شهادة أمير المؤمنين عليه السلام


في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40 للهجرة استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وصي رسول الله صلي الله عليه و اله بضربة ابن ملجم المرادي (لعنه الله) بعد ما أوصي الإمام بوصاياه، ومنها أن يحفروا له أربعة قبور في أربعة مواضع، في المسجد والرحبة والغري وفي دار جعدة بنت هبيرة كي لا يعلم أعداؤه بموضع قبره.
وبقي قبره الشريف مخفياً إلي عهد الإمام الصادق عليه السلام الذي كشف عنه في قصّة مفصّلة مذكورة في كتاب (فرحة الغري) لابن طاووس وغيره.
وكما في بعض الأخبار أنّهم مرّوا بجنازة أمير المؤمنين عليه السلام بقائم الغري(1) فانحني القائم تعظيماً لجثمان أمير المؤمنين عليه السلام واجلالاً له.
وقد بني مكان ذلك القائم مسجداً يسمّي بمسجد الحنّانة في شرق النجف الأشرف وهو موجود إلي عصرنا الحاضر.
أنا والله مفارقكم
عن أبي حمزة الثمالي، عن حبيب بن عمرو قال: دخلت علي أمير المؤمنين عليه السلام في مرضه الذي قبض فيه، فحل عن جراحته، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما جرحك هذا بشي‌ء، وما بك من بأس.
فقال لي: يا حبيب، أنا والله مفارقكم الساعة.
قال: فبكيت عند ذلك، وبكت أم كلثوم وكانت قاعدة عنده.
فقال عليه السلام: لا، ما يبكيك يا بنية.
فقالت: ذكرت يا أبة أنك تفارقنا الساعة فبكيت.
فقال عليه السلام لها: يا بنية، لا تبكين فو الله لو ترين ما يري أبوكِ ما بكيت.
قال حبيب: فقلت له: وما الذي تري يا أمير المؤمنين؟.
فقال عليه السلام: يا حبيب، أري ملائكة السماء والنبيين بعضهم في أثر بعض وقوفاً إلي أن يتلقوني، وهذا أخي محمد رسول الله صلي الله عليه و اله جالس عندي يقول: أقدم فإن أمامك خير لك مما أنت فيه.
قال: فما خرجت من عنده حتي توفي عليه السلام، فلما كان من الغد. وأصبح الحسن عليه السلام قام خطيباً علي المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال: أيها الناس، في هذه الليلة نزل القرآن، وفي هذه الليلة رفع عيسي ابن مريم، وفي هذه الليلة قتل يوشع بن نون، وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين عليه السلام، والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلي الجنة ولا من يكون بعده، وإن كان رسول الله صلي الله عليه و اله ليبعثه في السرية، فيقاتل جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، كان يجمعها ليشتري بها خادما لأهله(2).
إنها والله الجنة
عن الأصبغ بن نباتة قال: لما ضرب ابن ملجم (لعنه الله) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عدونا نفر من أصحابنا، أنا والحارث وسويد بن غفلة وجماعة معنا، فقعدنا علي الباب فسمعنا البكاء فبكينا، فخرج إلينا الحسن بن علي عليه السلام فقال: يقول لكم أمير المؤمنين عليه السلام: انصرفوا إلي منازلكم فانصرف القوم غيري، فاشتد البكاء من منزله فبكيت، وخرج الحسن عليه السلام وقال: أ لم أقل لكم انصرفوا.
فقلت: لا والله يا ابن رسول الله، لا تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أن أنصرف حتي أري أمير المؤمنين عليه السلام.
قال: فبكيت ودخل، فلم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل.
فدخلت علي أمير المؤمنين عليه السلام فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء، قد نزف واصفر وجهه، ما أدري وجهه أصفر أو العمامة، فأكببت عليه فقبلته وبكيت.
فقال لي: لا تبك يا أصبغ، فإنها والله الجنة.
فقلت له: جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير إلي الجنة، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أمير المؤمنين، جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله صلي الله عليه و اله، فإني أراك لا أسمع منك حديثاً بعد يومي هذا أبداً.
قال عليه السلام: نعم يا أصبغ، دعاني رسول الله صلي الله عليه و اله يوماً، فقال لي: يا علي، انطلق حتي تأتي مسجدي، ثم تصعد منبري، ثم تدعو الناس إليك، فتحمد الله تعالي وتثني عليه وتصلي عليَّ صلاة كثيرة، ثم تقول: أيها الناس، إني رسولُ رسولِ الله إليكم وهو يقول لكم: أن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، ولعنتي علي من انتمي إلي غير أبيه، أو ادعي إلي غير مواليه، أو ظلم أجيراً أجره. فأتيت مسجده صلي الله عليه و اله وصعدت منبره، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي، فحمدت الله وأثنيت عليه وصليت علي رسول الله صلي الله عليه و اله صلاة كثيرة، ثم قلت: أيها الناس، إني رسولُ رسولِ الله إليكم وهو يقول لكم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، ولعنتي إلي من انتمي إلي غير أبيه، أو ادعي إلي غير مواليه، أو ظلم أجيراً أجره.
قال: فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب، فإنه قال: قد أبلغت يا أبا الحسن، ولكنك جئت بكلام غير مفسر.
فقلت: أبلغ ذلك رسول الله.
فرجعت إلي النبي صلي الله عليه و اله فأخبرته الخبر.
فقال: ارجع إلي مسجدي حتي تصعد منبري، فاحمد الله وأثن عليه وصل عليَّ، ثم قل: أيها الناس، ما كنا لنجيئكم بشي‌ء إلا وعندنا تأويله وتفسيره، ألا وإني أنا أبوكم، ألا وإني أنا مولاكم، ألا وإني أنا أجيركم(3).
اعهد عهدك
ثم جمع لأمير المؤمنين عليه السلام أطباء الكوفة، فلم يكن منهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السلولي، وكان مطبباً صاحب الكرسي يعالج الجراحات، فلما نظر أثير إلي جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برية شاة حارة فاستخرج منها عرقاً، ثم نفخه ثم استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلي أم رأسك(4).

وصية الإمام عليه السلام

عن عمرو بن اليسع قال: جاءني سعد الإسكاف فقال: يا بني تحمل الحديث؟. قلت: نعم. فقال: حدثني أبو عبد الله عليه السلام قال: لما أصيب أمير المؤمنين عليه السلام قال للحسن والحسين : غسلاني وكفناني وحنطاني واحملاني علي سريري، واحملا مؤخره تكفيان مقدمه فإنكما تنتهيان إلي قبر محفور، ولحد ملحود، ولبن محفوظ، فالحداني وأشرجا عليَّ اللبن، وارفعا لبنة مما عند رأسي، فانظرا ما تسمعان، فأخذا اللبنة من عند الرأس بعد ما أشرجا عليه اللبن، فإذا ليس بالقبر شي‌ء وإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين عليه السلام كان عبداً صالحاً فألحقه الله عز وجل بنبيه صلي الله عليه و اله، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتي لو أن نبياً مات في الشرق ومات وصيه في الغرب ألحق الله الوصي بالنبي(5).
وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: هذه وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلي الحسن عليه السلام وهي نسخة كتاب سليم بن قيس الهلالي دفعها إلي أبان وقرأها عليه. قال أبان: وقرأتها علي علي بن الحسين عليه السلام فقال: صدق سليم رحمه الله.
قال سليم: فشهدت وصية أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصي إلي ابنه الحسن عليه السلام، وأشهد علي وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته، وأهل بيته وقال:
يا بني، أمرني رسول الله صلي الله عليه و اله أن أوصي إليك، وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، ثم أقبل عليه فقال: يا بني، أنت ولي الأمر وولي الدم، فإن عفوت فلك، وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم. ثم ذكر الوصية إلي آخرها فلما فرغ من وصيته قال: حفظكم الله، وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. ثم لم يزل يقول: لا إله إلا الله، حتي قبض(6).
وعن الفجيع العقيلي قال: حدثني الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما حضرت والدي الوفاة، أقبل يوصي فقال: هذا ما أوصي به علي بن أبي طالب، أخو محمد رسول الله صلي الله عليه و اله وابن عمه وصاحبه، أول وصيتي: أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسوله وخيرته، اختاره بعلمه، وارتضاه لخيرته، وإن الله باعث من في القبور، وسائل الناس عن أعمالهم، عالم بما في الصدور. ثم إني أوصيك يا حسن وكفي بك وصياً بما أوصاني به رسول الله صلي الله عليه و اله، فإذا كان ذلك يا بني، الزم بيتك، وابك علي خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همك. وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها عند محلها، والصمت عند الشبهة، والاقتصاد والعدل في الرضا والغضب، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، ورحمة المجهود، وأصحاب البلاء، وصلة الرحم، وحب المساكين ومجالستهم، والتواضع فإنه من أفضل العبادة، وقصر الأمل، واذكر الموت وازهد في الدنيا، فإنك رهين موت، وغرض بلاء، وطريح سقم. وأوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل، وإذا عرض شي‌ء من أمر الآخرة، فابدأ به، وإذا عرض شي‌ء من أمر الدنيا فتأنه، حتي تصيب رشدك فيه، وإياك ومواطن التهمة، والمجلس المظنون به السوء، فإن قرين السوء يغر جليسه، وكن لله يا بني عاملاً، وعن الخنا زجوراً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً، وواخ الإخوان في الله، وأحب الصالح لصلاحه، ودار الفاسق عن دينك، وأبغضه بقلبك، وزايله بأعمالك، لئلا تكون مثله. وإياك والجلوس في الطرقات، ودع المماراة، ومجاراة من لا عقل له ولا علم. واقتصد يا بني في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه، والزم الصمت تسلم، وقدم لنفسك تغنم، وتعلم الخير تعلم، وكن لله ذاكراً علي كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووقر منهم الكبير، ولا تأكلن طعاماً حتي تصدق منه قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجنة لأهله، وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوك، وعليك بمجالس الذكر، وأكثر من الدعاء، فإني لم آلك يا بني نصحاً، وهذا فراق بيني وبينك، وأوصيك بأخيك محمد خيراً، فإنه شقيقك وابن أبيك، وقد تعلم حبي له، وأما أخوك الحسين، فهو ابن أمك، ولا أريد الوصاة بذلك، والله الخليفة عليكم، وإياه أسأل أن يصلحكم، وأن يكف الطغاة البغاة عنكم. والصبر، الصبر حتي ينزل الله الأمر، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(7).
وعن إبراهيم بن إسحاق الأحمري رفعه قال: لما ضرب أمير المؤمنين عليه السلام حف به العواد، وقيل له: يا أمير المؤمنين، أوص فقال عليه السلام: اثنوا لي وسادة ثم قال : الحمد لله حق قدره، متبعين أمره. أحمده كما أحب، ولا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد كما انتسب. أيها الناس، كل امرئ لاق في فراره ما منه يفر، والأجل مساق النفس إليه، والهرب منه موافاته، كم اطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر، فأبي الله عز ذكره إلا إخفاءه، هيهات علم مكنون. أما وصيتي: فأن لا تشركوا بالله جل ثناؤه شيئاً، ومحمداً صلي الله عليه و اله فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذم ما لم تشردوا، حمل كل امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الجهلة رب رحيم، وإمام عليم، ودين قويم، أنا بالأمس صاحبكم، واليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك المراد، وإن تدحض القدم فإنا كنا في أفياء أغصان، وذري رياح، وتحت ظل غمامة، اضمحل في الجو متلفقها، وعفا في الأرض مخطها، وإنما كنت جاراً، جاوركم بدني أياماً، وستعقبون مني جثة خلاء، ساكنة بعد حركة، وكاظمة بعد نطق، ليعظكم هدوي، وخفوت إطراقي، وسكون أطرافي، فإنه أوعظ لكم، من الناطق البليغ، ودعتكم وداع مرصد للتلاقي، غدا ترون أيامي، ويكشف الله عز وجل عن سرائري، وتعرفوني بعد خلو مكاني، وقيام غيري مقامي، إن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة، ولكم حسنة، اعفوا واصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، فيا لها حسرة علي كل ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، أو يؤديه أيامه إلي شقوة، جعلنا الله وإياكم ممن لا يقصر به عن طاعة الله رغبة، أو تحل به بعد الموت نقمة، فإنما نحن له وبه. ثم أقبل علي الحسن عليه السلام فقال: يا بني، ضربة مكان ضربة ولا تأثم(8).
المصادر :
1- راجع بحار الأنوار: ج31 ص377. والمناقب: ج2 ص139.
2- بناء عتيق يشبه العمود ويقال له العلم أيضاً.
3- انظر الأمالي للصدوق: ص318-319 المجلس 52 ح4.
4- انظر الأمالي للطوسي: ص123-124 ح191.
5- بحار الأنوار: ج42 ص234 ب127.
6- انظر جامع الأخبار: ص21-22.
7- بحار الأنوار: ج42 ص212 ب127.
8- بحار الأنوار: ج42 ص202-204 ب127 ح7.