البیئة فی الاسلام

 





 

یقول تعالى فی کتابه العزیز: ﴿... هُوَ أَنشَأَکُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَکُمْ فِیهَا...﴾(1).
أی طلب إلیکم أن تعمروها. وبحسب تعبیر العلامة الطباطبائی فی تفسیر الایة أنه تعالى هو الذی أوجد على المواد الأرضیة هذه الموجود المسمى بالإنسان، ثم کملها بالتربیة شیئاً فشیئاً وفطره على أن یتصرف فی الأرض بتحویلها إلى حال ینتفع بها فی حیاته، أی فطره على أن یسعى فی طلب إعمارها فعمارة الأرض هی من فطرة اللَّه فی خلقه.
وعمارة الأرض تقتضی حمایتها وحظر الافساد فیها بتخریب عامرها وتلویث طاهرها وإهلاک أحیاءها واتلاف طیباتها.
کما أن الإنسان أنیط به خلافة الأرض: ﴿... إِنِّی جَاعِلٌ فِی الأَرْضِ خَلِیفَةً...﴾(2).
ومعنى الاستخلاف هو أن الإنسان وصیّ على هذه البیئة الأرض ومستخلف على إدارتها وإعمارها وأمین علیها، ومقتضى هذه الأمانة أن یتصرف فیما استخلف فیه تصرّف الأمین علیها من حسن استغلالها وصیانتها والمحافظة علیها.
والدین من خلال اهتمامه بالإنسان باعتباره محور هذا الوجود وکل ما فیه مسخّر لأجله، کان لا بدّ من أن ینعکس هذا الاهتمام على کل ما له علاقة به، ومن ضمنها الطبیعة التی هی المحور الاخر لعلاقة الإنسان بعد علاقته بأخیه الإنسان، وکل واحد من المحورین له تأثیر فی الآخر کما ربما یظهر من الآیة الکریمة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا کَسَبَتْ أَیْدِی النَّاسِ...﴾(3).
وقبل الدخول فی تفاصیل ذلک لا بد من تعریف البیئة وتحدید موضوعها وموردها ومن ثم بیان بعض الایات الکریمة التی تسلط الضوء على عمق علاقة الإنسان بمحیطه وبیئته.

تعریف البیئة:

قد تکون کلمة بیئة فی اللغة العربیة مشتقة من فعل بوّأ، فتأتی بمعنى الإنزال والإسکان کما فی قوله تعالى: ﴿وَکَذَلِکَ مَکَّنِّا لِیُوسُفَ فِی الأَرْضِ یَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَیْثُ یَشَاء...﴾(4).
أی ینزل فیها حیث یشاء ویرید. والاسم البیئة أی المنزل.
وعلى هذا یمکن تعریف البیئة على أنها الإطار الذی یعیش فیه الإنسان ویحصل منه على مقوّمات حیاته من غذاء وکساء ودواء، أی کل ما یحیط بالإنسان ویؤثر فیه ویتأثر به سلباً أو ایجاباً فتشمل جمیع الموجودات التی تحیط بالإنسان من یابسة وماء وسماء ومخلوقات حیّة وغیر حیّة من حیوان ونبات ومناخ وتربة، کما أن مفهوم البیئة الیوم لم یعد قاصراً على الجوانب الطبیعیة وإنما اتسع لیشمل النواحی الاجتماعیة والاقتصادیة والتکنولوجیة التی صنعها الإنسان وعلى هذا نخلص إلى نموذجین للبیئة وهما:
البیئة الطبیعیة: وهی التی لیس للإنسان دخل فی وجودها.
والبیئة البشریة: وهی بیئة من صنع الإنسان وتعدّ انعکاساً لطبیعة التفاعل بین الإنسان وبیئته أی سلوک الإنسان وإنجازاته داخل بیئته الطبیعیة.
وقد أشار القرآن الکریم إلى عمق ارتباط الإنسان بیئته فی الکثیر من آیاته الشریفة، ومن هذه الآیات:
﴿اللّهُ الَّذِی خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّکُمْ وَسَخَّرَ لَکُمُ الْفُلْکَ لِتَجْرِیَ فِی الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَکُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَکُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَینَ وَسَخَّرَ لَکُمُ اللَّیْلَ وَالنَّهَارَ* وَآتَاکُم مِّن کُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ کَفَّارٌ﴾(5).
﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾(6).
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾(7).
﴿... هُوَ أَنشَأَکُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَکُمْ فِیهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَیْهِ إِنَّ رَبِّی قَرِیبٌ مُّجِیبٌ﴾(8).
﴿وَسَخَّرَ لَکُم مَّا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ جَمِیعًا مِّنْهُ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لَّقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ﴾(9).
﴿وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَکُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾(10).
﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَکُم مِّن بُیُوتِکُمْ سَکَنًا وَجَعَلَ لَکُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُیُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا یَوْمَ ظَعْنِکُمْ وَیَوْمَ إِقَامَتِکُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِینٍ * وَاللّهُ جَعَلَ لَکُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَکُم مِّنَ الْجِبَالِ أَکْنَانًا وَجَعَلَ لَکُمْ سَرَابِیلَ تَقِیکُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِیلَ تَقِیکُم بَأْسَکُمْ کَذَلِکَ یُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَیْکُمْ لَعَلَّکُمْ تُسْلِمُونَ﴾(11).

البیئة فی المنظور الإسلامی:
1-البیئة خلقت بدقة بالغة ومتوازنة:
خلق اللَّه سبحانه وتعالى البیئة وأحکم صنعها بدقة بالغة من حیث الکم والنوع والخصائص والوظیفة.
قال تعالى: ﴿... صُنْعَ اللَّهِ الَّذِی أَتْقَنَ کُلَّ شَیْءٍ...﴾(12).
فکل عنصر من عناصر البیئة بهذا القدر وبهذه الصفات کما حددها تعالى یکفل لهذه العناصر أن تؤدی دورها المحدد والمرسوم لها من قبل الخالق القدیر، فی المشارکة البنّاءة فی الحیاة فی توافقیة وانسجامیة غایة فی الدقة والتوازن: ﴿إِنَّا کُلَّ شَیْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾(13).
﴿... وَخَلَقَ کُلَّ شَیْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِیرًا﴾(14).
هذا التقدیر البالغ الدقة الذی هو من صنع حکیم خبیر هو الذی یعطی لکل عنصر أو مکوّن من مکوّنات البیئة طبیعته الکمیة والنوعیة ووظیفته وعلاقته بالمکونات الأخرى.
2- البیئة خلقت مسخّرة لخدمة الإنسان:
خلق اللَّه البیئة وذللها سبحانه وتعالى وسخّرها لخدمة الإنسان:
﴿هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِی مَنَاکِبِهَا وَکُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَیْهِ النُّشُورُ﴾(15).
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَکُمْ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَیْکُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً...﴾(16).
فالبیئة وفق هذه الایات وغیرها، بأرضها وسمائها ومائها وهوائها وجمادها ونباتها وحیواناتها، کل ذلک قد خلقه الحق تبارک وتعالى مسخّراً مذلّلاً للإنسان.
3- البیئة یحفظها اللَّه تعالى:
فالبیئة التی خلقها تعالى لتفی بکل متطلبات الإنسان، قد حفظها اللَّه تعالى وحماها من مخاطر کثیرة کالإشعاعات الکونیة الفضائیة والشهب والنیازک.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آیَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾(17).
فاللَّه تعالى أتقن صنع البیئة وأحاطها بدروع واقیة من الأخطار القادمة من الفضاء، هذه البیئة هی نعمة مهداة من اللَّه تعالى یجب شکرها ومقتضى شکرها أن نسعى إلى حمایتها والمحافظة علیها، لذا حذّر تعالى کل من یسیئ استخدامها أو یفسدها أو یبدلها بالعقاب الشدید: ﴿... وَمَنْ یُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ﴾(18).

المصادر :
1- هود:61.
2- البقرة:30.
3- الروم:41.
4- یوسف:56.
5- إبراهیم:32-34.
6- الرحمن:10.
7- الذاریات:48.
8- هود:61.
9- الجاثیة:13.
10- الروم:20.
11- النحل:80-81.
12- النمل:88.
13- القمر:49.
14- الفرقان:2.
15- الملک:15.
16- لقمان:20.
17- الانبیاء:30.
18- البقرة:211.