مفتاح التقرّب الى الله


مادام القلب متعلّقاً بهذه الدنيا ولم يخرج حبها منه، فإنه لا يستطع التقرّب الى الله، فلا مناص – إذن – أن نطرد حبّ الدنيا – الذي هو رأس كل خطيئة – من قلوبنا، ونجتثّه من أنفسنا، فلا نعيش على طول المنى والآمال للحصول على المتاع والترف المادّي، ثم ما قيمة اللذّة إن كـان انقضاؤها في دقائق أو ساعات؟ ترى ما الذي تبقى لأولئك الذين انساقوا وراء الملذات ومتع الدنيا وزخارفها، فكم عمّروا وبنوا ومشوا واشتروا، وكم ربحوا ونالوا، ولكن أين هم وأين هي دنياهم؟ لقد تركوها جميعـاً ثمّ رحلوا إلى الدار الآخرة يحملون أوزارها بما لم يشكروا ربّهـم على نعمائـه، وبما لم يعطوا حقوق الغير من حقوق الله كما يقول تعالـى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَاكُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة/34-35).
وهكذا الحال بالنسبة الى الذين ملكوا وحكموا من قبل، فما الذي وجدوه؟ فمنهم من أصبح ملكاً لروسيا وآخر لأميركا، وها هي مذكراتهم تنطق بأحوالهم، فهذا أحدهم يقول: إن عيني لم تر النوم لستة أشهر بسبب ما عانيته من هموم ومشاكل شتّى حتى وصلت الى ما وصلت إليه من ملك ومال وجاه وعظمةً، لكن هذه المظاهر المادية جمعها على حساب راحته وسعادته، فقضى شبابه بالكد والسهر والتعب والهموم والمشاكل.

الشكر يوجب الزيادة

ومن الظواهر التي تكاد تمثّل سنّة إلهية أن الله تعالى حين يعطي شيئاً فإنّ هذا العطاء يكون سبباً في انتقاص شيء مقابله إن لم يكن هناك الشكر؛ فقد يعطي سبحانه نعمة المال الوفير لكنّ هذا المال إن لم يؤدَّ حق الله وحق الناس فيه فيخمّس ويزكّى فانّ لذة الاستمتاع به سوف تنغّص بأمر يحدث أو يساور الإنسان فعندئذ تذهب ذلك المال، فالتاجر -مثلاً- حين لا يوفي الناس حقوقهم فيحتكر ويبيع بأسعار فاحشة ويتركز همّه على جمع الأموال فإنه سيحرم وبسبب الطمع من نعمة النوم والاستقرار الفكريّ، فتراه يعمل نهاراً دون انقطاع، ويعيش ليله في حسابات لا طائل من ورائها، وإذا بالنوم يفرّ من عينيه، والأرق يسيطر عليه ويعكّر راحته وصفوه!
إنّ الإنسان - وبدافع من طمعه وجشعه - يظلّ يأمل ويحلم بالكثير حيث يزيّن له الشيطان سيّء أخلاقه وآماله، وحين يرجع هذا الإنسان الى نفسه، ويعجب لحال الذل الذي آل إليه إذا بملك الموت يقف أماماه ليسترد منه الأمانة وحينئذ لا ينفع الندم إذ الأوان قد فات والآمال تبخّرت وإذا به يصبح مصداقاً لقوله تعالى: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (الحج/11).
فلا عمل صالح يرفع عنه العذاب وأوزار ما حمله من دنياه تثقل ظهره، ولا فرصة يكفّر فيها عن ذنبه ويتوب إلى ربّه.
فملك الموت - مهما تأخّر عنك ولو أعطيت ألف سنة من العمر - فإنّه حينما يأتي ستستقل عمرك والفـرص التي أتيحت لك في الحيـاة، كما قال تعـالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ (البقرة/96).

للشرك معنى واسع

فطول الأمل والحرص هما من سمات المشركين بالله، والشرك ليس هو عبادة الأصنام والأوثان فحسب؛ بل إنّ له عشرات المذاهب والصور، والمال قد يصبح سبباً في نوع من أنواع الشرك وصوره؛ فالذي يفكّر ماذا سيربح غداً وبعد غد، وكيف ستكون تجارته في العام القادم وما بعده، وكيف سيحصل على المزيد والمزيد ليؤمّن حياته بهذا المال، فإنه سينسى الله ويعبد هذا المال، وهذا هو الشرك الصريح والواضح.
فكلّ ليلة قدر فرصة العمر الثمينة، فلنشدّ الرحال، رحال الإيمان والتقوى ولنسافر في رحابها وأجوائها الى الله تعالى، "والراحل إليك يا ربّ قريب المسافة منك، وأنت لا تحتجب عن خلقك إلاّ أن تحجبهم الأعمال السيئة دونك". (1)
فنسأل الله بحق نبيّه ورسوله محمد صلى الله عليه وآله أن يعيننا في ليلة القدر على أنفسنا ويرزقنا عزيمة التوابين والمؤمنين، ويوفّقنا للاقتراب منه، فقد خُلقنا من ضعف فصار هذا الضعف جزءً من كياننا، فمثلنا كمثل الذين وقع في بئر فلا يستطيع الخروج منها إلاّ بوسيلة تعينه على ذلك، فنسأل الله أن يمدّنا بهذا الحبل لنعتصم به ونخرج من ذلّ وشح أنفسنا ومن أحلامنا وأوهامنا ووساوسنا. وتلك هي مضامين ومعاني سورة العنكبوت المباركة.

مضامين سورة (الروم) الأخلاقية

أما سورة الروم؛ فهي تحدّثنا عن أهم عبادة، والتي أشار إليها الحديث المروي عن زرارة، عن أحدهما (الإمام محمد الباقر أو الإمام جعفر الصادق) عليهما السلام، قال: "ما عُبد الله عز وجلّ بشيء مثل البداء".(2)
فهي تعني أنّ الله إذا أراد أن ينظر إليك ويهبك مّما لا تتصوّره فانه سبحانه يفعل ذلك بإرادته ومشيئته وليس مهمّاً من تكون أنت، وعندها قد تتحوّل الى شخصية خيّرة طيبة مؤمنة متقية مخلصة كشخصية الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، أو شخصية سلمان وعمّار بن ياسر وغيرهما من الصالحين، وليس ذلك على الله بعزيز إن أنت عقدتَ العزم وخضت الغمار في رحاب الله وقدسه، فأعطيت ليلة القدر وكلّ الليالي والأيام حق الله فيها، وسلكت فيها سبل النجاة.
ولا يغيب عنا إن الشيطان قد يكرّس اليأس في قلب الإنسان بحيث يجعله لا يفكر في التوبة ولا يمنّي نفسه بها، وبالتالي يمضي في غيّه وضلاله وظلمه لنفسه وللناس، فيرتكب ما يرتكبه من المحرّمات والفجور والخطايا.
فعلى الواحد منّا – إن هو ارتكب ظلماً أو إثماً – أن لا ييأس من روح الله فيحسب نفسه من أهل النار وأنّه لا مفرّ له منها، وأنّ الله لن يتوب عليه، بل على العكس من ذلك فإنّ الله يحبّ العبد حين يلح عليه بالتوبة، فلابدّ أن تحلّ ساعة خشوع وخضوع وانكسار ورقة في القلب متناهية فيسيل على أثرها الدمع مختلطاً بنغم النحيب الذي تغرفه أوتار القلب النادم الذليل المنكسر الخاشع التائب فتطفئ ألسنة النيران في وديان السعير:
"ولأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين، ولأبكينّ عليك بكاء الفاقدين، ولأنادينك أين كنت يا وليّ المؤمنين، يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين". (3)

قصّة طريفة في هذا المجال

ولا بأس هنا أن أذكر واقعة حدثت لي أثناء الحج؛ إذ كان في سفرنا الكثير من الناس الذين كانوا على تباين كبير في تقواهم وإيمانهم، ومن بينهم كان هناك رجل جاء حاجاً وهو لا يفكّر في هذه الفريضة، ولا يستشعر في وجدانه أحاسيسها ومشاعرها، فكان يهتم بما يشبع بطنه وما يجعله يؤمّن نوماً ريحاً، وماذا سيشتري من الهدايا، وكأنه جاء لتحقيق هذه الأغراض المادّية فحسب، فكنت أنصحه وأنبّهه بقدسيّة الحج وقدسيّة مناسكه وأماكنه كعرفات ومنى والمشعر وما إلى ذلك، فكان لا يصغي لي ولا يهتم بتذكيري حتى بلغت مناسك الحج الطواف، فقد انتهى الطواف وكان قلبه ما يزال قاسياً لا يلين، أي أنّه كان يطوف ويردّد التلبية ولكنّه منصرف في فكره عن ذلك كلّه فلا يشعر بحلاوة الطواف ولذّته.
وعند انتهاء طواف الوداع المسمّى بطواف النساء وفي اللحظات الأخيرة لاحظت ذلك الرجل اللاأباليّ قد تغيّر حاله، فراح يبكي وينتحب انتحاباً شديداً، فاجتمع الناس حوله، فحاولت أن أهدّئه ولكني لم استطع فبقي على حاله هذه فترة طويلة حتّى هدأ شيئاً فشيئاً، ففكرت في نفسي قائلاً: يا سبحانه الله! لقد كان لحظة صعقة بنور الله أوقظت روحه وضميره.
وهكذا الحال بالنسبة لنا، فيجب علينا أن لا نيأس من روح الله، علّ مثل تلك الصعقة الربانية أن تدركنا فتوقظ فينا الضمير والروح، وعسى أن تهبط علينا وترسل موجة من أمواج النور الالهيّ فننقلب برحمة من الله على أوضاعنا التي كنا عليها بالأمس، ولا يكون ذلك إلاّ بالإخلاص وعقد العزم على ولوج طريق التوبة، فتبدأ – مثلاً – من هذه البصيرة، التي قالها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "أنت كما أحبُّ فاجعلني كما تحبُّ". (4)
فحاول أن توصل نفسك الى مرحلة العزيمة والثقة في تغيير ما في نفسك وكما يريد الله منك وهو معينك لا محالة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (العنكبوت/69).

محور سورة الروم

أمّا المحور الذي تدور حولـه سورة الروم بآياتها المباركة؛ فهـو كون الأمور جميعاً بيد الله، يفعل بها ما يشاء: لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (الروم/4)، فالله سبحانه هو مقلّب القلوب والأحوال، وهو الذي يقرّب الإنسان منه ويدينه إليه أو يبعده عنه ويقضيه، ولعلّ أحداً منا لا يجهل قصّة ذلك البطل "الحر الرياحي" ومواقفه في كربلاء بين أمسه ويومه، أفليس هو الذي حال بين الحسين عليه السلام وبين العودة الى الحجاز، فأبى إلاّ أن يسلّمه لعبيد الله أو يسلك سبيلاً لا يؤدّي إلى الكوفة أو الحجاز، لقد كان ذلك في أمس كربلاء، حيث لم يصح ضميره بعد رغم أنّه قد عرف الحسين عليه السلام، وعرف ابن من هون ومن التي ولدته؟
لقد كانت الغشاوة ما تزال تغطّي قلبه، حتّى بدأت الجذوة تتّقد شيئاً فشيئاً في ضميره حين عرف نوايا القوم، واتّضحت له أهدافهم، فقال قولته المشهورة: "إني لأخيّر نفسي بين الجنّة والنار"، فما أعظم وأحلى وأطيب الإنسان حين يستيقظ منه الضمير والوجدان الخالصان النقيّان، وحين يعود الى ربّه، وقد جسّد الحرّ الرياحيّ ذلك بقوله: "والله لا أختار على الجنّة شيئاً". فهزّ اللجام وراح صوب مولاه، ووقف بين يديه قائلاً: "عذراً أبا عبد الله! فأنا الذي فعلت بك كذا وكذا..." إلى آخر ذلك الموقف المشرّف؛ موقف التوبة النصوح.
فالمسافة بين المعسكرين كانت قصية في الحساب المادّي، ولكن هل تعلمون أنّ هذه المسافة في حقيقتها وبقياس المعنويات والقيم الروحيّة هي أكثر وأوسع من ذلك بكثير، ولعل أدقّ تعبير يصف هذه المسافة أن تقول إنها الطريق بين الجنّة والنار.
فكلّ واحد منّا يشعر أن كاهله قد ثقل من الأوزار أن يضع نصب عينيه موقف الحرّ وأمثاله، فلا ييأس من رحمة الله، لأنّ الأمر كلّه بيد الله: لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (الروم/4)، فليس هناك أمر يصعب عليه سبحانه فهو يفعل ما يريد.

الاستغفار هو البداء

ليس من الصحيح أن نحكم على أحد ما بكونه من أهل جهنّم، فما أدرانا لعلّه أن يتوب ويستغفر فيتوب الله عليه، ويغفر له، وهذا هو البداء، الذي جسّده تعالى بقوله: لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
والبداء هذا يتّصل بفكرة الحرية الأساسية في الإسلام، ولذلك كان نفحة من نفحات الحضارة الراقية، لأنّه – بالشكل الذي عرضناه – يدلّنا على انسجام المجتمع، وتماسكه، ووحدته، وخلوصه شيئاً فشيئـاً لله سبحانه، فيصبح عندها مجتمعاً حرّاً كريماً، وهذه هي سمـة التمدّن الحضاري المنشود.
ويعتبر الدعاء من أعظم المظاهر التي يتجلّى فيها البداء، ولذلك كان الدعاء مخّ العبادة، كما جاء عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام؛ رجلان افتتحا الصلاة في ساعة واحدة فتلا هذا من القرآن فكانت تلاوته أكثر من دعائه، ودعا هذا فكان دعاؤه أكثر من تلاوته ثمَّ انصرفا في ساعة واحدة أيهما أفضل؟ فقال: كلٌّ فيه فضل، كلٌّ حسن. قال: قلت قد علمت أنَّ كلاً حسن وأنَّ كلاً فيه فضل. فقال: الدُّعاء أفضل، أما سمعت قول الله تبارك وتعالى وَقَال رَبّكم ادْعُوني اَسْتَجِبْ لَكُم إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبرونَ عَنْ عِبَادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهنَّمَ دَاخِِرينَ. هي والله العبادة، هي والله العبادة. أليست هي العبادة، هي والله العبادة، هي والله العبادة. أليست أشدّهنّ، هي والله أشدّهنَّ، هي والله أشدّهنَّ، هي والله أشدهنَّ. (5)
والقـرآن الكريم يؤكد على الدعاء في الكثير من آياته كقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر/60) وقوله: وَإِذَا سَاَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَاِنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (البقرة/186) وقوله: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً (الفرقان/77).
فعلنيا أن نتوجّه إلى الله بكل جوارحنا، وبقلوب نقية، وخلوص نيّة، فندعوا ربنا ولا نكون مصداقاً لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (غافر/60).
فلنجد في الدعاء، ولا نيأس ولا نتكبّر ولا نكن غافلين عنه، فهذا هو الله سبحانه معنا أينما كنّا، ولا شيء يفصل بيننا وبينه إلاّ الذنوب، ولذلك كان الوصول إليه واجتيازها عبر جسر التوبة النصوح، وطلب المغفرة، والدعاء، فلنقف بين يدي الجليل سويعات بقلوب منكسرة وعيون تفيض بالدمع، ولنعرض ونعترف بذوبنا وخطايانا وظلمنا أمام الله، ولنتب إليه، ونعاهده على أن نردّ مظلمة كلّ من ظلمناه، وحقّ كلّ من بخسناه حقّه فأكلناه بالحرام، ثم لنسأله سبحانه أن يغفر لنا، ويتوب علينا، فهو التواب الرحيم ذو المغفرة.
أسأل الله سبحانه أن يجعل في هذا الدعاء بركة لنفسي ولإخواني، وأن يعرّفنا فضيلة ليلة القدر، وشرفها، ويعيننا على أنفسنا، وينصرنا على عدوّنا وعدوّه الشيطان الرجيم، انّه ولي التوفيق.

ليلة القدر خير من ألف شهر

في حديث مروي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حدّد فيه هدف خلقة الإنسان ضمن كلمات مختصرة هي غاية في العبقرية والبلاغة، إذ يقول صلوات الله عليه:
"أيها الناس؛ إن الله تبارك وتعالى لمّا خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلاّ بأن يعرّفهم ما لهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلاّ بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلاّ بالترغيب، والوعيد لا يكون إلاّ بالترهيب، والترغيب لا يكون إلاّ بما تشتهيه أنفسهم وتلذّه أعينهم، والترهيب لا يكون إلاّ بضد ذلك. ثم خلقهم في داره وأراهم طرفاً من اللذات ليستدلّوا به على ما ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم، ألا وهي الجنة. وأراهم طرفاً من الآلام ليستدلّوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة، ألا وهي النار. فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطاً بمحنها، وسرورها ممزوجاً بكدرها وغمومها.(6)
إن هذا القول الشريف تجسيد خالص لنظرية الإسلام في سبب الخلقة، النظرية التي احتوتها عشرات الآيات القرآنية ومئات الروايات التي وصلتنا عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام، وتناولها العلماء الاعلام قدس الله أرواحهم بالشرح والتفصيل. وعن هذا الحديث يقول الجاحظ – وهو من أشد المعاندين لحق أئمة أهل البيت – ما نصه: "هو جُماع الكلام الذي دوّنه الناس في كتبهم، وتحاوروه بينهم". أما أبو علي الجبائي – وهو من كبار علماء الكلام – فقد قال حينما سمع كلام الجاحظ ووصفه: "لقد صدق الجاحظ، هذا ما لا يحتمله الزيادة والنقصان".
وكما هو واضح، فإن المفاهيم التي انطوى عليها حديث أمير المؤمنين عليه السلام مناسبة تماماً بالنسبة الى سياق أحاديثنا في هذه الأيام الرمضانية الجليلة، لا سيما وأن هذه الأيام قد اجتمعت فيها مناسبتان عظيمتان؛ إحداهما استشهاد سيدنا وإمامنا علي بن أبي طالب عليه السلام، والذي نحزن لحزنه ونفرح لفرحه ونقتدي بهديه، ويشعّ على قلوبنا – إن شاء الله تعالى – نور ولايته. والمناسبة الثانية هي ليلة القدر التي تبيّن للناس أكثر من غيرها عظمة الهيمنة الإلهية عليهم والعناية الربانية بهم؛ الليلة التي هي مهبط الملائكة الداعين بالمغفرة لبني البشر. وهذا الهبوط قد يكون رمزاً يستطيع الناس الاستلهام منه، كلٌ حسب مستوى إدراكه ووعيه..
إن الله جل جلاله وصف نفسه بـ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ والرحمن في اللغة يعني واسع الرحمة، والرحيم يعني عميم الرحمة ودائمها. فهو - عظمت قدرته- تشتد عنايته بالناس في ليلة القدر، إذ جعل الله سبحانه هذا الاشتداد قريناً بما يقرّر الإنسان لنفسه من مصير، لا سيما وأنه قال في القرآن الكريم في وصف ليلة القدر بأنها: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر/3) أي ما يساوي معدل عمر الإنسان تقريباً. ثم قال عنها أيضاً: سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (القدر/5) وقد ترتل الآيات وتتوقف بعد كلمة سَلاَمٌ أو قبلها في اختيار المعاني التي تعطيها القراءة. ففي كل أمر يقضى من ربّ العباد سلام، وفيها سلام وتحية للإنسان من خالقه، فينبغي له أن يرد التحية ويقول: يا رب؛ وعليك السلام ومنك السلام وإليك السلام وأنت السلام، حتى يُدخله الله سبحانه وتعالى دار السلام ويهديه سبل السلام. إذ في طريق الإنسان الذي يوصله الى رضوان الله تعالى مئات أو آلاف العثرات والسقطات والمهاوي والأخطار. ومن الممكن أن يكون السقوط والضياع والانحراف في أية واحدة من هذه العثرات والمهاوي.
فالمرء معرّض بين لحظة وأخرى الى الأخطار الجسيمة، وهذه الأخطار لا تتمثل في الموت أو المرض، فهذان الأمران ليسا سوى حالتين مكتوبتين ومقدرتين على الناس كما كتبتا وقدّرتا على الأنبياء وسائر المخلوقات الحيّة الأخرى. إن الخطر الأعظم هو خطر الانحراف عن جادة التوحيد وعبادة أرباب آخرين من دون الله جل جلاله. الخطر الحقيقي يكمن في أن يصل الحال بالإنسان الى أن ينادي من قبل الرب بأن يعمل ما بدا له فهو لن يُغفر لـه...
الخطر الأول والأخير أن تكون حالة الإنسان كحالة ذاك الذي قصّ الإمام الصادق عليه السلام قصته حيث قال: "اُقعد رجل من الأخيار في قبره فقيل له: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله. فقال: لا اُطيقها. فلم يزالوا به حتى انتهوا إلى جلدة واحدة، فقالوا ليس منها بدّ. فقال: فبما تجلدونيها؟ قالوا: نجلدك لأنّك صلّيت يوماً بغير وضوء، ومررت على ضعيف فلم تنصره. قال: فجلدوه جلدة من عذاب الله عزّ وجلّ، فامتلأ قبره ناراً". (7)
أقول: إن ليلة القدر فيها من العظمة مالا يعدّ أو يوصف، حيث حيى فيها الرب عبده الإنسان، فكان من الواجب عليه أن يطلب العبد الى سيده الهداية الى سبل السلام وإلى الورع والتقوى، فمن دونها يصبح هذا العبد عرضة لعواصف السقوط والانحراف والضياع الأبدي، ويكون كما الجسد الفاقد المناعة، فما أن يدخله الداء حتى ينتشر في أوصاله ويقضي عليه. كذلك الإنسان لابد له من الطلب إلى بأن يزوده بالتقوى واليقين وأن يتـزوّد بهما، فهما خير زاد وخير لبوس ودرع وحصن.
إن الإنسان ينبغي عليه أن يعرف بأن الله سبحانه وتعالى إذ يأمره وينهاه، إنما لحبّه له وحنوه عليه. وهذا الحب لابد وأن يقابل بحبّ متقابل، ولو كلّف ذلك تضحيةً وصبراً وصعبة. فمهما يبذل الإنسان في هذه الدنيا من تضحية فهو لا يعدو كونه قد ضحّى برخيص في مقابل الوعد الذي قطعه الله سبحانه على نفسه بأن ينصر من ينصره وأن الجنة قد أُعدّت للمتقين..
أقول؛ إن الناس مدعوون في هذه الليلة بشكل مباشر إلى التعمق والتدبر والتبصر في حكمة وجود الإنسان وسر خلقته أساساً.
ويؤكد القرآن العظيم عن لسان الله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/56) ويفسر الإمام الحسين بن علي عليهما السلام هذا المنطوق: بـ: "إنَّ الله جلَّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه. فقال له رجل: يابن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال: معرفة أهل كلِّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته. (8)
إن العلاقة بين مناسبة حلول ليلة القدر وحلول ذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي هو أبو الأئمة في تشابك بليغ. فالملائكة حين تتـنـزّل في هذه الليلة إنما تتـنـزّل على حجّة الله ووليه عليه السلام، ولهذا فإن من الأهمية بمكان أن يسعى الإنسان المسلم الى تحديد قراره المصيري بشأن عقائده وسلوكياته في هذه الدنيـا بدقة متناهية، فإن كان يطلب النجاة الى الجنّة فعليه أن يعرف سادة الجنة، وهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت المعصومين عليهم السلام.
وليحاول الواحد منا في هذه المناسبة الجليلة أن يكون إيمانه بالمفاهيم الدينية إيماناً مستقراً عميقاً، لا إيماناً مستودعاً سطحياً. وهذا الإيمان لا يستقرّ في قلب المرء ما لم يتبصر موقعه في الدنيا ومن الدنيا، ومالم يتعرف أو يحاول التعرّف الى الدار الآخرة، فهي خلقت من أجل الإنسان وبإرادته.. إذ لو لم ينتخب الناس أو بعضهم طريق السعادة لما خلقت الجنة، ولو لم ينتخب الباقون الذنوب لما خلق الله النار.
وهذه النعم القائمة بين أيدينا إنما هي دلائل النعم الأبدية التي سينالها المؤمنون في جنّات الله، أما الآلام البدنية والنفسية فهي الأخرى أمارات غضب الله الأخروي وما أعده للمذنبين المسرفين.
في الحياة الأولى؛ حينما يصل الألم الى درجة معينة يغمى على المريض فيفقد الاحساس بالألم، وإذا بلغ مرتبة أشد سيموت؛ وهذا من رحمة الله بعباده أن جعل حدّاً محدوداً لألمهم. لكنّ آلام يوم القيامة ليست على هذه الصورة وهذه البساطة، فالله عز وجل يقول: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً (النساء/56) فالألم في جهنم لا تحدّه الضوابط ولا تتعرض له الرحمـة. وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (الزخرف/77).
فلا تجديد في القضاء والحكم، ولا نهاية للألم، بل هناك نار سجّرها جبّارها لغضبه. أتعلم أيها الإنسان الغافل ماذا يفعل العطش بأهل النار؟ إنه يشتد عليهم الى درجة يؤتى اليهم بالماء وهو يغلي بمعدن مذاب أو بصديد لا توصف رائحته، وعندما يشربونه يتساقط لحم وجوههم فيه، ولكن مع ذلك فهم يشربون لشدة العطـش. وهذه صورة مبسطة من صور جهنم – أعاذنا الله وإياكم من دخولها -.
أما الجنة؛ ففيها من النعيم الأبدي ما لا عين رأت ولا اُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. النعيم الخالد الذي يتوجب على الناس أن يهرعوا إليه ويطلبوه من الله سبحانه بكل حماس وإصرار. فمن أكثر طرق الباب أوشك أن يسمع الجواب، ومن لجّ ولج. وهذا الإلحاح المتواصل والمطلوب هو لإسقاط الحجب المتراكمة على قلب الإنسان؛ حجاباً بعد حجاب، فيومئذ لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم ليصل الى معدن النور.
ومن صفات الجنّة ما جاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في خطبة طويلة:
"من تولّى أذان مسجد من مساجد الله فأذّن فيه وهو يريد وجه الله أعطاه الله عزّ وجل ثواب أربعين ألف ألف نبي، وأربعين ألف ألف صدّيق، وأربعين ألف ألف شهيد، وأدخل في شفاعته أربعين ألف ألف اُمّة، في كل اُمّة أربعين ألف ألف رجل. وكان له فـي كـل جنة من الجنان أربعين ألف ألف مدينة، في كل مدينة أربعون ألف ألف قصر، في كل قصر أربعون ألف ألف دار، في كل دار أربعون ألف ألف بيت، في كل بيت أربعون ألف ألف سرير، في كل سرير زوجة من الحور العين؛ سعة كل بيت منها مثل الدنيا أربعون ألف ألف مرة، بين يدي كل زوجة أربعون ألف ألف وصيف وأربعون ألف ألف جارية وأربعون ألف ألف وصيفة، في كل بيت أربعون ألف ألف مائدة على كل مائدة أربعون ألف ألف قصعة فـي كل قصعة أربعون ألف ألف لون من الطعان، لو نـزل بـه الثقلان لأدخلهم أدنى بيت من بيوتها، لهم فيها ما شاؤوا من الطعام والشراب والطيب والثمار وألوان التحف والطرائـف من الحلـيّ والحلل، كل بيت منها يكتفي بما فيه من هذه الأشياء عمّا في البيت الآخر. فإذا أذّن المؤذّن فقال أشهد أن لا إله إلاّ الله اكتنفه أربعون ألف ألف ملك كلهم يصلّون عليه ويستغفرون له وكان في ظل الله عزّ وجل حتى يفرغ وكتب له ثوابه أربعون ألف ألف ملك ثم صعدوا به الى الله عز وجل".(9)
هل اشتقت الى الجنـة أم لا؟ إنك ستدخل الجنة – وما تقدم وصف واحد من أوصافها فقط – بشرط وحيد و هو فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ (البقرة/132).
ولقد جاء في الحديث أن في صحف موسى بن عمران: "يا عبادي إني لم أخلق الخلق لأستكثر بهم من قلة، ولا لآنس بهم من وحشة، ولا لأستعين بهم على شيء عجزت عنه، ولا لجرّ منفعة ولا لدفع مضرة. ولو أن جميع خلقي من أهل السماوات والأرض اجتمعوا على طاعتي وعبادتيّ لا يفترون عن ذلك ليلاً ولا نهاراً مازاد ذلك في ملكي شيئاً سبحاني وتعاليت عن ذلك". (10)
وقد سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام: لِمَ خلق الله الخلق؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً ولـم يتركه سدىً، بل خلقهم لإظهار قدرته وليكلّفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة، ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم الى نعيم الأبد". (11)
إن الله سبحانه وتعالى غني عن العباد على الإطلاق، إلا أنه أحب أن يدخلنا جنّاته وأن يصيبنا رضوانه؛ فلماذا نبخل على أنفسنا بالجنة، ونغفل عن هذا الكرم والحب والرأفة بنا؟ ولماذا نضيّع من بين أيدينا عميم الفائدة التي تكتنـزها ليلة القدر المباركة؟
و لا يغيب عنا إن عهد المؤمنين الصادقين بالله في الدنيا هو عهدهم به في الآخرة، إنهم على يقين من أمر ربهم وأمرهم، وإنهم ليرون بعين القلب الحكمة من وراء خلقهم ووجودهم في الدنيا، ويطلعون اطلاع الخبير على ما أعدّ الله تبارك وتعالى لهم في الآخرة. لذلك فإنه لم يكن من الغريب على شخصية فذّة كشخصية أمير المؤمنين عليه السلام أن يؤكد لنفسه وللمسلمين أنه قد فاز مقسماً برب الكعبة، إذ قال عندما ضربه ابن ملجم على أم رأسه بسيفه القاتل: "فزت ورب الكعبة".
نسأل الله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة المعصومين من أولاد الحسين وبحق كل نبي وصدّيق وشهيد ومؤمن أن يجعلنا من عباده المرحومين ولا يجعلنا من المحرومين، وأن يحيينا بالإيمان ويميتنا عليه، وأن يحسن عاقبتنا بفضله، وأن يجعلنا من المهتدين ويلحقنا بالصالحين بحق محمد وآله الهداة الميامين.
المصادر :
1- بحار الأنوار، ج91، ص276.
2- بحار الأنوار، ج4، ص107.
3- مفاتيح الجنان، ص65، دعاء كميل بن زياد.
4- بحار الأنوار، ج91، ص92.
5- بحار الأنوار، ج81، ص223.
6- بحار الأنوار، ج5، ص316.
7- بحار الأنوار، ج77، ص233.
8- بحار الأنوار، ج5، ص312.
9- بحار الأنوار، ج81، ص123.
10- الجواهر السنية للحر العاملي، ص63.
11- بحار الأنوار، ج5، ص313.