اداب المائدة



 

ورد الى ما يشير تنظيم الاسلام للمائدة الغذائية والتأكيد على آدابها ، كما في الرواية المنقولة عن الامام الحسن بن علي (عليه السلام) : ( في المائدة اثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم ان يعرفها ؛ اربع منها فرض واربع منها سنّة واربع تأديب ، فاما الفرض فالمعرفة والرضا والتسمية والشكر ، واما السّنة فالوضوء قبل الطعام والجلوس على الجانب الايسر والأكل بثلاث اصابع ولعق الاصابع ، واما التأديب فالاكل مما يليك وتصغيراللقمة ، والمضغ الشديد وقلة النظر في وجوه الناس ) (١).
ولا شك ان نظافة اليدين عنصر مهم آخر في اجتناب المرض ، فورد استحباب غسل اليدين قبل تناول الطعام ، فعن الامام الصادق (عليه السلام) : ( من غسل يده قبل الطعام وبعده بورك له في اوله وآخره ، وعاش ما عاش في سعة وعوفي من بلوى في جسده ) (٢).
ومما يستحب ايضاً ان يوضع الطعام على سفرة موضوعة على الارض فهو اقرب الى فعل رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم ).
وان يحسن الجلوس على السفرة ويستديمها. وان ينوي بأكله التقوية على طاعة الله وليس التلذّذ والتنعّم. وان لا يمد يده الى الطعام الاّ وهو جائع ، وان يرفع يده قبل الشبع ، ومن يفعل ذلك فقد استغنى عن الطبيب ، كما في الروايات.
ومن الآداب الاخرى التي مرّ ذكرها ، اطالة الجلوس على المائدة ، كما جاء في قوله (عليه السلام) : ( اطيلوا الجلوس على الموائد فانها ساعة لا تحسب من اعماركم ) (٣).

استحباب تناول الحبوب والفاكهة والخضار

وبطبيعة الحلال ، فان المواد الغذائية المأكولة بعد اقتطافها ، دون تعليب ، انفع للجسم من المواد المعلّبة. ولا شك ان المواد الغذائية المعلبة تعتبر احدى اهم المشاكل التي يواجهها المجتمع الصناعي على الصعيدين الغذائي والصحي على عكس النظرية الاسلامية التي اوردت جملة من الاحاديث والروايات في الترغيب على تناول الفاكهة الطازجة ، فعن الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم): ( عليكم بالفواكه في اقبالها ، فانها مصحة للابدان ). ووردت روايات عديدة في الحث على تناول مختلف الخضار والفواكه ، فعن الامام الصادق (عليه السلام) : ( خمس من فاكهة الجنة في الدنيا : الرمان والتفاح والسفرجل والعنب والرطب ) (4). وعنه ايضاً : ( الهندباء سيدة البقول ) (5). وعن الامام الرضا (عليه السلام) : ( السلق شفاء من الادواء ، وهو يغلظ العظم وينبت اللحم ) (6) ، و ( كان فيما اوصى به آدم ان كُل الزيتون ، فانه شجرة مباركة ) (7) ، وعن الامام الصادق (عليه السلام) : ( اما علمت ان امير المؤمنين (عليه السلام) لم يؤت بطبق الاّ وعليه بقل ) (8).
ووردت اهمية الخبز باعتباره اساس الوجبة الغذائية ؛ ومادته الكاربوهيدراتية هي التي تمنح الجسم الطاقة التي يتحرك بها ، فعن رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)ورد قوله : ( اللهم بارك لنا في الخبز ، ولا تفرق بيننا وبينه ، فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا ادينا فرائض ربنا ) (9).
واحل الاسلام الاكل مما يمر به الفرد عادة من فاكهة او خضار في البساتين ، وهو ما يعرف بحق المارة ؛ على شرط ان لا ينوي المرور من اجل أن يأكل ، وان لا يعبث بشيء حين مروره بالحقل او البستان ، وان لا يحمل معه شيئاً من ذلك الثمر ، وان لا يعلم بعدم رضا المالك ، والاّ فانه مأثوم وضامن.
واجمع الفقهاء على حلية عصير الفاكهة التي يشم منها رائحة المسكر. فالخل وهو حامض الاستيك لا يعتبر خمراً لان حالته الكيميائية استحالت من الكحول الى السائل الحامضي ، فتناوله مع الطعام حلال ، حسب تعليمات الشريعة. وقد ورد الاجماع على ذلك و« لا خلاف معتد به في انه لا يحرم شيء من الاشربة التي يشم التي منها رائحة المسكر كرب الرمان والتفاح والسفرجل والتوت وغيرها ، لان كثيره لا يسكر » (10).

الاعتدال في تناول اللحوم المحلل اكلها

واجمع الفقهاء على أن كل الاشياء الماكولة او المشروبة مباحة كتاباً وسنة ، عقلاً واجماعاً الاّ ما ورد النص بتحريمه بالخصوص. لقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً ) (11).
وقوله : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (12).
وقد احلت الشريعة أكل البهائم الاهلية مثل البقر والجاموس والغنم والمعز والابل ، وحمّلت اكل الخيل والبغال والحمير على الكراهية. وأحلت اكل البهائم البرية ايضاً كالغزلان والبقر والغنم والمعز والحمير المتوحشة. واحلّت السمك الذي له قشر فقط. واحلّت ما في جوفها من بيض كالكفيار.
واحلّت أكل الطيور بمختلف انواعها شرط ان لا يكون لها مخالب ، وان يكون دفيفها اكثر من صفيفها ، وان تكون لها حواصل وقوانص وصيص. ومن ذلك الحمام والدجاج بشتى اصنافهما ، والدراج والحجل والقبج والقطا والبط والكروان والحباري والكركي والعصافير جميعاً. وبيض الطير الحلال حلال اكله. وعلامة الحل ان يكون احد طرفي البيضة عريضاً مفرطحاً كبيض الدجاج. وقد تعرضنا لذلك مفصّلا في النظام الوقائي.
وورد ما يشير الى الاعتدال في اكل اللحوم المطبوخة جيداً. وفي ذلك مجموعة روايات واردة عن اهل بيت النبوة (عليه السلام) ، منها الرواية الواردة عن امير المومنين (عليه السلام) : ( لا تجعلوا بطونكم قبوراً للحيوانات ). ومنها : ( لحوم البقر داء ) (13) ، و ( ألبان البقر دواء ، وسمونها شفاءْ [ والسمن هو الزبدة ] ، ولحومها داء ) (14) ، و ( من اكل لقمة شحم اخرجت مثلها من الداء ) (15) ، و ( كان علي (عليه السلام) يكره ادمان اللحم ويقول : ان له ضراوة كضراوة الخمر ) (16) ، ورواية عمار الساباطي قال : سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شراء اللحم فقال : في كل ثلاث [ ايام ]. قلت : لنا اضياف وقوم ينزلون بنا وليس يقع منهم موقع اللحم شيء ، فقال : في كلّ ثلاث ، قلت : لا نجد شيئاً احضر منه ولو ايتدموا بغيره لم يعدوه شيئاً ، فقال : في كلّ ثلاث ) (17).
ومنها : ( اللحم ينبت اللحم ، ومن تركه اربعين يوماً ساء خلقه ) (18). ويدل قول الامام (عليه السلام) في الرواية الاخيرة بان السائل ربما كان ينوي ترك تناول اللحم ، ولذلك فانه (عليه السلام) اوصاه بعدم ترك اكله اكثر من اربعين يوماً. ويفهم من مقتضى الحديث ، الاعتدال في تناول اللحوم. وقد اشارت الروايات الى استحباب اكرام الضيف بتقديم اللحم المطبوخ له. ويدل على ذلك ، قوله تعالى في ضيف ابراهيم : ( فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) (19) ، اي محنوذ وهو الذي اجيد طبخه ونضجه ، وقال تعالى في وصف الطيبات : ( وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ) (20) ، والمن هو العسل ، والسلوى يعني اللحم ، سمي سلوى لانه يسلى به على جميع الادام ولا يقوم غيره مقامه ، والى ذلك اشار رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم): ( سيد الادام اللحم ) (21). ثم قال تعالى بعد ذكر المن والسلوى : ( كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (22) فاعتبر اللحم والعسل من طيبات ما رزقهم.

التذكية الشرعية :

وهو قتل الحيوان الذي احل اكله بمراعاة الشروط التي وضعتها الشريعة الاسلامية ؛ فتذكية الحيوان البري المتوحش يتحقق بآلة الصيد ، والحيوان الاهلي ـ عدا الابل ـ بالذبح ، والابل بالنحر ، والسمك بالاخراج حياً من الماء ، والجنين بتذكية امّه ، وما يتعذر ذبحه بالجرح والعقر.
فيقسم الفقهاء ، الحيوانات الى قسمين :
قسم قابل للتذكية فيؤكل لحمه ، او يستفاد من جلده.
وقسم آخر غير قابل للتذكية. ويندرج تحت القسم الاول كل الحيوانات التي حلل الشرع اكلها كالاغنام والابقار والدواجن والاسماك والطيور بالشروط المذكورة سابقاً.
ويندرج تحت القسم الثاني الحيوانات التي لا تقبل التذكية الشرعية ، وهي التي لا تطهر بالذبح ، كالحيوانات نجسه العين مثل الكلاب والخنازير ، والحيوانات التي تسكن باطن الارض كالفئران والجرذان.
اما سباع الحيوانات كالاسود والنمور والذئاب ، والطيور التي تفترس الاضعف وتتغذي باللحم كالصقور ، فلا يجوز اكلها ولكن المشهور انها تقبل التذكية ويطهر لحمها وجلدها بالذبح او بالصيد.
ولحوم المسوخ محرّمة ايضاً ولكنها طاهرة ، وقد اختلف في قبولها التذكية. و « ان شك في حيوان من جهة الشك في قبوله للتذكية فالحكم الحرمة لاصالة عدم التذكية ، لان من شرائطها قابلية المحل ، وهي مشكوك فيحكم بعدمها ، وان الحيوان ميتة » (23).

أ ـ الصيد :

ولما كانت عملية الصيد من الوسائل التي يتم عن طريقها توفير لون من الوان المواد الغذائية للافراد ، فقد ورد جوازه في الاسلام اجماعاً ونصاً. ومنه قوله تعالى : ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) (24). وهو سبب للتملك بالحيازة والاستيلاء. وطريقته زهق روح الحيوان بآلة الصيد ، وهي على نوعين.
الاول : ما كان من الحيوانات كالكلاب الخاصة بالصيد.
والثاني : ما كان من الآلات كالرماح والسهام ، بل مطلق السلاح.
واجمع الفقهاء على تحقق التذكية الشرعية بصيد الكلب المعلّم المدرب على ذلك ، كما ورد في النص الشريف : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ ) (25). والمراد بمكلبين ، الكلاب المعلمة المدربة على عملية الصيد ، فاذا قتل الكلاب والمدرب صيداً حلّ اكله تماماً كالمذكى بالذبح. اما في صيد غير الكلب من الحيوانات ، كالفهود والصقور ، فالمشهور ان صيدها ميتة لا يحل اكله. فقد « روى علي بن ابراهيم في تفسيره ، باسناده عن ابي بكر الحضرمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال : سألته عن صيد البزاة ، والصقور والفهود ، والكلب ، فقال : لا تأكل الاّ ما ذكيت ، الاّ الكلاب ، فقلت : فان قتله ؟ قال : كُلْ ، فان الله يقول : ( وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الجَوَارِحِ ... ) الآية ، ثم قال (عليه السلام) : كل شيء من السباع تمسك الصيد على نفسها الاّ الكلاب المعلّمة فانها تمسك على صاحبها ، وقال : اذا ارسلت الكلب المعلَّم فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته ، وهو ان تقول : بسم الله ، والله اكبر » (26).
ومن اجل يكون صيد الكلب حلالاً ، فقد اشترط الاسلام اموراً ، منها :
اولاً : ان يكون الكلب معلّماً ، ويتحقق ذلك بانصياع الكلب لأوامر سيده بالارسال والزجر ، وبعدم الاعتياد على اكل ما يمسك من الصيد.
ثانياً : ان يرسله صاحبه بقصد الصيد باجماع الفقهاء ، فقد « سُئِلَ الامام الصادق (عليه السلام) عن كلب افلت ، وان يرسله صاحبه فصاد ، فادركه صاحبه ، وقد قتله ، أيأكل منه ؟ قال : لا » (27).
ثالثاً : أن يكون الصائد الذي ارسل الكلب مسلماً ، لان الارسال نوع من التذكية ومن شروطها الاسلام.
رابعاً : ان يسمي الصائد عند الارسال ، فيقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، او اذهب على اسم الله. فقد ورد عن الامام جعفر بن محمد (عليه السلام) : ( من ارسل كلبه ، ولم يسمّ فلا يأكله ) (28).
خامساً : ان يدرك الكلب الصيد حياً ، وان يكون استناد الموت الى جرح الكلب نفسه.
سادساً : ان لا يدرك الصائد الصيد حيّاً مع الكلب ، اما اذا ادركه حياً فعليه القيام بالذبح.
ولابد من غسل ما عضه الكلب تطهيراً للنجاسة.
اما الصيد بالآلات فيحل بالآلة الذابحة كالسكين والسيف ، وبالآلة التي ينطلق منها سهم ، و « يحل مقتوله ، سواء أمات بجرحه ام لا ، كما لو اصاب معترضاً عند فقهائنا ، لصحيحة الحلبي ، قال : سألت الامام الصادق (عليه السلام) عن الصيد يضربه بالسيف ، او يطعنه برمح ، او يرميه بسهم فيقتله ، قد سمى حين رماه ، ولم تصبه الحديدة ؟ قال : فان كان السهم الذي رماه هو قتله ، فلن اراد فليأكله ، وغيرها من الاخبار الكثيرة » (29).
وكذلك العصا المحددة الرأس ، او السهم الذي لم ينطلق من آلة فان خرقا اللحم جاز اكل المقتول به. اذا قتل بالثقل كالحجر والعامود ، فان مقتوله ميتة لا يحل اكلها. واحل الفقهاء المتأخرون الصيد بالآلات النارية كبنادق الصيد الحديثة.
اما في حلية صيد الآلات فهناك شروط ايضاً ، ومنها ، اولاً : شرط الآلة المذكور آنفاً. ثانياً : اسلام الصائد. ثالثاً : العقل والتمييز. رابعاً : قصد الصيد ، فاذا اصاب طائراً من دون قصد الصيد فقتل فلا يحل اكله.
وبطبيعة الحال ، فان الحيوان الذي يحل صيده لابد وان تتوفر فيه الشروط الشرعية ايضاً. وهي اولاً : ان يقبل التذكية الشرعية ، فلا يتحقق الصيد بالمسوخ ، وانجاس العين. ثانياً : ان يكون برّياً متوحشاً ، فالحيوانات الاهلية كالابقار والاغنام تذبح ولا تعتبر موضوعاً للصيد. ثالثاً : ان يكون الحيوان قادراً على الامتناع ، فيحرم صيد اطفال الحيوانات التي تعجز عن العدو. وقد ورد عن رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)قوله : ( لا تأتوا الفراخ في اعشاشها ولا الطير في منامه حتى يصبح ، فقيل : ما منامه يا رسول الله ؟ قال : الليل منامه ، فلا تطرقه في منامه حتى يصبح ولا تأتوا الفراخ في عشه حتى يريش ويطير فاذا طار فاوتر له قوسك ، وانصب له فخك ) (30).
وورد في احاديث اهل البيت (عليه السلام) : ( لو ان رجلاً رمى صيداً في وكره ، فاصاب الطير والفراخ جميعاً فانه يأكل الطير ، ولا يأكل الفراخ ، وذلك ان الفراخ ليس بصيد ما لم يطر ، وانما تؤخذ باليد ، وانما يكون صيداً اذا طار ) (31).

ب ـ الذباحة :

وفي تفصيل حكمها لابد من ملاحظة ثلاثة عناصر : الذابح ، وآلة الذبح وطريقته. فيشترط في الذابح ، ذكراً كان ام انثى ، ان يكون مسلماً قاصداً الى الذبح فلا « تجوز ذبيحة الصبي غير المميّز والمجنون حين الذبح وان اجتمعت صورة الشرائط فيهما لعدم العبرة بفعلهما شرعاً » (32).
ولكن « ربما اختلف صنف الجنون ، اذ ربما كان لبعضهم تمييز ، فلا مانع حينئذٍ من حل ذبيحته » (33).
ويشترط ان يكون الذبح بسكين من حديد. واستدل الفقهاء على ذلك بالحديث الوارد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بخصوص هذا اللون من التذكية الشرعية : ( لا يصلح الاّ بالحديدة ) (34). واذا لم يوجد الحديد ، وخيف فوت الذبيحة جاز الذبح بما يفري اعضاءها ، ولو كان ليطة (35) او خشبة محددة ، او مروة (36) او نحوها. فقد روي في الصحيح عن زيد الشحام عن الامام الصادق (عليه السلام) قال سألته عن رجل لم يكن بحضرته سكين ، أيذبح بقصبة ؟ فقال : ( اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة وبالعود اذا لم تصب الحديدة. اذا قطع الحلقوم ، وخرج الدم فلا بأس به ) (37).
وفي الحسن عن عبد الرحمن بن الحجاج عن الكاظم (عليه السلام) قال سألته عن المروة والقصبة والعود يذبح بها اذا لم يجد سكيناً ، قال : ( اذا فرى الاوداج فلا بأس بذلك ) (38).
ويشترط في تحقيق الذبح ان تكون الطريقة شرعية ، وهي على النمط التالي :
اولاً : استقبال القبلة مع الامكان نصاً واجماعاً ، ومنه حديث عن أهل البيت (عليه السلام) : ( اذا اردت ان تذبح فاستقبل بذبيحتك القبلة ) (39). ويجب استقبال الذبيحة بمقاديم البدن بكاملها.
ثانياً : يجب قطع الاوداج الاربعة دفعة واحدة ، وهي الحلقوم والمريء والعرقان الغليظان المحيطان بالبلعوم.
ثالثاً : التسمية بقصد ان تكون على الذبيحة ويكفي فيها قول : الله اكبر ، ولا اله الاّ الله ، والحمد لله ، وبسم الله.
وقال بعض الفقهاء يكفي في حلية الذبيحة تحرك بعض اطرافها بعد الذبح.
ويستحب في الذبح التقليل من عذاب المذبوح ، كتحديد الشفرة ، وتعجيل الذبح ، وسقي المذبوح بالماء قبل الذبح.

ج ـ النحر :

وهو مختص بالابل فقط ، فلا تحل بالذبح ، للرواية المروية عن الامام الصادق (عليه السلام) : ( كل منحور مذبوح حرام ، وكل مذبوح منحور حرام ) (40).
وصورة النحر ان يدخل الناحر سكيناً في اللبة ( وهي المكان المنخفض الكائن بين اصل العنق والصدر ). ويجوز نحر البعير قائماً ، وباركاً ، ومضطجعاً على جنبه بشرط ان يكون متجها بنحره وجميع مقاديم بدنه ، الى القبلة.
ويجب توفر جميع الشروط المذكورة في الذبح بالنسبة للناحر وآلة النحر وطريقة النحر.

د – التذکية

وهو تذكية السمك شرعاً شرط ان يخرج من الماء حياً ، ويموت في خارجه. وقد احل الله صيد البحر بقوله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ) (41) ، وقوله : ( وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً ) (42).
ولا يشترط في صيد السمك التسمية ، ولا ان يكون الصائد مسلماً. و« المعتبر اصابتها باليد او الآلة واخراجها بأخذها من الماء حية وموتها خارج الماء. ومن حيث ان المعتبر عند بعضهم خروج من الماء حياً وموته خارج الماء والمحرم انما هو موته في الماء واختاره نجم الدين بن سعيد في نكت النهاية لما رواه سلمة ابو حفص عن ابي عبد الله (عليه السلام) ان علياً (عليه السلام) كان يقول في السمك والصيد اذا ادركها وهي تضطرب وتضرب بذنبها وتطرف بعينها فهي ذكاتها ، فعلى هذا القول يكفي النظر اليها تضطرب ويكون النظر كاشفاً لا سبباً » (43). فالمدار اذن ، ان تذكيته هو « اثبات اليد عليه على ان لا يموت في الماء فهو كحيازة المباح الذي هو بمعنى الصيد الموافق له » (44).
ولا يستطيع الفرد ، مهما اوتي من قوة على التحليل ، ادراك حجم المنافع الصحية للتذكية الشرعية والزعم بانه وصل الكمال في فهم ابعادها ، لان الاصل في التكليف هو التعبد بالنصوص اولاً ، ولان مهمة الفقهاء في الاصل استنباط الاحكام الشرعية دون تحليلها ، ثانياً. ولكن العقل يحكم بان دقة هذه الاحكام في الصيد والذباحة والنحر والاخراج من الماء لها نتائج على المستوى الصحي العام لكل الافراد. ومن نافلة القول ان نذكر ، ان اخطر ما يواجه النظام الطبي اليوم من مشاكل صحية هي مشكلة اللحوم وما يتبعها من تذكية وحفظ وطهي. فهي مصدر الكثير من الامراض المنتشرة في العالم المتحضر كامراض القلب والدورة الدموية والجهاز الهضمي والبولي. ولا شك ان استبدال الاجهزة الحديثة في التبريد لحفظ اللحوم عن الطريقة القديمة السابقة التي كانت تستعمل التوابل ، لم يساعد على تقليل عدد الامراض التي تنتشر عادة عن طريق تناول اللحوم ، بل غيّر نوعها وشدتها فقط. فبدل تعرض الفرد للتسمم بتناوله لحماً متفسخاً ، بالطريقة القديمة ، اصبح نفس الفرد يتعرض لامراض القلب وتصلب الشرايين جراء تناوله لحماً محفوظاً في الاجهزة الحديثة.
وليس لدينا ادنى شك من ان مشكلة اللحوم ستبقى اخطر المشاكل التي يواجهها النظام الطبي في تعامله مع اسباب نشوء المرض ، لان الحيوانات بكافة اشكالها وانواعها تعتبر من اهم عناصر نقل الامراض الى خلايا الجسم البشري. ولعل الطريقة الاسلامية في التذكية الشرعية ، تعتبر من انشط العوامل الوقائية في تجنب الامراض الناشئة عن تناول اللحوم.
المصادر :
1- المحاسن للبرقي : ص ٤٥٩.
2- الكافي : ج ٦ ص ٢٩٠.
3- مكارم الاخلاق : ص ١٦١.
4- الخصال : ص ١٣٩.
5- الكافي : ج ٦ ص ٣٦٣.
6- المحاسن : ص ٥١٩.
7- الكافي : ج ٦ ص ٣٣١.
8- المحاسن : ص ٥٠٧.
9- الكافي : ج ٦ ص ٢٨٧.
10- الجواهر : ج ٣٦ ـ باب الاطعمة والاشربة.
11- البقرة : ٢٨.
12- الاعراف : ٣٢.
13- المحاسن : ص ٤٦٣.
14- الكافي : ج ٦ ص ٣١١.
15- المحاسن : ص ٤٦٥.
16- المحاسن : ص ٤٦٩.
17- المحاسن : ص ٤٧٠.
18- الكافي : ج ٦ ص ٣٠٩.
19- هود : ٦٩.
20- البقرة : ٥٧.
21- الكافي : ج ٦ ص ٣٠٨.
22- البقرة : ٥٧.
23- الرسائل للشيخ الانصاري باب البراءة.
24- المائدة : ٣.
25- المائدة : ٤.
26- مجمع البيان للطبرسي : ج ٣ ص ٣٢٤.
27- الجواهر : ج ٣٦ ص ٢٨.
28- التهذيب : ج ٩ ص ٢٧.
29- المسالك : ج ٢ ـ باب الصيد.
30- الكافي : ج ٦ ص ٢١٦.
31- التهذيب : ج ٩ ص ٢٠.
32- الجواهر : ج ٣٦ ص ٩٧.
33- المسالك ـ كتاب الصيد والذباحة.
34- الاستبصار : ج ٤ ص ٨٠.
35- الليطة : قشر القصبة.
36- المروة : الحجر.
37- الكافي : ج ٦ ص ٢٢٨.
38- من لا يحضره الفقيه : ج ٣ ص ٢٠٨.
39- الكافي : ج ٦ ص ٢٣٣.
40- من لا يحضره الفقيه : ج ٣ ص ٢١٠.
41- النحل : ١٤.
42- فاطر : ١٢.
43- ايضاح الفوائد : ج ٤ ص ١٤٠.
44- الجواهر : ج ٣٦ ص ١٦٥.