الجهاد


إنَّ الجهاد لنشر الدين، وإعلاء كلمة التوحيد، ولمواجهة الظلم والفساد، من العبادات التي تبعث على تكامل النفس وتزكيتها، وتوجب القربة من الله تعالى، وقد أكَّد القرآن الكريم كثيراً على الجهاد وأجره ومنزلته عند الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ *يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

منزلة الشهيد

أكَّد القرآن الكريم على فضل الشهداء ومكانتهم وأجرهم ونورهم، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ .
وهاتان الآيتان تبيّن ذلك المقام الشامخ للشهداء، لأنَّ القرآن الكريم لا يصفهم فقط بكونهم أحياء، بل يبيّن أنّ لهم مقام "العنديّة" "عند ربِّهم" حيث يحيون في ذلك المقام، ويأتيهم رزقهم فيه، وينعمون بالأجر الوفير.
إنَّ للشهيد منزلة عظيمة عند الله تعالى، وقد أشارت آيات عديدة وروايات كثيرة إلى منزلته، من قبيل أنَّه تغفر ذنوبه وتكفَّر عنه سيّئاته، ويكون له المقام الرفيع يوم القيامة، ويكون له أجره ونوره.
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "للشهيد سبع خصال من الله:
أوّل قطرة من دمه: مغفور له كلّ ذنب.
والثانية: يقع رأسه في حجر زوجتين من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه وتقولان مرحباً بك، ويقول هو مثل ذلك لهما.
والثالثة: يكسى من كسوة الجنّة.
والرابعة: تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه.
والخامسة: أن يرى منزله.
والسادسة: يقال لروحه اسرحي في الجنّة حيث شئتِ.
والسابعة: أن ينظر في وجه الله وإنّها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد" .

تجارة الجهاد

يشبّه القرآن الكريم القتال في سبيل الله والشهادة بالتجارة مع الله تعالى، إنَّها دعوة للجهاد بأسلوب يبيّن حقيقته، ويشير إلى نتيجته العظيمة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
إنَّها معاملة تجاريّة من أروع المعاملات، الطرف الأوّل هو الله تعالى الغنيّ عن العالمين، الطرف الثاني هم المؤمنون بالله واليوم الآخر، والثمن: هو الجنّة الخالدة والمثمن: هو أنفس المؤمنين وأموالهم، ثمَّ يشير تعالى إلى نتيجة هذه المعاملة: "ذلك هو الفوز العظيم".

أهداف الجهاد

الجهاد في سبيل الله عبادة كسائر العبادات، وله أهداف شخصيّة واجتماعية:
أ- الهدف الشخصيّ: وهو الهدف الأسمى والأساس والذي يشترك فيه كلّ المجاهدين، متى كان هو رضا الله سبحانه وتعالى، فساحة المعركة هي من الأمكنة الخاصّة التي يكون المجاهد فيها قريباً من الله عزّ وجلّ، يقول الإمام الخامنائيّ دام ظله: "ساحة القتال هي ساحة التعبّد، فلا تأثير فيها لأيّ عامل آخر حتّى للعقل، وإذا كنّا ملتفتين إلى هذه المسألة وجعلنا التقوى هدفنا والتحرّك لرضا الله غاية لنا عندها ستتحقّق كلّ أهدافنا".
ب- الهدف الاجتماعيّ: وهو الهدف الذي يراد منه نشر راية الإسلام وإعلاء كلمة الله، والقيام لله بحفظ حدوده وأحكامه وتعاليمه.

الإيثار ميزة الجهاد

إنَّ المجاهد مستعدّ أن يضحّي بأغلى ما لديه في سبيل الوصول إلى هدفه، وهو القرب من الله تعالى والحصول على رضوانه، إنَّ روح المجاهد تضيق بعالم المادّة والماديّات، وهو يترك كلّ ما في عالم الدنيا من مغريات، إنَّه يريد الوصول سريعاً إلى الله تعالى ليصل إلى مقام اللقاء الخالد، فإنّك عندما تتحدّث عن الجهاد في سبيل الله تعالى، تتحدّث عن البذل والعطاء، حيث إنَّ المجاهد يعطي من وقته وحياته وراحته في سبيل الله تعالى، وهذا ما يسمّى بالبذل، ولو اقتضى أن يضحّي المجاهد بأكثر ممّا يبذل لنفسه صار هذا البذل يدعى إيثاراً، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .

الخلاصة

- إنَّ الجهاد عبادة توصل إلى مقام القرب، وتبعث على تزكية النفس.
- للشهيد منزلة كبيرة عند الله تعالى، حيث وصل إلى مقام اللقاء، لقاء الله تعالى، ليبقى عنده ويرزق من رزقه.
- شبَّه القرآن الكريم الجهاد بالتجارة، حيث يبيع المؤمنون أرواحهم ليشتروا الجنّة.
- إنَّ المجاهد له أهداف سامية من جهاده، ولذا ينال المقام الرفيع.
- إنَّ المجاهد يؤثِر عالم البقاء على عالم الفناء، وهو يريد أن يترك الدنيا ليصل إلى آخرته.

الدعاء المستجاب

"اللّهمّ لا تردّني إلى أهلي وارزقني الشهادة"، سمعت هذه الجملة من زوجها عمر بن الجموح، عندما لبس لامة حربِه واتجه ليشترك مع المسلمين، ولأوّل مرّة، في معركة أحد، كانت المرّة الأولى التي يساهم فيها عمرو بن الجموح بالجهاد مع المسلمين، لأنَّه كان أعرجَ. وطبقاً للآية الكريمة ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ فإنَّه كان معذوراً من الجهاد، بالإضافة إلى ذلك، فقد كان له بنون أربعة يشهدون مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المشاهد، ولم يكن يظنّ أحد بأنّ عمرواً مع ما هو عليه من العذر الشرعيّ، يحمل سلاحاً ويلتحق بجيش المسلمين للاشتراك في هذه المعركة.
لهذا السبب أراد قومه أن يمنعوه فقالوا له: أنت رجل أعرج ولا حرج عليك، وقد ذهب بنوك مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أيذهبون إلى الجنّة وأجلس أنا معكم؟ ولمَّا لم يجد بدّاً من التخلّص منهم، ذهب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: يا رسول الله، إنّ قومي يريدون أن يحبسوني عن الجهاد والخروج معك، والله إنِّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنّة.
- أمَّا أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك.
- أنا أعلم يا رسول الله بأنَّ الجهاد غير واجب عليّ، ولكنّي مع ذلك أريد الذهاب.
فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لقومه: لا عليكم أن تمنعوه، لعلّ الله يرزقه الشهادة، فخلّوا عنه.
كان عمرو بن الجموح يحاربُ في الرعيل الأوّل، وهو يعرج في مشيته، وكان يقول: (أنا والله مشتاق إلى الجنّة) وكان ابنه يعدو في أثره حتّى قُتلا، بعد أن حاربا شوقاً للشهادة وزهداً في الحياة، وبعد أن خمدت نار الحربّ الشؤوم، عادت النساء وكانت عائشة مع من عاد منهنّ، وفي الطريق وقع نظرها على هند زوجة عمرو بن الجموح، وهي تقود بعيراً متّجهة جهة المدينة، فسألتها: عندك الخبر فما وراءك؟
خير، أمَّا رسول الله فصالح، وكلّ مصيبة بعده جلل، ردّ الله الذين كفروا بغيظهم.
- مَنْ هؤلاء القتلى؟
- أخي وابني وزوجي.
- إلى أين تذهبين بهم؟
- إلى المدينة لأدفنهم فيها.
قامت هند، وقادت بعيرها نحو المدينة، كان البعير يمشي متثاقلاً نحو المدينة، وأخيراً برك، فقالت عائشة: برك بعيرك لثقل ما حمل.
- لا، ليس لهذا السبب لأنّه قوي جدّاً ولربما حمل ما يحمله البعيران، يجب أن يكون هناك سبب آخر، وزجرته فقام، فلمَّا وجَّهت به إلى المدينة، برك مرّة أخرى، فلمَّا وجَّهته راجعة إلى أُحُد أسرع في مشيه، فما رأت (هند) هذا الوضع العجيب من بعيرها، رجعت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقالت له يا رسول الله، إنّي وضعت جسد أخي وابني وزوجي على البعير، حتى أدفنهم في المدينة ولكن هذا الحيوان لا يقبل بالمسير إلى المدينة، ويتّجه بسرعة إلى أُحُد.
- فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الجمل لمأمور.
هل قال عمرو زوجك شيئاً عندما توجّه إلى أُحُد؟
عندها تذكرت هند وقالت: نعم يا رسول الله، إنّه لما توجّه إلى أُحُد، استقبل القبلة، ثمَّ قال: اللّهمّ لا تردّني إلى أهلي وارزقني الشهادة.
- لذلك لا يمضي الجمل نحو المدينة، إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يرجع هذا الجسد إلى المدينة، ثمَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ منكم يا معشر المسلمين من لو أقسم على الله لاستجاب له ومنهم زوجك عمرو بن الجموح.
بعد ذلك، أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدفنهم في أُحُد فدفنوا، ثمَّ قال لهند: قد ترافقوا في الجنّة جميعاً عمرو بن الجموح بعلك، وخلاد ابنك، وعبد الله أخوك.
- يا رسول الله، ادعُ لي عسى أن يجعلني معهم.
المصدر :
من / قصص الأبرار، مرتضى مطهري، دار التعارف، ص 186