلّ : إذا ذُكرتُ ذكرتَ معي ؛ قال قتادة : فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ يقول : « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله » ، وهذا قول الجمهور.
والثاني : رفعنا لك ذكرك بالنبوّة ؛ قاله يحيى بن سلام.
والثالث : رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا ؛ حكاه الماوردي.
والرابع : رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء.
والخامس : بأخذ الميثاق لك على الأنبياء وإلزامهم الإيمان بك والإقرار بفضلك ؛ حكاهما الثعلبي(27).
أهل البيت ورفع ذكر رسول الله
ومن هذا المنطلق كان أئمّة أهل البيت عليهم السلام يشيدون بهذه المفخرة ، ويجعلونها أكبر إرغام لأعداء النبيّ صلى الله عليه وآله وأعدائهم ، الذين أرادوا تحريف هذا الرفع للذكر وحطّه إلى مرتبة الأحلام والاقتراحات ، وأرادوا أن يطفئوا نور الله
فأبى الله إلاّ أنّ يتمّ نوره.
يريد الجاحدون ليطفؤوه/ ويأبى الله إلا أن يتمه
ففي الندبة الرائعة ـ التي وجّهها إمام البلاغة عليّ بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة الزهراء إلى ابن عمّه رسول الله صلى الله عليه وآله ، حيث أرسل دموعه على خدّيه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ـ قال فيما قال :
سلامٌ عليك يا رسول الله سلام مودّعٍ لا سَئمٍ ولا قالٍ ، فإنْ أنصرف فلا عن مَلالة ، وإن أقِم فلا عن سوء ظنٍّ بما وَعَد الله الصابرين ، والصبرُ أيمنُ وأجمل ، ولو لا غلبة المستولين علينا لجعلتُ المقام عند قبرك لِزاماً ، واللَّبثَ عنده معكوفاً ، ولأَعولتُ إعوالَ الثكلى على جليل الرزيّة ، فبعينِ الله تُدفَنُ ابنتُك سرّاً... ولم يَطُل العهد ، ولم يخل منك الذّكر ، فإلى الله يا رسول الله المشتكى ، وفيك أجمل العزاء ، وصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته(28).
وفي هذه الندبة التصريح بأنّ المستولين قلّلوا أو حاولوا التقليل من شأن الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته ، وذلك بعد وفاته مباشرة ولمّا يخلق الذكر ، وأنّ أمير المؤمنين علياً لو استطاع لجعل مقام رسول الله في محلّه الرفيع الذي وضعه الله فيه ، لكنّ الظروف القاسية التي كانت محيطة به لم تتح له الفرصة ، فقلّ ذكر النبيّ عند مَن اشتغلوا بمشاغل الدنيا وتركوا النبيّ وذكره أو كادوا ، وهذا ممّا جعل الإمام يقول : لجعلتُ المقام عند قبرك لزاماً ، واللبث عنده معكوفاً.
وقد أشارت فاطمة الزهراء في خطبتها التي خطبتها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى هذه المسألة نفسها ، وأنّ هناك قوماً حاولوا إطفاء نور الله وخفض منزلة النبيّ صلى الله عليه وآله مع قرب العهد وحَداثة ارتحال النبيّ صلى الله عليه وآله ، فقالت :
فلمّا اختارَ اللهُ لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين... هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، والرسول لمّا يُقبَر.... ثمّ أخذتم تورون وقدتَها ، وتهيجون جمرتَها ، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاء أنوار الدين الجَليّ ، وإهمال سُنَن النبيّ الصفيّ(29)...
ولذلك كانت تبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتقول : لقد أصبت بخير الآباء رسول الله صلى الله عليه وآله ، واشوقاه إلى رسول الله ، ثمّ انشأت تقول :
إذا مات يوماً ميّت قلّ ذكرُهُ / وذكر أبي مذ مات والله أكثر(30)
وأشارت بذلك إلى أنّ الله سبحانه وتعالى رفع ذكر نبيّه في حياته ، وقدّر له أن يرفع بعد وفاته ، وإن ظنّ من ظَنَّ أنّه أبترُ إذا مات انقطع ذكره ، وارتدّ مَن ارتدّ لعروجه ومقارنة اسمه باسم ربّ العالمين ، وغضب من غضب وحاول عزو ذلك إلى أنّه من اقتراح عمر أو من النبيّ نفسه وأراد له السحق والدفن ، كلّ تلك المحاولات التحريفية باءت بالفشل وخلد ذكر النبيّ في الأذان والتشهد وفي كلّ موطن يذكر فيه اسم رب العالمين.
ولو قرأت مقولة الإمام الحسن لمعاوية لما استنقص عليّاً وحاول الحطّ من ذكره لرأيت الأمر كذلك ؛ إذ قال له :
أيها الذاكر علياً ، انا الحسن وأبي عليّ وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند ، وجدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وجدّك حرب ، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ؛ فلعن الله أخمَلَنا ذِكراً ، وألأمنا حَسَباً ، وشَرّنا قدماً ، وأقدمنا كفراً ونفاقاً.
فقال طوائف من أهل المسجد : آمين.
قال فضل : فقال يحيى بن معين : ونحن نقول : آمين ، قال أبو عبيد : ونحن أيضاً نقول : آمين ، قال أبو الفرج : وأنا أقول : آمين(31).
هذا وإن ماسأة كربلاء وقضية الإمام الحسين تؤكّد ما قلناه وأن الإمام خرج للإصلاح في أمة جدّه لما رأى التحريفات الواحدة تلو الآخرى تلصق بالدين ، وعرف بأنّهم يريدون ليطفئوا نور الله ورسوله.
والعقيلة زينب قد أشارت إلى هذه الحقيقة عندما خاطبت يزيد بقولها :
« كد كيدك ، واسْعَ سعَيك ، واجهَد جهدك ، فوالله الذي شرّفنا بالوحي والكتاب والنبوّة والانتخاب لا تُدرِك أمدَنا ، ولا تَبلُغ غايتنا ، ولا تمحو ذكرنا ، ولا تُميتَ وحينا ، ولا يرحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فَنَد ، وأيامك إلاّ عَدَد ، وجمعك إلاّ بَدَد ، يوم ينادي المنادي : ألا لعنةُ الله على الظالم العادي... »(32)
وكأنّ الإمام السجّاد عليّ بن الحسين أراد الإلماح إلى قضية الاختلافات الأذانيّة ، وعداء معاوية مع ذكر اسم النبيّ محمّد في الأذان ، حين عرّض بيزيد لمّا أمرَ المؤذن أن يؤذّن ليقطع خطبة الإمام عليّ بن الحسين في مسجد دمشق..
المصادر :
1- سنن الترمذي 5 / 227 كتاب تفسير القران ، باب سورة آل عمران ، ح 3004 . الفردوس 1 : 503/ ح 2060 ، انظر : صحيح البخاري 5 : 201 كتاب المغازي ، باب135 / ح 556 ، الإصابة 2 : 93 ترجمة سهيل بن عمرو بن عبد شمس.
2- وقعة صفين : 217 ـ 217 ، باب ما ورد من الاحاديث في شأن معاوية ، وانظر : المحصول للرازي 2 : 165 ـ 166.
3- وقعة صفّين : 220.
4- تلخيص المستدرك للذهبي 4 : 479.
5- صحيح مسلم 4 : 2007 ـ 2008 ، ح 2601 ، مسند أحمد 2 : 317.
6- صحيح مسلم 4 : 2007.
7- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 : 44 ـ 45 باب ذكر ما مُني به آل البيت من الأذى والاضطهاد.
8- المبسوط للسرخسي 10 : 39.
9- سنن أبي داود 3 : 162 كتاب الخراج باب ما جاء في خبر مكّة ، السنن الكبرى للبيهقي 9 : 118 .
10- المبسوط للسرخسي 10 : 40.
11- شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد 17 : 283 عن الواقدي ، وانظر : سبل الهدى والرشاد 5/193 رواه عن البيهقي.
12- الكامل في التاريخ 2 : 245.
13- المبسوط للسرخسي 1 : 128.
14- بحار الأنوار 18 : 107 ، 31 : 523 عن قصص الأنبياء بإسناده إلى الصدوق .
15- شرح نهج البلاغة 17 : 284.
16- الأخبار الموفّقيّات للزبير بن بكّار : 576 ـ 577 ؛ مروج الذهب 4 : 41 ؛ النصائح الكافية : 123 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5 : 130.
17- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10 : 101. كنز الفوائد : 261 وبحار الأنوار 33 : 276 .
18- الاستيعاب 4 : 1679 ؛ الأغاني 6 : 371 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 45 والنصّ عنه.
19- شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 16 : 136.
20- أُسد الغابة 2 : 47 ، الطبقات الكبرى 3 : 12. سبل الهدى والرشاد 1 : 223 ، مختصر تاريخ دمشق 7 : 191. تاريخ الطبري 5 : 400 ـ 467 .
21- الرسالة للإمام الشافعي : 16 ، المسند للإمام الشافعي : 233 ، المجموع 1 : 577 ، السنن الكبرى 3 : 209 /فيض القدير شرح الجامع الصغير 1 : 28.
22- شرح النووي على صحيح مسلم 1 : 160 باب مقدّمة الصحيح.
23- المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6 : 315 ، كتاب الفضائل ـ الحديث 31680.
24- المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6 : 315 ، كتاب الفضائل ـ الحديث 31681.
25- دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي : 134.
26- البداية والنهاية 6 : 288 باب القول فيما أُعطي إدريس عليه السلام .
27- زاد المسير لابن الجوزي 8 : 272.
28- مصنّفات الشيخ المفيد 13 : 281 ـ 282 المجلس 33 ، ح 7 ، أمالي الطوسي : 110 ، الكافي 1 : 459 ، دلائل الإمامة 138.
29- الاحتجاج : 101 ـ 102 والنصّ عنه. وانظرها في دلائل الإمامة : 114 ـ 118 ، وشرح نهج البلاغة 16 : 251.
30- كفاية الأثر : 198 (باب ما جاء عن فاطمة من النصوص).
31- مقاتل الطالبيين : 70 والنص عنه ، الارشاد للمفيد 2 : 15 ، مناقب ابن شهرآشوب 4 : 36 ، شرح نهج البلاغة 16 : 47 ، كشف الغمة 1 : 542.
32- الاحتجاج 309 ، بحار الأنوار 45 : 135 ، اللهوف لابن طاووس ومثير الأحزان وغيرها.

 

الكلمات الرئيسية :

اللعن

,

ابوسفيان

,

معاوية

,

الامويون

,

مفاهيم

اضف التعليق