جرح أمير المؤمنين عليه السلام


في فجر اليوم العشرين من شهر رمضان سنة 40 للهجرة ضرب ابن ملجم المرادي (لعنه الله) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام علي رأسه بالسيف أثناء الصلاة، فهوي (عليه أفضل الصلاة والسلام) إلي الأرض مخضباً بدمه الطاهر وهو يقول: فزت ورب الكعبة(1)، وسمع الناس صوت الأمين جبرئيل ينادي بين السماء والأرض هاتفاً: (تهدّمت والله أركان الهدي، قتل علي المرتضي).
عن أحدهما قال: أصيب أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في ليلة تسع عشرة وقبض في ليلة إحدي وعشرين صلوات الله عليه(2).
قالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): لما كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره، طبقاً فيه قرصان من خبز الشعير، وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلما فرغ من صلاته، أقبل علي فطوره. فلما نظر إليه وتأمله، حرك رأسه وبكي بكاءً شديداً عالياً وقال: يا بنية، ما ظننت أن بنتاً تسوء أباها كما قد أسأتِ أنت إليَّ.
قالت: وما ذا يا أباه؟.
قال: يا بنية، أتقدمين إلي أبيك إدامين في فرد طبق واحد، أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدي الله عزوجل يوم القيامة، أنا أريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله صلي الله عليه و اله، ما قدم إليه إدامان في طبق واحد إلي أن قبضه الله. يا بنية، ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه، إلا طال وقوفه بين يدي الله عزوجل يوم القيامة. يا بنية، إن الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وقد أخبرني حبيبي رسول الله صلي الله عليه و اله أن جبرئيل عليه السلام نزل إليه ومعه مفاتيح كنوز الأرض، وقال: يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت صيرت معك جبال تهامة ذهباً وفضة، وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض، ولا ينقص ذلك من حظك يوم القيامة. قال: يا جبرئيل، وما يكون بعد ذلك. قال: الموت. فقال: إذاً لاحاجة لي في الدنيا، دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرع إلي ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده. فقال له جبرئيل: وفقت لكل خير يا محمد.
ثم قال عليه السلام: يا بنية، الدنيا دار غرور ودار هوان، فمن قدم شيئاً وجده. يا بنية، والله لا آكل شيئاً حتي ترفعين أحد الإدامين.
فلما رفعته تقدم إلي الطعام، فأكل قرصاً واحداً بالملح الجريش، ثم حمد الله وأثني عليه.
ثم قام إلي صلاته، فصلي ولم يزل راكعاً وساجداً ومبتهلاً ومتضرعاً إلي الله سبحانه، ويكثر الدخول والخروج، وهو ينظر إلي السماء وهو قلق يتململ. ثم قرأ سورة يس حتي ختمها، ثم رقد هنيهة وانتبه مرعوباً، وجعل يمسح وجهه بثوبه، ونهض قائماً علي قدميه، وهو يقول: اللهم بارك لنا في لقائك، ويكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم صلي حتي ذهب بعض الليل، ثم جلس للتعقيب ثم نامت عيناه وهو جالس، ثم انتبه من نومته مرعوباً.
قالت أم كلثوم: كأني به وقد جمع أولاده وأهله وقال لهم: في هذا الشهر تفقدوني، إني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني، وأريد أن أقصها عليكم.
قالوا: وما هي؟.
قال عليه السلام: إني رأيت الساعة رسول الله صلي الله عليه و اله في منامي، وهو يقول لي: يا أبا الحسن، إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك، وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان، فهلم إلينا فما عندنا خير لك وأبقي.
قالت: فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب، وأبدوا العويل فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا، ثم أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر.
قالت أم كلثوم: ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً ثم يخرج ساعة بعد ساعة، يقلب طرفه في السماء، وينظر في الكواكب، وهو يقول: والله ما كذبت ولا كُذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها، ثم يعود إلي مصلاه ويقول: اللهم بارك لي في الموت، ويكثر من قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويصلي علي النبي وآله، ويستغفر الله كثيرا.
قالت أم كلثوم: فلما رأيته في تلك الليلة قلقاً متململاً، كثير الذكر والاستغفار، أرقت معه ليلتي، وقلت: يا أبتاه، ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟.
قال: يا بنية، إن أباك قتل الأبطال، وخاض الأهوال، وما دخل الخوف له جوف، وما دخل في قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقلت: يا أباه ما لك تنعي نفسك منذ الليلة؟.
قال: يا بنية، قد قرب الأجل وانقطع الأمل.
قالت أم كلثوم: فبكيت، فقال لي: يا بنية، لا تبكين فإني لم أقل ذلك إلا بما عهد إليَّ النبي صلي الله عليه و اله . ثم إنه نعس وطوي ساعة ثم استيقظ من نومه، وقال: يا بنية، إذا قرب وقت الأذان فأعلميني. ثم رجع إلي ما كان عليه أول الليل من الصلاة والدعاء والتضرع إلي الله سبحانه وتعالي.
قالت أم كلثوم: فجعلت أرقب وقت الأذان، فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء، ثم أيقظته فأسبغ الوضوء وقام ولبس ثيابه، وفتح بابه ثم نزل إلي الدار، وكان في الدار إوز قد أهدي إلي أخي الحسين عليه السلام، فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن وصحن في وجهه، وكن قبل تلك الليلة لم يصحن فقال عليه السلام: لا إله إلا الله صوارخ تتبعها نوائح، وفي غداة غد يظهر القضاء.
فقلت له: يا أباه هكذا تتطير؟.
فقال: يا بنية، ما منا أهل البيت من يتطير، ولا يتطير به ولكن قول جري علي لساني.
ثم قال: يا بنية، بحقي عليك إلا ما أطلقتيه، فقد حبستِ ما ليس له لسان، ولا يقدر علي الكلام إذا جاع أو عطش، فأطعميه واسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض.
فلما وصل إلي الباب فعالجه ليفتحه، فتعلق الباب بمئزره فانحل مئزره حتي سقط فأخذه وشده وهو يقول:
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت إذا حل بناديكا
ولا تغتر بالدهر وإن كان يؤاتيكا
كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا
ثم قال: اللهم بارك لنا في الموت، اللهم بارك لي في لقائك.
قالت أم كلثوم: وكنت أمشي خلفه فلما سمعته يقول ذلك، قلت: وا غوثاه، يا أبتاه أراك تنعي نفسك منذ الليلة.
قال: يا بنية، ما هو بنعاء ولكنها دلالات وعلامات للموت تتبع بعضها بعضاً، فأمسكي عن الجواب، ثم فتح الباب وخرج.
قالت أم كلثوم: فجئت إلي أخي الحسن عليه السلام فقلت: يا أخي، قد كان من أمر أبيك الليلة كذا وكذا، وهو قد خرج في هذا الليل الغلس فألحقه.
فقام الحسن بن علي عليه السلام وتبعه فلحق به قبل أن يدخل الجامع، فقال: يا أباه، ما أخرجك في هذه الساعة وقد بقي من الليل ثلثه.
فقال: يا حبيبي، ويا قرة عيني، خرجت لرؤيا رأيتها في هذه الليلة أهالتني وأزعجتني وأقلقتني.
فقال له: خيراً رأيت، وخيراً يكون فقصها عليَّ.
فقال عليه السلام: يا بني، رأيت كأن جبرئيل عليه السلام قد نزل عن السماء علي جبل أبي قبيس، فتناول منه حجرين ومضي بهما إلي الكعبة وتركهما علي ظهرها، وضرب أحدهما علي الآخر فصارت كالرميم، ثم ذرهما في الريح فما بقي بمكة ولا بالمدينة بيت إلا ودخله من ذلك الرماد.
فقال له: يا أبتِ، وما تأويلها.
فقال: يا بني، إن صدقت رؤياي فإن أباك مقتول، ولا يبقي بمكة حينئذ ولا بالمدينة بيت إلا ويدخله من ذلك غم ومصيبة من أجلي.
فقال الحسن عليه السلام: وهل تدري متي يكون ذلك يا أبتِ؟.
قال: يا بني إن الله يقول: وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ(3)، ولكن عهد إليَّ حبيبي رسول الله صلي الله عليه و اله أنه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان، يقتلني ابن ملجم المرادي.
فقلت له: يا أبتاه، إذا علمت منه ذلك فاقتله.
قال: يا بني، لا يجوز القصاص إلا بعد الجناية، والجناية لم تحصل منه. يا بني، لو اجتمع الثقلان الإنس والجن علي أن يدفعوا ذلك لما قدروا. يا بني، ارجع إلي فراشك.
فقال الحسن عليه السلام: يا أبتاه، أريد أمضي معك إلي موضع صلاتك. فقال له: أقسمت بحقي عليك إلا ما رجعت إلي فراشك، لئلا يتنغص عليك نومك ولا تعصني في ذلك.
قال: فرجع الحسن عليه السلام فوجد أخته أم كلثوم قائمة خلف الباب تنتظره، فدخل فأخبرها بذلك وجلسا يتحادثان وهما محزونان حتي غلب عليهما النعاس، فقاما ودخلا إلي فراشهما وناما. وسار أمير المؤمنين عليه السلام حتي دخل المسجد والقناديل قد خمد ضوؤها، فصلي في المسجد ورده وعقب ساعة، ثم إنه قام وصلي ركعتين، ثم علا المئذنة ووضع سبابتيه في أذنيه وتنحنح، ثم أذن وكان عليه السلام إذا أذن لم يبق في بلدة الكوفة بيت إلا اخترقه صوته. ثم إن ابن ملجم (لعنه الله) بات في المسجد ومعه رجلان، أحدهما شبيب بن بجرة، والآخر وردان بن مجالد يساعدانه علي قتل علي عليه السلام، فلما أذن عليه السلام ونزل من المئذنة، وجعل يسبح الله ويقدسه ويكبره، ويكثر من الصلاة علي النبي صلي الله عليه و اله، وكان من كرم أخلاقه عليه السلام أنه يتفقد النائمين في المسجد، ويقول للنائم: الصلاة يرحمك الله الصلاة، قم إلي الصلاة المكتوبة عليك، ثم يتلو عليه السلام: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهي عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ(4)، ففعل ذلك كما كان يفعله علي مجاري عادته مع النائمين في المسجد، حتي إذا بلغ إلي الملعون فرآه نائماً علي وجهه، قال له: يا هذا، قم من نومك هذا فإنها نومة يمقتها الله، وهي نومة الشيطان ونومة أهل النار، بل نم علي يمينك فإنها نومة العلماء، أو علي يسارك فإنها نومة الحكماء، وإلا نم علي ظهرك فإنها نومة الأنبياء.
قال: فتحرك الملعون كأنه يريد أن يقوم وهو من مكانه لايبرح.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لقد هممت بشي‌ء تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، ولو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك.
ثم تركه وعدل عنه إلي محرابه، وقام قائماً يصلي وكان عليه السلام يطيل الركوع والسجود في الصلاة كعادته في الفرائض والنوافل حاضراً قلبه، فلما أحس به فنهض الملعون مسرعاً، وأقبل يمشي حتي وقف بإزاء الأسطوانة التي كان الإمام عليه السلام يصلي عليها، فأمهله حتي صلي الركعة الأولي، وركع وسجد السجدة الأولي منها ورفع رأسه، فعند ذلك أخذ السيف وهزه ثم ضربه علي رأسه المكرم الشريف، فوقعت الضربة علي الضربة التي ضربه عمرو بن عبد ود العامري، ثم أخذت الضربة إلي مفرق رأسه إلي موضع السجود، فلما أحس الإمام عليه السلام بالضرب لم يتأوه، وصبر واحتسب ووقع علي وجهه وليس عنده أحد، قائلاً: بسم الله وبالله وعلي ملة رسول الله ثم صاح وقال : قتلني ابن ملجم، قتلني اللعين ابن اليهودية ورب الكعبة. أيها الناس، لا يفوتنكم ابن ملجم.
وسار السم في رأسه وبدنه وثار جميع من في المسجد في طلب الملعون، وماجوا بالسلاح فما كنت أري إلا صفق الأيدي علي الهامات وعلو الصرخات.
وكان ابن ملجم ضربه ضربة خائفاً مرعوباً، ثم ولي هارباً وخرج من المسجد، وأحاط الناس بأمير المؤمنين عليه السلام وهو في محرابه يشد الضربة، ويأخذ التراب ويضعه عليها، ثم تلا قوله تعالي: مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْري(5)، ثم قال عليه السلام: جاء أمر الله وصدق رسول الله. ثم إنه لما ضربه الملعون ارتجت الأرض، وماجت البحار والسماوات، واصطفقت أبواب الجامع(6).
قال الراوي: فلما سمع الناس الضجة ثار إليه كل من كان في المسجد وصاروا يدورون ولا يدرون أين يذهبون من شدة الصدمة والدهشة ثم أحاطوا بأمير المؤمنين عليه السلام وهو يشد رأسه بمئزره والدم يجري علي وجهه ولحيته وقد خضبت بدمائه وهو يقول هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله.
قال الراوي: فاصطفقت أبواب الجامع وضجت الملائكة في السماء بالدعاء وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة ونادي جبرئيل عليه السلام بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: تهدمت والله أركان الهدي، وانطمست والله نجوم السماء، وأعلام التقي، وانفصمت والله العروة الوثقي، قُتل ابن عم محمد المصطفي، قُتل الوصي المجتبي، قُتل علي المرتضي، قُتل و الله سيد الأوصياء، قتله أشقي الأشقياء، قال: فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرئيل فلطمت علي وجهها وخدها وشقت جيبها وصاحت وا أبتاه وا علياه وا محمداه وا سيداه، ثم أقبلت إلي أخويها الحسن والحسين فأيقظتهما وقالت لهما لقد قتل أبوكما، فقاما يبكيان فقال لها الحسن عليه السلام يا أختاه كفي عن البكاء حتي نعرف صحة الخبر كيلا تشمت الأعداء فخرجا فإذا الناس ينوحون وينادون وا إماماه وا أمير المؤمنيناه قتل والله إمام عابد مجاهد(7)، الحديث.
المصادر :
1- بحار الأنوار: ج42 ص239 ب127. وخصائص الأئمة: ص63. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج9 ص207. والطرائف: ج2 ص519. والمناقب لابن شهر آشوب: ج2 ص119.
2- من لا يحضره الفقيه: ج2 ص155 باب الغسل في الليالي المخصوصة في شهر رمضان ح2015.
3- سورة لقمان: 34.
4- سورة العنكبوت: 45.
5- سورة مريم: 90.
6- سورة طه: 55.
7- راجع بحار الأنوار: ج42 ص280 ب127.