المعارضون للبيعة


قال ابن عباس: رايت عمر بن الخطاب، مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشيّة مقالة لم يقلها منذ استخلف! فأنكر عليَّ وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقله قبله؟ فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون، قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فاني قائل لكم مقالة قد قُدّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا اُحلّ لأحد أن يكذب عليَّ، إن الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنّا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو أن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ألا إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "لا تُطروني كما اُطري عيسى بن مريم، وقولوا عبدالله ورسوله"، ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعتُ فلاناً، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمّت، ألا إنها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرّها، وليس منكم من تُقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايَع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يُقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه (صلى الله عليه وآله)، إلاّ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليٌّ والزبير ومن معهما! واجتمع المهاجرون الى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا الى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالى عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فاذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة. فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلا تشهّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفّت دافّة من قومكم، فاذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن اقدّمها بين يدي ابي بكر، وكنت اُواري منه بعض الحد. فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن اُغضبه، فتكلّم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن اُقدّم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلاّ أن تسوِّل إليّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكَّك، وعُذيقها المرجَّب، منّا أمير ومنكم أمير، يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقتُ من الاختلاف، فقلت: اُبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يُقتلا(1).
وجدنا في الرواية اعترافاً من عمر بن الخطاب بأن علياً والزبير ونفراً آخرين لم يسمِّهم قد تخلفوا عن بيعة أبي بكر وأحداث السقيفة في بيت فاطمة. وقد نقل ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبدالعزير الجوهري- بعد أن وصفه بأنه من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين(2)، وأن ما أورده متفق مع ما ذكره المحدّثون وأرباب السيرة- قال:
وكثر الناس على أبي بكر، فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم، واجتمعت بنو هاشم الى بيت علي بن أبي طالب ومعهم الزبير -وكان يعدّ نفسه رجلا من بني هاشم، كان علي يقول: ما زال الزبير منّا أهل البيت، حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا-، واجتمعت بنو أُمية الى عثمان بن عفان، واجتمعت بنو زهرة الى سعد وعبدالرحمان، فأقبل عمر إليهم وأبو عبيدة فقال: مالي أراكم متثاقلين؟ قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايع له الناس وبايعه الأنصار، فقام عثمان ومن معه، وقام سعد وعبدالرحمان ومن معهما، فبايعوا أبا بكر.
وذهب عمر ومعه عصابة الى بيت فاطمة، منهم أُسيد بن حضير، وسلمة بن أسلم، فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه، وخرج إليهم الزبير بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب! فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار(3).
ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم، وعلي يقول: أنا عبدالله وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى انتهوا به الى أبي بكر، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا اُبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلاّ فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون.
فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع. فقال له علي: احلب يا عمر حلباً لك شطره! اشدد له اليوم أمره ليردّه عليك غداً! ألا والله لا أقبل قولك ولا اُبايعه! فقال له أبو بكر: فان لم تبايعني لم اُكرهك. فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن، إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالاُمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك، وأشدّ احتمالا له، واضطلاعاً به، فسلّم له هذا الأمر وارض به، فانك إن تعش ويُطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلك وقرابتك، وسابقتك وجهادك.
فقال علي: يا معشر المهاجرين، الله الله! لا تُخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان منّا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنّة، المضطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحق بعداً!
فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا.
وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع(4).
فادعاء ابن كثير بمبادرة علي الى بيعة أبي بكر، تناقضه هذه الأخبار، وأخبار اُخرى بروايات عن المحدّثين، فقد أخرج جمع من المحدّثين والمؤرخين أن علياً لم يبايع أبا بكر حتى توفيت فاطمة، قالوا -واللفظ للبخاري ضمن رواية سنوا فيك بتمامها فيما بعد-: وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر... الخ(5).
عليّ قبل البيعة وبعدها
إن السؤال المتبادر الى الذهن هو: ماذا كان يفعل علي بن أبي طالب طيلة هذه الأشهر التي سبقت البيعة؟ هل كان جالساً في بيته ساكتاً على ما يجري دون أن يحرك ساكناً، هل اقتنع بأنه قد دُفع عن الخلافة فغسل يده منها وكفّ عن المطالبة بها؟
قال ابن أبي الحديد نقلا عن الجوهري: إن علياً حمل فاطمة على حمار، وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصرة، وتسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به. فقال علي: أكنت أترك رسول الله ميتاً في بيته لا اُجهزه، وأخرج الى الناس اُنازعهم في سلطانه!
وقالت فاطمة: ما صنع أبو حسن إلاّ ما كان ينبغي له، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه(6).
وقد تهكّم معاوية على علي بن أبي طالب في هذا الأمر، وقال له في كتاب بعثه إليه: وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين، يوم بويع أبو بكر الصدّيق، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتهم الى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله، فلم يجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقاً لأجابوك، ولكنك ادعيت باطلا، وقلت ما لا تعرف، ورمت ما لايدرك، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حرّكك وهيّجك: لو وجدتُ أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم، فما يوم المسلمين منك بواحد، ولا بغيك على الخلفاء بطريف ولا مستبدع(7).
وكتاب معاوية هذا يثير قضية اُخرى، ويعطي لمحات لما جرى بعد السقيفة.
المصادر :
1- صحيح البخاري 8: 208 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، مسند أحمد 1: 55، تاريخ الطبري 3: 203، البداية والنهاية 5: 245، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 51، تاريخ الإسلام للذهبي عهد الخلفاء الراشدين صفحة 6 وقال: متفق على صحته، سيرة ابن هشام 4: 261، أنساب الاشراف للبلاذري 1: 583، تاريخ اليعقوبى 2: 123، البدء والتاريخ للمقدسي 5: 64، نهاية الأرب للنويري 19: 29، عيون التواريخ للكتبي 1: 485، مناقب عمر لابن الجوزي: 51، الكامل في التاريخ 2: 124 حوادث سنة 11 هـ. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 22.
2- شرح نهج البلاغة 2: 60.
3- في تاريخ الطبري 3: 202 قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه.
4- شرح نهج البلاغة 6: 11، الإمامة والسياسة 1: 28.
5- صحيح البخاري 5: 178 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، صحيح مسلم 3: 1380 كتاب الجهاد والسير، تاريخ الطبري 3: 207 - 208 وفيه: قال معمر: فقال رجل للزهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. البداية والنهاية 5: 201 باب بيان أنه (ع) قال: لا نورث.
6- شرح نهج البلاغة 6: 13، الامامة والسياسة 1: 29 - 30.
7- شرح نهج البلاغة 6: 47.