الولاية والخلافة


تکررت کلمة الولاية علی لسان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ): "وخليفتي من بعدي" ولا يمكن لأحد أن يدّعي أن هذه العبارة قد اخترعها عبدالله بن سبأ - بعد أن ثبت عدم صحة نسبة القول بالوصية إليه- فلفظة الخليفة والولي قد تكررت على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان المقصود بها علي ابن أبي طالب عليه السلام لا غيره، وقد اعترف حفّاظ الجمهور ومحدّثوهم بذلك، وأخرجوا أحاديث صحيحة - حسب متبنياتهم - في هذا الشأن، فقد أخرج أبو داود الطيالسي قال: حدثنا عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس; أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: "أنت ولي كل مؤمن من بعدي"(1).
وأخرج ابن عبدالبرّ هذا الحديث بنفس الإسناد وقال: هذا إسناد لا مطعن فيه لأحد لصحته وثقة نقلته(2).
وأخرج ابن أبي شيبة الحديث من طريق آخر، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثني يزيد الرشك، عن مطرف، عن عمران ابن حصين، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) سرية، واستعمل عليهم علياً، فصنع علي شيئاً أنكروه، فتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعلموه، وكانوا إذا قدموا من سفر بدأوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسلموا عليه ونظروا إليه، ثم ينصرفون الى رحالهم. قال: فلما قدمت السرية سلّموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله، ألم تر أن علياً صنع كذا وكذا! فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُعرف في وجهه الغضب، فقال: "ما تريدون من علي! ما تريدون من علي! علي مني وأنا من علي، وعلي ولي كل مؤمن بعدي"(3).
كما أخرجه أحمد بن حنبل بنفس الإسناد، وفيه: "دعوا علياً، دعوا علياً، إن علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي"(4).
وأخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث جعفر بن سليمان(5).
وأخرجه النسائي بالإسناد نفسه(6).
كما وأخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي(7).
والطبري، كما في كنز العمال(8).
وأخرجه إبن حبان(9).
كما وأخرجه الطبراني(10).
والحاكم في مستدركه(11).
وأخرج الخطيب البغدادي الحديث بطريق آخر ولفظه، قال: أخبرنا أبو محمد عبدالله بن علي بن عياض بن أبي عقيل القاضي - بصور - أخبرنا محمد بن أحمد بن جميع الغساني، أخبرنا أبو عبدالله بن مخلد العطاء -ببغداد - حدثنا أحمد بن غالب بن الأجلح بن عبدالسلام - أبو العباس -، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس، حدثنا عيسى بن عبدالله بن عمر بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "سألت الله فيك خمساً، فأعطاني أربعاً ومنعني واحدة، سألته فأعطاني فيك. إنك أوّل من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، وأنت معي معك لواء الحمد وأنت تحمله، وأعطاني أنك ولي المؤمنين من بعدي"(12).
وأخرجه الحافظ ابن عساكر(13).
والحافظ ابن الأثير(14).
والمتقي الهندي، وفيه: "علي مني وأنا من علي، وعلي ولي كل مؤمن بعدي"(15).
والملاحظ أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يستثن أحداً من ولاية علي بن أبي طالب عليه، حيث عبّر عن ذلك بقوله: "وعلي ولي كل مؤمن بعدي"، وهذا يستلزم دخول جميع الصحابة في ذلك بما فيهم الخلفاء السابقون له، إلاّ أن الجمهور قد تأوّل لفظة الولي، كما سبق وعرضنا في الكلام على حديث الغدير، كما تأوّلوا لفظة الخليفة بأنها تعني الخلافة على الأهل.

الولاية مرة اُخرى

إن مسألة التأويل للنصوص التي يصعب دفعها كانت إحدى الوسائل التي لجأ إليها الجمهور، للتخلص من التساؤلات التي تثيرها بعض الروايات الصحيحة التي لا يمكن الطعن في أسانيدها، إلاّ أن الاُسلوب الذي لجأ إليه الوضّاعون في مقابلة النصوص بنصوص اُخرى تصرف الذهن عن المعاني الحقيقة لها، كانت هي الوسيلة الأقوى والأنجع لمعالجة هذا الإشكال ودفعه، وقد وجد بعض الحفّاظ والمحدّثين في الركون الى هذه النصوص الموضوعة خير وسيلة للتخلص من الحرج.
ومن الأمثلة التي نوردها على هذه المسألة، ما ذكره المفسّرون والحفّاظ والمحدثون في سبب نزول قوله تعالى: (يا أَيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ ما اُنزِلِ إليكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالتهُ واللهُ يَعصِمكَ مِنَ النّاسِ)(16)
فقد تضاربت الأقوال فيها، بشكل يبعث على العجب عندما يُعرف السبب، فقد ربط ابن كثير سبب نزول هذه الآية، بآية الانذار المتقدم ذكرها، ولا أدري ما المناسبة في ربطهما؟! فان آية الانذار نزلت في السنة الثالثة من البعثة، بينما آية التبليغ هذه هي من سورة المائدة، والتي تذهب معظم الأقوال الى أنها آخر، أو من أواخر ما نزل من القرآن، في حجة الوداع أو بعدها. إلاّ أن ابن كثير - وبعد أن يروي- عن جابر بن عبدالله، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج، بعث معه أبو طالب من يكلؤه، حتى نزلت (والله يعصمك من الناس) فذهب ليبعث معه، فقال: "يا عم، إن الله قد عصمني، لا حاجة لي إلى من تبعث". قال ابن كثير: وهذا حديث غريب، وفيه نكارة، فان هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية... (ثم يروي عن عكرمة عن ابن عباس)، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُحرس، فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت عليه هذه الآية: (يا أيها الرسول بلّغ...)، قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: "إن الله قد عصمني من الجن والانس..."، وهذا أيضاً حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية، بل هي من أواخر ما نزل بها والله أعلم(17)..
ثم يورد ابن كثير عدداً آخر من الروايات، عن كعب القرظي، وجابر بن عبدالله، وأبي هريرة، وجعدة، وغيرهم في سبب نزول هذه الآية، ولكنه يعرض عن روايات اُخرى أخرجها الحفاظ والمفسّرون في سبب نزولها.
أما الفخر الرازي، فيقول: ذكر المفسّرون في سبب نزول الآية وجوهاً:
الأوّل: أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص، على ما تقدّم في قصة اليهود.
الثاني: نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين، والنبي سكت عنه، فنزلت هذه الآية.
والثالث: لما نزلت آية التخيير، وهو قوله: (يا أَيُّها النَّبيُّ قُلْ لأَزواجِكَ)(18).
فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا، فنزلت.
الرابع: نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش. قالت عائشة: من زعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتم شيئاً من الوحي، فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول: (يا أيها الرسول بلّغ). ولو كتم رسول الله شيئاً من الوحي، لكتم قوله: (وَتَخفي في نفسكَ ما اللهُ مُبديهِ)(19).
الخامس: نزلت في الجهاد، فان المنافقين كانوا يكرهونه، فكان يمسك أحياناً عن حثّهم على الجهاد.
السادس: لما نزل قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الذينَ يَدعونَ مِنْ دونِ اللهِ فَيسبُّوا اللهَ عَدْواً بِغيرِ عِلم)(20)
سكت الرسول عن عيب آلهتهم، فنزلت الآية وقال: (بلّغ)، يعني معايب آلهتهم ولا تخفها عنهم، والله يعصمك منهم.
السابع: نزلت في حقوق المسلمين، وذلك لأنه قال في حجة الوداع -لما بيّن الشرائع والمناسك- "هل بلّغت"؟ قالوا: نعم. قال عليه الصلاة والسلام: "اللهم فاشهد"!
الثامن: روي أنه (صلى الله عليه وآله) نزل تحت شجرة في بعض أسفاره، وعلّق سيفه عليها، فأتاه أعرابي وهو نائم، فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمّد، من يمنعك مني؟ فقال: "الله"، فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله هذه الآية، وبيّن أنه يعصمه من الناس.
التاسع: كان يهاب قريشاً واليهود والنصارى، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية!
العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب (عليه السلام)! ولما نزلت هذه الآية، أخذ بيده وقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه"، فلقيه عمر(رضي الله عنه) فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وهو قول ابن عباس، والبراء بن عازب، ومحمد بن علي!
واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت، إلاّ أن الأولى حملها على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره باظهار التبليغ من غير مبالاة بهم، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير، وما بعدها بكثير، لما كان كلاماً مع اليهود والنصارى، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها!(21).
إن إعراض ابن كثير عن بعض الروايات، وإيراده الروايات التي قوبل بها النص الحقيقي في سبب نزول الآية أمر مفهوم، أما ترجيح الفخر الرازي للاحتمال الذي ذكره في سبب نزولها، فهو أمر يبعث على الاستغراب حقاً، فان الآية قد نزلت في العام الحادي عشر للهجرة، أي بعد أن قضى النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثاً وعشرين سنة في التبليغ والجهاد باللسان والسّنان، لا يخاف في الله لومة لائم، يعود بعد كل ذلك فينتابه القلق والخوف، وممن؟ من اليهود والنصارى، وبعد أن قضى على رجالهم وغنم أموالهم وطردهم من بلادهم، وقضى على شوكتهم نهائياً بعد خيبر، فهل يعقل أن يخشاهم النبي بعد كل ذلك؟! كما وأن هناك روايات تقول بأن النبي قد مات مسموماً من شاة قدّمتها له إمرأة يهودية، فأين العصمة من اليهود إذاً، إن صحّ ادعاء الرازي؟!.

السبب الحقيقي لنزول الآية

لا يخفى على الباحث المنصف، أن ذكر هذه الأسباب الكثيرة لنزول الآية، ماهو إلاّ عملية تمويه من أجل إخفاء السبب الحقيقي لذلك، وقد ذكره الأئمة الحفّاظ والمفسّرون في كتبهم، فقد قال الواحدي: قوله تعالى (يا أيُّها الرّسولُ بلّغ...) الآية.
عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية (يا أيها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك) يوم غدير خُم، في علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)!(22).
وعن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا أيُّها الرَّسولُ بلّغ ما اُنزلَ إليكَ مِنْ رَبّكَ - أن علياً ولي المؤمنين- وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغتَ رِسالتهُ واللهُ يَعصمكَ مِنَ النّاسِ)(23).
وقد كشفت الرواية التي أوردها الحاكم الحسكاني في تفسيره عن وجه المسألة، ودور بني اُمية في إخفاء السبب الحقيقي لنزول الآية، إذ روى عن زياد بن المنذر، قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي، وهو يحدّث الناس، إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له: عثمان الأعشى - كان يروي عن الحسن البصري- فقال له: يابن رسول الله، جعلني الله فداك، إن الحسن يخبرنا أن هذه الآية نزلت بسبب رجل ولا يخبرنا من الرجل: (ياأيُّها الرَّسولُ بلّغ...)الآية.
فقال: لو أراد أن يخبر به لأخبر به، ولكنه يخاف! إن جبرئيل هبط على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: إن الله يأمرك أن تدل اُمتك على صلاتهم، فدلّهم عليها، ثم هبط فقال: إن الله يأمرك أن تدل اُمتك على وليّهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم، ليلزمهم الحجة من جميع ذلك، فقال رسول الله: "يا رب إن قومي قريبو عهد بالجاهلية وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلاّ وقد وتره وليّهم وإني أخاف. فأنزل الله تعالى: (يا أيُّها الرسول بلّغ ما اُنزلَ إليّكَ من رَبّكَ وَإنْ لمْ تَفعلْ فما بلّغتَ رسالته -يريد فما بلغتها تامة- واللهُ يَعصمكَ منَ الناسِ) فلما ضمن الله له بالعصمة وخوّفه، أخذ بيد علي بن أبي طالب، ثم قال: "يا أيها الناس، من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه".
كما وأورد الحسكاني روايات اُخرى عن أبي هريرة وابن عباس وعبدالله بن أبي أوفى في نفس المعنى(24).
إن هذه النصوص، ونصوص اُخرى تدل على أن الاُمور قد سارت على غير الشاكلة التي تعودنا على مطالعتها منذ نعومة أظفارنا، فالقول بعدم وجود نص قد فقد مصداقيته تماماً، ولكن تبقى مسألة التأويل هي المشكلة، فالاعتراف بدلالة هذه النصوص أمر لا يقبله الجمهور، لأن في ذلك قلباً لكل الأحداث التي وقعت بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واعترافاً بعدم شرعية كل ما درج الجمهور على تقديسه في شأن الخلافة، واتهاماً للصحابة بمخالفة النص النبوي، وفوق هذا وذاك، فكيف نفسّر الروايات التي يوردها الجمهور على لسان علي بن أبي طالب في تفضيل الشيخين عليه، وتهديده باقامة حدّ الافتراء على من يفضله عليهما! إن هذا يستدعي عودة الى الوراء قليلا...
المصادر :
1- مسند الطيالسي: 360 رقم 2752.
2- الاستيعاب 3: 1091.
3- المصنف 12: 80.
4- المسند 4: 438، 5: 356.
5- جامع الترمذي 5: 632.
6- الخصائص: 109.
7- مسند أبي يعلى 1: 293 رقم 355، وقال محققه: رجاله رجال الصحيح.
8- كنز العمال 13: 42 وقال (ش وابن جرير وصححه).
9- الرياض النضرة للمحب الطبري 3: 129.
10- المعجم الكبير 18: 128 - 129، والأوسط 5: 425.
11- المستدرك على الصحيحين 3: 110.
12- تاريخ بغداد 4: 339.
13- تاريخ دمشق 42: 102.
14- اُسد الغابة 3: 604.
15- كنز العمال 11: 608 وقال (ش عن عمران بن حصين، صحيح).
16- المائدة: 67.
17- تفسير القرآن العظيم 2: 81.
18- الأحزاب: 28.
19- الأحزاب: 37.
20- الأنعام: 108.
21- التفسير الكبير 12: 49.
22- أسباب نزول القرآن: 204، الدر المنثور 3: 117، تاريخ دمشق 42: 237، عمدة القاري 18: 206، فتح القدير للشوكاني
23- الدر المنثور 3: 117، فتح القدير 2: 60 كلاهما عن ابن مردويه
24- شواهد التنزيل 1: 187.