أسماء المحافل العظمى



 

كثرت المجامع الماسونية من الدرجات العليا في أواخر القرن الثامن عشر في فرنسا، فأنشئوا مجمعًا أعظم رئيسيًّا دَعَوه المجمع الأعظم الفرنساوي، وفي سنة ١٧٨٧ اتحد هذا المجمع مع الشرق الأعظم.
وما زال الحال كذلك حتى أيام الثورة الفرنساوية. وقد أوقع الناس إذ ذاك بالماسونية ونسبوا إليها المداخلة في أسباب تلك الثورة، على أن الحجة والقرائن أثبتت بعد ذلك أن الماسونية لم تتداخل في شيء من أمر السياسة، إلا من حيث إخماد الثورة وإعالة الأمة والوطن، ولكنها ما برحت — منذ طارت أول شرارة ثوروية — عُرْضة للاضطهاد والمقاومات، فتوقفت أعمالها وتشتَّت شَمْل اجتماعها، حتى آلَ الخوف بأعضائها إلى تصريح الأستاذ دوك أورليان بقطع علاقاته مع الماسونية بوجه العموم، وكتب بذلك ما يشبه الاستعفاء، وقدَّمه للشرق الأعظم في ٢٤ فبراير سنة ١٧٩٣.
وفي أوغسطس من تلك السنة قَبِل الشرق الأعظم استعفاءه، وأجَّلَ انتخاب سواه لجملة أسبابٍ، منها: أن المحافل لم تكن تجتمع إلا نادرًا، والاضطهاد كان على معظمه، حتى إن دوك أورليان نفسه وكثيرًا من الإخوان ذهبوا ضحية ذلك الاضطهاد. إلا أن الشرق الأعظم كان يجتمع اجتماعات قليلة بين سنة ١٧٩٣ و١٧٩٤.
ولم تأتِ سنة ١٧٩٥ حتى أصبح الشرق الأعظم اسمًا بلا رسم، ثم تنوسي فاعتُبِر منحلًّا، وأصبحت الماسونية في فرنسا على شفا جرف، إلى أن نهض الأخ روتر وجدَّد شبابها بسعيه، وكان من أعضاء الشرق الأعظم، وقد قُبِض عليه متهمًا، لكنه لم ينفك وهو في السجن عن مخابرة بعض الإخوة الذين عرف فيهم الثبات والحزم، حتى أتيح له الخروج من السجن، فعكف على الاشتغال في الأعمال الماسونية.
وسار على أثره الأخ مراكاديه الغيور، وكان عاملًا مع روتر، فعقدا اجتماعًا أعادا فيه أعمال الشرق الأعظم، فأحب الإخوة انتخاب الأخ روتر للرئاسة العظمى، إلا أنه لم يقبل الوظيفة، فسُمِّي محترمًا أعظم، وكان في عزمه أن يجعل جميع الطرق الماسونية تحت رعاية الشرق الأعظم، وأن يضم إليه المحفل الأعظم القديم.
وفي مايو سنة ١٧٩٩ تمكَّن من غرضه في ذلك، فكُتِبت المعاهدة، ولم يَعُدْ في فرنسا إلا الشرق الأعظم، فاحتفل بذلك احتفالًا عموميًّا في ٢٨ يونيو من تلك السنة تحت رئاسة روتر.
ولم تأتِ سنة ١٨٠٠ حتى أصبح تحت رعاية الشرق الأعظم ٧٤ محفلًا عاملًا، وفي سنة ١٨٠٢ صارت ١١٤، فوضعوا لها قوانين جديدة تسير عليها، وطبعوا الدرجات الماسونية الرمزية والعلمية وفرَّقوها في المحافل للسير بمقتضاها.
وكانت قد انتشرت قبل ذلك الحين في فرنسا تعاليمُ الطريقة الاسكوتلاندية، وكثر دعاتها وتعدَّدت محافلها، فأنشأت لها محفلًا أعظم. وفي ديسمبر سنة ١٨٠٤ بعد تولية نابوليون الأول بسنة، اتَّحَد هذا المحفل بالشرق الأعظم بمعاهدة رسمية وقَّع عليها الطرفان، وفي ٢٢ منه تأسَّس المجلس العالي الفرنساوي.
وقد كان نابوليون بونابرت يظن في الماسونية سوءًا منذ كان قنصلًا، فلما تولَّى الملك عيَّنَ من قِبَله من سبر غورها وتعاليمها، فعلم صحة مبادئها وعظيم فوائدها، فأجاز لذويه وآلِه الانضمام إليها. وفي سنة ١٨٠٥ ترأَّس عليها ابنه يوسف نابوليون، وجعل نائبًا عنه كمباسيريه أحد عظماء الدولة وأصدقاء نابوليون المخلصين، فاتسع نطاق الماسونية واشتدَّ أزرها وتعدَّدت محافلها.
وما زالت كذلك إلى سنة ١٨١٤، فصدمتها الحوادث السياسية وزعزعت أركانها، على أنها لم تعدم ممَّن أخذ بناصرها حالًا وأعادها إلى رونقها. وقد كان مركز الرئاسة العظمى خاليًا بسبب ذلك الاضطراب، ولما لم يكن من العائلة الملوكية مَن يشغله عُيِّنَ ثلاثة إخوة بصفة محافظين عظام يقومون بأعمال الأستاذ الأعظم، وجعلوا الأخ روتر نائبًا عنهم في الأعمال إلى أن عاد نابوليون الأول من جزيرة البا، فأعادوا رئيسهم السابق عليهم وانتظمت أحوالهم، وذلك سنة ١٨١٥.
وفي أوائل سنة ١٨١٦ ظهرت في باريس طريقة ماسونية تُدعَى «مصرايم»، ادَّعَى أهلها أنهم بقية قدماء الإخوة من أيام مصرايم ملك مصر الأول، إلا أن الشرق الأعظم لم يعتبرهم بهذه الصفة. وبعد ذلك ثار جماعة الكهنة في فرنسا على جميع الجمعيات السرية، ولا سيما الماسون والبروتستانت، ونشروا جريدة دَعَوها «اكلير»، موضوعها أشبه بموضوع بشير الجزويت في هذه الأيام. وفي سنة ١٨٣٢ انتُخِب الأخ إسكندر دي لابورد رئيسًا على الشرق الأعظم، وفي سنة ١٨٣٨ قرَّر الشرق الأعظم أن يعطي نياشين من فضة للإخوة الذين يمتازون بخدامات خصوصية نحو الماسونية، وسعوا إلى بناء بيت دَعَوه «بيت المساعدة»، وقد تم مشروعهم هذا سنة ١٨٤٠.
وكان الخلاف لا يزال إلى ذلك الحين متسلطًا بين الشرق الأعظم والمجلس العالي، ولم يكن يسمح الشرق الأعظم بقَبول زيارة أعضاء المجلس العالي، فسعى الإخوة سنة ١٨٤١ إلى توفيق الدولتين، فتمكَّنوا أخيرًا من قبول زياراتهم المتبادلة، ولم يتجاوز اتفاقهم هذا الحد.
وبعد ثورة ١٨٤٨ جعلت الجرائد العمومية في فرنسا تطعن في الماسونية، بسبب انضمام معظم زعماء تلك الثورة إليها، وشدَّدت عليها النكير، فلم يَرَ الإخوة وسيلةً لاكتساب ثقة الحكومة أفضل من أن يرئِّسوا عليهم أحد الأمراء أعضاء العائلة الملوكية، وكان الشرق الأعظم منذ سنة ١٨١٤ خلوًّا من أستاذ أعظم، فانتخبوا له البرنس لوسيان مورات ابن أخ البرنس لويس نابوليون، وفي ثاني يوم الانتخاب تعينت لجنة من ستة من كبار الموظفين تحت رئاسة الأخ برفبل النائب الأعظم، وساروا إلى البرنس مورات لتبلغيه ذلك الانتخاب فقبل، فعيَّنوا لجنة أخرى للشكر منه واحتفلوا بيوم مخصوص لتكريسه، فاستبشرت الماسونية بحسن استقبال.
وكانت فرنسا إذ ذاك محور الأعمال السياسية في أوروبا، فسعى الإخوة ليجعلوها محور الأعمال الماسونية أيضًا، وأن يلتئم فيها كلَّ سَنَةٍ مؤتمر ماسوني مؤلَّف من نوَّاب المحافل في سائر أنحاء أوروبا، ففازوا في بادئ الرأي بعقد المؤتمر الأول في ٨ يونيو سنة ١٨٥٥ في باريس، إلا أن ذلك لم يَدُمْ طويلًا.
ثم إن جراثيم الفساد أخذت تتخلل مبادئ هذه العشيرة، حتى آلَ الأمر سنة ١٨٦٢ إلى تداخل القوة الحاكمة، فعيَّن الإمبراطور أحد سردارية جيشه المدعُوَّ مانيان رئيسًا أعظم على الشرق الأعظم، فاصطلحت شئونها.
ومن مساعي هذا الرئيس أنه طلب من إمبراطور فرنسا أن يُعِيد للماسون امتيازاتهم القديمة في الانتخاب، ففعل. وفي سنة ١٨٦٥ وقع عليه الانتخاب للرئاسة العظمى، لكنه توفي قبل الاجتماع الأول، فعُيِّنَ مكانه الجنرال ملينت.
وفي سنة ١٨٦٧ قرَّر الشرق الأعظم نظامات جديدة نشرها في المحافل، وفي السنة التالية تأسَّس في فرنسا ٢٧ محفلًا، وما زالت على مثل ذلك رغمًا عما كانت تقاسيه الماسونية من مقاومات الفاتيكان.
وفي سبتمبر سنة ١٨٧٦ استحدث الشرق الأعظم الفرنساوي بدعة لم يوافِقه عليها شرق من الشروق، ولا محفل من المحافل العظمى، وهي إغفال اسم الجلالة من مستهلات كتاباته وأعماله، خلافًا لسائر المحافل الماسونية القائلة بخلود النفس.
فأظهر رأيه هذا في العالم الماسوني، فخطَّأَه الجميع حتى المجلس العالي الفرنساوي، أما هو فلم ينفك عن رأيه، وفي سبتمبر من سنة ١٨٧٧ قرَّر وجوب اتِّبَاع هذه البدعة في جميع المحافل التابعة له.
والآن في فرنسا الشرق الأعظم والمجلس العالي على الطريقة الاسكوتلاندية سائران الواحد بجانب الآخَر، ولهذا الأخير ٣٣ درجة. وللدولة الماسونية الفرنساوية محافل ومجامع فرعية في أنحاء كثيرة من العالم، وعددها معًا نحو ستمائة محفل، والرئيس الأعظم لهذه السنة على الشرق الأعظم الأخ دسمون.
الماسونية في جرمانيا من سنة ١٧٨٤ إلى هذه الأيام
إن الماسونية في جرمانيا كانت مقتصرة على المحافل العظمى الإقليمية وما تحتها من المحافل الفرعية.
وفي سنة ١٧٨٣ تأسَّس المحفل الأعظم للطريقة الانتخابية في فرانكفورت، باتحاد محفلَيْ فرانكفورت ووزلر العظيمين الإقليميين على إثر مؤتمرٍ ماسونيٍّ عُقِد في ولهلمستاد، ووضع هذا المحفل الأعظم طريقة جديدة رأى فيها الأفضلية دعاها «الطريقة الانتخابية»، وسبب ذلك أنهم رَأَوا في الماسونية فسادًا قد تخلَّلَها بتكاثر الشيع من أصحاب الدرجات العليا، فخشوا أن يعم البلاء وتعود العاقبة إلى إهمال الدرجات الرمزية الثلاث التي هي أصلية في الماسونية؛ فاتفق هذان المحفلان ونشرا منشورات إلى المحافل الجرمانية يدعوانها إلى الوفاق معهما في الأمور الأساسية الآتية، وهي:
• أن المحافل التي توافِق على تلك المنشورات تتعهد بالمحافظة على القواعد الماسونية الأساسية القديمة، ولا سيما ما يتعلق بالدرجات الرمزية.
• لكل محفل الحق بحسب استحسانه أن يختار من الدرجات العليا ما يظن فيه الفائدة، مع عدم التحامل على غيرها.
• أن جميع المحافل التابعة للمجمع الانتخابي تكون متسلطة ضمن هذه الحدود.
فاستحسن هذه المنشورات كثير من المحافل الجرمانية، فانضمت وتألَّف منها «المجمع الانتخابي الجرماني»، فتخلصت الماسونية من كثير من الترَّهَات وداعيات الفساد التي كانت قد تمكَّنت من مخالطتها، ومن ضمن تلك الشروط العود إلى النظامات التي سَنَّها محفل إنكلترا الأعظم سنة ١٧٢٣.
وفي سنة ١٧٨٩ أصدر الإمبراطور يوسف الثاني فرمانًا يقضي بمنع الاجتماعات الماسونية على الإطلاق، مع التهديد بالقصاصات الصارمة لمَن يحاول مخالفة ذلك، وقد كان في سنة ١٧٨٥ قد منع من اجتماع عدد معلوم من المحافل، ثم منعها جميعها إلا ثلاثة محافل في بروكسيل، إلا أنه هذه المرة عمَّم المنع. ثم أخذت المحافل بعد ذلك تحاول النهوض منتظرة تغيير الشئون السياسية إلى سنة ١٧٩٧، وكان بعضها قد نهض والبعض الآخَر تأسَّس حديثًا، فاجتمع عدة من كبار الإخوة وقرَّروا وجوب إعادة المحفل الأعظم الوطني، لكي يكون دعامة للمحافل الجرمانية تعود إليه في تحوير النظامات والطقوس وغيرها، وعرضوا ذلك على المحافل فقبلت وتَمَّ مشروعهم.
ثم سعى هؤلاء إلى تمكين الطريقة الاسكوتلاندية القديمة، فاختاروا سبعة من كبار الإخوة المتساويين بالرتب لإحياء «الإدارة الاسكوتلاندية القديمة»، ففعلوا وأسَّسوا محفلًا رئيسيًّا دَعَوه «المحفل الرئيسي الأعظم الوطني لممالك بروسيا»، وواجبات هذا المحفل أن يدبر كلَّ ما من شأنه إحياء المبادئ الماسونية الحقيقية أدبيًّا وماديًّا، ويُؤلَّف من نوَّاب المحافل الرمزية، ومن واجباته إصدار الأوامر الرمزية ووضع الشرائع والقوانين. وفي أواخر تلك السنة سعى المحفل المذكور إلى وضع تاريخ للأخوية الماسونية وكتاب لتفسير رموزها وغير ذلك.
وفي ٢٦ أكتوبر سنة ١٧٩٨ أصدرت الحكومة منشورًا يمنع كلَّ الاجتماعات السرية من الالتئام، وفي تلك السنة تمكَّن محفل يورك الملوكي من تثبيت نفسه محفلًا أعظم.
وفي سنة ١٨٠١ سعى الإخوة إلى إنشاء مجمع ماسوني عامٍّ يشمل كل مجامع جرمانيا، وإذا أمكن كل مجامع أوروبا، وكان ذلك بمساعي الأخ فسلر، فتمكَّن من مرغوبه وتمَّ التعاهد على ذلك مع مجامع برلين وهمبرج وهنوفر.
وفسلر هذا من الإخوة أصحاب الفضل على الماسونية؛ لأنه أثبت لها الدرجات العلمية لتفسير الرمزية.
وتقلَّبت على الماسونية في جرمانيا أحوال شتى إلى سنة ١٨٢٤، كانت عند أواخرها في شيء من الضعف، ثم ترعرعت شيئًا فشيئًا. وفي سنة ١٨٣١ سعى الإخوان إلى تأسيس قلم مخابرات ماسوني، وفائدته تمكين العلاقات بين المحافل الماسونية الجرمانية، وفازوا بذلك وجعلوا مركز ذلك القلم ليبسك. ثم فترت همة الإخوة بسبب القلاقل السياسية، وما زالوا في تلك الفترة إلى سنة ١٨٣٧.
وفي ٦ ديسمبر من تلك السنة حصل في جرمانيا عمومًا احتفال عظيم تذكارًا لتأسيس أول محفل ماسوني فيها، نعني به محفل أبي شالوم الذي تأسَّس ١٧٣٧ كما مَرَّ، وكان لهذا الاحتفال شأن عظيم؛ لأن الإخوة اجتمعوا فيه من أنحاء شتى من العالم الماسوني إلى همبرج، فعادت الروابط بين المحافل العظمى وفروعها إلى أمتن ما يكون، وكان المحفل الأعظم في همبرج في ذلك الاحتفال تحت رئاسة الأخ مورات، وحضر هذا الاجتماع كثير من سراة البلاد وأمرائها، وانضَمَّ إليها بسبب ذلك كثيرٌ من رجال الأمة بصفة أعضاء شرف.
ومثل ذلك فعل المحفل الأعظم في فرانكفورت تحت رئاسة الأخ كلوس، وخطَبَ في الجَمْع ما نهض همتهم.
ولما دخلت الماسونية الجرمانية في قرنها الثاني، دخلت في دور جديد، وجعلت تنسى ما كان من الخمول والاضطهاد، وتُعِيد الروابط وتجدِّد الهمة.
ففي سنة ١٨٣٨ قرَّر المحفل الأعظم في همبرج وجوب حضور نوَّاب المحافل إليه؛ للتداول في مصالح عموم الماسونية.
ثم عادت الروابط بين المحافل العظمى في بروسيا، وجعلوا ينسون ما كان من الاختلافات التي نتجت عن سوء التفاهم.
وفي سنة ١٨٤٠ انضمَّ إلى الماسونية البرنس وليم بن فردريك الثالث، وتكرَّس في محفل يورك الأعظم بحضور عدد من أشراف الإخوة، وذلك بعد أن علم بالبحث عن شريف مقاصد هذه الجمعية، فجمع كلمتها ورفع شأنها. وكان المحفل الأعظم الوطني قد حوَّر قوانين سنة ١٨٣٨، وحوَّرها أيضًا مرة أخرى سنة ١٨٤١ حسب مقتضيات الأحوال، وأمر بطبعها وتوزيعها على الإخوة الأساتذة، ثم سمحوا بها بعد ذلك لكلِّ مَن يُقبَل حديثًا.
وفي سنة ١٨٤٥ تقرَّر وجوب اجتماع الإخوة الماسونيين من عموم العالم الجرماني في منتدى واحد؛ توطيدًا للعلاقات الأخوية، واجتمع الإخوة اجتماعهم الأول في ستاينباخ في أوغسطس من تلك السنة، وتباحثوا بما فيه صالح الماسونية عمومًا، ثم تبع هذا الاجتماع اجتماعات أخرى في أماكن أخرى بدعوات رسمية لسائر المحافل.
وفي نحو ذلك الحين تقرَّر عدم المنع من قبول الطالبين من كل الأديان إذا توفَّرت فيهم الصفات الماسونية المطلوبة، وكان ذلك الإقرار نتيجة جدال طويل في جواز قبول الإسرائيليين في المحافل الماسونية. ثم سعى الإخوة إلى إجراء بعض إصلاحات في عشيرتهم ففعلوا، ثم عقَبَ ذلك انضمامُ كثيرين من العائلة الملوكية إلى الماسونية، وترأَّس بعضهم عليها، وسيأتي ذِكْر هؤلاء في جدول مخصوص في ذيل هذا الكتاب. فكثر حُسَّادُ الماسونية بسبب ما نالته من مثل هذا الالتفات، وجعلوا يوقعون فيها، لكنَّها أبَتْ إلَّا الحزم ففازت، ولم تكن تزيد إلَّا سطوة وانتشارًا؛ ففي سنة ١٨٥٩ كثر تشييد المحافل.
وقام بين الإخوة كَتَبَة ماهرون رفعوا شأنها بكتاباتهم، نذكر منهم الإخوة: سيديل، وكلر، وونزر، وشوبارغ، ومارباخ، ومازدورف، وزيل، وغيرهم، ولم تنتهِ سنة ١٨٦١ حتى كثر عدد المحافل، وكانت الماسونية لذلك العهد على جانب من الألفة وشدة الرابطة، ما جعل لها عظيم اعتبار في أعين العالم عمومًا. وكان من جملة مشروعاتهم الخيرية مستشفى لأجل الفقراء والأيتام والأرامل. وفي سنة ١٨٦١ أسسوا الجمعية الجرمانية تجتمع سنويًّا في أماكن مختلفة، وموضوعها توسيع نطاق المعارف والعلوم الماسونية ونشرها وتوطيد علائق الأخوَّة، فسعى الوشاة إلى إيقاف الماسونية عن سيرها السريع نحو الكمال، فذهب سعيهم عبثًا.
ولم يلحق المحافل من ذلك السعي إلا تنشيط قواهم، فقاموا إلى تحوير قوانينهم ونشر تعاليمهم. ثم إن الحوادث السياسية التي حصلت سنة ١٨٦٦ بين أوستريا وبروسيا شغلتها نوعًا، ولما انتهت عادت إلى خطتها فأسست محافل جديدة، وما زالت الجمعية الماسونية الجرمانية تلتئم سنويًّا للأعمال العمومية إلا في سنة ١٨٦٦، فإنها لم تستطع ذلك بسبب الحوادث السياسية، لكنها عادت إلى اجتماعاتها فيما بعدُ؛ ففي سنة ١٨٦٧ التأمت في ورمس، وفي هذا الاجتماع وضعت بعض القوانين الأساسية ونشرت منشورًا بعثت به إلى سائر المحافل العليا في سائر أنحاء العالم، وكنتُ أود لولا ضيق المقام أن أتي على نصه، إنما أقول إنه مفعم بالإحساسات الأخوية الحرة الحقيقية، وفيه من الحياة للجسم الماسوني ما يحمله على بذل النفيس في سبيل الواجبات المقدسة، وهي تدعو فيه جميع محافل العالم إلى مؤازرتها بالعمل في الفضيلة والخير والسعي نحو الكمال؛ خدمةً للإنسانية وقيامًا بالواجبات الماسونية.
ثم جعلت الماسونية في جرمانيا تنظر في أمر قوانينها ونظاماتها، فحوَّرت بعضًا وحذفت بعضًا وأضافت بعضًا آخَر، وما زالت ولا تزال في سَعْيٍ وراء الكمال، جزاها الله خيرًا.
وهاكَ أسماء المحافل العظمى في جرمانيا:
• المحفل الأعظم الوطني ذو الثلاثة عوالم في برلين.
• محفل الضواحي الأعظم (برلين).
• المحفل الأعظم اليوركي الملوكي (برلين).
• محفل الشمس الأعظم «جرمانيا» بيروت.
وتحت هذه المحافل العظمى محافل فرعية تفوق السبعمائة، وجميعها تحت حماية جلالة إمبراطور ألمانيا.
الماسونية في باقي أنحاء أوروبا وفي أميركا
وقد كان في الخاطر أن نستطرد القول عن سير الماسونية وحوادثها في سائر بلاد أوروبا وأميركا، إلا أننا نظرًا لكون هذا الكتاب مجعولًا على الخصوص لتفصيل تاريخ الماسونية في المشرق ولا سيما مصر وسوريا، قد أغفلنا ما بقي من حوادث تلك البلاد، على أن القارئ لا يصعب عليه أن يقيس ما تُرِك على ما ذُكِر، فيرى ما يزيده ثقة في صدق نية هذه الجمعية ومعرفة مقدار فضلها على العالم عمومًا.
ونوجِّه الالتفات خصوصًا إلى الماسونية في أميركا، فإنها امتدت فيها امتدادًا عظيمًا، بحيث إن عدد المحافل فيها بلغ ما ينوف عن العشرة آلاف محفل.
منبع مقاله :
من کتاب تاريخ الماسونية العام / جُرجي زيدان