السؤال: کیف أجاب الامام علی الهادی علیه السلام حین سألوه عن الجبر و التفویض؟

الجواب: بقی لنا من تراث الامام الهادی علیه السلام العلمی شی‏ء نفیس قیّم، و فی طلیعته رسالته المکرسة لموضوعی «الجبر و التفویض»، حیث شرح فیها المسألة من کل جوانبها، و ابان وجوهها، و جلا غامضها و مشکلها، و أعطى التوضیح الکامل لما عناه جده جعفر بن محمد (ع) بقوله: «لا جبر و لا تفویض، بل أمر بین الأمرین»[1]؛

و هی ما رویت فی الاحتجاج: و مما أجاب به أبو الحسن على بن محمد فی رسالته‏ الى‏ أهل‏ الأهواز، حین سألوه عن الجبر و التفویض بعد کلام طویل ثم قال (ع): و مرادنا و قصدنا الکلام فی الجبر و التفویض و شرحهما و بیانهما، و انما قدمنا لیکون اتفاق الکتاب و الخبر دلیلا لما أردنا و قوة لما نحن مبینوه من ذلک إن شاء اللّه تعالى فقال: الجبر و التفویض بقول الصادق (ع) عندنا، سئل عن ذلک فقال: لا جبر و لا تفویض بل امر بین الأمرین، قیل فما ذا؟ یا ابن رسول اللّه، قال: صحة العمل و تخلیة السرب و المهلة فی الوقت و الزاد قبل الراحلة و السبب المهیج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشیاء، فإذا نقص للعبد منها خلة کان العمل عنه مطرحا، و انا اضرب لکل باب من هذه الأبواب الثلاث و هی الجبر و التفویض و الأمر بین الأمرین مثلا یقرب المعنى للطالب و یسهل له البحث من شرحه و یشهد به القرآن محکم آیاته و تحقق تصدیقه عند ذوى الألباب و اللّه العصمة و التوفیق. ثم قال (ع): فأما الجبر فهو قول من زعم‏ ان اللّه عز و جل جبر للعباد على المعاصی و عاقبهم علیها، و من قال بهذا القول فقد ظلم اللّه و کذبه و رد علیه قوله: و لا یظلم ربک أحدا، و قوله جل ذکره: بما قدمت یداک و ان اللّه لیس بظلام للعبید مع آی کثیرة فی مثل هذا. فمن زعم انه یجبر على المعاصی فقد أحال بذنبه على اللّه عز و جل و ظلمه فی عقوبته له، و من ظلم اللّه فقد کذب کتابه، و من کذب کتابه لزمه الکفر بإجماع الامة، المثل المضروب فی ذلک مثل رجل ملک عبدا مملوکا لا یملک نفسه و لا یملک عرضا من عروض الدنیا و یعلم مولاه ذلک منه، فأمره على علم منه بالمصیر الى السوق لحاجة یأتیه بها و لم یملکه ثمن ما یأتیه به و علم المالک على الحاجة رقیبا لا یطمع أحد فی أخذها منه الا بما یرضى به من الثمن، و قد وصف مالک هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و اظهار الحکمة و نفى الجور، فأوعد عبده ان لم یأته بالحاجة ان یعاقبه فلما صار العبد الى السوق و حاول أخذ حاجته التی بعثه المولى للإتیان بها وجد علیها مانعا یمنعه فیها الا بالثمن و لا یملک العبد ثمنها، فانصرف الى مولاه خائبا بغیر قضاء حاجة، فاغتاظ مولاه لذلک و عاقبه على ذلک فانه کان ظالما متعدیا مبطلا لما وصف من عدله و حکمته و نصفته، و ان لم یعاقبه کذب نفسه، أ لیس یجب ان لا یعاقبه، و الکذب و الظلم ینفیان العدل و الحکمة تعالى اللّه عما یقول المجبرة علوا کبیرا. ثم قال بعد کلام طویل: فأما التفویض الذی أبطله الصادق و خطأ من دان به فهو قول القائل: ان اللّه عز و جل فوض العباد اختیار أمره و نهیه و اهملهم و فی هذا کلام دقیق لم یذهب الى غمره و دقته الا الأئمة المهدیون (ع) من عترة آل الرسول (ص) فإنهم لو فوض اللّه إلیهم على جهة الإهمال لکان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا به الثواب و لم یکن لهم فیما اجترموا العقاب إذا کان الإهمال واقعا، و نتصرف هذه المقالة على المعنیین اما ان یکون العباد تظاهروا علیه فالزموه قبول اختیارهم بارائهم ضرورة، کره ذلک ام أحب، فقد لزمه الوهن، أو یکون جل و تقدس من عجز عن تعبدهم بالأمر و النهى عن إرادته ففوض أمره و نهیه إلیهم و اجراهما على محبتهم أو عجز عن تعبدهم بالأمر و النهى على إرادته، فجعل الاختیار إلیهم فی الکفر و الایمان، و مثل ذلک مثل رجل ملک عبدا ابتاعه لیخدمه و یعرف له فضل ولایته و یقف عند أمره و نهیه و ادعى مالک العبد انه قاهر قادر عزیز حکیم فأمر عبده و نهاه و وعده على اتباع أمره‏ عظیم الثواب و أوعده على معصیته العقاب فخالف العبد إرادة مالکه و لم یقف أمره و نهیه، فأی امر أمره به أو نهى نهاه عنه لم یأته على إرادة المولى بل کان العبد یتبع إرادة نفسه و بعثه فی بعض حوائجه، و فیما الحاجة له فصدر العبد بغیر تلک الحاجة خلافا على مولاه و قصد إرادة نفسه و اتبع هواه فلما رجع الى مولاه نظر الى ما أتاه فإذا هو خلاف ما أمره، فقال العبد اتکلت على تفویضک الأمر الى فاتبعت هواى و إرادتی لان المفوض الیه غیر محظور علیه لاستحالة اجتماع التفویض و التحظیر، ثم قال (ع) فمن زعم ان اللّه تعالى فوض قبول أمره و نهیه الى عباده فقد اثبت علیه العجز و أوجب علیه قبول کل ما عملوا من خیر أو شر و أبطل أمر اللّه و نهیه. ثم قال (ع): ان اللّه خلق الخلق بقدرته و ملکهم استطاعة ما تعبدهم من الأمر و النهى، و قبل منهم اتباع أمره و رضى بذلک منهم و نهاهم عن معصیة و ذم من عصاه و عاقبه علیها، و للّه الخیرة فی الأمر و النهى یختار ما یرید و یأمر به و ینهى عما یکره و یثیب و یعاقب بالاستطاعة التی ملکها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصیه، لأنه العدل و منه النصفة و الحکمة بالغ الحجة بالاعذار و الإنذار، و الیه الصفوة یصطفى من یشاء من عباده اصطفى محمدا (ص) و بعثه بالرسالة الى خلقه. و لو فوض اختیار أمره الى عباده لأجاز لقریش اختیار أمیة ابن أبى الصلت و أبى مسعود الثقفی إذ کانا عندهم افضل من محمد (ص)، لما قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القریتین عظیم یعنونهما بذلک فهذا هو القول بین القولین لیس بجبر و لا تفویض. بذلک أخبر أمیر المؤمنین (ع) حین سأله عتابة بن ربعی عن الاستطاعة، فقال أمیر المؤمنین (ع): تملکها من دون اللّه او مع اللّه؟ فسکت عتابة ابن ربعی، فقال له: قل یا عتابة، قال: و ما أقول؟ یا أمیر المؤمنین، قال: تقول تملکها باللّه الذی یملکها من دونک، فان یملکها کان ذلک من عطائه و ان سلبکها کان ذلک من بلائه هو المالک لما ملک و المالک لما علیه أقدرک، اما سمعت الناس یسألون الحول و القوة حیث یقولون: لا حول و لا قوة الا باللّه، فقال الرجل و ما تأویلها یا أمیر المؤمنین؟ قال: لا حول منا عن معاصى اللّه الا بعصمة اللّه و لا قوة لنا عن طاعة اللّه الا بعون اللّه، قال: فوثب الرجل فقبل یده و رجلیه...؛[2] و الحدیث طویل أخذنا منه موضع الحاجة.[3]

مصادر:

[1] . الرسالة بنصها فی تحف العقول، 341- 356.

[2] . الإحتجاج، ج‏2، ص: 451.

[3] . إحقاق الحق و إزهاق الباطل، ج‏1، ص: 420.

مصدر: مکتب سماحة آیة الله العظمی مکارم الشیرازی