مبادئ ولاية الفقيه

ساد الكثير من النقاشات بين العلماء المسلمين، وخصوصاً الشيعة، حول وجوب قيام الحكومة الإسلامية. فذهبت جماعة منهم إلى القول بعدم وجوبها، بل بعدم جواز إقامتها في عصر غياب الإمام، إذ كل سلطة هي اغتصاب لحق الإمام المهدي. وشرعت في تبيان حدود صلاحيات الفقيه الذي يعود له الشيعة في معرفة الأحكام الدينية والتزامهم بتطبيقها، فحصرها بعضهم بالأمور العبادية كالصلاة والوضوء والحج وغيرها، وفي بعض الأمور الحسبية كولاية الحاكم على أموال اليتامى والقصر، والسفهاء... إلا أنها لم ترق لدى هؤلاء إلى تشكيل حكومة إسلامية يحظى فيها الفقيه بصلاحيات واسعة تنسجم مع ما كان يتمتع به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام.
وتوسع البعض في مسألة تشكيل هذه الحكومة، أو الدولة الإسلامية، فحصرها بتطبيق الشريعة الإسلامية بغض النظر عن الحاكم سواء أكان فقيهاً أو مواطناً، لأن المراد النهائي للنظام وفق الشريعة الإسلامية هؤلاء هو إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولم يشرط وجود الفقيه على رأسها، بل شرط وجوب إدراك الحاكم للعدالة بجميع جهاتها(1).
وبين هذين الحدين ثمة آراء كثيرة لعلماء الشيعة وفقهائهم في مسألة قيام الحكومة الإسلامية.
غير أن قيام حكومة إسلامية معقودة اللواء للحاكم الفقيه الذي يقودها وفق مقتضيات الشريعة الإسلامية كانت قد شكلت إحدى الرؤى لحاكمية الشريعة. وقد ذهب إلى القول بهذا الرأي عدد آخر من فقهاء الشيعة. وليس مرادنا في هذا المجال طرح هذه الآراء بتنوعاتها ومبانيها الفقهية والعقلية، بقدر ما نود معالجة الحكومة على أساس ولاية الفقيه التي لاقت شهرة واسعة مع خروجها إلى حيز التطبيق على يد الإمام الخميني قدس سره الراحل بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران.
وقد لاقت أطروحة ولاية الفقيه كما طرحها الإمام الخميني قدس سره نقاشات عديدة في الأوساط الفقهية والمجامع العلمية وحتى بين المثقفين المتأثرين بفكرة فصل الدين عن الدولة أو لدى بعض علماء الدين ممن يقولون بولاية الفقيه المقيدة، والتي لا ترقى إلى مستوى الحاكمية بالمعنى
الإطلاقي. لم يخرج هذا النقاش عما كان سائداً في عصور مضت بين الفقهاء والمرجعيات الدينية حولها. ولكنه توسع إلى طرح تعقيدات الواقع وخصوصاً بعدما توزعت الأمة الإسلامية في أقطار عديدة وصار لها حدودٌ جغرافية واكتسبت هويات وطنية. بل أصبح المسلمون في بعض المجتمعات متشاركين مع هويات أقوامية ودينية متنوعة ومنها لبنان على سبيل المثال لا الحصر. وهذه الإشكالية سنتركها على أهميتها إلى مقاربة تفصيلية سوف تبدو في السطور اللاحقة خلال عرضنا لها. على أنه قبل الولوج في مقاربتها، نقف عند رأي الإمام الخميني قدس سره في استدلالاته على وجوب قيام حكومة إسلامية بالمعنى الذي ذهب إليه دون تفصيلات كثيرة لأن غاية المقاربة ليست محصورة بها على وجه التحديد، بل للوقوف على مسوغاتها كضرورة موضوعية لسياقات البحث، ومقابل ما هو مطروح حول الولاية المقيدة غير المطلقة.
فولاية الفقيه بحسب الإمام الخميني قدس سره هي فكرة علمية واضحة لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أن من عرف الإسلام، أحكاماً وعقائد، يرى بداهتها(2).
وقد أورد الإمام في كتاب الحكومة الإسلامية مجموعة من الأسانيد الشرعية والعقلية التي تؤكد ثبوت ما كان ضرورياً أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام في العصر الراهن. ومن بين هذه الأسانيد وجود الأحكام المالية وأحكام العقوبات والدفاع وغيرها في القرآن الكريم، ومن ثم الآيات التي تتصل بتمامية الدين وشموليته، وعدم جواز تعطيل الأحكام كعدم إجراء الحدود، وترك القصاص، وتوقيف الجباية المالية، وترك الدفاع اعتقاداً أن الإسلام جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود، في حين أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة كما في المأثور من الأحاديث الشريفة(3).
كما أن اقتضاء أن يعيش الناس بالعدل يفترض قيام حكومة تراعي مقتضيات هذا العدل، كي لا يسود الهرج والمرج(4)
ويسود الظلم ويعم الفساد وتهضم حقوق الفقراء والمستضعفين. إن مراعاة مقتضيات العدل بحسب الإمام الخميني قدس سره إنما تكون بوجود الحكومة الإسلامية، حيث يعيش الناس بالعدل وفق الحدود التي حددها الله لهم. وهذه الحكمة الإلهية هي حكمة مستمرة، لأن الفساد في الأرض وهضم حقوق الضعفاء، والتعدي على حدود الله ليس محدوداً بزمان أو مكان(5)
مرتكزات حكومة الولي الفقيه
ثمة مجموعة من المرتكزات التي تقوم عليها حكومة الولي الفقيه ومن هذه المرتكزات:
1- الاستناد إلى الأحكام وفق الشريعة الإسلامية: بمعنى أن مصادر التشريع هي القرآن الكريم والسنة النبوية وأحاديث الأئمة عليهم السلام.
2- وجود سلطة تنفيذية: تستوجب القوانين بنظر الإمام الخميني قدس سره وجود سلطة وجهاز تنفيذ وإدارة. إذ لا يكفي وجود مجموعة القوانين لإصلاح المجتمع وإسعاد البشر، ولا يكفي تبليغ الأحكام وتبيينها من قبل الرسول والخلفاء، بل لا بد أن تعقب سلطة التشريع سلطة تنفيذية(6) تعنى بإدارة المجتمع.
3- قيادة الولي الفقيه: يقف الولي الفقيه على رأس هذه السلطات. وينبغي أن يتحلى بشرطين مهمين وهما العلم بالقانون الإسلامي، والعدالة. هذا الحاكم يملك من أمر الإدارة والرعاية السياسية للناس ما كان يملكه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين علي من أمر الحكم والقضاء، والفصل في المنازعات، وتعيين الولاة والعمال، وجباية الخراج، وتعمير البلاد(7)
حكومة الفقيه والواقع
يعبر الواقع عن متعينات ماثلة في الاجتماع البشري المتمايز في خصوصية الهوية، وتفاعلات العلاقات الاجتماعية، ووجود الأنماط الثقافية، ودوام التغير المستند إلى ظروف جغرافية وحضارية متفاعلة مع الأزمنة والأمكنة. والحكومة الإسلامية وفق أطروحة ولاية الفقيه إنما تستمد مبرراتها العقلية والشرعية من الاقتناع بتمامية الدين الإسلامي وعدم فصل الدين عن الدولة، ودوام هذه التمامية عبر الزمان باعتباره خاتم الأديان وأتمها، فضلاً عن الاقتناع بضرورة سيادة العدل في المجتمع كي لا يسود الظلم ويعم الفساد.
ولما كان الإمام الخميني قدس سره استند في نظريته إلى النص القرآني والنصوص المنقولة عن الأئمة، ولما كان أيضاً قد استند إلى تجربة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجربة الإمام علي في الحكم، فإن السؤال المطروح يدور حول تفاعلات هذه التجربة مع الواقع، بمعنى هل المطلوب هو إسقاط التجربة التاريخية على الواقع، دون الأخذ بمستلزمات الزمان والمكان، فتعلو هذه التجربة عليه وتكيفه بحسب مقتضياتها، أم أنه من المحتم لهذه التجربة أن تتكيف مع الواقع دون الخروج عن حدودها الشرعية؟ وبمطالعة تجربة قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فضلاً عن الاستناد الى آراء الإمام الخميني قدس سره، نجد أن هذا الواقع يبقى حاضراً بشدة سواء ما قبل قيام التجربة أو ما بعدها، وهو حاضر أيضاً بخصوصياته المكانية والزمانية، وأما مظاهر هذا الحضور فتتجلى كالآتي:
1- تولي الفقيه سدة القيادة
سبق تبيان قول الإمام الخميني قدس سره حول استمرارية قيادة المجتمع الإسلامي من خلال الفقيه المتصدي لقيادة الحكومة الإسلامية.
فولايته هي جزء من الاعتقاد بالإمامة والولي الفقيه ينوب عن الإمام المهدي الغائب وله ما للإمام من صلاحيات. غير أن أطروحة ولاية الفقيه كان لا بد لها من التعاطي مع الواقع باعتبار أن ثبوت إمامة الإمام المعصوم إنما تكون بالنص وبالتعيين أي بالتنصيب الإلهي كخليفة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن إمامته تنتقل إلى إمام آخر معصوم بعد وفاته. إذ ليس ثمة محددات زمنية لإمامته سوى الوفاة. في حين أن الولي الفقيه إنما تثبت ولايته وقيادته للمجتمع الإسلامي من خلال شروط ذاتية تراعي مقتضيات الشرع والعقل وهي الفقاهة والعدالة كما تبين سابقاً، وأن ولايته مقيدة أيضاً بشروط "فإذا خالف الفقيه أحكام الشرع، فإنه يعزل تلقائياً، لانعدام عنصر الأمانة فيه". فالمعصوم لا يمكنه مخالفة الشرع بل لا يطرأ عليه عارض يدفع به إلى هذا الأمر عمداً أو سهواً لأن مقتضيات عصمة الأنبياء والأئمة بحسب الفهم الشيعي تمنع ذلك. في حين أن الإنسان حتى ولو كان فقيهاً مرجعاً أو حاكماً، فإن هامش مخالفة الشرع حتى ولو كان متعذراً لكنه لا يرتفع، باعتبار عدم وجود العصمة، ولذلك لاحظ الخميني قدس سره هذا الأمر ولم يرفع الفقيه إلى مقام المعصوم.
2- الانتخاب أو الشورى
لم يكن مفهوم الشورى، كأحد آليات تسيير المجتمع الإسلامي وإدارته، قد اتخذ إطاراً مؤسساً في التجربة الإسلامية الأولى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما زال مورد نقاش بين المسلمين أنفسهم من حيث وظائف الشورى وآلياتها وحدود ممارستها سواء من قبل الحاكم أو من قبل الأمة. وبغض النظر عن الظروف التاريخية والموضوعية التي أحاطت بهذا المبدأ فإنه مع تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران سوف تتضح معالمه، وتتوسع دائرته إلى عموم أفراد الشعب وإلى الإطارات المؤسساتية الأخرى. فلناحية اتساع دائرة الشورى فقد ارتبط هذا المبدأ بالرأي العام الذي سيحدد شكل النظام الذي استبدل النظام الملكي بحكومة إسلامية. فالإمام الخميني قدس سره بعد وضعه للخطوط العريضة للحكومة الإسلامية، وبعد نجاح الثورة بإطاحة الشاه، أجاب حين سُئِل عن النظام البديل بالقول: "إننا سوف نعرض الأمر على الرأي العام، ولأن إيران جميعها مسلمة فسوف يعطون رأيهم في هذه المسألة، وسوف يتم تشكيل حكومة الجمهورية الإسلامية بعد تصويتهم"(8).
وسوف يبرز هذا الأمر في تشكيل الإطارات المؤسساتية الأخرى كمجلس الشورى (البرلمان) ورئاسة الجمهورية، ومجلس الخبراء الذي سيتعين عليه انتخاب الولي الفقيه بعد الكشف عن الشخص المؤهل للقيادة استناداً إلى مؤهلاته الذاتية وهي الاجتهاد والعلم بالقانون والعدالة. وفي هذا المجال يقول الإمام الخميني قدس سره "إن الجماهير في جميع أنحاء البلاد (إيران) أحرار في انتخاب مرشحيهم، ولا يحق لأحد أن يفرض نفسه، ولا يحق لأي مسؤول أو أي شخص أن يهين الآخرين الذين يخالفونه في الرأي، بل لا يحق لأية منطقة انتخابية أن تعين مرشحين لمنطقة انتخابية أخرى. فالتدخل في انتخابات كل منطقة هو شأن نفس تلك المنطقة"(9).
ولا يسري هذا الأمر على النواب وممثلي الإدارات المحلية بل يسري على السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية). وبالجملة فإن الحكومة بحسب الإمام الخميني قدس سره هي "حكومة الإسلام والشعب، والمجلس هو من الشعب، ولا أحد تحت أمر مقام ما أو مقامات ما"(10)
وبهذا المعنى يجدر القول إن التجربة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن تواجه إشكالية بدائل بين حكم إسلامي أو إمبراطوري كسروي أو ملكي على غرار ما كان مطروحاً في زمن الإمام الخميني قدس سره من تجربة ملكية شاهنشاهية أو تجارب أنظمة اشتراكية أو رأسمالية كانت نخب المجتمع الإيراني قد عايشتها أو اطلعت عليها، وهو أمر متيسر في العصر الحديث. كذلك الأمر فإن الإطارات المؤسساتية من تنفيذية وتشريعية وقضائية وما تضطلع به من وظائف بعد تشكيلها عبر الانتخاب، لم تكن على هذا المنوال بتمام التحديد في التجربة الإسلامية وإن كانت قد مورست بإشكال أخرى.
ربما يحضر إشكال وهو أن الإمام الخميني قدس سره قد استند في كتابه الحكومة الإسلامية إلى استدلالات تخالف هذا الأمر من قبيل قوله
"فوّض الله الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة، نفس ما فوضه إلى النبي وأمير المؤمنين علي من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات وتعيين الولاة والعمال، وجباية الخراج، وتعمير البلاد، وإذا نهض بأمر تشكيلها فقيه عادل فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا"(11).
ربما يتبادر إلى الذهن أن مبدأ الانتخاب يخالف ما كان معمولاً به في زمن النبي، من تعيينه للولاة، وجباية الضرائب، والقضاء وغيرها...
فالفارق يكمن بين تفويض النبي أو الإمام لأشخاص سوف يضطلعون بأدوار إدارية وتنفيذية وقضائية وبين الانتخاب من قبل الشعب. فالإمام بإيراده لتجربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام إنما كان بمعرض الرد على الآراء القائلة أن الدين الإسلامي لم يأت بمشروع إقامة دولة أو حكم وإنما هو دين هداية وتبيان للتشريع فحسب، وكذلك بمعرض الرد على الآراء القائلة بمحدودية دور الفقيه، في الأمور الحسبية، في حين أن الوظائف والأدوار التي اضطلع بها النبي هي نفسها سوف تبقى ماثلة في تجربة الحكومة الإسلامية، وهي وظائف ليست للفقيه وحده. فحين يقول الإمام إن التفويض في زمن الغيبة هو للحكومة الإسلامية، فإنه يشير إلى المزج بين شؤون الدين والدولة، وهي وظائف ممنوحة كلها للحكومة الإسلامية
معاً. أما الفقيه فيمارس دوره بحكم موقعيته في الحكومة الإسلامية وهو سوف يتحدد لاحقاً في دستور الجمهورية الإسلامية الذي سيلحظ سائر صلاحيات السلطات وصلاحيات الولي الفقيه، وهي بلا شك لا تقتصر على الأمور الحسبية، وهذا ما يميز أطروحة ولاية الفقيه.
إن مشروعية العمل بمبدأ الشورى - والأخذ بنتائجها الملزمة - سبق أن عُمل بها في تجربة الإمام علي عليه السلام. فإمامة المعصوم بحسب الاعتقاد الشيعي ثابتة بالتعيين الإلهي سواء قام الإمام بالإمرة أي الحاكمية أو قعد عنها لظروف خارجية قاهرة. رغم ذاك فحين تولى الإمام علي سدّة حاكمية وإدارة المجتمع الإسلامي إنما قبل بها مع توفر شروطها وهي وجوب اضطلاع الإمام بتحقيق مقتضيات الدين، ومنها إقامة العدل ونصرة المظلومين، ووجود الفرصة السانحة للأخذ بزمام الأمور. ففي نهج البلاغة قال الإمام علي عليه السلام: فلولا وجود الحاضر (أي الذين حضروا إليه وبايعوه على الإمرة) وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظه ظالم ولا على سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها (أي الخلافة أو الإمرة) وسقيت آخرها بكأس أولها...)(12).
غير أن الناس مكلفون بإعانة الحاكم على القيام بدوره في إقامة العدل وحفظ المسلمين لأنهم مأمورون بعدم التحاكم إلى الطاغوت المقصود بالآية التي تحث على هذا الأمر ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهَِ﴾(13)
أي كل سلطة تعمل في الناس بالجور والإثم والعدوان(14).
فتكليف المسلمين هو تمكين الحاكم العادل بسط سلطته لإقامة العدل ومحاربة الظلم وفقاً للآية الكريمة ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾(15)
فإن أصحاب الأمانة بحسب استناد الإمام الخميني قدس سره إلى بعض التفاسير هم الأئمة. والحكومة العادلة هي من مفردات الأمانة التي يجب تسليمها إلى أهلها لتعمل بموجب أحكام الدين دون أن تتعداها أو تتجاوزها. ويستفاد من هذا الشرح أهمية دور الناس في عملية التمكين. ويبرز هذا الدور بصورة أكبر مع الفقهاء باعتبار أن الإمام مشخص بالتعيين ولكن الفقهاء مشخصون بالصفات. وإذا نهض أحد الفقهاء بإقامة الحكومة الإسلامية وجبت طاعته كولي للأمر ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمَْ﴾ويستدلّ من ذلك الإمام الخميني قدس سره - باستناده إلى شرح الإمام الباقر عليه السلام - أن الولاية هي الإمرة، وهي بعد الأئمة لعلماء الدين. استناداً إلى الحديث النبوي(16) "العلماء أمناء الرسل". وإذا كانت طاعة النبي تقوم على أساس الآية ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَْ﴾
وإذا كان للفقهاء ما للنبي وللإمام، فهل الفقهاء أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ وهل هذه الولاية تعني أن لا ولاية للبشر على أنفسهم. وبالتالي يتعطل دورهم في الشورى أو الانتخاب؟ في معرض الإجابة وعلى ضوء التجارب الحديثة لأنظمة الحكم وخصوصاً الديمقراطية، فإن الإمرة أو السلطة حين تنعقد - حتى بالانتخاب - يصبح صاحب السلطة متمتعاً بصلاحيات الإمرة في حدود موصوفة بموجب تنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم تحقيقاً للمصلحة العامة. وكذلك الأمر في الحكومة الإسلامية، فوفق مقتضيات تسيير الحكم لا بد من الانصياع لصاحب الإمرة في إدارة شؤون المجتمع باعتبار أن الفقيه ليس متعالياً عن الناس وأن حكومته هي حكومة دستورية، وتعمل وفق مصالح المسلمين في إقامة العدل ومنع الظلم، وتحقيق الرفاه. فالمصلحة العامة قد تقتضي تجاوز بعض مصالح الأفراد، وإقامة المحاكمات بحسب الشرع، وينبغي الانصياع لها إذ لو ترك تشخيص الأمر للأفراد بحسب مصالحهم الشخصية لما استقر الأمر. فإطاعة الولي بموجب سلطته إنما هي سلطة للأفراد مجتمعين وهي لهم في تحقيق مصالحهم وليست عليهم، وهم مشاركون في تمكين الولي الفقيه لأنهم يرجون مصالحهم واستقرارهم وحفظ اعتقاداتهم، وانطلاقاً من مشاركتهم، فيجب عليهم الوفاء لمن اختاروه والتزموا قيادته ما لم يتجاوز حدود الشريعة ومقاصدها. وبحسب أطروحة ولاية الفقيه الشعب مكلف بالإشراف على الأمور ليس فقط في التصويت والانتخاب بل في المراقبة والتصويب والتوجيه. يقول الإمام "جميع أبناء الشعب مكلفون بالإشراف على الأمور. يجب على الشعب أن يوجهني، ولينتبه الجميع إلى هذه المسألة حتى إذا قلت أنا (الولي الفقيه) كلمة مخالفة للإسلام، فليعترضوا عليّ وليكتبوا ذلك ويقولوه"(17).
3- الأمة والشعب
كثيراً ما يستخدم علماء الإسلام تعبير أمة بدل الشعب كدلالة على الهوية التي تتخذ لها بعداً دينياً. وموضع هذا التفضيل هو ورودها في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرّة في دلالات متنوعة. وهي بحسب استخداماتها تحمل معنى وجودياً لهوية مشتركة بين الأفراد المرتبطين برابط العقيدة، بغض النظر عن اللغة والعرق والجنسية. والهوية كمفهوم، متعددة الجوانب في السوسيولوجيا، ويمكن مقاربتها من زوايا متعددة. فالهوية بشكل عام تتعلق بفهم الناس وتصورهم لأنفسهم، ولما يعتقدون أنه مهم في حياتهم. ويتشكل هذا الفهم انطلاقاً من خصائص محددة، تتخذ مرتبة الأولوية على غيرها من مصادر المعنى والدلالة. ومن مصادر الهوية هذه، الطائفة، والدين، والاثنية، والطبقة الاجتماعية، والجنسية(18).
إن تعبير الأمة الإسلامية كهوية مستندة إلى الدين يعبر عن ثبات مفهومي حين يحيل إلى الانتماء، وهو ليس موضوع إشكال، فالفرد المسلم أياً كانت لغته وجنسيته، يشعر برابطة الانتماء إلى غيره من المسلمين في أي مكان، ولكن حيث تفرض الظروف مواجهة واقع الاختلاف يبرز التنوع فتتخذ الهوية أبعاداً أخرى لمرتكزاتها كأن تبرز اللغة مع الدين، أو الجنسية وغيرهما... إن مواجهة واقع الاختلاف ناتج عن تنوع المصالح بين الجماعات وتضاربها بل أيضاً عن المعطيات المتغيرة بفعل عوامل حضارية وثقافية وتاريخية وبينها قيام الدول، وسيادتها على شعوبها وأراضيها، فتصبح الأمة أو الهوية متحددة بالدولة وبالجنسية ولها طابعها القانوني والدستوري الذي يحظى باعتراف الأمم.
شاع في تجربة الإمام الخميني قدس سره استخدام مفهوم الأمة في خطبه وبياناته، كما شاع أيضاً استخدام مفهوم الشعب. وقد كثر استخدام مفهوم الأمة عنده حين يتحدث عن العالم الإسلامي في تحدياته وظروفه وتطلعاته. في حين يكثر الحديث لديه عن الشعب حين الولوج إلى تجربة الجمهورية، وهو ما يمكن أن يشير إلى طابع الخصوصية الناشئة من واقع التجربة مع عدم إهمال التأكيد على هوية الأمة في امتداداتها المكانية والزمانية باعتبار ثبات منظومة الغايات والقيم المشتركة.
إن طابع الخصوصية لا يعبر عن الانزواء، ولا يعبر عن الركون الضيق والحاد إلى هذه الخصوصية، بقدر ما يعبر عن تكيف التجربة مع الواقع ما دام هذا الواقع لا يخالف المرتكزات الأساسية لمقتضيات الشريعة، كما يعبر عن منظومة من الدلالات التي ترتبط بأبعاد وآليات تحقيق التجربة وحدود المسؤوليات التي تنهض بها، والمسؤوليات المترتبة عليها لجهة علاقاتها التفاعلية في الداخل والخارج.
أما ركائز الخصوصية في تعبير الشعب، فبالعودة إلى كلمات الإمام الخميني قدس سره في مناسبات متنوعة، تستند هذه الخصوصية إلى عناصر ثلاثة هي الاعتقاد الديني والأرض والتطلعات المشتركة.
فلناحية الاعتقاد الديني، الإسلام يشكل رابطة الأخوّة في العقيدة ويعطي الهوية المشتركة للمجتمع الإيراني، ولكن لما كانت العقيدة عابرة للأوطان وللأمكنة فإن الأرض والتطلعات المشتركة تشكلان رافداً أساسياً لإضفاء معنى على الخصوصية، وهي تتواءم مع المعطيات الحديثة لفكرة السيادة للسلطة المكونة بإرادة الشعب ولرسم حدود الواجبات والحقوق لأفراد المجتمع، مع الاعتراف بسيادة الآخرين على أرضهم. فحين شن النظام العراقي حربه على إيران وجدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مسوغات دفاعها ضد الاعتداء أنه اعتداء ليس على الشعب وحده وإنما على أرض تشكل مجالاً لسيادة الشعب على أرضه.
يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا الصدد "هم البادئين بالحرب، ولو كنا نحن البادئون لكنا سيطرنا على قراهم ثم جاءوا وأخرجونا منها". "إن الذين يهاجمون حدودنا حتى لو كانوا مسلمين فإن الدفاع واجب. إن الدفاع عن أعراض المسلمين وأرواحهم وبلادهم يعدُّ من الواجبات"(19).
و" الإسلام الذي ننادي به لا يسمح لنا بالاعتداء على دولة ما"(20).
أما لناحية التطلعات المشتركة، فهي تمثل الرافد الآخر لتعيين الخصوصية جراء ممارسة الشعب لحقوقه سواء في تشكيل نظامه السياسي أو في إدارته والحفاظ على سيادته. والإمام الخميني قدس سره في هذا الصدد يعدُّ أن من الحقوق الأولية لأي شعب أن يمتلك حق تقرير المصير، وتعيين شكل ونوع الحكومة التي يريدها(21).
وهو بعد تشكيل النظام السياسي مكلف بحسب رؤية الإمام الخميني قدس سره الإشراف على جميع أمور البلاد، إلى جانب الحكومة التي سيتعين عليها عدم الانفصال عن الجماهير(22).
المصادر :
1- مسعود بو فرد، الديمقراطية الدينية، معهد المعارف الحكمية، ص192.
2- الإمام الخميني قدس سره، الحكومة الإسلامية، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني قدس سره، إيران، ص25.
3- المصدر نفسه، ص46.
4- المصدر نفسه، ص47.
5- المصدر نفسه، ص60.
6- المصدر نفسه، ص45.
7- المصدر نفسه، ص72.
8- الإمام الخميني قدس سره، منهجية الثورة الإسلامية، مقتطفات من أفكار الإمام الخميني قدس سره، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني قدس سره، إيران، ص369.
9- المصدر نفسه، ص372.
10- المصدر نفسه، ص372.
11- المصدر نفسه، ص72.
12- نهج البلاغة، الخطبة الشقشقية.
13- النساء: 63.
14- الإمام الخميني قدس سره، الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، ص115.
15- النساء: 58.
16- الإمام الخميني قدس سره، الحكومة الإسلامية، المصدر السابق، ص111.
17- الإمام الخميني قدس سره، منهجية الثورة الإسلامية، مصدر سابق، ص364.
18- د. علي وتوت وآخرون، المواطنة والهوية الوطنية، مؤسسة العارف للمطبوعات، بيروت 2008، ص22.
19- الإمام الخميني قدس سره، منهجية الثورة الإسلامية، مصدر سابق، ص485.
20- المصدر نفسه، ص486.
21- المصدر نفسه، ص362.
22- المصدر نفسه، ص363.