الصحيفة السجادية


"يا مولاي أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتي، لا يشركك أحد في رجائي، ولا يتفق أحد معك في دعائي، ولا ينظمه وإياك ندائي1... اللهم فها أنا قد جئتك مطيعاً فيما أمرت به من الدعاء، منجزاً وعدك فيما وعدت به من الإجابة، إذ تقول: ادعوني أستجب لكم2... إلهي أدعوك فتجيبني وإن كنت بطيئاً حين تدعوني وضعت عندك سري، فلا أدعو سواك ولا أرجو غيرك لبيك لبيك تسمع من شكا إليك"3.
الصحيفة السجادية
أ- في رحاب الدعاء:
في هذه القطعة الشريفة بيان من سيد العابدين عليه السلام لجملة أمور هي:
أولاً: اختصاص الدعاء باللَّه تعالى وقصره عليه، فلا يسوغ دعاء غيره مهما عظم شأنه يقول سبحانه: "فلا تدعوا مع اللَّه أحداً"4 ولا إشراكه معه.
ثانياً: وجود أمر إلهي بالدعاء ووعد رباني بالإجابة كما هو صريح الآية.
ثالثاً: إن اللَّه عزّ وجلّ قريب ممن دعاه وناجاه يسمع من شكا إليه إذا قصر رجاءه عليه ولم يدع سواه يقول عزّ من قائل: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ"5
ومما جاء في وصية أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: "اعلم أن الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والآخرة قد أذن لدعائك، وتكفل لإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم كريم لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه.. ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه6 والدعاء سلاح المؤمن ومفتاح الرحمة ونور السماوات والأرض ومخّ العبادة".
لذلك إِن أهمية الدعاء غير خفية على أحد لما نزل في الكتاب وورد في الروايات وقد تقدم الكلام في الإصدار الأول صدى الآيات فالذي نريد تسليط الضوء عليه هنا هو ما تمثّله أدعية الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من دور بنّاء ضروري في حياة المؤمن لما تحمله من أساليب ومعاني راقية في دعاء المولى سبحانه وبنفس الوقت هي دستور حياتي في المثل والأخلاق والفضائل يتربّى على مبادئها كل إنسان يريد الكمال وبلوغ الذروة في خط الإنسانية.
ب- حكاية الصحيفة السجادية:
جاء في سيرة الإمام السجاد عليه السلام أنه كان يخطب الناس في كل جمعة ويعظهم ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة ناشراً بينهم ألوان الدعاء والحمد والثناء التي تمثل العبودية المخلصة للَّه تعالى فكانت الصحيفة السجادية التي جمعت أدعيته ومناجاته وابتهاله والقيم العالية والتي سميت بإنجيل أهل البيت عليهم السلام وزبور آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما ضمت من مبادئ الأخلاق والحقوق والواجبات والآداب تعالج مشاكل الفرد والمجتمع وتنشر أجواء روحية تدعو إلى الثبات عندما تعصف المغريات وتشد الإنسان إلى ربه حينما تجرّه الأرض إليها. وليس للمؤمن غنى عنها في كل مفاصل حياته ظالماً أراد السير على الصراط المستقيم.
ولنعرف ما لها من مكانة رائدة في سماء العلياء نطلع على ما ذكره علماؤنا الأبرار رضوان اللَّه عليهم.
1- صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه يرشد إلى الصحيفة:
يذكر والد العلامة المجلسي رحمه الله أن الأسانيد المعتبرة التي تناقل علماؤنا الصحيفة السجادية بها تزيد على الآلاف ويقول أنه ذات يوم رأى صاحب الزمان وخليفة الرحمان‏ عجل الله تعالى فرجه في الرؤيا وطلب منه أن يعطيه كتاباً يعمل عليه فأرشده الإمام عجل الله تعالى فرجه إلى الصحيفة السجادية لتكون الدستور والمنهج الذي يدور عمله عليه.
2- مفخرة الإسلام:
مما جاء في وصية الإمام الخميني رحمه الله افتخاره الكبير بزبور آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم حيث قال فيها: نحن فخورون بأن الأدعية التي تهب الحياة والتي تسمى بالقرآن الصاعد هي من أئمتنا المعصومين عليهم السلام نحن نفخر بأن منا مناجاة الأئمة عليهم السلام الشعبانية ودعاء عرفات للحسين بن علي عليه السلام والصحيفة السجادية زبور آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم.
3- جامعة العلوم الإلهية:
بهذا التعبير الرائع ختم الشيخ محمد تقي المجلسي رحمه الله كلامه عن أسانيدها قائلاً: والحاصل أنه لا شك في أن الصحيفة الكاملة عن مولانا سيد الساجدين بذاتها وفصاحتها وبلاغتها واشتمالها على العلوم الإلهية التي لا يمكن لغير المعصوم الإتيان بها والحمد للَّه رب العالمين على هذه النعمة الجليلة العظيمة التي اختصت بنا معشر الشيعة.
4- تراث رباني محمدي علوي‏:
مما جاء في كلام الشهيد المقدس السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه حول الصحيفة المباركة: "وهكذا نعرف أن الصحيفة السجادية تعبر عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام عليه السلام إضافة إلى كونها تراثاً ربانياً فريداً يظل على مر الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب وتظل الإنسانية بحاجة إلى هذا التراث المحمدي العلوي وتزداد حاجة كلما ازداد الشيطان إغراء والدنيا فتنة".
فاللازم أن نحمل هذه الصحيفة المباركة وسيلة اتصال باللَّه تعالى، ومنطق حق نتعامل به مع الآخرين، ومدرسة فضيلة نتربّى من خلالها وعليها نربّي صغارنا وأجيالنا وإليها نحتكم حينما تعصف رياح الفتن، لأنها دليل إلى سبيل الصلاح والإصلاح ومفتاح إلى النجاح والفلاح ودستور إلهي يعمل به كرام الناس، مع ما حوت من علاج لكل موقف ودواء لكل داء سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، فإلى تلك المباني الجليلة والمعاني الجليلة سيظل أهل الولاية وأحباء زين العابدين عليه السلام ينشدون مدى الحياة، يرفعون كتاب الوحي على رؤوسهم وبأيديهم سفران خالدان: نهج البلاغة لأمير المؤمنين‏عليه السلام والصحيفة السجادية لسيد العابدين عليه السلام.
لتكون هذه الكتب الثلاثة نهج نجاتهم ونظام حياتهم.

من فقه الاسلام

س: ما هو حكم الأدعية التي يدعي الكاتبون أنها من كتب أدعية قديمة؟ وهل هذه الأدعية معتبرة شرعاً؟ وما هو حكم الرجوع إليها؟
ج: لو كانت الأدعية مأثورة ومروية عن الأئمة الأطهار عليهم السلام أو كانت مضامينها حقة فلا بأس بالتبرك بها، كما لا بأس بالتبرك بالمشكوك منها برجاء كونها عن المعصوم عليه السلام.
س: هل تصح الاستخارة أكثر من مرة في مورد واحد؟
ج: حيث أن الاستخارة لرفع الحيرة، فبعد ارتفاعها بالمرة الأولى لا معنى لتكرارها إلا إذا تغير الموضوع.
س: يشاهد أحياناً مكتوبات تحتوي مثلاً على عنوان معجزة الإمام الرضا عليه السلام توزع على الناس عن طريق جعلها فيما بين أوراق كتب الزيارات الموجودة في المزارات والمساجد وقد كتب ناشرها في ذيلها أن على من قرأها أن يكتبها كذا مرة ويوزّعها على الناس فإنه يصل بذلك إلى حاجته، فهل هذا الأمر صحيح؟ وهل يجب على من قرأها أن يستنسخها كما طلب منه الناشر؟
ج: لا حجة على اعتبار مثل هذه شرعاً وليس من يقرأها ملزماً باستجابة طلب ناشرها باستنساخه7.
قال تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين"8
عن الصادق عليه السلام: "عليك بالدعاء فإن فيه شفاء من كل داء"9.

ثعبان يدل على كنز

ينقل أن عماد الدولة وكان في القرن الرابع الهجري دخل إلى مدينة شيراز مع ألف جندي وهو لا يملك شيئاً من المال، والحاكم الذي لا يملك المال يكون على الإضمحلال والسقوط. كان الوقت شتاءاً والجنود لا يملكون شيئاً من الملابس وقد تأخر إعطاؤهم المعاش فاجتمع إليه الجنود يطالبونه بالمعاش وملابس للشتاء مضافاً إلى ذلك أن الأعداء كانوا له بالمرصاد خارج مدينة شيراز فضاق على عماد الدولة البويهي الأمر فتحيّر في أمره فهو إن لم يهيئ الملابس الشتوية لجيشه فسوف يخسر قوته وينهزم من موقعهِ ففكر أن يتوجه إلى اللَّه تعالى فوقف في صلاة الليل بخشوع وبعد الصَّلاة بكى بكاءاً كثيراً وانقطع إلى اللَّه سبحانه وتعالى ثم طلب من اللَّه حاجته، وبينما هو في تلك الحالة نظر إلى السقف وإذا بثعبان خرج من ثقب الحائط ودخل في ثقب آخر. فقال لحراسه أخرجوا الثعبان من السقف فلما أرادوا ذلك وجدوا في الثقب كنزاً كبيراً من الذهب والفضة.
فقال عماد الدولة: أرسلوا وراء رئيس الخياطين ليخيط ملابس للجيش بهذه الأموال التي عثروا عليها، وكان من حسن الصدف أن ذلك الحاكم السابق الذي فرَّ من يد عماد الدولة قد أمّن عند الخياط صندوقاً من المال. فظن الخياط أنّ عماد الدولة قد عرف بأمر الأموال والصناديق فخاف كثيراً، ولمّا أحضروه أمام عماد الدولة، أمره وجميع الخياطين في شيراز وخلال أسبوع أن يخيطوا ألف بدلة شتائية للجند، فظنّ رئيس الخياطين أن عماد الدولة يقول له عندك كذا وكذا من الصناديق التي تركها الحاكم الفار. فقال رئيس الخياطين: واللَّه لم يكن عندي إلاّ صندوقاً من مال الحاكم الفار وهو يرتعد خوفاً.
المصادر :
1- د28، ص117، س10.
2- د31، ص124، س13.
3- د51، ص219، س8.
4- الجن:18.
5- البقرة:186.
6- ميزان الحكمة، 5515.
7- أجوبة الاستفتاءات، ج2، ص121-122.
8- غافر:60.
9- مكارم الأخلاق، ص12.