المعاد خاتمة المطاف فی تکامل الانسان

 





 

الإنسان منذ تکونه نطفة فعلقة فمضغة، إلى أن یفتح عینه على الوجود، فی حال حرکة دائمة وسعی متواصل لیس له ثبات ولا قرار، وهو یطلب بحرکته وسعیه شیئاً یفقده. فعلى ذلک لا بدّ من وجود یوم یزول فیه وصف اللا قرار، ویدخل منزلاً فیه القرار والثبات، یکون غایة المطاف.
والحرکة وإن کانت تتوقف بالموت ولا یرى بعدها فی الإنسان سعی، لکنّ تفسیر الموت ببطلان الإنسان وشخصیته الساعیة، إبطال للغایة التی کان یتوخاها من حرکته، فلابدّ أن یکون الموت وروداً إلى منزل آخر، یصل فیه إلى الغایة المتوخاة من سعیه وجهاده، وذلک المنزل هو النشأة الأخرویة.
ولا یصح أن یقال إنّ الغایة من الحرکة والسعی والکدح، هو نیل اللذائذ المادیة والتجملات الظاهریة، لوضوح أنّ الإنسان مهما نال منها، لا یخمد عطشه، بل یستمر فی سعیه وطلبه، وهذا یدلّ على أنّ له ضالة أُخرى یتوجّه نحوها، وإن لم یعرف حقیقتها، فهو یطلب الکمال اللائق بحاله، ویتصور أنّ ملاذّ الحیاة غایته، ومنتهى سعیه، ولکنه سوف یرجع عن کل غایة یصل إلیها ویعطف توجهه إلى شیء آخر.
قال صدر المتألّهین: الآیات التی ذکرت فیها النطفة وأطوارها الکمالیة، وتقلّباتها من صورة النقص إلى صورة أکمل، ومن حال أدون إلى حال أعلى، فالغرض من ذکرها، إثبات أنّ لهذه الأطوار والتحولات غایة أخیرة، فللإنسان توجّه طبیعی نحو الکمال، ودین إلهی فطری فی التقرّب إلى المبدأ الفعّال، والکمال اللائق بحال الإنسان المخلوق أوّلاً من هذه الطبیعة، وإلاّ کان لا یوجد فی هذا العالم الأدنى، بل فی عالم الآخرة التی إلیها الرجعى، وفیها الغایة والمنتهى، فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جمیع المراتب الخلقیة الواقعة فی حدود حرکته الجوهریة الفطریة، من الجمادیة والنباتیة، والحیوانیة، وبلغ أشدّه الصوری، وتمّ وجوده الدنیوی الحیوانی، فلابدّ أن یتوجه نحو النشأة الآخرة ویخرج من القوة إلى الفعل، ومن الدنیا إلى الأُخرى، ثم المولى، وهو غایة الغایات، ومنتهى الأشواق والحرکات (1).
وفی الآیات الکریمات إشارات إلى هذا البرهان، یفهمها الراسخون فی الذکر الحکیم.
یقول سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَکَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِینَ * ثُمَّ إِنَّکُمْ بَعْدَ ذَلِکَ لَمَیِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّکُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (2).
وأنت إذا لاحظت هذه الآیات وما تقدمها ممّا یتکفل ببیان خلقة الإنسان،ترى لها انسجاماً وترابطاً خاصّاً، فالله سبحانه یصف الإنسان بأنّه کان نطفة فعلقة فمضغة، إلى أن أنشأه خلقاً آخر، ثم یوافیه الموت، ثم یبعث یوم القیامة، فکأنّ الآیة تبیّن تطور الإنسان تدریجاً من النقص إلى الکمال، ومن القوة إلى الفعل، وأنّه منذ تکوّن یسیر فی مدارج الکمال، إلى نهایة المطاف وهو البعث یوم القیامة، فهذا غایة الغایات، ومنتهى الکمال.
ویمکن استظهار ذلک من قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَیْنِ الذَّکَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَة إِذَا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَیْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى﴾ (3)، بالبیان الماضی فی الآیة السابقة.
ولعلّه لأجل ذلک یصف القرآن یوم البعث ب"المساق"، و"الرّجعى"، و"دارالقرار" ویقول: ﴿إِلَى رَبِّکَ یَوْمَئِذ الْمَسَاقُ﴾ (4)، و ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّکَ الرُّجْعَى﴾ (5)، و ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَیَاةُ الدُّنْیَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِیَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (6).
دلیل آخر على المعاد: المعاد مقتضى الربوبیة
إنّ الربّ فی اللغة بمعنى الصاحب، یقال: ربّ الدّار، وربّ الضّیعة. فالربوبیة تحکی عن مالکیة الرّبّ، ومملوکیة المربوب.
والعلاقة المتّسمة بالربوبیة، تقتضی کون المربوب ذا مسؤولیة أمام ربّه، وأنّ الربّ لا یترکه سدى، بل یحاسبه على أعماله ویجازیه بما أتى تجاهه، وبما أنّ هذه المحاسبة لا تتحقق فی النشأة الدنیویة، فیجب أن یکون هناک نشأة أُخرى تتحقق فیها لوازم الربوبیة، فلا معنى لربّ بلا مربوب، کما لا معنى لمربوب یترک سدى، ولا یحاسب على أعماله وأفعاله.
ولعله لهذا الوجه، یرکّز القرآن على کلمة الرّبّ فی قوله: ﴿یَا أَیُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّکَ کَادِحٌ إِلَى رَبِّکَ کَدْحًا فَمُلاَقِیهِ ((7).
وفی قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا کُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِی خَلْق جَدِید أُولَئِکَ الَّذِینَ کَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ (8).
وهذه الآیة الثانیة، أصرح فی المطلوب، وهو أنّ کفرانهم بربّهم جعلهم منکرین للمعاد، فلو عرفوا حقیقة الربوبیة، وعرفوا ربّهم، لأذعنوا بأنّ مقتضى الربوبیة، لزوم وجود یوم تطرح فیه أعمال العباد على طاولة الحساب.
المصدر : الإلهیات،آیة الله جعفر السبحانی،مؤسسة الامام الصادق علیه السلام.ج4
1- الأسفار، ج 9، ص 159.
2- المؤمنون:14ـ16
3- النجم: 45-46-47
4- القیامة:30
5- العلق:8
6- غافر:39
7- الإنشقاق:6
8- الرعد:5