الإيثار


‏"اللهم صل على محمد وآله... ولا تبتذل جاهي بالإقتار1... اللهم إني أعتذر إليك من ذي فاقة سألني فلم أوثره.. اعتذر إليك يا إلهي منهن ومن نظائرهن اعتذار ندامة، يكون واعظاً لما بين يدي من أشباههن2.. اللهم صل على محمد وآله.. وأجر للناس على يدي الخير ولا تمحقه بالمن"3.
أ- في رحاب الدعاء:
نجد في هذا الدعاء اعتذاراً إلى اللَّه تعالى من عدم الإيثار، والإيثار عن أعظم الصفات الحميدة، والفضائل العالية وهو تقديم غيرك من المؤمنين على نفسك في المال أو الراحة أو ما إلى ذلك من النعم وقد أكّد عليه في الآيات والروايات.
قال تعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"4 .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "الإيثار أعلى مراتب الكرم وأفضل الشيم5 الإيثار سجية الأبرار وشيمة الأخيار6 الإيثار أفضل عبادة وأجلّ سيادة"7.
فما أجمل أن تكون هذه الفضيلة منتشرة في مجتمعنا نتربّى عليها كما كان أئمتنا ونربّي الأجيال على العمل بها لتكون معلماً وثقافة عامة في زمن كثر فيه المتمسكون بالمادة، والتائقون إلى نعيم زائل.
وإن أكثر ما يتجسد فيه الإيثار في أبهى صور العطاء حينما يكون في الشدائد لا الرخاء وخاصة في ساحات الجهاد والقتال ومواجهة الصعاب من قلة الطعام والماء والدواء وما يقي المجاهد من البرد وغير ذلك.
ورد في الحديث: "من أفضل الاختيار التحلي بالإيثار"8.
من هنا نفهم معنى دعاء الإمام السجاد عليه السلام في الفقرة المتقدمة ومدى تأكيده واهتمامه حيث يعطي درساً في المثل وهو يناجي ربه تعالى.
ب- دور الإيثار في تربية النفس:
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "عند الإيثار على النفس تتبين جواهر الكرماء"9.
وعنه عليه السلام: "لا تكمل المكارم إلا بالعفاف والإيثار"10.
ليس من السهل على الإطلاق أن يقدم الإنسان إلى أخيه ما هو محتاج إليه ويفضّل أن تقضى حاجة أخيه على قضاء حاجته نفسه كمن يملك مبلغاً من المال لا يكفي إلا لقوت عائلة واحدة فيقدمه لعائلة من جيرانه أو أرحامه أو اخوته المؤمنين لشراء الطعام وهذا لا يكون إلا نتيجة لتربية النفس ومجاهدتها في دعوتها لحب النفس والتملك وغير ذلك والإيثار بدوره يكون عاملاً مهماً في ارتقاء النفس وصفائها وبلوغها الدرجات العليا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإيثار على مستويين تبعاً لمدى ترويض النفس وامتلاك زمامها.
المستوى الأول: وهو المعبر عنه بالأصغر: الإيثار عن كره بمعنى أن الشخص يحس بكلفة ومؤونة حينما يؤثر أخاه المؤمن على نفسه وذلك نتيجة لحب نفسه ومصالحها، وصعوبة رفع اليد عنها في سبيل غيره باعتبار ما لدى الإنسان من الشحّ كما تشهد الآية الماضية (ومن يوق شحّ نفسه...) وهذا الإيثار هو من أنواع الجهاد مع النفس وثوابه عظيم عند اللَّه تعالى ما لو تمّ وقدر الإنسان أن ينتصر على حبّه لذاته.
المستوى الثاني: وهو المعبّر عنه بالأكبر وهو: الإيثار عن طوع ورضا ومحبة ورغبة نفسية، وهذا أعظم وأثوب من الأول، ولا يكون إلا بعد تربية النفس تربية كبيرة، فيصل الإنسان نتيجة لصفاء النفس الذي حصل عليه بالتربية إلى مستوى فقدان الشحّ فيؤثر غيره على نفسه طواعية ولا يكون ذلك صعباً عليه بل يبلغ من السهولة حد شربة الماء مع الشعور بالسعادة والراحة.
ومما ورد: "الإيثار أحسن الإحسان وأعلى مراتب الإيمان"11.
ج- منازل المؤثرين:
أعدّ اللَّه تعالى للمؤثرين درجات رفيعة إضافة إلى النتائج والثمرات التي يحظون بها في عالم الدنيا تترك بصماتها الخيّرة في شتى الأنحاء من صفحات وجودهم وامتداد أعمارهم وقد ورد ذلك في الروايات الشريفة نذكر منها ما يلي ولو لم يكن منها إلا الرواية الأولى لكفت عن غيرها بما ستسمعه من مضمونها العالي:
1- يُعفون من الحساب:
فيما روي عن موسى عليه السلام: "يا رب أرني درجات محمد وأمته قال: يا موسى إنك لن تطيق ذلك ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي.. فكشف له عن ملكوت السماء فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من اللَّه عزّ وجلّ قال: يا رب بماذا بلّغته إلى هذه الكرامة؟! قال: بخلق اختصصته به من بينهم وهو الإيثار، يا موسى لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتاً من عمر إلا استحييت من محاسبته وبوّأته من جنتي حيث يشاء"12.
2- يؤثرهم اللَّه يوم القيامة:
في الحديث: "اشترى علي ثوباً فأعجبه فتصدق به وقال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول: من آثر على نفسه آثره اللَّه يوم القيامة الجنة"13.
3- لهم جنة خاصة:
يقول مولانا الباقر عليه السلام: "للَّه عزّ وجلّ جنة لا يدخلها إلا ثلاثة إلى قوله ورجل آثر أخاه المؤمن في اللَّه عزّ وجلّ"14.
د- الإيثار بين النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين‏ عليه السلام:
إن من أرفع درجات الجود والسخاء، والعطاء الإيثار كما عرفنا وإن من أرقى درجات الإيثار، الإيثار بالحياة حيث يدور أمرها بينك وبين غيرك فتفضل الحياة له وهذا ما قام به مولى المتقين أمير المؤمنين عليه السلام مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ليلة المبيت على فراشه وهو طبع وسجيّة له لأن الفضائل لم تكن إلا علي عليه السلام وعلي عليه السلام هو الفضائل والمناقب.
في الحديث: "لما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى الغار أوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى جبرائيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة، فكلاهما اختارا حب الحياة فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليهما، أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله فبات على فراشه يقيه بنفسه، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فكان جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللَّه بك الملائكة، وأنزل اللَّه عزّ وجلّ في حقه (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللَّه واللَّه رؤوف بالعباد) وكل من كان كذلك وجب أن يكون الإمام دون غيره"15.

من فقه الاسلام

س: هل التطبير في الخفاء حلال أم أن فتواكم الشريفة عامة؟
ج: التطبير مضافاً إلى أنه لا يعد عرفاً من مظاهر الأسى والحزن وليس له سابقة في عصر الأئمة عليهم السلام وما والاه ولم يرد فيه تأييد من المعصوم عليه السلام بشكل خاص ولا بشكل عام، يعد في الوقت الراهن وهناً وشيناً على المذهب فلا يجوز بحال.
س: هل يجوز للنساء مع محافظتهن على حجابهن وارتدائهن لباساً خاصاً يستر بدنهن أن يشاركن في مواكب اللطم وضرب السلاسل؟
ج: لا مانع من مشاركة النساء في مجالس العزاء وفي مواكب التعزية ولكن لا ينبغي لهن الضرب بالسلاسل واللطم على الصدور أمام الرجال الأجانب.
س: ما هو حكم السقوط بالوجه على الأرض أمام المزارات المقدسة للأئمة عليه السلام حيث أن بعض الناس يقومون بتعفير وجوههم وصدورهم على الأرض وخدشها إلى أن تسيل منها الدماء، ثم يدخلون حرم الأئمة عليه السلام بهذه الحال؟
ج: لا وجاهة شرعاً لمثل هذه التصرفات البعيدة عن إظهار الحزن والعزاء التقليدي والولاء للأئمة عليه السلام بل لا تجوز فيما لو أدت إلى ضرر بدني معتنى به أو إلى وهن المذهب في نظر الناس.
س: إذا كان الضرب بالقامة في مآتم الأئمة عليهم السلام موجباً لموت الضارب، فهل يعد هذا العمل انتحاراً؟
ج: إذا قدم على ذلك مع خوف الخطر على النفس منذ البداية وأدى إلى موته فهو في حكم الانتحار16.
قال تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً"17
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "عامل سائر الناس بالإنصاف وعامل المؤمنين بالإيثار"18.

مسكين ويتيم وأسير

روى الثعلبي وغيره من المفسرين أن الحسن والحسين (عليهما) مرضا فعادهما جدهما رسول اللَّه وعادهما عامّة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت لولديك نذراً، فقال‏عليه السلام: إن برى‏ء ولداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكراً للَّه تعالى، وقالت فاطمة عليها السلام: مثل ذلك، وقالت جاريتها فضة إن برى‏ء سيداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكراً للَّه تعالى عزّ وجلّ فالبسا العافية، وليس عند آل محمد صلى الله عليه وآله لا قليل ولا كثير فآجر علي عليه السلام نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلاً بشي‏ء من شعير وأتى به إلى المنزل، فقسمت فاطمة سلام اللَّه عليها إلى ثلاثة فطحنت ثلثاً وخبزت منه خمس أقراص لكلٍ واحد منهم قرص، وصلى أمير المؤمنين عليه السلام صلاة المغرب مع رسول اللَّه، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم اللَّه من موائد الجنة فسمعه علي عليه السلام فقال: أطعموه حصتي، فقالت فاطمة عليها السلام: كذلك والباقون كذلك فأطعموه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلا الماء القراح.
فلما كان اليوم الثاني طحنت فاطمة عليه السلام ثلثاً آخر وخبزته، وأتى أمير المؤمنين‏عليه السلام من صلاة المغرب مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فوضع الطعام بين يديه فأتى يتيم من أيتام المهاجرين وقال: أستشهد والدي يوم العقبة أطعموني أطعمكم اللَّه من موائد الجنة فسمعه علي وفاطمة عليهما السلام والباقون فأطعموه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلا الماء القراح.
فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة عليها السلام إلى الثلث الباقي وطحنته وخبزته وصلى علي عليه السلام مع النبي صلاة المغرب ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فجاء أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد تأسروننا ولا تطعمونا أطعمكم اللَّه من موائد الجنة فإني أسير محمد صلى الله عليه وآله فسمعه علي عليه السلام فآثره وآثروه ومكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا إلا الماء القراح.
فلما كان اليوم الرابع وقد وفوا بنذرهم أخذ علي عليه السلام الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى وأقبل نحو رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلي، وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع، فلما رآها النبي صلى الله عليه وآله قال: واغوثاه أهل بيت محمد يموتون جوعاً! فهبط جبرائيل عليه السلام وقال: خذ يا محمد هنّأك اللَّه في أهل بيتك قال: وما آخذ يا جبرائيل، قال: هل أتى على الإنسان إلى آخر السورة ومن كان أكرم الناس كان أفضل الناس فيكون هو الإمام دون غيره(إرشاد القلوب للديلمي).
المصادر :
1- الصحيفة السجادية دعاء 20، ص‏87، س‏5.
2- الصحيفة السجادية دعاء 38، ص‏147، س‏3.
3- الصحيفة السجادية دعاء 20، ص‏81، س‏9.
4- الحشر:9.
5- ميزان الحكمة حديث: 8.
6- م.ن. 9.
7- م.ن. 10.
8- م.ن. 17.
9- غرر الحكم: 6226.
10- م.ن. 10745.
11- م.ن. 1705.
12- تنبيه الخواطر، ج‏1، ص‏173.
13- نور الثقلين، 52 285 5.
14- الخصال، 136 131 1.
15- تنبيه الخواطر، ج‏173 1.
16- أجوبة الاستفتاءات، ج‏2، ص‏126.
17- الإنسان:8.
18- ميزان الحكمة، حديث: 16