التوبة


إنَّ أفضل طريق للتزكية هو عدم التلوّث بالمعصية من أساس، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "ترك الذنب أهون من طلب التوبة" .(1)
لكن لو فرضنا أنَّ الإنسان ابتلي بالمعصية، فيجب ألّا ييأس من رحمة الله تعالى، لأنَّه قد فتح لعباده باب التوبة، فالتوبة: هي من المهذِّبات للنفس، وهي الوسيلة لغسل النفس من قذارات الذنوب، وهي عبارة عن وسيلة جعلها الله سبحانه برحمته لعباده الخطّائين سبيلاً للتخلّص من تبعات أعمالهم السيّئة يوم الحساب وهي عبر التصميم على اجتناب الذنوب والمعاصي، والندم عليها مع الحذر الشديد من الشيطان واغراءاته، الذي يدعونا باستمرار للإستهانة بالمحرَّمات والمعاصي والعودة إليها، وقد شجَّع الإسلام على التوبة، وحذَّر من اليأس من رَوْح الله سبحانه الذي هو من كبائر الذنوب التي توجب غضب الله تعالى وعقابه، بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .(2)

فلسفة التوبة

إنَّ الذي عصى في هذه الدنيا وتحدَّى إرادة الله سبحانه، يكون قد ابتعد عن مقام الإنسانيّة واقترب من مقام الحيوانيّّة، وعندئذٍ يحرم هذا الإنسان من بركات القرب من الله في الجنّة، ولا يبقى أمامه سوى التوبة والاستغفار، والذي أمر بالتوبة هو الذي يقبل التوبة، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .

ضرورة التوبة

إذا كنَّا ندرك تلك الآثار الخطيرة للذنوب في الدنيا والآخرة، كأن تنزل النقم وتحبس النعم وتمنع الرزق وتجرّنا إلى العذاب الأليم، فإنَّ العاقل المؤمن بالمعاد وبربِّ العباد، لا بدّ أن يبادر إلى إعلان توبته، وتطهير نفسه حتّى لا يكون محروماً في الدنيا وشقيّاً في الآخرة، وإنَّ التوبة من الذنوب تؤدّي إلى تطهير القلوب.
عن أبي جعفر عليه السلام: "ما من عبدٍ إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطىّ البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً وهو قول الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه" .(3)

حقيقة التوبة وشروطها

إنَّ الندم على الذنب هو توبة، لكن المقصود هو الندم الحقيقيّ، الذي يكون له آثاره ونتائجه على المستوى العمليّ، قد يتصوّر البعض أنَّ مجرَّد قوله "تبت إلى الله" أو "أستغفر الله" يكفي لتحقّق التوبة، وهو غير صحيح لأنَّ التوبة لها شروط لا تتحقَّق إلّا بها وهي:
1- أن يشعر بالنفور من ذنبه وتغلِبه الحسرة عليه.
2- أن يصمِّم على عدم العودة إلى الذنب مجدَّداً.
3- أن يسعى لجبران ما أمكن جبرانه، كأن يؤدّي حقَّ أحد من الناس كان قد غصبه حقَّه، أو أن يطلب المسامحة ممّن استغابه، أو أن يُرضي من ظلمه، أو أن يقضي ما فاته من فرائض وواجبات، كالصلاة والصوم، وهكذا..
قال الإمام عليّ عليه السلام بعد أن سمع رجلاً يقول استغفر الله: "ثكلتك أمُّك، أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان، أوّلها: الندم على ما مضى, والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً, والثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقّهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة, والرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيَّعتها فتؤدّي حقّها, والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان، حتّى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد, والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: استغفر الله" .

الأمور التي يجب التوبة منها

يجب على الإنسان أن يتوب من كلّ ما يحول بينه وبين السير والسلوك إلى الله تعالى، يجعله متعلّقاً بالدنيا، ويمكن تقسيم الذنوب التي يجب أن نتوب منها إلى قسمين: أخلاقيَّة وعمليَّة:
1- الذنوب الأخلاقيّة: والمراد بها الأخلاق السيّئة والصفات القبيحة، التي تلوّث النفس وتجعل الحجب بينها وبين الله تعالى، كالرياء، والنفاق، والغضب، والتكبّر، والعجب، والمكر، والخداع، والغيبة، والبهتان، والكذب، وخلف الوعد، وعقوق الوالدين، وقطع الرحم، وحب الدنيا، واليأس من روح الله، والأمن من مكره سبحانه، والحسد، وسوء الظنِّ، وغير ذلك من الصفات السيّئة.
2- الذنوب العمليَّة: وهي كلّ الذنوب التي ترتبط بالأعمال كالسرقة، وقتل النفس، والزنا، والتعامل بالربا، وغصب أموال الناس، والتبذير والإسراف، والفحش، والسباب، وتتبّع عيوب الناس، واحتقار المؤمن وإذلاله، والغشّ في المعاملة، والفرار من الجهاد، وخيانة الأمانة، وشرب الخمر، وترك الصلاة والصيام والحجّ والخمس، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكل الطعام النجس وغير ذلك من المحرّمات.

ثمار التوبة

للتوبة ثمار جليلة في الدنيا وفي الآخرة أهمّها:
1- تكفير السيّئات ودخول الجنّة: إنَّ التوبة تؤدّي إلى إزالة سيّئات الإنسان من صحيفة أعماله، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ .
2- محبّة الله: إنَّ التائب الحقيقيّ سوف يحصل على محبّة الله تعالى وينال رضاه، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ .
3- الستر: إنَّ توبة العبد تؤدّي إلى الستر عليه، فيأتي يوم القيامة لا يُدرى بذنبه، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إذا تاب العبد توبةً نصوحاً أحبَّه الله فسترَ عليه، فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه، ويوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه، فيلقى الله عزَّ وجلَّ حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب" .

الخلاصة

- أفضل سبيل للتزكية عدم المعصية.
- فلسفة التوبة أنّها تفتح باباً للرحمة والقرب من الله سبحانه.
- حقيقة التوبة الندم الذي يستلزم ترك الذنب وتأدية الحقوق.
- من يدرك خطورة الذنب لا بدّ أن يقدم على التوبة.
- ما يجب التوبة منه ليس فقط الذنوب العمليّة كالسرقة وقتل النفس والزنا. بل أيضاً الذنوب الأخلاقيّة والرياء والنفاق والغضب.
- للتوبة ثمار كثيرة، منها تكفير السيّئات وتبديلها إلى حسنات ومحبّة الله والستر و..

مالك بن دينار

جاء في (تفسير روح البيان) عن مالك بن دينار، أنَّه سُئل عن سبب توبته وتوجّهه إلى الله عزَّ وجلّ، فأجاب:
"كنت في مطلع العمر قاسياً، شارباً للخمرة، وكانت لديَّ جارية قد تعلَّقت بها، ورزقني الله منها ابنة، وكانت محبَّتها تزداد في قلبي يوماً بعد يوم، ولمّا أصبحت قادرة على المشي كانت محبَّتها قد بلغت عندي مبلغاً كبيراً، وكانت تألفني وتأنس بي كثيراً، كما كنت أبادلها الألفة والأنس.
كانت كلّما تناولتُ كأس الشراب أخذتها من يدي وسكبت ما فيها على ثيابي, ولمّا بلغت عامين من عمرها ماتت، فملأت قلبي الغصص المرَّة على فقدها، ولم أستقرّ من يومها على حال.
وفي ليلة جمعة من ليالي شعبان، تناولت الشراب ونمت دون أن أصلّي العشاء، فرأيت فيما يراه النائم أنَّ أهل القبور خرجوا من قبورهم، وحشروا جميعاً وأنا معهم. وفجأةً سمعت من ورائي صوتاً، وحين استدرت رأيت أفعى سوداء كبيرة، لا يمكن تصوّر ما هو أكبر منها، وكانت تتّجه نحوي بسرعة وفمها مفتوح، أصابني الهلع والخوف، فانطلقت هارباً، لكنّها اندفعت خلفي بسرعة كبيرة.
لقيت في طريقي شيخاً مسنّاً حسن الوجه والرائحة، حيّيته فردَّ تحيّتي، رجوته أن يغيثني ويحميني، فأجاب: يؤسفني أنّي لا أقدر على شيء أمام هذه الأفعى، فاذهب من هنا بسرعة، لعلّ الله يهيّىء لك أسباب النجاة.
فعدت إلى الهرب بسرعة، حتّى بلغت منزلاً من منازل القيامة، ورأيت من هناك طبقات جهنَّم وأهلها، وكدت من شدّة خوفي من الأفعى أن ألقي بنفسي فيها.
ارتفع صوت حادّ يقول: هيا ارجع، فلست من أهل هذا المكان.
سكن قلبي بعد سماعي لهذا الصوت، وعدت أدراجي، ورأيت أن الأفعى ما زالت تلاحقني، حتّى وصلت إلى ذلك الشيخ، فقلت له: أيّها الشيخ الطيب، لقد رجوتك أن تغيثني فلم تأبه لي, بكى الشيخ وقال: لم أستطع. ولكن اذهب نحو هذا الجبل، ففيه أمانات للمسلمين، فإن كانت لك فيه أمانة فإنَّها ستمدّ لك يد العون.
تطلّعت إلى الجبل فرأيت فيه غرفاً وحجرات قد أسدلت عليها الستائر، وأبوابها من الذهب الأحمر المحلَّى بالدرّ والياقوت، فأسرعت نحو ذلك الجبل، والأفعى في أثري، وما إن اقتربت منه حتّى ارتفع صوت ملائكي يقول:
ارفعوا الستائر وافتحوا الأبواب واخرجوا، فلعلَ لهذا المسكين أمانة بينكم، تغيثه من شرّ الأعداء.
نظرت فرأيت أطفالاً وجوههم تشعّ كالبدور، يخرجون إليَّ، والأفعى أضحت قريبة منّي كذلك، وأنقذني من حيرتي صراخ الأطفال وهم يقولون: عجّل، فالعدوّ قريب منك!
وبدأوا يتوافدون نحوي فوجاً إثر الآخر، وفجأةً رأيت ابنتي التي توفّيت بينهم، فما أن رأتني حتّى صاحت وهي تبكي:
إنَّه أبي والله!
ثمَّ سارعت فأخذت يمناي بيسراها، بينما أشارت بيمناها إلى الأفعى، فاستدارت الأفعى وانطلقت هاربة.
ثمَّ أجلستني وجلست إلى جانبي، وراحت تداعب لحيتي، وقالت:
أي أبه، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ؟ فبكيت. وقلت:أي بنيّة، وهل تحسنين تلاوة القرآن المجيد؟!
قالت: نحن بالقرآن أكثر معرفة منكم يا أبي.
قلت: أخبريني عن هذه الأفعى، ما قصَّتها؟
قالت: إنَّها عملك السيّء يا أبي، فقد كنت تعطيها القوّة، وكانت تريد أن تبعث بك إلى جهنّم.
قلت: وهذا الشيخ المسنّ،من هو؟
قالت: إنّه عملك الحسن، وقد كنت تعمل على إضعافه (أي فاق عملك السيّء عملك الحسن) فلم يستطع مدّ يد العون إليك أمام عملك السيّىء.
قلت: وماذا تعملين يا ابنتي في هذا الجبل؟
قالت: نحن أطفال المسلمين، الذين قدمنا من الدنيا في طور الطفولة إلى هذا المكان، وقد أقرَّنا الله عزَّ وجلّ فيه إلى يوم القيامة، وأعيننا على الطريق الذي يسلكه آباؤنا وأمهاتنا إلينا، فنشفع لهم.
وهنا استيقظت من نومي فزعاً، وتركت شرب الخمرة وغيرها من الذنوب كلِّياً، وتوجّهت إلى الله نادماً تائباً. وهذا هو سبب توبتي".(4)
المصادر :
1- المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 73، ص 364.
2- سورة الزمر، الآية: 53.
3- الكليني، الكافي، ج 2، ص 435.
4- السيد دستغيب، القلب السليم، ج2، ص 18-21.