ولاية الفقيه في الدستور الإيراني

استناداً لرؤية الإمام الخميني قدس سره الشريف ، سنتعرض لتجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية و تبيان دلالاتها من خلال مراجعتنا لبنود الدستور الإيراني لما يمثله هذا الدستور من أهمية في معرفة طبيعة عمل السلطة وحدودها واستشراف ما يمكن أن تختزنه هذه البنود من قدرة على تعميم نموذجها وإسقاطه على مجتمعات أخرى قائمة على التنوع في الانتماءات الاجتماعية والثقافية والدينية كلبنان مثلاً، أو استنتاج أن هذه البنود إنما هي مرهونة بخصوصية المجتمع الإيراني في واقعه الاجتماعي والثقافي وفي طبيعة علاقته بالمرجعية الدينية، الأمر الذي يعني أن هذه الخصوصية رغم أنها تبقى رهينة دائرتها الخاصة، إلا أن الالتباس سوف يبقى ماثلاً باعتبار استنادها إلى المرجعية الدينية، وهي عند عموم الشيعة ليست محصورة بدائرة جغرافية معينة. ير أنه قبل محاولة تفكيك هذه الإشكالية لا بد من الولوج في بنود الدستور لمعرفة ما تختزنه من دلالات يمكن أن تعيننا على إبداء وجهة النظر بهذا الشأن.
1- الخصوصية في أبعادها الثقافية
تنطوي مقدمة الدستور في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أهمية بالغة في التعبير عن خصوصية تجربة نجاح الثورة الإسلامية من خلال استخدام الدستور مفردات تعكس هذه الخصوصية من قبيل الشعب، عقائدية الثورية، الركائز الثقافية والاجتماعية وتاريخية النهضة.
فحين توضح المقدمة أن دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية "يعبر عن الركائز الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الإيراني"(1)
يعني أسبقية المجتمع الإيراني بأبعاده المتنوعة على الدستور وعلى نظام الحكم، واعتباره بمثابة البنية التحتية التي تشكل الشروط الضرورية لقيام الدستور الذي تتحدد من خلاله طبيعة السلطة وآليات عملها، إذ لا يمكن لهذا الدستور أن يشكل مزاجاً غريباً عن طبيعة المجتمع، فالسلطة الناشئة من خلال محدداتها الدستورية إذا لم تكن متوائمة مع هذا المزاج، فلا بد، والحال كذلك، من اتصافها بالقهرية وافتقادها لمقومات العدالة ومنطق التوافق العقلي والنفسي مع مقتضيات الواقع، الأمر الذي يجعلها مفتوحة على العديد من الاختلالات الناشئة عن سوء التوافق ويؤذن بعدم استمراريتها وديمومة بقائها.
تفصح المقدمة عن أن "ميزة الثورة بالنسبة إلى سائر النهضات التي قامت في إيران خلال القرن الأخير إنما هي عقائدية الثورة وإسلاميتها" وأن تحققها كان بفعل "الضمير اليقظ للشعب بقيادة المرجع الديني الكبير حضرة آية الله العظمى الإمام الخميني قدس سره"(2).
وبطبيعة الحال إن إسلامية الثورة تقف بمقابل الثورات التي تحمل عناوين أخرى قد تكون غير إسلامية كالاشتراكية أو الرأسمالية أو تلك الممزوجة بين الاشتراكية والإسلام وغيرها من الثورات.
في حين أن عقائديتها تحيل إلى خصوصية شيعية لجهة الاقتناع بدور المرجعية الدينية في قيادة المجتمع وفي الاضطلاع بدور سياسي أساسي في قيادة الدولة.
وبهذا المعنى تشير مقدمة الدستور بوضوح إلى إسلامية الثورة وعقائديتها التي أمنت لها شروط النجاح مع الإشارة أيضاً إلى "عدم نجاح الثورات السابقة في إيران جراء عدم عقائديتها" ما يعني أن الاعتقاد بمبدأ ولاية الفقيه كخط فكري إسلامي كان الأساس في نجاح هذه التجربة، بمعنى آخر أن هذا الاشتراط هو أساس نجاح التجربة وأن عدم مطابق لعدم قيام تجربة مماثلة
ولما كان هذا الاقتناع قد وصل إلى حد الانسياب العام بين مكونات المجتمع تحققت الدولة الإسلامية بنموذجها القائم على أساس مبدأ ولاية الفقيه.
وعليه فإن تطبيق نموذج الثورة وقيام الدولة وفق مبدأ ولاية الفقيه قد انحكم إلى مسار تاريخي وتواصلية تربوية وإعدادية أوصلت الشعب بغالبيته الساحقة إلى الاقتناع بهذا النموذج، فكانت الثورة وكانت الدولة فالعقيدة وفق هذه الحال سابقة للدولة وليس العكس. والعقائدية هي من مكونات الشعب وليست من مكونات فئة من فئاته.
وبذلك يصبح الاستنتاج أن ولاية الفقيه لا تسقط نموذجها على الشعب، وإنما تطرح خطها الفكري أولاً لتكون المبادرة إلى قيام الدولة مشروطة بشعبيتها، وهو ما يعود إلى الاستنتاج أيضاً أن الطرح الفكري لولاية الفقيه سواء في الدائرة الإسلامية أو الدائرة الشيعية أو المجتمع المتنوع في انتماءاته الدينية كلبنان لا يثير الكثير من الهواجس باعتبار وجوب تحقق الشروط الأخرى وهي اقتناع الشعب بهذا الطرح وليس فئة من فئاته.
وثمة دلالة بارزة في مقدمة الدستور بل وفي سائر بنوده التي جرى فيها استخدام مفردة "الشعب" على أن الدستور حين استخدامه لهذه المفردة إنما يشير إلى خصوصية الشعب الإيراني وهي خصوصية ثقافية، فالدستور هو دستور دولة إسلامية وليس دستور دولة علمانية، والشعب وفق المنطق القرآني يشير إلى خصوصية ثقافية كما تشير إليه الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(3)
وبالتأمل في المادة الأولى من الدستور نجد ما يشير إلى رسم ملامح الشعب الإيراني في مميزاته الثقافية التي يتشارك فيها مع عموم المسلمين ويتمايز بدائرته الخاصة المتحكمة إلى طبيعة اعتقاده بقيادة المرجعية الدينية.
تقول هذه المادة "نظام الحكم في إيران هو الجمهورية الإسلامية التي صوت عليها الشعب الإيراني بالإيجاب بأكثرية 98.2% ممن كان لهم حق التصويت... ولقد شارك هذا الشعب في الاستفتاء العام انطلاقاً من إيمانه بحكومة القرآن العادلة الحقة، وذلك بعد ثورته الإسلامية المظفرة بقيادة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الإمام الخميني قدس سره"(4)
2- علاقة الفقيه بالدستور
تنوعت آراء فقهاء الشيعة حول سلطة وحدود صلاحيات الولي الفقيه. فهناك جماعة من الفقهاء تضمنت آراؤها تحديدات يمكن وصفها بالولاية المحدودة والمقيدة بصلاحية القضاء وفصل الخصومات بين الناس، والإفتاء، والتصرف في أموال القاصرين واليتامى وغيرها ونموذجها الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، والشيخ مرتضى الأنصاري وكاظم الحائري وعدد من الفقهاء الآخرين(5).
في حين يعتبر الإمام الخميني قدس سره هذه الصلاحيات مطلقة وأن ولاية الولي الفقيه هي الولاية نفسها التي أعطاها الله إلى النبي محمد والأئمة المعصومين، فللولي الفقيه استنباط الأحكام العامة غير المحصورة بالأمور الحسبية (أموال اليتامى والقصّر) وتنفيذ الأحكام الشرعية وتشكيل الحكومة، وهو ما يطرح التساؤل حول حدود سلطة الولي الفقيه في دائرة الدولة الإسلامية وخارجها.
لأن ذلك يفيد في معرفة ما إذا كانت تعني الولاية المطلقة نفياً لاعتبارات الوجود المؤسساتي للدولة الإسلامية ولاعتبارات الزمان والمكان، ولإمكان وجود حدود لصلاحيات أخرى في عرض صلاحية الولي الفقيه.
فحكومة الولي الفقيه بحسب الإمام الخميني قدس سره هي حكومة دستورية بمعنى أنها رغم إطلاقيتها فهي مقيدة بقيود دستورية في تشكلها وآليات تعيين الفقيه وحدود صلاحياته وحتى زوال هذه الصلاحيات.
ألف- في تعيين الولي الفقيه
الولي الفقيه بحسب الإمام الخميني قدس سره في ولايته المطلقة له ما للإمام المعصوم، ولكن الفقيه بنظر الإمام ليس معصوماً وليس منصباً بالتعيين كما هو حال الأئمة المعصومين بحسب آراء الشيعة الإمامية، لأن الفقيه حين يضطلع بمنصب إدارة وقيادة الحكومة الإسلامية إنما يتبوأ هذا المنصب انطلاقاً من شروط ذاتية وأخرى موضوعية لاضطلاعه بهذا الشأن.
الشروط الذاتية هي بمثابة الاستعدادات والممكنات اللازمة شرطاً للولي الفقيه، كالكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه، والعدالة والتقوى، والكفاءة الاجتماعية والإدارية، والقدرة على القيادة والرؤية السياسية الصحيحة. وعند تعدد من تتوفر فيهم الشروط المذكورة يفضّل منهم من كان حائزاً على رؤية فقهية وسياسية أقوى من غيره(5).
في حين أن الشروط الموضوعية تتضح في نصوص الدستور من خلال الاعتراف الشعبي، أو التعيين من مثل الخبراء الذين أوكل لهم الدستور في الجمهورية الإسلامية الإيرانية مهمة تعيين الولي الفقيه بعد الاطلاع على الشروط الذاتية.
تقول المادة السابعة بعد المئة: بعد المرجع المعظم والقائد الكبير للثورة الإسلامية ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية سماحة الإمام الخميني قدس سره، الذي اعترفت الأكثرية الساحقة للناس بمرجعيته وقيادته، توكل مهمة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين، ويقوم هؤلاء بدراسة حال كل الفقهاء الجامعين للشرائط... ينتخبون أحد هؤلاء ويعلنونه قائداً. ويتمتع هذا القائد بولاية الأمر ويتحمل كل المسؤوليات الناشئة عن ذلك. ويتساوى القائد مع كل أفراد البلاد أمام القانون(6)
وبهذا المعنى فإن الدستور يفصح بوضوح عن دور الشروط الموضوعية وهي التعيين المباشر للإمام الخميني قدس سره في قيادة الجمهورية الإسلامية بشكل مباشر من قبل الشعب وحدد آليات انتقال هذه القيادة لغيره من قبل الخبراء بشكل غير مباشر من الشعب بوصفهم منتخبين من قبله، ما يعني أن للشعب دوراً بارزاً في تعيين من تتوفر فيه صفات القيادة لإدارة البلاد وبالتالي صلاحية عزله "عند عجز القائد عن إدارة وظائفه أو فقدانه لأحد الشروط المذكورة في المادة التاسعة بعد المئة"(7).
ب- حدود صلاحيات الولي الفقيه
في معرض بيان صلاحيات الولي الفقيه يصرّح الإمام الخميني قدس سره في كتابه الحكومة الإسلامية بأن الحاكم الفقيه "يملك من الإدارة والرعاية السياسية للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين علي..."(8).
هذه الصلاحيات إنما هي في معرض التنظير لولاية الفقيه المطلقة مقابل العلماء الشيعة القائلين بمحدوديتها وعدم مطاولتها الشؤون الإدارية والسياسية. وليس من المعتقد أن الإمام الخميني قدس سره عنى بذلك شمولية سلطته في تفاصيل كثيرة هي من مهمات الأمة، ويتضح هذا الأمر من خلال كلام الإمام الخميني قدس سره في صحيفة النور، فإذ يجد الإمام ضرورة التزام الفقيه بالقانون الذي يسري على الفقيه كما عامة الشعب يعود إلى تحديد صلاحيات هذا الفقيه حين إقامة الحكومة الإسلامية فهو يقول "إن الفقيه ليس حاكماً بل هو مراقب ومشرف على حسن سير السلطة ومدى التزامها بالقانون"(9).
ولكن إذا ما طالعنا نصوص الدستور سنجد تحديداً لهذه الصلاحيات التي ربما أرستها ضرورة العبور نحو الدولة وما يفرضه قيامها من تعقيدات تستوجب تدخل الولي الفقيه.
غير أن هذه التحديدات لا تختلف عما رسمه الدستور من صلاحيات لمؤسسات سياسية أخرى داخل نظام الحكم الإسلامي على غرار السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهي تحديدات تعبر عن التمايز الوظيفي لكل مواقع قيادة وإدارة البلاد. وموقع القيادة للولي الفقيه هو واحد من هذه المواقع، ويتمايز عنها بتمايز السلطات عن بعضها عن بعض في حدود صلاحياتها والقواعد التي تحكمها في نطاق عملها الذي لا يتجاوز هذه الحدود المرسّمة في الدستور.
وبالعودة إلى صلاحيات القائد الولي الفقيه نجدأن الدستور قد حددها في إحدى عشرة وظيفة بينها:
"تعيين السياسات العامة لنظام الجمهورية الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص المصلحة"، بمعنى أن السياسات العامة لا ينفرد بها القائد الولي الفقيه وحده، "الإشراف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام" وهذه السياسات لم يقررها الولي الفقيه وحده.
"إصدار الأمر بالاستفتاء العام" ما يعني أن هناك سلطة للرأي العام لا بد من الأخذ بنتائجها. وقد سبق العمل بهذا الاستفتاء حين قيام الجمهورية الإسلامية التي صوت الشعب لقيامها.
"القيادة العامة للقوات المسلحة" وقد تحددت وظيفة السلطات المسلحة بالدفاع عن البلاد وحماية الثورة، و"إعلان الحرب والسلام والنفير العام".
وللإمام الخميني قدس سره رأي فقهي في الحرب التي يعلنها الولي الفقيه وهي حرب دفاعية إذ ليس للولي الفقيه صلاحية إعلان الجهاد الابتدائي وهو متروك بحسب رأيه للإمام المعصوم(10)، "حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلّها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام" و "إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه، وعزله مع ملاحظة مصالح البلاد بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن وظائفه القانونية أو بعد رأي مجلس الشورى بعدم كفاءته السياسية"
والمتأمل في هذه الصلاحيات المحددة في الدستور للولي الفقيه كقائد للنظام الإسلامي يجدها لا تختلف عن الكثير من صلاحيات رؤساء الدول في العالم المتقدم في النظم العريقة في الديمقراطية، بل تقل عما في العديد من دول العالم الثالث. (11)
المصادر :
1- انظر مقدمة الدستور الإيراني.
2- انظر مقدمة الدستور الإيراني.
3- الحجرات: 13.
4- دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المادة الأولى.
5- محمد مصطفوي، نظريات الحكم والدولة، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، د-ت، ص236.
6- انظر المادة 109 من الدستور الإيراني
7- أنظر الدستور الإيراني
8- المصدر نفسه.
9- الحكومة الإسلامية
10- مسعود بو فرد، الديمقراطية الدينية، مصدر سابق، ص232.
11- راجع كتاب تحرير الوسيلة للإمام الخميني قدس سره، باب الجهاد.