معاوية و الخلافة



 

أخرج ابن عدي عن أبي سعيد مرفوعا إذا رأيتم معاوية على منبري فأقتلوه (1) وأخرجه العقيلي عن الحسن بلفظ إذا رأيتم معاوية على المنبر فأقتلوه ورواه سفيان بن محمد عن منصور بن سلمة عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر مرفوعا به قالوا هذا الحديث موضوع لان في رجال اسانيده من لا يقبل ومن هو متهم وقالوا لا يصح من جهة المعنى أيضا لان الامة رأوا معاوية يخطب على منبر النبي صلى الله عليه وآله ولم ينكروا عليه ذلك ولا يجوز ان يقال ان الصحابة ارتدت بعد نبيها صلى الله عليه وآله وخالفت امره نعوذ بالله من الخذلان هذا قول من قال : بوضع هذا الحديث.
قلت اما دعوى وضعه من حيث رجال اسانيده وضعفهم فليس لنا فيه كلام لان القول ما قالوه وليسوا بمتهمين في ذلك. واما دعوى فساده من حيث المعنى فمردودة لان عدم الانكار عليه وعدم قتله لا يستلزم عصيان من اطلع عليه من الصحابة فضلا عن استلزام أرتداده كما زعموا بل هم معذورون في عدم قتله لعجز كل منهم عن ذلك ولتيقنهم عدم قبوله الحق مهما انكروا عليه باللسان بل تخشى منه فتنة عظيمة كيف وهم لا يقدرون على أزالة منكر واحد من منكراته التي يرتكبها بمرأي منهم ومسمع فضلا عن قدرة أحد منهم على قتله فلا لزوم لما ذكروا ولا فساد من جهة المعنى على انه لو صح ما ذكروه من الاستلزام للزمهم ذلك أيضا بحديث مسلم إذا بويع لخليفتين فأقتلوا الآخر منهما فهذا الحديث كالصريح في الامر بقتل معاوية ومؤدي الحديث الذي ذكروا انه موضوع في الامر بقتل واحد إذ هو منطبق تماما على معاوية فأنه اول من بويع له بالخلافة بالشام والخليفة الحق موجود والصحابة معذورون بعدم استطاعتهم لانه متصحن بالآلاف المؤلفة من جنود الشام الذين لم يفرق كثير منهم بين الجمل والناقة والذين يعتقد الكثير منهم ـ بتغرير معاوية ـ انه أقرب قريب إلى رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) وأصرح من حديث مسلم في هذا المعنى ما أخرجه احمد في مسنده من قاتل عليا على الخلافة فأقتلوه كائنا من كان.
وانما نبهت على هذا وبينته لاني رأيت كثيرا من أنصار معاوية قاموا وقعدوا وشددوا النكير والسباب والحنق على ناقلي ذلك الحديث استعظاما منهم للامر بقتل معاوية الذي أمر الله في القرآن بقتاله وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث مسلم بقتله. وقد اجمع اهل السنة والشيعة على وجوب قتال معاوية علينا لو حضرناه وان قتله إذ ذاك حسنة وفضيلة يثاب فاعلها عليها. قال أبو حنيفة رحمه الله اتدرون لم يبغضنا أهل الشام قالوا لا قال :
لانا نعتقد ان لو حضرنا عسكر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لكنا نعين عليا على معاوية وتقاتل معاوية لاجل علي فلذلك لا يحبوننا كذا في التمهيد في بيان التوحيد لابي شكور السلمي. وقد كابر الشيخ ابن حجر في تطهير الجنان مكابرة عظيمة لا تليق بذوي العلم والانصاف عند ذكره فساد ذلك الحديث من جهة المعنى حتى زعم هناك ان معاوية احتال على سيدنا علي كرم الله وجهه حتى خلع نفسه عن الخلافة بخلع نائبه أبو موسى الاشعري عن الخلافة له عند تحكيمه وتحكيم عمرو بن العاص وزعم أيضا ان الصحابة كلهم اتفقوا على أنه الخليفة الحق وانه لم يطعن عليه أحد من اعدائه فضلا عن اصدقائه بقدح في خلافته بشئ مطلقا هذا كلام ابن حجر سامحه الله نترك الحكم فيه لمن له أدنى اطلاع والمام بالحديث والسير والتاريخ واستغفر الله تعالى لي وله من كل مازل به القلم عن الطريق المستقيم.
ثم نسأل هنا كيف اتفق فقهاء المذاهب الاربعة على جواز تقلد القضاء من السلطان الجائر وكلهم استدل على جواز ذلك بتقلد الصحابة رضى الله عنهم القضاء من معاوية وكتبهم شاهدة بذلك وهذا تصريح منهم بانه جائر غير محق ثم إذا باحثت اليوم أحدا من فقهاء الزمان قلب لك ظهر المجن ونسي ما صرح به أئمة المذاهب من ذلك هل هي الا اغراض نفسية ووساوس وهمية وأقول أيضا انه لم أحذ أحد من المجتهدين بحديث معاوية الذي أخرجه الترمذي وابو داود عنه انه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله من شرب الخمر فأجلدوه فان عاد في الرابعة فأقتلوه لم لم يأخذ به أحد من المجتهدين مع جودة اسناده ماذلك الا لانهم لم يأتمنوا معاوية على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يتعلق بالدماء وهو والله احق ان لا يؤتمن نعم ذكر النووي ان الاجماع دل على نسخ هذا الحديث وأقول من المقرر ان الاجماع لا يعارض المنصوص فضلا عن أن ينسخه فأن حقيقة الاجماع عبارة عن آراء مجتمعة من مجتهدي عصر واحد وآراء الرجال ليست من نسخ كلام المعصوم من شئ ولو ذكر مستند الاجماع وكان اقوى من هذا لقلنا انه الناسخ ولكن اين هو فليبد الفقيه ما عنده وليذهب في أي ترهات الطرق شاء للجواب عن هذا نسأل الله الهداية للصواب آمين.
ومن كبار فواقره وعظائم جرائره استخلافه ابنه يزيد السكير الخمير المنابذ لله ورسوله الهاتك الحرمات والمرتكب المخزيات مع انه عالم بحاله مطلع على قبيح افعاله انفق على تمهيد بيعته أموال بيت المال وارتكب من المعاصي لذلك ما يغضب ذا الجلال. أخرج احمد في مسنده والحاكم في المستدرك عن ابي بكر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله من ولى من أمر المسلمين شيئا فأمر عليه أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله من أستعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو ارضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين وأخرج البخاري في صحيحه عن معقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ما من وآل يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم الاحزم الله عليه الجنة فهل يبقى بعد سماع هذا لذي ايمان ان يصدق بما جاء به من لا ينطق عن الهوى شك في استحقاقه لعنة الله وان لا يقبل منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم وانه خان الله ورسوله والمؤمنين وانه مات غاشا للامة بيزيد ام هناك تأويل يحاول به انصاره رد الحديث الصحيح أو تضعيفه اللهم غفرانك.
ربما يدعي مدع انه مجتهد رأى سكيره الرجس النجس اولى اهل زمانه بالامامة وارضى لله منهم ولا جواب عن هذا الا الاستعاذة بالله من شر هذا المدعي المكابر والاشفاق عليه ان يمقته الله ويلحقه بذينك الطاغيتين وهل منع الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه عن ابقاء معاوية عاملا عن الشام حتى يستتب له الامر كما اشار به عليه المغيرة بن شعبة الا الفرار من هذا الوعيد وان كان الرأي السياسي يقتضي ابقاءه على زعم كثيرين وقد استشهد كرم الله وجهه بقوله تعالى واما كنت متخذ المضلين عضدا كيف تسمع هذه الدعوة ومعاوية نفسه مقر ببطلانها فانه قال وهو يخطب بكمة ولولا هواي في يزيد ابصرت قصدي قال ابن حجر الهيثمي فيه غاية التسجيل على نفسه بأن مزيد محبته ليزيد اعمت عليه طريق الهدى واوقعت الناس بعده مع ذلك الفاسق المارق في الردى .
ولربما يظهر مشاغب آخر ويقول لعله تاب ورجع والتائب من الذنب كمن لاذنب له فنقول ان التوبة لا تتحقق ولا تصح الا بالاقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم علي ان لا يعود إليه كما قال الله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعملون وكل هذه الثلاثة منتفية في معاوية فأنه اكره المسلمين على البيعة ليزيد واصر على ذلك إلى آخر نفس من انفاسه كيف ووصاياه ليزيد وتعاليمه شاهدة عليه بأصراره وعدم مبالاته. نقل أبو جعفر الطبري في تاريخه وابن الاثير في الكامل والبيهقي في المحاسن والمساوي وغيرهم ان معاوية قال :
ليزيد ان لك من أهل المدينة ليوما فان فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة (هو الذي سمي مسرفا ومجرما) فأنه رجل قد عرفت نصيحته (انتهى) عرف معاوية ان مسلما لا دين له فأمر يزيد ان يرمي به أهل المدينة وقد فعل يزيد ما أمره به ابوه وفعل مسلم بأهل المدينة ما اريد منه حيث قال له يزيد يا مسلم لاتردن اهل الشام عن شئ يريدون بعدوهم فسار بجيوشه من أهل الشام عن شئ يريدون بعدوهم فسار بجيوشه من أهل الشام فأخاف المدينة واستباحها ثلاثة ايام بكل قبيح وافتضت فيها نحو ثلثمائة بكر وولدت فيها اكثر من الف امرأة من غير زوج وسماها تننة وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وآله طيبة وقتل فيها من قريش والانصار والصحابة وابنائهم نحو من الف وسبعمائة وقتل اكثر من اربعة آلاف من سائر الناس وبايع المسلمين على انهم عبيد ليزيد ومن ابى ذلك امره مسلم على السيف إلى غبر ذلك من المنكرات قال : المحدث الفقيه ابن قتيبة رحمه الله في كتاب م ة والسياسة والبيهقي في المحاسن والمساويي واللفظ للاول قال : أبو معشر دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الانصار ومعها صبي لها فقال لها هل من مال قالت لا والله ما تركوا لي شيئا فقال : والله لتخرجن الي شيئا أو لاقتلنك وصبيك هذا فقالت له ويحك انه ولد أبي كبشة الانصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله
ولقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله معه يوم بيعة الشجرة على ان لا أسرق ولا أزني ولا اقتل ولدي ولا آتي ببهتان افتريه فما اتيت شيئا فأتق الله ثم قالت لا يا بني والله لو كان عندي شئ لافتديك به قال فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتشر دماغه في الارض قال فلم يخرج من البيت حتى اسود نصف وجهه وصار مثلا وامثال هذه من أهل الشام ومن مسلم نفسه كثيرة فمسلم في هذا كله منفذ لامر يزيد ويزيد منفذ لامر معاوية فكل هذه الدماء وكل هذه المنكرات الموبقات ودم الحسين عليه السلام ومن معه في عنق معاوية اولا ثم في عنق يزيد ثانيا ثم في عنق مسلم وابن زياد ثالثا افبعد هذا يتصور ان يقال لعله تاب ورجع كلا والله ولقد صدق من قال : ابقى لنا معاوية في كل عصر فئة باغية فهاهم اشياعه وانصاره إلى يومنا هذا يقلبون الحقائق ويلبسون الحق بالباطل من يرد الله فتنته فلن تمك له من الله شيئا أخرج مسلم في صحيحه من أخاف أهل المدينة ظلما اخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين.
وسننقل لك هنا بعض ما ارتكبه معاوية من المنكرات تمهيدا لاخذ هذه البيعة ليزيد فقد ذكر اهل الحديث من ذلك جانبا وأهل المغازي جانبا. واهل المغازي كما قال : الامام الشافعي رحمه الله في الرسالة أقوى في بعض الامور من نقل واحد عن واحد قال : ابن الاثير وكان ابتداء ذلك من المغيرة بن شعبة فان معاوية أراد ان يعزله عن الكوفة فبلغه ذلك فقال الرأي ان اشخص إلى معاوية فأستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية فسار إلى معاوية وقال : لاصحابه حين وصل إليه ان لم اكسبكم الآن ولاية وامارة لا افعل ذلك أبدا ومضى حتى دخل على يزيد فقال له انه قد ذهب اعيان اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وكبراء قريش وانما بقي ابناؤهم وانت من افضلهم واحسنهم رأيا واعملهم بالسنة والسياسة (انظر شهادة الزور والتغرير) ولا ادري ما يمنع امير المؤمنين ان يعقد لك البيعة قال : أو ترى ذلك يتم قال : نعم فدخل يزيد على أبيه فأخبره بما قال المغيرة فأحضر المغيرة وقاله ما يقول عنك يزيد فقال يا امير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان وفي يزيد منك خلف. (صدق فخلف الظالم ظالم) فأعقد له فان حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة قال : ومن لي بهذا قال انا اكفيك اهل البصرة ويكفيك زياد اهل الكوفة وليس بعد أهل هذين المصرين احد يخالفك قال : فأرجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك فودعه ورجع إلى اصحابه فقالوا امه قال : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على امة محمد وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا (صدق افعلى مثل هؤلاء يترحم) قاله الحسن البصري رحمه الله فمن اجل ذلك بايع هؤلاء لابنائهم ولو لا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيمة (انتهى) وسار المغيرة إلى البصرة فذاكر من يثق إليه ومن يعلم انه شعة لبني امية في أمر يزيد فأجابوه إلى بيعته فاوقد منهم عشرة ويقال اكثر واعطاهم ثلاثين الف درهم وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة وقدموا على معاوية فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها فقال معاوية لا تعجلوا بأظهار هذا وكونوا على رأيكم ثم قال : لموسى بكم اشترى ابوك من هؤلاء دينهم قال بثلاثين الفا قال : لقد هان عليهم دينهم (قلت هو على المشتري والمشترى له والآخر به اهون) (انتهى).
وقد اخرج الحاكم والطبراني عن عبد لله بن الحارث بن جزء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله سيكون بعدي سلاطين ، الفتن على ابوابهم كمبارك الابل لا يعطون أحدا شيئا الا أخذوا من دينه مثله. ولبث معاوية زمنا طويلا يعطي المقارب ويداري المباعد ويلطف به حتى استوثق له اكثر الناس وتربص حتى مات الحسن بن علي عليهما السلام.
قال العلامة ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة ثم لم يلبت معاوية بعده وفاة الحسن الا يسيرا حتى بايع ليزيد بالشام وكتاب ببيعته إلى الافاق وكان عامله على المدينة مروان ابن الحكم فكتب إليه يذكر الذي قضى الله على لسانه من بيعة يزيد ويأمره بجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ليبايعوا ليزيد فلما قرأ مروان كتاب معاوية ابي من ذلك وابته قريش فكتب لمعاوية ان قومك قد ابوا اجابتك إلى بيعة ابنك فارني رأيك فعزله معاوية وولى سعيد بن العاص وخرج مروان إلى أخواله مغاضبا وكتب معاوية إلى سعيد بن العاص يأمره ان يدعو أهل المدينة إلى البيعة ويكتب إليه بمن يسارع ومن لم يسارع فلما اتى سعيد بن العاص الكتاب دعا الناس إلى البيعة ليزيد واظهر الغلظة وأخذهم بلعزم والشدة وسطا بكل من ابطأ عن ذلك فأبطأ الناس عنها الا اليسير لاسيما بني هاشم فانه لم يجبه منهم احد وكان ابن الزبير من أشد الناس انكارا لذلك وردا له. فكتب سعيد بن العاص بجميع ذلك إلى معاوية فلما بلغه ذلك كتب كتبا إلى عبدالله بن عباس والى عبدالله بن جعفر والى عبدالله بن الزبير والى الحسين بن علي. رضي الله عنهم وأمر سعيد بن العاص ان يوصلها إليهم ويبعث بحواباتها وتلك الكتب كلها تهديد من جهة وتملق من أخرى فأجابوه كلهم بعدم الرضى والاحتجاج عليه في ذلك ولم نذكرها هنا حذر الاطالة.
وهذا نص كتاب الحسين بن علي عليهما السلام ونص جوابه إلى معاوية وهما مثال وعنوان للكتب الباقية وجواباتها (كتب معاوية) إلى الحسين رضي الله عنه (اما بعد) فقد انتهت الي منك أمور لم أكن اظنك بها رغبة بك عنها وان احق الناس بالوفاء لمن اعطى بيعته من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي انزلك الله بها فلا تنازع إلى قطيعتك واتق الله ولا تردن هذه الامة في فتنة وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.
فكتب إليه الحسين رضي الله عنه (اما بعد) فقد جاءني كتابك تذكر فيه انها انتهت اليك مني امور لم تكن تظنني بها رغبة بي عنها وان الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد لها الا الله تعالى واما ما ذكرت ايه رقى اليك عني فأنما رقاه الملاقون المشاءون بالنميمة المفرقون بين الجمع وكذب الغاوون المارقون ما أردت حربا ولا خلافا واني لاخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين حزب الظلم واعوان الشيطان الرجيم الست قاتل حجر واصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقتلتهم ظلما وعدوانا من بعد اما اعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة جرأة على الله واستخفافا بعهده أو لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي اخلقت وابلت وجهه العبادة فقتلته من بعد ما أعطيته من العبود مالو فهمته العصم لنزلت من شعف الجبال أو لست المدعي زيادا في الاسلام فزعمت انه ابن ابي سفيان وقد قضي رسول الله صلى الله عليه وآله ان الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم سلطته على أهل الاسلام يقتلهم ويقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل سبحان الله يا معاوية لكانك لست من هذه الامة وليسوا منك أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه اليك زياد انه على دين علي كرم الله وجهه ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وآله وسلم الذي اجلسك مجلسك الذي انت فيه ولو لا ذلك كان افضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف فوضعها الله عنكم بنامنة عليكم وقلت فيما قلت لا ترد هذه الامة في فتنة واني لا العلم فتنة لها اعظم من امارتك عليها وقلت فيما قلت انظر لنفسك ولدينك ولامة محمد واني والله ما أعرف افضل من جهادك فان افعل فأنه قربة إلى ربي وان لم افعل فأستغفر الله لذنبي وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى وقلت فيما قلت متى تكدني اكدك فكدني يا معاوية فيما بدأ لك فلعمري لقديما يكاد الصالحون واني لارجو ان لا تضر الا نفسك ولا تمحق الا عملك فكدني ما بدأ لك واتق الله يا معاوية واعلم ان لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها واعلم ان الله ليس بناس لك قتلك بالظنة واخذك بالتهمة وامارتك صبيا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ما أراك الا وقد اوبقت نفسك واهلكت دينك واضعت الرعية والسلام.
قال فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية انه لم يبايعني احد وانما الناس تبع لهؤلاء النفر فلو بايعوك بايعك الناس جميعا ولم يتخلف عنك احد وأرسل إليه جواباتهم فلما بلغ معاوية ذلك كتب إلى سعيد ان لا يحركهم حتى يقدم.
ثم قدم معاوية المدينة حاجا فلما ان ديا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه ما بين راكب وماش وخرج النساء والصبيان فلقبه الناس على حسب طبقاتهم فلان لكل من كافحه وفاوض العامة بمحأدثته وتألفهم جهده مقاربة ومصانعة ليستميلهم إلى مادخل فيه الناس حتى قال في بعض ما يجتلبهم به يا أهل المدينة مازلت اطوي الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم حتى انطوى البعيد ولان الخشن وحق لجار رسول الله ان يتاق إليه قال : حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن علي وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم فقال معاوية مرحبا بابن بنت رسول الله وابن صنو ابيه ثم انحرف إلى الناس فقال هذان شيخا بني عبد مناف واقبل عليهما بوجهه وحديثه فرحب وقرب وجعل يواجه هذا مرة ويضاحك هذا أخرى حتى ورد المدينة واقبل ومعه خلق كثير من أهل الشام حتى اتى عائشة رضى الله عنها فأستأذن فاذنت له وحده لم يدخل عليها معه أحد وعندها مولاها ذكوان فوقظته وحرضته على الاقتداء بأبي بكر وعمر وعنفته على قتل حجر بن عدي واصحابه ثم مضى حتى اتى منزله.
ثم ارسل إلى الحسين بن علي فخلا به وقال له يابن اخي قد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش وانت تقودهم يا ابن أخي فما اربك إلى الخلاف قال الحسين ارسل إليهم فان بايعوك كنت رجلا منهم والا تكن عجلت علي بأمر قال : وتفعل قال : نعم قال فأخذ عليه ان لا يخبر بحديثهما احدا فخرج ثم ارسل إلى الباقين واحدا يقول لهم بنحو ما قاله للحسين رضى الله عنه ويجيبه كل منهم بنحو جواب الحسين.
قال ثم جلس معاوية صبيحة اليوم الثاني واجلس كتابه بحيث يسمعون ما يأمر به وأمر حاجبه ان لا يأذن لاحد من الناس وان قرب ثم ارسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم فسبق ابن عباس فأجلسه عن يساره وشاغله بالحديث حتى اقبل الحسين ودخل فأجلسه عن يمينه وسأله عن حال بني الحسن واسنانهم فأخبره ثم خطب معاوية خطبة اثنى فيها على الله ورسوله وذكر الشيخين وعثمان ثم ذكر امر يزيد وانه يحلول ببيعته سد خلل الرعية وذكر علمه بالقرآن والسنة واتصافه بالحلم وانه يفوقهما سياسة ومناظرة وان كانا أكبر منه سنا وافضل قرابة واستشهد بتولية النبي صلى الله عليه وآله عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل علي ابي بكر وعمر واكابر الصحابة وقيام عمرو بذلك خير قيام وان في رسول الله اسوة حسنة ثم استجابهما عما ذكر.
قال فتهيأ ابن عباس للكلام فقال له الحسين على رسلك فأنا المراد ونصيبي في التهمة اوفر وقام الحسين فحمد الله تعالى وصلى على الرسول صلى الله عليه وآله وقال.
أما بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل وان اطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وآله من جميع جزأ وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله من ايجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ البيعة وهيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمة الدجى وبهرت الشمس انوار السرج ولقد فضلت حتى افرطت واستأثرت حتى اجحفت ومنعت حتى اجحفت ومنعت حتى بخلت وجرت حتى جاوزت ما بذلت لذى حق من أسم حقه من نصيب حتى اخذ الشيطان حظه الا وفر ونصيبه الاكمل وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامة محمد تريد ان توهم الناس في يزيد كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما اخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السبق لاترابهن والفينات ذوات المعازف وضروب الملاهي تجده ناصرا ودع عنك ما تحاول فما أغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما انت لاقيه فو الله ما برحت تقدح باطلا في جور وحنقا في ظلم حتى ملات الاسقية وما بينك وبين الموت الاغمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم شهود ولات حين مناص ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الامر ومنعتنا عن آبائنا تراثا ولقد لعمر الله ورثنا الرسول ولادة وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول فإذ عن للحجة بذلك وردت الايمان إلى النصف فركبتم الاعاليل وفعلتم وقلتم كان ويكون حتى اتاك الامر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فأعتبروا يا أولى الابصار.
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وتأميره له وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يؤمنذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له وما صار لعمرو يومئذ حتى انف القوم أمرته وكره القوم تقديمه وعدوا عليه افعاله فقال صلى الله عليه وآله لاجرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في اوكد الاحوال واولاها بالمجتمع عليه من الصواب ام كيف ضاهيت بصاحب تابعا وحولك من يؤمن في صحبته ويعتمد في دينه وقرابته وتتخطاهم إلى مسرف مفتون تريد ان تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه وتشقي بها في آخرتك ان هذا لهو الخسران المبين واستغفر الله لي ولكم.
قال فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال ما هذا يا ابن عباس ولما عندك ادهي وأمر فقال ابن عباس لعمر الله انه لذرية الرسول واحد اصحاب الكساء ومن البيت المطهر فاله عما تريد فان لك في الناس مقنعا حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين.
فقال معاوية انصرفا في حفظ الله (انتهى ملخصا من كتاب ابن قتبية).
وقال ابن الاثير في الكامل ثم ان اولئك النفر خرجوا إلى مكة فأقاموا بها وخطب معاوية بالمدينة وذكر يزيد فمدحه وقال من أحق بالخلافة منه في فضله وعقله وموضعه وما أظن قوما بمنهين حتى تصيبهم بوائق تجتث أصلهم وقد انذرت ان اغنت النذر.
ثم قال ومكث معاوية بالمدينة ما شاء الله ثم خرج إلى مكة فتلقاه الناس فقال اولئك النفر نتلقاه فلعله قد ندم على ما قد كان فلقوه ببطن مر فكان أول من لقيه الحسين بن علي عليهما السلام فقال له معاوية مرحبا واهلا بابن رسول الله وسيد شباب المسلمين فأمر له بدابة فركب وسايره ثم فعل بالباقين مثل ذلك وأقبل يسايرهم لا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة وكانوا اول داخل وآخر خارج ولا يمضي يوم الا ولهم صلة ولا يذكر لهم شيئا حتى قضى نسكه وحمل اثقاله وقرب مسيره فأحضرهم واعاد عليهم ما طلبه بالمدينة من بيعة يزيد فلم يجيبوه إلى ما طلب وكان المتكلم عبدالله بن الزبير فسأل معاوية الباقين فقالوا قولنا قوله : قال فاني قد احببت ان اتقدم اليكم انه قد اعذر من أنذر اني كنت اخطب فيكم فيقوم الي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس فأحمل ذلك واصفح واني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقين رجل الا على نفسه ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال افم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيفه فان ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم ان هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لايبرم أمر دونهم ولا يقضي الا عن مشورتهم وانهم قد رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله فبايع الناس وكان الناس يتربصون بيعة هؤلاء النفر ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة فلقى الناس اولئك النفر فقالوا لهم زعمتم انكم لا تبايعون فلم رضيتم واعطيتم وبايعتم قالوا والله ما فعلنا فقالوا ما منعكم ان تردوا على الرجل قالوا كادنا وخفنا القتل وبايعه اهل المدينة ثم انصرف إلى الشام (انتهى).
وقال ابن عبد البر بعث معاوية إلى عبدالرحمن بن أبي بكر بعد ان ابي البيعة ليزيد بمائة الف درهم فردها إليه عبدالرحمن وابي ان يأخذ وقال ابيع ديني بدنياي وخرج إلى مكة ومات بها قبل ان تتم البيعة ليزيد (انتهى) قلت قول بعض الشيعة هنا مات بالسم لم ينقله اهل السنة فلا معول عليه عندنا والله اعلم.
وانما اطلت بذكر خبر هذه البيعة مع شهرته واستنفاضته ليعلم الاغبياء من المقلدين ما ارتكبه معاوية لاجلها من الاكاذيب والحيل والمكر والخدع والكيد والرشوة من بيت مال المسلمين وغش الامة والاستخفاف بذوي الفضل والمنزلة من الصحابة وتهديدهم بالقتل وغير ذلك من الفظالع حتى يتيقن اولئك الاغبياء انهم مغرورون من مقلديهم مغشوشون بما موهوا به عليهم من خلاف ذلك وان تقليدهم لا ينفعهم ولا يجديهم عندما تنكشف الحقائق لدى الملك الملك العدل يوم التغابن حين تنقطع الاسباب بين التابع والمتبوع الا المتقين.
المصادر :
1- تاريخ الطبري 185 النصائح الكافية لمن يتولى معاوية 261