ثبوت الولاية للفقيه

من المسَلَّم به ثبوت هذا المنصب للفقهاء في عصر الغيبة، وهو ما يدلّ عليه الأمر الصريح الصادر عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام, ولا يحقّ لأحدٍ مخالفته.
روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: "فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه, حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه, ومطيعاً لأمر مولاه, فللعوام أن يقلدّوه"1.
وعليه، فالفقهاء في عصر الغيبة هم النوّاب العامّون للإمام عليه السلام, ولا بدَّ للأمّة من الرجوع إليهم لمعرفة الحلال والحرام وتحصيل معارف الدين.
نعم، الفقيه وظيفته كشف الحكم الإلهيّ، وهو من هذه الجهة لا ولاية له على مقلّديه، بل يجب على الناس تقليده في الأحكام.

القضاء وفصل الخصومة

إنّ منصب القضاء وفصل الخصومة الثابت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام قد جُعِل على عهدة الفقهاء في عصر الغيبة، وهم معيَّنون من قِبل الإمام المعصوم لهذا المنصب، ولا بدَّ للناس من الرجوع إليهم في الخصومات وقبول أحكامهم المطابقة لحكم الله عزّ وجلّ، وللفقيه ولايةٌ من هذه الجهة.
وقد ورد في رواية أبي خديجة، عن الإمام الصادق عليه السلام:
"إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى2 بينكم في شيء من الأخذ والعطاء، أن تتحاكموا إلى أحدٍ من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر"3.

القيادة السياسيّة والاجتماعيّة

من المناصب الأخرى للفقيه هي الزعامة السياسيّة والاجتماعيّة، وتشكيل الحكومة، والوصول إلى إدارة أمور المجتمع في عصر الغيبة، بمعنى أنّ الفقيه كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام, له حقُّ الولاية على الأمّة والإشراف والنظر على كلِّ الأمور التي ترتبط بإدارة المجتمع الإسلامي، وهو معيَّن من قِبل الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام لقيادة الأمّة الإسلاميّة، والذي يدلّ على إثبات ذلك أمور:
1- الدليل العقلي:
حيث كان الوصول إلى الإمام المعصوم عليه السلام في عصر الغيبة أمراً غير ممكن، وكان من الضروري إجراء الأحكام وتشكيل الدولة فلا بدّ من وجود شخصٍ تكون على عهدته إدارة أمور المجتمع الإسلامي، ولهذا طريقان:
أ -ولاية الفقيه العادل.
ب- ولاية غير الفقيه وغير العادل.
إنّ عقل كلّ إنسان مدرك لمعنى ومفهوم ولاية الفقيه العادل سيدرك أنّ غير الفقيه وغير العادل ليس لائقاً لمنصب الولاية والحكومة, وذلك لأنّ الشخص الذي يمكنه تشكيل الحكومة الإسلاميّة وتطبيقها في المجتمع الإسلامي هو الذي يكون عارفاً بهذه الأحكام وبطريقة إدارة الحكومة الإسلاميّة، وفي الوقت نفسه يكون مؤمناً تقيّاً, حتى لا يقدّم هواه الشيطاني على مصالح الدولة، مضافاً إلى أنّ العقل يحكم في كلّ حكومة بعدم لياقة الجاهل وطالب الزعامة لمنصب القيادة، وعليه فالفقيه العارف بالأحكام، والعالم بأوضاع زمانه الاجتماعيّة والسياسيّة، والذي يتمتّع بالتقوى والعدالة والتدبير وحسن الإدراة والكمالات الأخرى، هو الأليق من الآخرين للتصدِّي لمنصب الحكومة.
يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا المجال: "والآن في عصر غيبة الإمام عليه السلام, وحيث قد تقرّر أنّ أحكام الإسلام ذات الارتباط بالحكم باقية ومستمرة، وأنّ الفوضى أمرٌ غير جائز، فيكون تشكيل الحكومة أمراً واجباً. والعقل يحكم بلزوم تشكيل الأجهزة أيضاً لتأمين القدرة على الدفاع فيما لو هوجمنا، ولنستطيع ردّ الهجوم عن نواميس المسلمين فيما لو تعرّضوا لذلك. كما أنّ الشرع المقدّس أمر بلزوم الاستعداد الدائم للدفاع أمام من ينوون الاعتداء علينا. كذلك من الضروري وجود حكومة، وجهاز قضائي وتنفيذي من أجل منع التعدّي بين أفراد المجتمع. وبما أنّ هذه الأمور لا تتمّ تلقائياً, فيجب تشكيل الحكومة لذلك. وبما أنّ تشكيل الحكومة وإدارة المجتمع يحتاجان إلى ميزانيّة وأموال، لذا عيّن الشارع المقدّس الميزانيّة وأنواع الضرائب أيضاً، كالخراج والخمس والزكاة وغيرها.
الآن، حيث لم يُعيَّن شخص محدّد من قِبل الله عزّ وجلّ للقيام بأمر الحكومة في زمن الغيبة، فما هو التكليف؟ هل يجب التخلّي عن الإسلام؟ هل صرنا بغنىً عنه؟ وهل كان الإسلام لمدّة مئتي سنة فقط؟ أم إنّ الإسلام حدّد التكليف، لكن ليس علينا من تكاليف تتعلّق بالحكومة؟ إنّ معنى عدم وجود حكومة هو زوال جميع حدود وثغور المسلمين، وجلوسنا متفرّجين تاركين للغير أن يفعلوا ما يشاؤون.
وإذا لم نمضِ أعمالهم فعلى الأقل لا نقف بوجهها، فهل هكذا يجب أن يكون الوضع؟! أم أنّ الحكومة واجبة؟ ولئن كان الله تعالى لم ينصّب شخصاً بعينه للحكومة في زمن الغيبة، لكن تلك الصفات التي كانت شرطاً في الحاكم، من صدر الإسلام إلى زمن الإمام صاحب الزمان عليه السلام, هي كذلك لزمان الغيبة أيضاً.
وهذه الصفات التي هي عبارة عن: العلم بالقانون والعدالة، موجودة في عددٍ لا يحصى من فقهاء عصرنا، لو اجتمعوا مع بعضهم لاستطاعوا إقامة حكومة العدل الشامل في العالم"4.
2- الدليل النقلي:
ورد العديد من الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام, نشير إلى بعضٍ منها:
أ- الروايات الدّالة على دور ومقام علماء الدين:
ورد العديد من الروايات في حقّ علماء الدين، وعبّرت عنهم بأنّهم حفظة الدين والأمناء وورثة الأنبياء، وهذه التعابير وردت لأجل بيان وظائف ومسؤوليّات هؤلاء، وليس لمجرّد زيادة الألقاب بلا التفات إلى حقيقة دور هؤلاء، فإنّ هذا الأمر بعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام.
فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اللهم ارحم خلفائي.
فسُئِل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟
قال: "الذين يأتون من بعدي، يروون حديثي وسنّتي، فيُعلِّمونها الناس من بعدي"5.
إنّ هذه الرواية تشمل الأفراد الذين سعوا لتحصيل الاجتهاد لاستنباط الأحكام والعلوم الإسلاميّة من القرآن والروايات، وتعليمها للناس, لا أنّ دورهم كان فقط نقل الروايات وتاريخ الإسلام وبيان الأحكام، إنّ لكلمة "الخليفة" معنىً واسعاً جداً، ومن جهة أخرى إنّما يصحّ إطلاق لقب الخليفة على الشخص إن كان يمكنه القيام بوظائف ومسؤوليّات من يخلفه، ونحن نعرف أنّ من وظائف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إبلاغ الأحكام وبيانها وإدارة الحكومة الإسلاميّة والمجتمع الإسلامي، وعليه فالفقهاء هم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تمام شؤونه عدا تلقّي الوحي.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم"6.
لقد عرّف النبي الفقهاء في هذه الرواية بأنّهم أمناء الرسل، بمعنى أنّ وظيفة الفقهاء العدول القيام بكلّ الأمور التي هي من وظيفة الأنبياء، وعليه يمكن لنا أن نقول: إنّ الفقهاء مكلّفون بإجراء القوانين، وقيادة الجيش، وإدارة المجتمع، والدفاع عن أحكام الإسلام، والقضاء.
وفي رواية أخرى، عن علي بن حمزة، عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام, في مقام بيان ما يرد على الدين من نقص عند موت العالم، يقول:
"لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام، كحصن سور المدينة لها"7.
ففي هذه الرواية يخبر الإمام الكاظم عليه السلام أنّ حفظ عقائد وأحكام الإسلام هو من وظيفة الفقهاء، ومن الواضح أنّ تشكيل الحكومة الإسلاميّة وتولّي الفقيه رأس أمور المجتمع هو من أفضل أنواع الحفاظ على حرمة الإسلام, لأنّ الفقيه الذي لا يستلم زمام الحكومة ولا يتدخّل في الأمور الاجتماعيّة والقضائيّة والسياسيّة لا يُسمّى "حافظ الإسلام" و"حصن الإسلام".
ومن هنا سوف نستعرض بعض الروايات التي تشرح وظيفة ومسؤوليّات الفقيه، وإثبات مقام الولاية للفقهاء، وهذه تتمّة الروايات.
ب- رواية عمر بن حنظلة:
"سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة في دَينٍ أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت, وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً, وإن كان حقّاً ثابتاً له, لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾8. قلت: كيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً, فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والراد علينا كالراد على الله, وهو على حدّ الشرك بالله"9.
في بداية الرواية بيّن الإمام الصادق عليه السلام حكماً كليّاً وعامّاً، وهو أنّ كلّ من يتحاكم إلى الطاغوت، سواءٌ أكان محقّاً أم مبطلاً، ويحكم له فما يأخذه سحت وحرام، وهذا الحكم من الأحكام السياسيّة في الإسلام تمنع الناس من مراجعة القضاة وحكّام الجور، وتكون نتيجة ذلك حصار التشكيلات القضائيّة والحكوميّة للجور والجائرين وانزواءهم، وتمهِّد الطريق لتحقيق تشكيلات قضائيّة إسلاميّة، وهذا الحكم هو عبارة أخرى عن الدفاع السلبي ضدّ حكم الجور، ودعوة إلى تشكيل حكومة وقضاء يتمتّعان بمشروعيّة إلهيّة، وهذا الحكم فيه عموميّة تشمل زمان غيبة المعصوم عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وأمّا في القسم الثاني من الرواية، فقد سُئِل الإمام عليه السلام عن تكليف الأمّة، وأنّه لمن يرجعون في مقام الاختلاف، والإمام عليه السلام عند جوابه أوضح مشخّصات من يرجع إليه، وهذه المشخّصات إنّما تصدق على المجتهد الجامع للشرائط، فهم المنصّبون من قِبله للقضاء والحكومة.
وهذه الرواية تُثبت مقام الولاية والقيادة للفقيه مضافاً إلى منصب القضاء، وقد قال عليه السلام: "فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً", أي إنّ ولاية الفقيه الجامع للشرائط هي ولاية مجعولة من قبل الإمام المعصوم عليه السلام ، ولذا استخدم الإمام كلمة "جعلته"، لو كان مراد الإمام الصادق عليه السلام جعلهم في منصب القضاء فقط، لكان ينبغي أن يستعمل كلمة "بينكم" بدل كلمة "عليكم"، ولذا يقول الإمام عليه السلام: إنّي قد جعلته عليكم حاكماً لترجعوا إليه في الأمور القضائيّة والحكوميّة, لأنّه متى كان حاكماً كان قاضياً، نعم موضوع النزاع الوارد في الرواية، وإن كان هو الدين أو الميراث أو القضاء وفصل الخصومة، ولكن الإمام صدر منه نفي ولاية حكّام الجور، وتنصيب الفقهاء لمنصب القيادة والحكومة.
ج- الروايات الدالّة على وظيفة الشيعة في عصر الغيبة:
وصلت إلينا روايات عن الأئمّة عليهم السلام تحدِّد وظيفة الشيعة في زمان غيبة المعصوم، ومن جملة الروايات التوقيع المنقول عن الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف في جوابه لإسحاق بن يعقوب على مسائل سأله عنها:
"وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا, فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله"10.
ففي هذه الرواية يُحدِّد الإمام وظيفة الأفراد في الحوادث الواقعة، ويطلب منهم الرجوع في كلّ واقعة فرديّة أو اجتماعيّة، سياسيّة أو حكوميّة، إلى رواة الحديث، أي الفقهاء. وعن الشيخ الأنصاري أنّ المراد من الحوادث هو مطلق الأمور التي لا بدَّ فيها للناس - بنظر العرف أو العقل أو الشرع - من الرجوع إلى الحاكم، وليس المراد منها فقط مسائل الحلال والحرام، وذلك من جهات:
- إنّ الإمام أرجع الناس إلى الفقهاء في أصل الحوادث الواقعة لا في أحكامها، أي لم يقل ارجعوا في أحكام الحوادث للفقهاء حتى نقول إنّ الفقهاء حجّة في بيان الحلال والحرام والفتوى دون الأمور السياسيّة والاجتماعيّة، وإنّما قال ارجعوا في الحوادث نفسها للفقهاء.
- إنّ المستفاد من قوله: "فإنّهم حجّتي عليكم" أنّ الفقهاء منصّبون من قِبل الإمامعجل الله تعالى فرجه الشريف في مورد الأعمال التي ترجع إلى شؤون الإمامة والقيادة، ولو كان الفقهاء وظيفتهم فقط بيان الأحكام الإلهيّة، لكان المناسب أن يقول الإمام "فإنهم حجج الله", لأنّه كما أنّ الإمام هو حجّة الله لأنّه مبيّن للأحكام الإلهيّة، فالفقهاء حجج الله لا حجّة الإمام، وإنّما يصحّ أن يقال للفقهاء إنّهم حجّة إمام الزمان إذا كانت وظيفتهم القيام بالأمور التي يقوم الإمام بها بنفسه حال حضوره.
- إنّ مسألة الرجوع إلى الفقهاء في مسائل الحلال والحرام وتبيان الأحكام كان من المسائل الرائجة ومن بديهيّات الإسلام، وذلك بخلاف المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة التي ترجع للمصالح العامّة للمسلمين، وقد أشكل أمرها عليهم، فإنّ السؤال عنها طبيعي، وقد جعلها الإمامعجل الله تعالى فرجه الشريف للعلماء والفقهاء، وأصدر أمره للمسلمين بالرجوع إليهم.
د- خطبة الإمام الحسين عليه السلام في مِنى:
من الروايات الأخرى التي يمكن أن تدلّ على إثبات ولاية الفقيه، ويمكن الاعتماد عليها، رواية عن الإمام الحسين عليه السلام في خطبته المشهورة في منى، حيث يوجّه خطابه فيها للعلماء، فيقول: "وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسمعون، ذلك بأنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سُلبتم ذلك إلا بتفرّقكم عن الحق، واختلافكم في السنّة بعد البيِّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى، وتحمَّلتم المؤنة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم، واستلمتم أمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات"11.
إنّ ملاحظة كلمات الإمام توضِّح بأنّ عتاب الإمام موجّه للعلماء، والعالم بالله هو الذي تكون بيده أمور المجتمع وقيادة الأمّة، ولا بدّ له أن يمنع من تسلّم حكّام الجور للحكومة.
إنّ الذي يظهر من مجموع الروايات أنّ الفقهاء جامعي الشرائط في زمان الغيبة هم نوّاب الإمام، ومنصَّبون من قبله لقيادة الأمّة، ويجب على الناس الرجوع إليهم والطاعة لهم.

العلماء هم قادة حكومة الإسلام

"بما أنّ حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فيجب أن يكون علماء القانون، بل والأهم علماء الدين - أي الفقهاء - هم القائمون بها، والمراقبون لجميع الأمور التنفيذيّة والإداريّة، وإدارة التخطيط في البلاد. الفقهاء أمناء في إجراء الأحكام الإلهيّة، وأمناء في استلام الضرائب، وحفظ الثغور، وإقامة الحدود. فيجب أن لا يتركوا قوانين الإسلام معطَّلة، أو يسمحوا بأن يزاد فيها وينقص. إذا أراد الفقيه إقامة حدّ الزنا على الزاني، فيجب أن يقوم بذلك بالشكل المحدّد، فيأتي به أمام الناس، ويجلده مئة جلدة. فلا يحقّ له أن يضربه ضربة إضافيّة، ولا أن يفحش له بالقول، ولا أن يصفعه، أو يحبسه يوماً واحداً.
وكذلك، إذا قام باستلام الضرائب، فيجب أن يقوم بذلك طبق موازين الإسلام، أي يعمل وفقاً للقانون الإسلامي. فلا يحق له أن يأخذ فلساً واحداً زائداً. ويجب ألا يسمح بوقوع الفوضى في بيت المال، أو بضياع فلسٍ واحد. فلو قام الفقيه بعملٍ ما خلافاً لموازين الإسلام، فقد ارتكب فسقاً - والعياذ بالله -، وينعزل عن الحكم تلقائيّاً, لأنّه قد سقط عن كونه أميناً.
الحاكم في الحقيقة هو القانون، والجميع في كنف القانون وأمانه. والشعب والمسلمون أحرار ضمن دائرة الأحكام الشرعيّة, أي بعد أن يعملوا طبق المقرّرات الشرعيّة عندئذٍ لا يحقّ لأحد أن يتحكّم بتصرّفاتهم, إذ لا مجال لشيء من هذا، فلهم حرّيتهم. وهكذا تكون حكومة العدل الإسلاميّة، فهي ليست كتلك الحكومات التي تسلب الشعب الأمن، وتجعل الناس يرتجفون في بيوتهم خوفاً من مفاجآتها وأعمالها، كما كان الأمر في حكومة معاوية وأمثالها من الحكومات، حيث سُلب الناس الأمن، وكانوا يُقتلون أو يُنفون، أو يُسجنون مُدداً طويلة على التهمة، أو مجرّد الاحتمال"12.
الخلاصة
- يوجد أدلّة كثيرة على ثبوت الولاية للفقهاء في المناصب الثلاثة: الفتوى، القضاء، والقيادة.
- في الفتوى وبيان الأحكام، ورد في العديد من الروايات - كرواية الإمام العسكري عليه السلام - أنّه لا بدّ للأمّة من الرجوع إلى الفقهاء في عصر الغيبة لمعرفة الحلال والحرام، وتحصيل معارف الدين. والفقيه من هذه الجهة يكشف عن الحكم الشرعي، ولا ولاية له على مقلّديه.
- في القضاء وفصل الخصومة، ورد روايات أيضاً - كرواية أبي خديجة عن الإمام الصادق عليه السلام - أنّه لا بدّ للناس من الرجوع إلى الفقهاء في الخصومات، وقبول أحكامهم، وللفقيه ولاية من هذه الجهة.
- الفقيه معيّن من قِبل الله ورسوله والأئمّة عليهم السلام لقيادة الأمّة الإسلاميّة، والدليل العقلي على ذلك: أننا أمام طريقين لإدارة أمور المجتمع الإسلامي في عصر الغيبة: ولاية الفقيه العادل، أو ولاية غير الفقيه وغير العادل. ولا شكّ أنّ العقل يحكم بعدم لياقة الجاهل الشيطاني وطالب الزعامة لمنصب القيادة.
- الدليل النقلي على ثبوت القيادة السياسية والاجتماعية للفقيه ما ورد في بعض الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام:
1- روايات دلّت على دور ومقام علماء الدين، من أنّهم حفظة هذا الدين، والأمناء عليه، وورثة الأنبياء عليهم السلام منها.
2- رواية عمر بن حنظلة، التي يبيّن فيها الإمام الصادق عليه السلام حكماً كلّيّاً، وهو أنّ كلّ من يتحاكم إلى الطاغوت، سواءٌ أكان محقّاً أم مبطلاً، ويُحكم
له، فما يأخذه سحت وحرام. كما يبيّن الإمام عليه السلام أنّ تكليف الأمّة أن ترجع إلى العارف بحلالنا وحرامنا، أي المجتهد الجامع للشرائط.
3- الروايات الدالّة على وظيفة الشيعة في عصر الغيبة، كالتوقيع المنقول عن صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف في جوابه لإسحاق بن يعقوب: وأمّا الحوادث الواقعة...، حيث يستفاد منها شموليّة الحوادث لكافّة الأصعدة، وإرجاع الإمام الناس إلى الفقهاء في أصل الحوادث لا في أحكامها، كما تبيّن أنّ الفقهاء منصّبون من قِبلهعجل الله تعالى فرجه الشريف بقوله: فإنّهم حجّتي عليكم...
4- خطبة الإمام الحسين عليه السلام في منى، التي توضّح عتب الإمام عليه السلام على العلماء، الذين يجب عليهم أن يمنعوا حكّام الجور من تسلّم الحكومة.

الحكومة الإلهيّة

وهذا النوع من الحكومة لا يرى أنّ الحكومة تحصل بالتوسّل بالقوّة، كما لا يرى أنّها حقٌّ للناس، بل هي حقّ لله عزّ وجلّ خالق البشر، ودائرة صلاحيّات هذه الحكومة مضافاً إلى الأمور الاجتماعيّة للناس تشمل الأخلاق والعقائد، أي إنّها برنامج أخلاقي وعقائدي للناس، بناءً عليه، يكون حقّ الحاكميّة مختصّاً بالله، وجميع الناس الذين يعتقدون بهذا النوع من الحكومة هم متساوون وفي صفٍّ واحدٍ مكلّفون برعاية القانون والطاعة لله عزّ وجلّ، ويرضون بمن يعينه الله عزّ وجلّ حاكماً.
وعلى هذا الأساس، في هذه الحكومة لا فرق بين الحاكم، أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام أو الفقيه العادل، وبين سائر الأفراد، سواءٌ أكان من جهة عموميّة القوانين أم من جهة الولاية والقيادة، وهذا هو الفارق بين هذه الحكومة وسائر أنواع الحكومات، فالجميع ملزم برعاية الأحكام الإلهيّة.
عن علي عليه السلام: "أيّها الناس، أي والله ما أحثّكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصيّة إلا وأتناهى قبلكم عنها"13.
وعليه، فشمول الحاكميّة الإلهيّة تشمل حتى الفقيه المنصوب في حرمة ردّ حكم الحاكم, أي إنّ الفقيه الحاكم كسائر الناس محكوم بالفتوى أو الحكم الذي يصدره على أساس الضوابط الشرعيّة. وعليه، فإنّ الالتفات إلى خصوصيّات الحكومة الإلهيّة وفرقها عن سائر الحكومات، مع ملاحظة أنّ حقّ الحاكميّة مختصّ بالله عزّ وجلّ لا يمكن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾14 لإثبات حكومة الناس على الناس, لأنّ الحكومة حقٌّ إلهي، فلا بدَّ من تعيين الحاكم من الله عزّ وجلّ.
المصادر :
1- وسائل الشيعة، الحّر العاملي، ج18، ص94 -95.
2- التدارؤ: التدافع في الخصومة (القاموس المحيط، درأ).
3- تهذيب الأحكام، الطوسي، ج6، ص303.
4- الحكومة الإسلاميّة، الإمام الخميني قدس سره، ص50.
5- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج18، ص101.
6- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص37.
7- الحكومة الإسلاميّة، م. س، ص38.
8- النساء، 60.
9- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج18، ص99.
10- وسائل الشيعة، ج18، ص101.
11- بحار الأنوار، ج 97، ص 80.
12- الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني قدس سره، ص76.
13- نهج البلاغة، خطبة175.
14- الشورى، 38.