ضرورة الإسراع إلى التوبة

إنَّ غاية ما يطلبه الإنسان في هذه الدّنيا هو رضى الله عزّ وجلّ عنه، فهو خالقه وبيده أمره كلّه، وفي رضاه الفوز والنجاة، وفي غضبه الخسران.
ورضى الله عزّ وجلّ لا يتحقَّق إلّا بإطاعته في فعل كلِّ ما أمَر به وترك كلِّ ما نهى عنه.
وقد تدعو النفس الإنسان إلى مخالفة أوامر الله عزّ وجلّ فيقع عندها بين أمرين، طاعة الله أو طاعة الهوى، وهنا يكون الاختبار والامتحان لهذا الإنسانِ.ولذا ورد في وصية لقمان (عليه السلام) لابنه:"يا بُنيَّ من يُرِدْ رضوان الله يُسْخِطْ نفسَهُ كثيراً، ومنْ لا يُسخطُ نفسَهُ لا يُرْضي رَبَّه"1.
يقع الإنسان بين الرغبة في طاعة الله للفوز بالجنـّة، وبين النفس التي تدعوه إلى إشباع رغباتها بمعصية الله.

تحقـّق الرقابة الإلهيـّة

إنّ الوسيلة التي يمكن من خلالها المحافظة على أيّ قانون من القوانين، هو بالرقابة التي تضعها الدولة أو الجهات المسؤولة على الناس لتراقب من يخالف القانون، فينال عقابه.
وقد يتمكّن الإنسان من الإفلات من رقابة الدولة أو الجهات المسؤولة، ولكن هل سأل الإنسان نفسه عندما يعصي الله، هل يتمكّن من الإفلات من الرقابة الإلهيـّة؟قد يتمكّن الإنسان من الإفلات من رقابة الدولة أو الناس، ولكنـّه لن يتمكّن من الإفلات من الرقابة الإلهيـّة، ولذا فإنّ عليه السعي لمراقبة نفسه.
لا شكَّ في أنّ الجواب عن ذلك هو بالنّفي.قال الله تعالى:﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾2.إذاً، لا يمكن على الإطلاق الإفلات من الرقابة الإلهيـّة.

قصة مفيدة

كان هناك عالم يفضّل أحد تلامذته على الآخرين فلامه التلامذة على ذلك، فأراد أن يبيّن لهم السبب، فأعطى كلّ واحد منهم طيراً. وقال:"اذبحه في مكانٍ لا يراك فيه أحد".
فجاؤوا كلّهم بطيورهم وقد ذبحوها، فجاء الشابّ بطيره وهو غير مذبوح، فقال له:"لِمَ لَمْ تذبحه؟"، فقال:"لِقَوْلِكَ لا تذبحه إلّا في موضعٍ لا يراك فيه أحد، ولا يكون مكان إلّا يراني الواحد الأحد الفرد الصمد"، فقال له:"أحسنت"، ثمّ قال لهم:"لهذا رفعته عليكم وميّزته عنكم".
كيف نقوّي شعورنا بالرقابة الإلهيـّة؟
لكي نتمكّن من مراقبة أنفسنا، والوصول في النهاية إلى مرحلة الحضور بين يدي الله، وعدم الغفلة عن مراقبته لنا ولأعمالنا، لا بدّ أن نقوم بتدريب أنفسنا وترويضها، وذلك من خلال إيجاد برنامج مراقبة في كلّ يوم، من الصباح حتّى المساء وأثناء الليل، حيث يحاسب الإنسان نفسه على كلّ ما فعله في النهار. فإذا وجد نفسه أنّه التزم بفعل الواجبات وترك المحرّمات، فليحمد الله تعالى، ويطلب منه التوفيق للاستمرار، وإن غلبته نفسه الأمّارة بالسوء، فليعاتبها عتاباً شديداً، ويستغفر الله تعالى، وليعقد العزم على المتابعة، ولا ييأس من رحمة الله، فالله سبحانه لا شكّ أنّه ينظر بأمره ويوفّقه لما فيه مرضاته. قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْس مَّا قَدَّمَتْ لِغَد﴾ 3.
إستنتاج
المطلوب من الإنسان أن يراقب نفسه على كلّ فعل يقوم به، وبعد ذلك يحاسبها فيحمد الله على الطاعة، ويعاتب نفسه على المعصية.

شهود الله على الإنسان

عندما يقدَّم أيّ إنسان متهَّماً بارتكاب جريمة ما، ليحاكم فإنّ أول ما يطلبه القاضي إحضار الشهود للإدلاء بشهاداتهم على ارتكابه تلك الجريمة. فإذا لم يتوافر الشهود، لا تتوفّر الأدلّة لإدانة المتّهم، فإنّه يفلت من العقاب.
ولكنّ القضيّة مختلفة في مسألة الرقابة الإلهيـّة على الإنسان، حيث لا يتمكّن الإنسان أن يفلت من العقاب الأخرويّ، محتجّاً بعدم وجود الشهود. لأنّ الله عزّ وجلّ هو الشاهد والرقيب على ما يقوم به الإنسان، وقد أوكل سبحانه أمر مراقبته إلى شهود متعدّدين يحصون عليه كلّ فعل يقوم به من خير أو شرٍّ.
قال تعالى:﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾4.وقال تعالى:﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾5.ويرتقي الأمر في مراقبة الإنسان إلى مستوى لا تسجّل فيه أعماله وحدها، بل يصل إلى حدّ الإطلاع على النوايا والخفايا، قال الله تعالى:﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾6.

العقاب الإلهيّ

هل يمكن للإنسان الذي ارتكب المعاصي أن يفلت من العقاب الإلهيّ؟ وهل يوجد مكان يتمكّن فيه هذا الإنسان أن يكون بمنأى من عذاب الله؟
لا شكّ في أنّ الجواب هو عدم قدرة الإنسان على الفرار من العقاب الإلهيّ ,وهذا ما أكدّته العديد من الآيات: يقول تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾7.
من الأمور التي تقوّي الإحساس بالرقابة الإلهيـّة، التذكّر المستمرّ بأن الإفلات من الشهود على الأعمال غير ممكن في يوم الجزاء.
هذا العقاب الإلهيّ جاء نتيجة لارتكابه المعاصي، وقيامه بالمنكرات، ولا ينجو من هذا العذاب إلا أصحاب النفوس المطمئنّة الذين وعدهم سبحانه بالجنّة. وهذا ما جاء في قوله تعالى:﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾8.

باب التوبة

يُمْهِل الله عزّ وجلّ الإنسان في هذه الدنيا، ولكنّه لا يهمله، فهو يعطيه فرصة بعد أخرى ويفتح له أبواب الرجوع إليه، ويدعوه إلى أن لا يقنط من رحمة الله ولا ييأس من عفوه، حيث أودع الله سبحانه في الإنسان القدرة على ترك الذنوب مهما كانت كبيرة ومتجذرة في نفسه.ووعده بالعفو عنها ان تاب وندم, قال تعالى:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنّ‏َ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ 9.
ولكن، ما ينبغي الحذر منه هو التسويف في التوبة، أو التسويف في الدخول إلى الطاعات، فكثير من الناس يرى أنّه ما زال في مقتبل العمر، وأنّ بإمكانه أن يتوب غداً أو بعد غد، كما أنّ بإمكانه أن يصلح عندما يتقدّم في السنّ ما فعله أيّام شبابه، ولكن هل يعرف الإنسان مدى العمر الذي سيعيشه؟، وهل يضمن البقاء حيّاً إلى الغد حتّى يقوم بالتسويف؟وهل يضمن التوفيق للتوبة ايضا؟
ولذلك نجد أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) يوصي أحد أصحابه:"فَتَدارَكْ ما بَقيَ مِنْ عُمْرِكَ ولا تَقُلْ غَداً وَبَعْدَ غَدٍ، فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكَ بِإِقامَتِهمْ عَلى الأماني والتَّسويفِ حَتَّى أتاهُمْ أَمْرُ الله بَغْتَةً وَهُمْ غَافِلونَ"10.
استنتاج
فتح الله لعباده باب التوبة، لتدارك ما ارتكبوه من ذنوب، بشرط أن لا يقع الإنسان في التسويف، لأنّه لا يدري متى يدركه الموت.

إبراهيم خليل الله عليه السلام

عن أبي جعفر عليه السلام قال: خرج إبراهيم عليه السلام ذات يوم يسير في البلاد ليعتبر فمرّ بفلاة من الأرض فإذا هو برجل قائم يصلّي قد قطع إلى السماء صوته ولباسه شَعر. فوقف عليه إبراهيم وعجب منه وجلس ينتظر فراغه فلمّا طال ذلك عليه حرّكه بيده وقال له: إنّ لي حاجة فخفّف، قال: فخفَّف الرجل وجلس إبراهيم عليه السلام.
فقال له إبراهيم: لمن تصلّي؟
فقال: لإله إبراهيم.
فقال له: ومن إله إبراهيم؟ فقال: الّذي خلقك وخلقني.
فقال له إبراهيم: لقد أعجبني نحوك(طريقتك في العبادة) وأنا أحبّ أن أؤاخيك في الله، فأين منزلك إذا أردت زيارتك ولقاءك؟
فقال له الرجل: منزلي خلف النطفة ( البحر ) - وأشار بيده إلى البحر - وأمّا مصلّاي، فهذا الموضع تُصيبني فيه إذا أردتني إن شاء الله.
ثمّ قال الرجل لإبراهيم عليه السلام: لك حاجة؟ فقال إبراهيم عليه السلام: نعم.
قال: وما هي؟ قال له: تدعو الله وأؤمّن على دعائك، أو أدعو أنا وتؤمّن على دعائي.
فقال له الرجل: وفيم تدعو الله؟ قال له إبراهيم: للمذنبين المؤمنين، فقال الرجل: لا، فقال إبراهيم: ولم؟
فقال: لأنّي دعوت الله منذ ثلاث سنين بدعوة لم أر إجابتها إلى الساعة وأنا أستحيي من الله أن أدعوه بدعوة حتّى أعلم أنّه قد أجابني، فقال إبراهيم: وفيما دعوته؟ فقال له الرجل: إنّي لفي مصلّاي هذا ذات يوم إذ مرّ بي غلام أروع، النور يطلع من جبينه، له ذؤابة من خلفه، معه بقر وغنم يسوقها.
قال: فأعجبني ما رأيت منه، فقلت: يا غلام لمن هذه البقر والغنم، فقال: لي، فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الله.
فدعوت الله عند ذلك وسألته أن يُريني خليله.
فقال له إبراهيم عليه السلام: فأنا إبراهيم خليل الرحمن وذلك الغلام ابني، فقال الرجل عند ذلك: الحمد لله ربّ العالمين، الّذي أجاب دعوتي.
قال: ثمّ قبّل الرجل صفحتي وجه إبراهيم وعانقه، ثمّ قال: الآن فنعم فادع حتّى أؤمّن على دعائك، فدعا إبراهيم للمؤمنين والمؤمنات من يومه ذلك إلى يوم القيامة بالمغفرة والرضى عنهم، وأمّن الرجل على دعائه.
فقال أبو جعفر عليه السلام: فدعوة إبراهيم بالغة للمذنبين المؤمنين من شيعتنا إلى يوم القيامة.11
كذب من ادّعى محبـّتي
أوحى الله إلى داوود عليه السلام: يا داوود كذب من ادّعى محبّتي, وإذا جنّه الليل نام عنّي, أليس كلّ محبّ يحبّ الخلوة بحبيبه؟!
ولنعم ما قال الشاعر في صفة أهل العبادة وقيام الليل:
إذا ما الليل أظلم كابدوه / فيسفر عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطارَ الخوفُ نومَهمُ فقاموا / وأهلُ الأمنِ في الدنيا هجوعُ
المصادر :
1- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، المجلسي، ج13، ص432.
2- لقمان: 16.
3- الحشر: 18.
4- ق: 18.
5- الزلزلة: 7-8.
6- ق: 16.
7- الفجر: 21 إلى 26.
8- الفجر: 27 إلى 30.
9- الزمر: 53.
10- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص136.
11- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج12، ص 82.