الاثنا عشر خليفة


أن لفظة الخليفة والخلفاء قد جاءت على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان تارة يعني بها علي بن أبي طالب، وتارة ينسبها إلى رواة حديثه من بعده، وقد تبيّن أن هذه اللفظة لا تنطبق على من دأب الجمهور بتسميتهم الخلفاء الراشدين، لأن اُولئك لم يرووا حديث النبي (صلى الله عليه وآله)، بل وقفوا حائلا دون روايته وانتشاره، وبقي الآن أن نتناول حديثاً آخر للنبي (صلى الله عليه وآله)، وردت فيه لفظة (الخليفة)، وهو الحديث الذي تحيّر فيه علماء الجمهور، ولم يعرفوا له مخرجاً يتفق مع عقيدة الجمهور السائدة، ألا وهو حديث الاثنا عشر خليفة من قريش، وسوف اُورد الحديث بألفاظه من مصادره، ثمّ استعرض باختصار آراء علماء الجمهور فيه، وبيان تخبطهم في تفسير معناه.
فعن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: "يكون اثنا عشر أميراً"،
فقال كلمة لم أسمعها; فقال أبي إنه قال: "كلهم من قريش"(1).
وفي لفظ مسلم عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: "إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة"، قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: "كلهم من قريش".
وفي رواية اُخرى عند مسلم: "لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلا"...(2)
وفي لفظ الترمذي: "يكون من بعدي اثنا عشر أميراً"(3).
وعند أبي داود قريب من ذلك أيضاً(4).
وفي لفظ الطبراني: "يكون لهذه الاُمة اثنا عشر قيّماً لا يضرهم من خذلهم"(5).
وقد تحيّر علماء الجمهور في من هم المقصودون بهذا الحديث، أما ابن كثير فيقول: وليسوا بالاثني عشر الذين يدّعون إمامتهم الرافضة.. بل هؤلاء من الائمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث: الأئمة الأربعة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي(رضي الله عنهم)، ومنهم عمر بن عبدالعزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر كما سنذكره بعد إيراد الحديث... (وبعد أن يورد ابن كثير الروايات في هذا الخصوص، ينقل عن البيهقي قوله):
ففي الرواية الاُولى بيان العدد،
وفي الثانية بيان المراد بالعدد،
وفي الثالثة بيان وقوع الهرج، وهو القتل بعدهم، وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبدالملك، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة، كما أخبر في هذه الرواية، ثم ظهر ملك العباسية.. وإنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تركت الصفة المذكورة فيه، أو عدد منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه!
ثمّ ينقل ابن كثير حديث "الخلافة في قريش"، و "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" محاولا التوفيق بين النصوص، ثم يعدد أسماء الاثني عشر -كما يظنهم- ابتداءً بالخلفاء الأربعة وانتهاء بهشام بن عبدالملك، ويقول: فهؤلاء خمسة عشر! ثم الوليد بن يزيد بن عبدالملك، فإن اعتبرنا ولاية الزبير قبل عبدالملك، صاروا ستة عشر!! وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبدالعزيز، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج منهم عمر بن عبدالعزيز...!
ثمّ قال: فإن قال: أنا لا أعتبر إلاّ من اجتمعت الاُمة عليه، لزمه على القول أن لا يعدّ علي بن أبي طالب ولا ابنه، لأن الناس لم يجتمعوا عليهما!
ويظل ابن كثير يدور في حلقة مفرغة وهو يحاول تعريف هؤلاء الاثنا عشر دون جدوى، فالعدد عنده لا يستقيم، ثم يميل إلى رواية أبي الجلد ويرجحها لأنه كان ينظر في شيء من الكتب المتقدّمة، والتي مفادها: أن في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالى بشّر إبراهيم بإسماعيل، وأنه ينمّيه ويكثّره ويجعل من ذريته اثني عشر عظيماً!(6).
ثم قال ابن كثير: قال شيخنا العلاّمة أبو العباس بن تيمية: وهؤلاء المبشّر بهم في حديث جابر بن سمرة - وقرر أنهم يكونون مفرّقين في الاُمة- ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا، وغلط كثير ممّن تشرّف بالإسلام من اليهود، فظنوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم!!(7).
أما ابن بطّال، فيروي عن المهلب إنه لم يلق أحداً يقطع في هذا الحديث بشيء معين.
أما القاضي عياض فيحاول الجمع بين هذا الحديث وحديث "الخلافة ثلاثون سنة" ثم يقول: وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولابدّ من تمام العدة قبل قيام الساعة! أما ابن الجوزي فيقول في كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلبت مضانه وسألت عنه، فلم أقع على المقصود به، لأن ألفاظه مختلفة ولا أشك أن التخليط من الرواة.
وقال ابن المنادي: يحتمل في معنى حديث "يكون اثنا عشر خليفة" أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان!
وأما ابن حجر العسقلاني، فيورد الآراء المتقدّمة دون أن يعطي نتيجة حاسمة يُقطع بها(8).
أما السيوطي فيقول: وقد وجد من الاثني عشر: الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبدالعزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهدي العباسي لأنه في العباسيين كعمر بن عبدالعزيز في الاُمويين، والظاهر العباسي أيضاً لما اُوتيه من العدل، ويبقى الاثنان المنتظران، أحدهما المهدي من أهل البيت!
لكن الخلافة الإسلامية اُلغيت وسقطت ولما يظهر الخليفة الحادي عشرالذي يسبق المهدي، فمتى يظهر؟!
أما إدعاء ابن تيمية بأنهم يظهرون مفرّقين في الاُمة، فليس لديه شاهد عليه، وليس في أي من الفاظ الحديث ما يدل على ذلك.
إن الحقيقة التي يحاول الجمهور التهرّب منها بأي ثمن هي: أن هؤلاء الاثنا عشر لا يمكن إلاّ أن يكونوا علماء أهل البيت الذين رووا الحديث النبوي الشريف أباً عن جد، وورثوا علم النبوة، والفهم بكتاب الله، حتى جعلهم النبي (صلى الله عليه وآله) أعدالا للكتاب لا ينفصلون عنه، ولم يظهر في الاُمة غير اُولئك الذين تقول بهم الإمامية، فلا يمكن أن يكون غيرهم!
إنّ المشكلة التي حيّرت الجمهور، هي لفظة (خليفة) التي وردت في بعض ألفاظ الحديث، فتوهم الجمهور أن المقصود بذلك هم الخلفاء الذين جلسوا على منصة الخلافة فعلا، مع أن لفظة خليفة لا تعني الحكم بالضرورة، وإلاّ فهل كان آدم خليفة في الأرض بهذا المعنى؟
إن إحدى الألفاظ التي جاءت في حديث الثقلين المتواتر تعطينا صورة واضحة وحلاًّ أمثل لكل هذه الاشكالات، فقد جاء في بعض ألفاظه: "إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض"(9).
فقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بأن سنّة اُولئك الخلفاء هي سنّته، فهذا يستلزم ألاّ يكون هناك خلاف في ذلك. كما ينقل الألباني عن الشيخ القاري "فإنهم لم يعملوا إلاّ بسنّتي"، ولكننا عندما نستعرض سيرة اولئك الخلفاء، نجد أنهم قد خالفوا النبي (صلى الله عليه وآله) في عشرات الموارد، أولها في قضية النص على الخلافة، فالجمهور يدّعي أن النبي لم ينص على خلافة أحد، وأن المسلمين هم الذين اختاروا أبا بكر لها، ولكن أبا بكر قد خالف النبي (صلى الله عليه وآله) فاستخلف عمر بن الخطاب رغم أنف بعض كبار الصحابة الذين اعترضوا عليه وقالوا: كيف تولّي علينا فضّاً غليظاً!
وقد فعل عمر ما خالف به النبي أيضاً في قضية الشورى، ولربما لو اُتيح لعثمان أن يستخلف لاستخلف هو الآخر، والكلام حول مخالفة هؤلاء للسنّة النبوية المتواترة. يستلزم الكثير من الوقت، ويكفي ما أثبتناه من مخالفة عثمان بن عفان للسنّة النبوية في تقصير صلاة السفر، واعتراض الصحابة عليه، وغيرها كثير لا يسعنا تتبعها.

ما الذي حدث

لقد تبيّن من كل ما سبق أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نصّ بالخلافة لعلي بن أبي طالب وأوصى إليه، ولكن قريشاً كانت تميل الى الاعتقاد بأن دور النبي (صلى الله عليه وآله) يتلخص في تبليغ القرآن، وليس له دخل في تولية أحد على المسلمين، وقد عبّر الخليفة عمر بن الخطاب عن هذا الاتجاه بقوله لعبد الله بن عباس: يابن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم -أي من بني هاشم- بعد محمد؟
(قال ابن عباس): فكرهت أن اُجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يُدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفّقت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتُمط عني الغضب تكلمت. فقال: تكلم يابن عباس، فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّوجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عزّوجل وصف قوماً بالكراهية فقال: (ذلكَ بأَنّهمْ كرِهُوا ما أَنزلَ اللهُ فأَحبطَ أَعمالهُمْ)(10).
فقال عمر: هيهات والله يابن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقُرّك عنها، فتزيل منزلتك عندي، فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا، فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسداً وظلماً! فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً، فقد تبيّن للجاهل والحليم! وأما قولك: حسداً، فان إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون.
فقال عمر: هيهات، أَبَتْ والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً ما يحول، وضغناً وغشاً ما يزول. فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بالحسد والغش، فان قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم! فقال عمر: إليك عني يابن عباس...(11)
ونص آخر عن عمر، يبدو أكثر جلاءً، إذ قال لابن عباس يوماً: يا عبدالله، عليك دماء البُدن إن كتمتها: هل بقي في نفس علي شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق! فقال عمر: لقد كان في رسول الله من أمره ذروٌ من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام!
وربّ هذه البنية، لا تجتمع عليه قريش أبداً! فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك!!(12).
نعم، لقد اختارت قريش لنفسها دون ما اختاره الله ورسوله لها، واحتجت في ذلك بحجج كثيرة، منها كراهتها اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، ومنها استصغارهم لعلي بن أبي طالب، وجاء ذلك على لسان عمر أيضاً في حوار آخر مع ابن عباس، حيث قال له: يابن عباس، ما أظن صاحبك إلاّ مظلوماً! فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي، ثم مرّ يهمهم ساعة ثم وقف. فلحقته فقال لي: يابن عباس، ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنهم استصغروه، فقلت في نفسي: هذه شرّ من الاُولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر!(13).
واحتج تارة اُخرى ببغض العرب لعلي بن أبي طالب لأنه قتل آباءهم وإخوانهم وأبناءهم في حروب النبي (صلى الله عليه وآله)، واحتج بذلك عثمان على علي بقوله له: ما اُصنع إن كانت قريش لا تحبكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأن وجوههم شنوف الذهب، تصرع أنفهم قبل شفاههم!(14).
فكان التبرير هو الخوف من انتقاض العرب على علي إذا تولى الخلافة، لكن ما حدث هو أن العرب انتقضت رغم عدم تولي علي للخلافة، ونشبت حروب طاحنة عُرفت باسم حروب الردة، ويقيناً أن الخوف لم يكن من انتقاض العرب على علي، بل من انتقاض قريش عليه، وفي النفوس ما فيها.
فمخالفة النص أمر واقع لا يمكن إنكاره، وليست تلك بأول مخالفة لأوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كانت المخالفات تترى طيلة مدة حياته (صلى الله عليه وآله).
المصادر :
1- صحيح البخاري 9: 101 كتاب الأحكام: باب الاستخلاف.
2- صحيح مسلم 3: 1452 - 1453.
3- سنن الترمذي 4: 501.
4- سنن أبي داود 4: 106.
5- المعجم الكبير 2: 196.
6- العهد القديم: سفر التكوين: 1 صحاح 17، آية 20.
7- البداية والنهاية 6: 248 في ذكر الأخبار عن الائمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش، تاريخ أبي الفدا 1: 17 باختصار، تفسير ابن كثير 2: 34 باختصار أيضاً.
8- فتح الباري 13: 179 - 183.
9- مسند احمد 5: 181، 182، 189، 190، وكتاب السنّة لابن أبي عاصم: 337، 629 وقد صححه الألباني في (ظلال الجنة) المطبوع مع الكتاب، حديث 754، مجمع الزوائد 9: 162، كنز العمال ح 872، 947، الدر المنثور 2: 601
10- سورة محمد: 9.
11- تاريخ الطبري 4: 223 - 224.
12- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12: 21.
13- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 45 والقصة باختصار: أن النبي صلى الله عليه وآله بعث ببراءة الى أهل مكة مع أبي بكر، ثم اتبعه بعلي فقال له: "خذ الكتاب فامض الى أهل مكة"، فلحقه فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال لرسول الله(ص): أنزل فيّ شي؟ قال: "لا، إلاّ أني اُمرتُ أن اُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي". انظر في ذلك: سنن النسائي 5: 128 ح 8461، الخصائص للنسائي: 92 ح 76، مسند أحمد 1: 151، 1: 3، جامع الترمذي 5: 257 ح 3091، المستدرك 2: 61، السنن الكبرى للبيهقي 9: 224، فتح الباري 8: 318، تفسير الطبري مج 6 ج 10: 64، مختصر تاريخ دمشق 18: 6، البداية والنهاية 7: 394 حوادث سنة 40، الرياض النضرة 3: 119، الدر المنثور 4: 125، كنز العمال 2: 422 ح 4401 وغيرها
14- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 23