جعفر الطیار

 





 

من مشرق المجد والرسالة بزغ فی ربوع مکة نور ساطع فی بیت سید البطحاء أبی طالب (رضی الله عنه) حیث ولد جعفر (رضی الله عنه) بعد ولدین وهما طالب وعقیل، وکان کل منهم یکبر أخاه بعشر سنین، وبعده بعشر سنین ولد أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام)، وبناءً على هذا تکون ولادة جعفر (رضی الله عنه) بثلاثة وثلاثین سنة قبل الهجرة - على التقریب -.
ولاشک أن شخصیة جعفر (رضی الله عنه) ازدحمت فیها کل الفضائل والمکرمات، ولم لا وهو قد نشأ فی مدرسة أبی طالب (رضی الله عنه)، سید البطحاء والمحامی الأول عن الرسول (صلى الله علیه وآله) ورسالته، لا ینکر ذلک إلا جاحد وجاهل فقد امتلأت کتب الأدب والتاریخ بأشعاره الصریحة التی توضح عمق إیمانه بالنبی (صلى الله علیه وآله) ورسالته فقد جاء فی السیرة الحلبیة :
إن أبا طالب (رضی الله عنه) خطب فی زواج ابن أخیه محمد (صلى الله علیه وآله) من خدیجة، وقال: (وهو والله بعد هذا له نبأ عظیم وخطر جلیل).(1)
وقال راداً على قریش :
ألم تعلـــموا أنـــا وجدنا محمداً نبیاً کمـوسى خط فی أول الکتب (2)
وقال (رضی الله عنه) مخاطباً النجاشی ملک الحبشة:
تعلم خـــیار الــــناس أن محــمداً وزیر لموسى والمسیح ابن مریم
أتى بالهــــدى مثل الذی أتــیا به فکــــل بـــــأمر الله یهدی ویعصم
وإنکم تتلـونه فی کتابکم بصــدق حدیــــــث لا حــــــــدیث المترجم
فلا تجعـــــلوا الله نـداً وأسلــموا فإن طریق الحــق لـــــیس بمظلم
وقال مخاطباً النبی (صلى الله علیه وآله):
اذهـــب بُنی فما علیک غضاضة اذهب وقر بذاک مــــــنک عیونا
والله لــــن یصلوا إلیک بجمعهم حتى أوسد فـــــی الـتراب دفینا
ودعوتنـی وعلمت أنک ناصحی ولقد صدقت وکـــــنت قبل أمینا
وذکرتَ دیــــناً لا مــــــحالة أنه من خـــــیر أدیــــان البریة دینا
وبعد هذه الصراحة هل یخالج الریب أحداً فی إیمان أبی طالب وهل یجوز على من یقول (إنا وجدنا محمداً نبیاً کموسى) إلا الاعتراف بنبوته والإقرار برسالته کالأنبیاء المتقدمین، وهل یکون إقرار بالنبوة أبلغ من قوله: (فأمسى ابن عبد الله فینا مصدقاً) وهل فرق بین أن یقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وبین أن یقول:
وإن کان أحمد قد جاءهم بصــــدق ولم یتهم بالکذب
وهل هناک جملة یعبر بها عن الإسلام أصرح من قول المسلم:
وذکرت دیناً لا محالة أنه من خــیر أدیان البریة دیناً
وهل یجد المنصف بعد هذا کله ملتحداً عن الجزم بأن شیخ الأبطح کان معتنقاً للدین الحنیف ویکافح طواغیت قریش.
وصدق الشاعر حیث یقول فی حقه:
ولولا أبــــو طــــالب وابـــــــنُهُ لما مُثّل الدین شــخصاً فــــقاما
فذاک بمــــــکة آوى وحـــــــاما وهذا بیثرب حــــبس الحــــِماما
تکفل عـــــــبد مـــــــــناف بأمر وآوى فــــــــکان علیٌ تـــــماما
فلله ذا فاتـــــــــحاً الهـــــــــدى ولله ذا للمــــــــعالی خـــــــتاماً (3)
وأما أمهُ فهی فاطمة بنت أسد بن هاشم التی کانت للنبی (صلى الله علیه وآله) بمنزلة الأم وهی أول هاشمیة تزوجت هاشمیاً وولدت له وأدرکت النبی (صلى الله علیه وآله) فأسلمت وحَسُن إسلامها.
عن جعفر بن محمد (علیه السلام)، قال: (کانت فاطمة بنت أسد أم علی بن أبی طالب حادیة عشرة) یعنی فی السابقة إلى الإسلام. وکانت بدریَّة وهاجرت وبایعت معه. وعن الزبیر بن العوام قال سمعت رسول الله (صلى الله علیه وآله) یدعو النساء إلى البیعة حین أنزلت هذه الآیة: (یا أیها النبی إذا جاءک المؤمنات یبایعنک..)، وکانت فاطمة بنت أسد أول امرأة بایعت رسول الله (صلى الله علیه وآله) وأوصت إلیه حین حضرتها الوفاة فقبل وصیتها وصلى علیها ونزل فی لحدها واضطجع فیه وأحسن الثناء علیها.
عن ابن عباس لما ماتت فاطمة أم علی بن أبی طالب ألبسها رسول الله (صلى الله علیه وآله) قمیصه واضطجع فی قبرها فقال له أصحابه: یا رسول الله ما رأیناک صنعت بأحد ما صنعت بهذه المرأة، فقال: إنه لم یکن أحد بعد أبی طالب أبرُ بی منها إنما ألبستها قمیصی لتکسى من حلل الجنة واضطجعت فی قبرها لیهون علیها عذاب القبر (4).
فی هذا البیت الذی کان فی ذرى المجد والشرف والذی لم تنجسه الجاهلیة بأنجاسها ولد جعفر بن أبی طالب (علیه السلام) وفتح عینیه على ذینک الأبوین العظیمین والذین أورثا کل قیم الخیر والإنسانیة لولیدهما المبارک، وبعد أن کبر فی کنف أبیه الذی کان بیته مأوى للقاصی والدانی، مر أبو طالب بأزمة لکثرة عیاله من جهة ولأن موقعه الکبیر والمتمیز فی مکة کان یفرض علیه التزامات مالیة غیر قلیلة، وکان جعفر یرى أباه وهو یواجه هذه الضائقة المادیة بکل صبر ویتلقاها بنفس کبیرة مطمئنة. یقول المؤرخون أن أزمة شدیدة مرت على قریش وکانت حصة أبی طالب منها کبیرة لما ذکرناه من کثرة عیاله من جهة وکثرة التزاماته الاجتماعیة باعتباره مقصداً وموئلاً لذوی الحاجات من جهة أخرى، وجاء النبی (صلى الله علیه وآله) لعمه العباس - وکان من أیسر بنی هاشم - قائلاً له: یا عم إن أخاک أبا طالب کثیر العیال وقد أصاب الناس ما ترى فی هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عیاله، آخذ من بنیه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً فنکفلهما عنه.
فانطلقنا حتى أتیا أبا طالب فقالا له: إنا نرید أن نخفف عنک من عیالک حتى ینکشف عن الناس ما هم فیه، فقال لهما أبو طالب: إذا ترکتما لی عقیلاً فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله (صلى الله علیه وآله) علیاً فضمه إلیه وأخذ العباس جعفرَ فضمه إلیه فلم یزل علی بن أبی طالب مع رسول الله حتى بعثه الله نبیاً فتبعه وآمن به وصدقه ولم یزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (5).

الهجرة إلى الحبشة

لما رأى رسول الله (صلى الله علیه وآله) ما حل بأصحابه من جهد وعذاب قال لهم: ارحلوا مهاجرین إلى أرض الحبشة إلى النجاشی فإنه یحسن الجوار، فخرج فی المرة الأولى أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، خرجوا متسللین سراً، منهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه وساروا حتى وصلوا إلى الشعیبة وهی مرفأ مکة ومرسى سفنها قبل جدة، وکان ذلک فی شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة وکان من محاسن الصدف أن وجد هؤلاء المهاجرون سفینتین للتجار فحملوهم فیها إلى الحبشة.
وبلغ الخبر قریشاً فخرجوا یجدّون فی طلبهم لیحولوا بینهم وبین الهجرة ولکن وصلوا متأخرین فلم یدرکوهم وعلى کل الأحوال فقد نجا المهاجرون ولم یستطع المشرکون ردهم ویقال أنهم أقاموا فی الحبشة ثلاثة أشهر حیث کانوا یعبدون الله باطمئنان وأقاموا معالم دینهم دون أن ینالهم أذىً أو مکروه ثم أنهم بعد ذلک رجعوا إلى مکة حیث بلغهم أن قریشاً دانوا بالإسلام واتبعوا محمداً، وفعلاً رجعوا، لکن ما کادوا یصلون إلى مشارف مکة وسمع المشرکون بوصولهم حتى استقبلوهم شر استقبال ولم یتمکن أی واحد منهم من دخول مکة إلا إذا احتمى بجوار واحد من زعماء قریش. وحینها بدأت قریش تسلط ألوان العذاب على هؤلاء العائدین من الحبشة.

•• إلى الحبشة.. ثانیةً

لما رأى النبی (صلى الله علیه وآله) ما حل بأصحابه من جهد وبلاء أمر المستضعفین منهم بالهجرة بدینهم إلى الحبشة مرة أخرى وکان اختیار الحبشة داراً لهجرة المسلمین خطوة موفقة من خطوات الرسول. ولم یکن انتداب جعفر بن أبی طالب (رضی الله عنه) لهذه المهمة العظیمة أمراً اعتباطیاً ولعل ما روی من إسلام النجاشی وغیره من الأحباش على ید جعفر مما یؤکد هذا الأمر. وهذه الهجرة الثانیة لم تکن کسابقتها حیث ازداد عدد المهاجرین بنسبة ازدیاد المسلمین أولاً وشدة إیذاء قریش لهم ثانیة حتى بلغ عدد المهاجرین هذه المرة ثلاثة وثمانین رجلاً وثمانی عشرة امرأة وأمر الرسول (صلى الله علیه وآله) أن یکون جعفر بن أبی طالب أمیرهم ورئیسهم. ینظم أحوالهم ویشرف على شؤونهم علماً أنه کان أصغر الرجال المهاجرین سناً ولکن الرسول اختاره لأنه کان أرجحهم عقلاً وأوسعهم إحاطة بأحکام الإسلام ومبادئه کما کان أعظمهم شجاعة وکانت معه زوجته أسماء بنت عُمیس وحین أزمع جعفر على الرحیل مع المهاجرین خرج النبی لتودیعه ودعا له بهذه الکلمات:
(اللهم الطف به فی تیسیر کل عسیر فإن تیسیر العسیر علیک سهل یسیر، أسألک المعافاة فی الدنیا والآخرة)، وعندما رأت قریش أصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله) قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة قرر زعماؤهم أن یبعثوا فی طلبهم رجلین قدیرین إلى النجاشی لکی یردوا المهاجرین فمارسوا معهم من جدید الفتنة والاضطهاد واتجه الوافدان عمرو بن العاص وعبد الله بن أبی ربیعة إلى الحبشة وهما یحملان الهدایا للنجاشی ولبطارقته وحین رأى أبو طالب ذلک بعث للنجاشی أبیاتا یحضُهُ فیها على حسن جوارهم والدفع عنهم قائلاً له:
ألا لیت شعری کیف فی النأی جعفر*** وعـــــمرو وأعــداء العدو الأقارب
فهل نالــــــت أفعال النجاشی جعفرَ*** لأصحابه أو عـــــــاق ذلک شــاغب
تعلم أبیت اللـــــعن أنـــــــک مـــاجد کریم فلا یشــــــقى لدیـــک المجانب
تعلمّ بــــــــأن الله زادک بســــــــطةً ***وأســـــــباب خـــــیر کلها بک لازبُ
وإنک فیــضٌ ذو ســـــــجال غزیرةٍ *** ینال الأعـــادی نفـــــــعها والأقاربُ
وحط عمرو بن العاص وصاحبه رحالهما بالحبشة وقابلا الزعماء من القساوسة والبطارقة ونثرا بین أیدیهم الهدایا التی حملاها إلیهم. ثم أرسلا للنجاشی هدایاه ومضیا یوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمین المهاجرین ویستنجدان بهم لحمل النجاشی على إخراجهم من بلاده وکان عمرو بن العاص قد أقنع البطارقة - وهم قواد الجیش - بأن هذا الدین الجدید سیقضی على نصرانیتهم إذا ما سمحوا له بالانتشار واتفق معهم على أن یقنعوا الملک بتسلیم هؤلاء المهاجرین إلى قومهم ولا یکلمهم فإن قومهم أعلم بهم وأعلم بما عابوا علیهم.
وتحدد یوم اللقاء مع النجاشی وفی مجلسه الذی یسوده الهدوء والوقار. جلس النجاشی على کرسیه العالی تحف به الأساقفة ورجال الحاشیة وجلس أمامه المسلمون المهاجرون تزدانهم السکینة ویطمئنهم الإیمان بوعده تعالى. وعندها اتجه عمرو ورفیقه إلى النجاشی وعرضا علیه طلبهما بتسلیمهما المهاجرین. وقالت البطارقة من حوله صدقا أیها الملک، قومهم أعلم بما عابوا علیهم فأسلمهم إلیهما.
غضب النجاشی وقال: لا والله إذن لا أسلمهم إلیهما ولا یکاد قوم جاورونی ونزلوا بلادی واختارونی على من سوای حتى أوعدهم فأسألهم عما یقول هذان فی أمرهم فإن کانوا کما یقولون أسلمهم إلیهما، وإن کانوا غیر ذلک منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاورونی.
وما لبث النجاشی أن سأل المهاجرین عن طبیعة الدین الذی دفعهم إلى مفارقة قومهم، فتقدم جعفر بن أبی طالب لیؤدی المهمة التی کان رسول الله (صلى الله علیه وآله) قد اختاره لها وبکل هدوء ورباطة جأش، قال: (أیها الملک کنا قوماً أهل جاهلیة نعبد الأصنام ونأکل المیتة ونأتی الفواحش ونقطع الأرحام ونسیء الجوار ویأکل القوی منا الضعیف فکنا على ذلک حتى بعث الله إلینا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما کنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحدیث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والکف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأکل مال الیتیم وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرک به شیئاً، وأمرنا بالصلاة والزکاة والصیام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعدا علینا قومنا فعذبونا وفتنونا عن دیننا لیردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، فلما قهرونا وظلمونا وضیقوا علینا، وحالوا بیننا وبین دیننا، خرجنا إلى بلادک واخترناک على من سواک ورجونا أن لا نظلم عندک أیها الملک.
فطلب منه النجاشی أن یقرأ علیه شیئاً مما جاء به الرسول (صلى الله علیه وآله) عن الله تعالى، فقال له: (هل معک مما أنزل على رسولکم شیء)، قال جعفر: نعم، قال أی شیء: فاقرأه علیّ، انبرى جعفر یتلو علیه آیات من سورة مریم بکل خشوع فبکى النجاشی حتى اخضلت لحیته وبکت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم، ثم أخذ یکفکف دموعه ویقول لمبعوثی قریش: إن هذا والذی جاء به عیسى (علیه السلام) لیخرج من مشکاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إلیکما.
لکن عمرو بن العاص لم ییأس وعاد إلى النجاشی لیجرب حظه مرة أخرى، قائلاً له: إنهم یقولون فی عیسى ابن مریم قولاً عظیماً فأرسل إلیهم فسلهم عما یقولون فیه فاستدعاهم وسألهم، فأجابه جعفر: نقول فیه الذی جاء به نبینا (صلى الله علیه وآله) هو عبد الله ورسوله وروحه وکلمته ألقاها إلى مریم العذراء البتول، فتناول النجاشی عوداً، وقال: والله ما عدا عیسى ابن مریم مما قلت هذا العود، ثم التفت صوب حاشیته وقال وسبابته تشیر إلى مبعوثی قریش: ردوا علیهما هدایاهما فلا حاجة لنا بها. فغادر عمر ورفیقه أرض الحبشة عائدین إلى مکة.
وخرج المسلمون بزعامة جعفر لیستأنفوا حیاتهم الآمنة فی الحبشة لابثین فیها حتى یأذن الله لهم بالعودة إلى رسولهم وإخوانهم ودیارهم.

•• النجاشی یُسلم..

أثر محاولة قریش الفاشلة لاسترجاع المهاجرین تعززت مکانة المسلمین المهاجرین ولاسیما جعفر (رضی الله عنه) عند النجاشی، حیث تجلت شخصیته الرصینة ومنطقه الفیاض وحسن أدبه وأخلاقه، أخذ النجاشی یلتقی جعفرَ بین الحین والآخر فتتجلى له فی کل یوم ملکاته وخصائصه العالیة أکثر فأکثر، فرأى النجاشی فیه صورة مثلى متجسدة للدین الإسلامی، ولا عجب فی هذا فشهادة النبی (صلى الله علیه وآله) صریحة بحقه لما قال له: (یا جعفر أشبهت خَلْقی وخُلُقی).
استطاع جعفر بما أوتی من منطق رصین ورجاحة عقل أن یجذب النجاشی إلى الإسلام، وما هی إلا فترة یسیرة حتى أسلم النجاشی ولکنه کتم إسلامه لئلا یبطش به قومه ویثورون علیه. ومرت سنین على جعفر (رضی الله عنه) وأصحابه فی الحبشة وکانت الأخبار تترى علیهم بانتشار الإسلام وتوطید أرکانه بعد أن تجاوز مرحلة الخطر وأصبح له کیان فی المدینة وکانوا یتابعون أنباء الانتصارات واحدة تلو الأخرى وقد امتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من أبناء إخوانه المؤمنین الذین خاضوا تلک المعارک المظفرة وکان یتلهف شوقاً إلى إخوانه الذین صدقوا ما عاهدوا الله علیه، وکان ینتظر الشهادة لیلتحق بذلک الرکب المبارک وفعلاً أقبل من الحبشة سنة 7هـ بالوقت الذی کان الرسول (صلى الله علیه وآله) یعیش فرحة الانتصارات على أعداء الله بعد أن فتح الله علیه خیبر.
ولما رآه النبی (صلى الله علیه وآله) استبشر بقدومه وضمه إلیه وقبّل ما بین عینیه، وقال: (ما أدری بأیهما أسر بقدوم جعفر أم بفتح خیبر).
نبذة من فضائله
لما التقى الناس بمؤتة جلس النبی (صلى الله علیه وآله) على المنبر وکشف له ما بینه وبین الشام فهو ینظر إلى معترکهم وأخذ یحدث المسلمین إلى أن قال: ثم أخذ الرایة جعفر بن أبی طالب، فجاءه الشیطان فمناه الحیاة وکره إلیه الموت فقال: الآن حین استحکم الإیمان فی قلوب المؤمنین تمنینی الدنیا، ثم مضى حتى استشهد فصلى علیه ودعا له ثم قال: استغفروا لأخیکم فإنه شهید دخل الجنة فهو یطیر فی الجنة بجناحین من یاقوت حیث شاء من الجنة.
وفی الحدیث أن النبی (صلى الله علیه وآله) قال: لقد رأیته فی الجنة - یعنی جعفرَ - له جناحان مضرجان بالدماء مصبوغ القوادم، وفی حدیث آخر: إن لجعفر جناحین یطیر بهما فی الجنة مع الملائکة.
وروی أیضاً أن النبی (صلى الله علیه وآله) نعى جعفر وزیداً قبل أن یجیء إلیه خبرهما، نعاهما وعیناه تذرفان. وقال (صلى الله علیه وآله): اللهم اخلف جعفرَ فی أهله کما خلفت عبداً من عبادک الصالحین.
ولما أتى النبی (صلى الله علیه وآله) نعی جعفر (رضی الله عنه) أتى إلى امرأته أسماء بنت عُمیس فعزّاها فی زوجها جعفر (رضی الله عنه) ودخلت فاطمة (علیها السلام) وهی تبکی وتقول: واعماه، فقال (صلى الله علیه وآله): (على مثل جعفر فلتبک البواکی).
وفی الاستیعاب: أتى رسول الله (صلى الله علیه وآله) نعی جعفر وزید بن حارثة، فبکى وقال: أخوای ومؤنسای ومحدثای.(6)
وفی الإصابة: کان جعفر یحب المساکین ویجلس إلیهم ویخدمهم ویخدمونه، یحدثهم ویحدثونه فکان رسول الله (صلى الله علیه وآله) یکنیه (أبا المساکین)، وفی مقاتل الطالبیین عن النبی (صلى الله علیه وآله) أنه قال:خیر الناس حمزة وجعفر وعلی.(7)
وینقل ابن أبی الحدید فی شرح نهج البلاغة: عن عبد الله بن جعفر حیث یقول: أنا أحفظ حین دخل النبی على أمی فنعى إلیها أبی فأنظر إلیه وهو یمسح على رأسی ورأس أخی وعیناه تهرقان بالدمع حتى قطرت لحیته ثم قال: اللهم أن جعفر قدم إلى أحسن الثواب فاخلفه فی ذریته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادک فی ذریته.(8)
ثم قال: یا أسماء ألا أبشرک؟ قالت: بلى بأبی وأمی، قال: فإن الله جعل لجعفر جناحین یطیر بهما فی الجنة. قالت: بأبی وأمی فأعلم الناس بذلک. فقام وأخذ بیدی یمسح بیده على رأسی حتى رقى على المنبر وأجلسنی أمامه على الدرجة السفلى وإن الحزن لیعرف علیه فتکلم فقال: (إن المرء کثیر بأخیه وابن عمه ألا إن جعفر قد استشهد وقد جعل الله له جناحین یطیر بهما فی الجنة).
ثم نزل فدخل بیته وأدخلنی وأمر بطعام فصنع لنا وأرسل إلى أخی فتغدینا عنده غداءً طیباً عمدت سلمى خادمته إلى شعیر تطحنه ثم نسفته ثم أنضجته وأدمته بزیت وجعلت علیه فلفلاً فتغدیت أنا وأخی معه وأقمنا عنده ثلاثة أیام ندور معه فی بیوت نسائه ثم أرجعنا إلى بیتنا وأتانی رسول الله (صلى الله علیه وآله) بعد ذلک وأنا أساوم فی شاة، فقال: (اللهم بارک له فی صفقته)، فو الله ما بعت شیئاً ولا اشتریت إلا بورک فیه.
وفی الحدیث عن العباس بن موسى بن جعفر (علیه السلام)، قال: سألت أبی عن المآتم، فقال: إن رسول الله (صلى الله علیه وآله) لما انتهى إلیه قتل جعفر (رضی الله عنه)، دخل على أسماء بنت عُمیس امرأة جعفر، فقال: أین بنیّ فدعت بهم وهم ثلاثة عبد الله وعون ومحمد فمسح رسول الله (صلى الله علیه وآله) على رؤوسهم فقالت: إنک تمسح رؤوسهم کأنهم أیتام فتعجب رسول الله (صلى الله علیه وآله) من عقلها، فقال: یا أسماء ألم تعلمی أن جعفر (رضی الله عنه) استشهد. فبکت فقال (صلى الله علیه وآله): لا تبکی فإن جبرائیل (علیه السلام)، أخبرنی أن له جناحین فی الجنة من یاقوت أحمر، فقالت: یا رسول الله لو جمعت الناس وأخبرتهم بفضل جعفر لا ینسى فضله، فعجب رسول الله من عقلها ثم قال (صلى الله علیه وآله): (ابعثوا إلى أهل جعفر طعاماً).
هکذا انطوت صفحة مشرقة من صفحات تاریخنا الإسلامی متمثلة فی سیر الشهید جعفر الطیار (رضی الله عنه)، فسلام علیه یوم ولد ویوم استشهد ویوم یبعث حیاً.
المزار (المدینة والأضرحة)
- محافظة (الکرک) - فی الأردن - فی حدیث المؤرّخین
لقد ذکر المؤرّخون والرحالة مدینة الکرک فی ما کتبوا من مؤلّفات فهذا الرحالة الأندلسی حمد بن أحمد بن جُبیر (ت 614هـ - 1217م) یذکر أنه سمع فی رحلته أن أربعمائة قریة کانت تتبع الکرک، وفی ذلک یقول بالنص: (بین الکرک وبین القدس مسیرة یوم أو أشفّ - أکثر - قلیلاً وهو سراة أرض فلسطین عظیم الاتساع، متصل العمارة، یذکر أنه ینتهی إلى أربعمائة قریة).
أما یاقوت الحموی (ت 626هـ - 1228م) فذکر الکرک فی من مؤلّفه الشهیر [معجم البلدان] فقال: (قلعة حصینة جداً فی طرق الشام من نواحی البلقاء فی جبالها بین أیلة (العقبة) وبحر القلزم (البحر الأحمر) وبیت المقدس، وهی على سنّ جبلٍ عال تحیط بها أودیة إلاّ من جهة الربض.(9)
ونقرأ فیما کتبه زکریا بن محمد القزوینی (ت 682هـ - 1283م) نقلاً عن الجیهانی قوله: (مؤتة من أعمال البلقاء من حدود الشام، أرضها لا تقبل الیهود ولا یتهیّأ أن یدفنوا بها). ومن عجائبها أن لا تلد بها عذراء، فإذا قربت المرأة ولادتها خرجت منها، فإذا وضعت عادت إلیها(10). والسّیوف المشرفیة منسوبة إلیها لأنّها من مشارف الشام. قال الشاعر:
أبى الله وللشمّ الأُنوف کأنَّهم صـوارم یجلوها بمؤتة صیقلُ
تضم مدینة الکرک العدید من الأماکن الدینیة، ولقد قامت على بعض تلک الأماکن أضرحة شهداء معرکة مؤتة التی تحدّثنا عنها فی الصفحات السابقة، ولعلّ أبرز تلک الأضرحة وأهمّها هی أضرحة: الشهید جعفر بن أبی طالب، وزید بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، والحارث بن النعمان، وعبد الله بن سهل، وسعد بن عامر بن النعمان القیسی وغیرهم.
ولقد سُمیت المنطقة التی دفن بها أولئک الشهداء بمدینة المزار نسبةً إلى تلک المزارات. والمدینة تبعد عن مرکز المحافظة حوالی (75 کم).
عندما تدخل مدینة (المزار) تستشعر وکأن ترابها یعبق بدماء شهداء معرکة مؤتة، على الرغم من مضی ما لا یقل عن أربعة عشر قرناً من الزمان! تستقبلک ساحة صغیرة فیها بعض الشتول الصغیرة لأشجار الصفصاف، یتوسَّطها نصب مکعَّب الشکل کتبت علیه أسماء الجلالة بالخط العربی الکوفی، وعلى شمال هذه الساحة ثمة نصب کبیر على شکل کتاب مفتوح کتبت علیه أسماء شهداء موقعة مؤتة بالخط الکوفی أیضاً. وقد أحاطت بالنصب أشجار الصفصاف بأغصانها الفارعة وبأوراقها الفضیة الجمیلة التی تتمایل وتهتز مع هواء المدینة العلیل. ویُحیط بنصب الشهداء سیاج حدیدی مطلی باللون الأسود.
تستغرب الهدوء السائد فی منطقة المزارات وما حولها حیث تتخیل نفسک وکأنک فی مدینة خارج الزمن أو خارج الکون کله لشدة الهدوء. على یمین الساحة یقع مرقد جعفر الطیّار بن أبی طالب، أما على الشمال من البوابة الکبیرة لمرقد الطیار فیستقبلک متحف وقعة مُؤتة الذی یفتح عادةً نهار یوم الجمعة من کل أسبوع. تقف قبالة البوابة الکبیرة یمتد أمامک رواق طویل تحیط به أشجار باسقة من الجانبین، یمتد هذا الرواق حتى یصل إلى باحة واسعة خُصِّصت لإقامة صلاة یوم الجمعة، وذلک فی حال عدم اتساع المکان للمصلّین فی مرقد جعفر الطیار لأداء هذه الفریضة. أما على جانبی الرواق الطویل فالجانب الأیمن لدى دخولک للمرقد قد یتکوّن من باحة کبیرة تنتهی بمرافق صحیّة قسم منها للنساء وآخر للرجال، وفی الجانب الشمالی من الرواق أنشئت مقاعد من الإسمنت لراحة واستراحة الزائرین مظلّلة بسقف واسع یحجب عن الزائرین شمس الصیف الحارقة فی تلک البلدة، وأمطار الشتاء قلیلة الهطول هناک.
ومما یثیر العجب أنّ کلّ الهدوء المحیط بالمرقد یتحول عند مواعید الصلاة إلى حضور متواصل من المصلین القادمین من المدینة حیث تغلق کل المحلات أبوابها لأداء فریضة الصلاة حیث لا یتأخر عنها أی کان إلاّ لعذر یمنعه من السیر على قدمیه ولیس هناک أجمل من منظر المصلین وهم قادمون واحداً بعد الآخر بثیابهم البیضاء وأغطیة رؤوسهم البیضاء أیضاً، ویقفون صفاً منتظماً للوضوء ثم یدخلون المرقد لأداء الصلاة وبعد الانتهاء یعود المزار إلى وحدته وخلوته إلاّ من بعض الطلاب الأجانب الذین یجلسون بکل هدوء لقراءة بعض آیات القرآن الکریم.

•• مرقد جعفر الطیار

یقع مرقد الشهید جعفر الطیار فی بقعة تبعد عن موقع معرکة مؤتة حوالی (75 کم) ولقد عُرفت المنطقة التی تضم رفات شهداء (مؤتة) بـ(المزار) نظراً لوجود مراقد ومزارات أولئک الشهداء، ولعلَّ أبرز تلک المراقد هو مرقد جعفر الطیار.
 جعفر الطیار
ولیس هناک من بین المصادر التاریخیة - التی بین یدینا - ما یوضح التاریخ الأول لإقامة العمارة على مثوى جعفر الطیار، بید أن الدکتور محمد عدنان البخیت یذکر فی کتابه [مملکة الکرک فی العهد المملوکی]: (إن الظاهر بیبرس رابع سلاطین الممالیک (ت 676هـ - 1277م) جدَّد قبر جعفر بن أبی طالب ووقف على الزائرین له شیئاً کثیراً.
ویذکر أیضاً: (إن مقام جعفر هذا قد تحوّل إلى مرکز دینی تعلیمی وإلى مرکز مجاورة. فهذا الشیخ یوسف بن خلیل یقیم به مدّة عشرین سنة، ویأخذ عنه العلم محمد بن عمر بن إبراهیم بن خلیل الجعبری).
ومتابعة موضوع عمارة قبر جعفر الطیار، وتجدید عمارته وتطورها تحتاج إلى بحث مستقل لاشک وأنه سیسد نقصاً واضحاً ومکاناً شاغراً فی رفاف المکتبة الإسلامیة والعربیة.
 جعفر الطیار
وقبل أن تدخل غرفة الضریح یقع نظرک على لوحةٍ من الرخام وضعت على الحائط قرب الباب بقیاس (100 سم عرضاً) و(80 سم طولاً) حُفِرَت وکتب علیها بخطٍ أسود فی ستة سطور: (هذا مقام الصحابی الجلیل الشهید سیدنا جعفر بن أبی طالب ابن عم رسول الله (صلى الله علیه وآله) هاجر الهجرتین وکان القائد فی معرکة مؤتة وفیها فَقَد ذراعیه ثم استشهد فأخبر الرسول أن الله قد أبدله بدلاً منها بجناحین یطیر بهما فی الجنة فسمّی (رضی الله عنه) بجعفر الطیار).
یرتفع عن الأرض حوالی متر واحد ونصف المتر تقریباً، فیما أحاط بالضریح سیاج حدیدی طُلی باللون الأخضر أیضاً یمکن تقدیره من حیث الحجم بـ(3 أمتار طولاً و2 عرضاً). بینما فرشت الأرض المحیطة بالضریح بسجاد أحمر اللون لجلوس الزائرین وأدائهم الصلاة الیومیة وصلاة یوم الجمعة، أما جدران المقام فقد عُلقت فیها سیرة الطیار على شکل لوحة جمیلة فی ثلاثة عشرة فقرة تتحدث عن نسبه، وصلاته مع الرسول (صلى الله علیه وآله) وزواجه من أسماء بنت عمیس وهجرته إلى الحبشة والمدینة وتسمیته من قبل رسول الله (صلى الله علیه وآله) بأبی المساکین واستشهاده.
وقد ذیّلت اللوحة باسم مهدیها لمرقد جعفر الطیّار المحامی الحاج أمیر کاظم الصالحی (بغداد) وبتاریخ الإهداء (7 / 4 / 1995)، وعلى بعض جدران الضریح الأخرى لوحة کُتبَ علیها أحد عشر بیتاً من القصیدة المشهورة التی یقول الشاعر فی مطلعها:
دع الأیام تفعل ما تشاءُ وطب نفساً إذا حکم القضاءُ
فی الجهة الشمالیة من مرقد جعفر الطیار ثمة سُلَّم صغیر یؤدی إلى منصة حیث مکان الخطیب فی هذا الضریح ولقد کُسِیَ السلم بالسجاد الأخضر، فیما وضعت مکتبتان خشبیتان صغیرتان إلى شمال السلم احتوت إحداهما على نسخ من القرآن الکریم بطبعات مختلفة، وأحجام متنوعة، إذ توجد هناک المصاحف الکبیرة کما تتوافر المصاحف صغیرة الحجم. أما الخزانة الخشبیة الثانیة الصغیرة ذات الأرفق الأربعة فتحتوی على مجموعة متواضعة من الکتب الإسلامیة، بعضها یتحدث عن سیرة الرسول (صلى الله علیه وآله)، وسیرة أهل بیته (علیهم الصلاة والسلام).
ومن الظاهر الإسلامیة الجمیلة التی تستحق الثناء والتقدیر فی بلدة المزار: أن أهالی المدینة لا یتخلفون عن صلاة الجماعة إلا فی حالات المرض الشدید أو السفر، والسفر حالة نادرة جداً لأهالی المزار، باستثناء قلة قلیلة من الجیل الجدید من شباب الکرک الذین غادروها والتحقوا ببعض الجامعات الأردنیة فی عَمّان وإربد، وتشکل نسبة هؤلاء بالنسبة لإجمالی عدد طلاب الجامعات هناک أقل من (1%)!
ثمة ظاهرة تلفت نظرک وأنت قریب من مرقد جعفر الطیار هی وجود مجموعات من المصلین من غیر العرب، تقترب منهم تحدثهم بلهجتک العربیة الدارجة التی تعوَّدت علیها، یجیبوک متحدثین بلسان عربی مبین، إنهم من المسلمین المالیزیین الذین یدرسون الفقه الإسلامی، وعلوم الشریعة الإسلامیة فی (جامعة مؤتة) أنشئت عام (1396هـ - 1976م) ویواظبون على أداء صلاة الجماعة وصلاة الجمعة قریباً من مقام الشهید جعفر الطیار، تعرفهم مما یرتدون من ملابس تمیزهم عن أبناء البلد، فالقمیص أبیض فضفاض، وتحته بنطال واسع من غطاء أبیض على الرأس.

•• مشروع تطویر المقامات

وسط هذا النقص فی الخدمات فی مدینة المزار یقوم منذ عام (1419هـ - 1999م) مشروع إعمار وتطویر مقامات شهداء مؤتة، وقد بدأ العمل - أول ما بدء - بالمزار الجنوبی. ویتکون المشروع من ثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: بناء مسجد الشهید جعفر بن أبی طالب، وتوسیع المرقد، وتطویره، حیث یقام مسجد واسع یتکوّن من صحن واسع له ثلاثة أروقة، وتطویر مقام زید بن حارثة، حیث سیُبنى مصلى، وصحن واسع على نظام تطویر مسجد جعفر الطیار، ولکن بشکل أصغر وتحدیداً ثلث مساحة مرقد جعفر الطیار، ویتبعه مبنى لإقامة الزائرین وحدِّد مکانه فی الخلف من مرقد زید بن حارثة من الناحیة الجنوبیة شرق ضریح الطیّار، کما سیقام ضمن خط مرحلة العمل الأولى - سوق تجاری قریب من ضریح جعفر الطیار، وسیُقام ضمن السوق برج الساعة، إذ توضع فی أعلاه ساعة کبیرة وجمیلة الشکل من جوانب البرج الأربعة.
- المرحلة الثانیة: تتکوَّن من مشروع تطویر مقامات شهداء مؤتة من إنشاء قاعة ملکیة تمتد على مساحة واسعة من الأرض فی مدینة المزار، وتقام بموازاتها جامعة العلوم الإسلامیة شرقاً، وعلى الخط نفسه سیُقام منتزه یکون ملاصقاً للساحة الخارجیة لمرقد الشهید جعفر الطیار، کما وستقام دار لتعلیم القرآن الکریم وتلاوته وتجویده.
- المرحلة الثالثة: تطویر مقام الشهید عبد الله بن رواحة، فعلى النسق نفسه الذی سیقام لمقامی جعفر وزید سیقام مقام لابن رواحة ولکن على شکل مصغَّر بعض الشیء، ویلحق به منتزهین الأول إلى جنوبه والثانی إلى غربه.
أما المدّة الزمنیة المقررة لإنجاز هذا المشروع فهو من سنتین إلى ثلاث سنوات لکل مرحلةٍ من مراحله الثلاث، والمعدَّل الزمنی مع التمدید هو حوالی عشر سنوات. وتشرف على إنجاز هذا العمل اللجنة الملکیة لإعمار المساجد ومقامات الصحابة فی الأردن. وهی ذات اللجنة التی أشرفت على إعادة ترمیم قبة الصخرة المشرّفة فی المسجد الأقصى.
بعض ما قیل عن مؤتة شعراً
یقول الشاعر حسّان بن ثابت وهو یبکی شهداء مؤتة:
تأوّبنی لــــیل بیــــــثرب أعسرُ وهمٌّ إذا ما نوّم النــــاس مسهرُ
لذکرى حبیبٍ هیـــجت لی عبره سَفوحاً وأسبابُ الــــبکاء التذکّرُ
بلى إنّ فقدانَ الحبـــــیب بلـــیّةٌ وکم من کریم یـــــبتلی ثم یصبرُ
رأیت خیار المسلمین تــواردوا شعوباً وخــــــلفاً بعـــدهم یتأخّرُ
فلا یبعدن الله قتلى تتـــــــابعوا بمؤتةَ مـنهم ذو الجناحین جعفرُ
وزیدٌ وعبد الله حین تـــــبایعوا جمــــــیعاً وأسباب المنیة تخطرُ
غداة مضوا بالمؤمنین یقودهم إلـى الموت میمونُ النقیبة أزهرُ
وبعد هذه الزیارة وبینما کانت الشمس تودِّع مدینة الکرک الهادئة الوادعة وتودِّع أضرحة الشهداء فیها من صحابة رسول الله (صلى الله علیه وآله)، کانت السیارة تعود بنا إلى عَمّان حیث ضجیج العاصمة وازدحامها. ومع أنّ المسافة ما بین الکرک وعمان لیست بالبعیدة إلاّ أننا استشعرنا وکأننا انتقلنا من عالم إلى عام آخر.. فیما بقیت أرواح شهداء مؤتة ترافقنا ویظللنا جعفر الطیار بجناحین من نور...
فی موکب الرسالة
أسلم جعفر (علیه السلام) بعد أخیه علی (علیه السلام) بقلیل وکان إسلامه قبل أن یتخذ النبی (صلى الله علیه وآله) دار الأرقم مرکزاً له. ففی الروایة عن علی بن إبراهیم: فأسلمت خدیجة (رضی الله عنها)، فکان لا یصلی إلا رسول الله (صلى الله علیه وآله) وعلی (علیه السلام) وخدیجة (رضی الله عنها) خلفه فلما أتى لذلک أیام دخل أبو طالب إلى منزل رسول الله (صلى الله علیه وآله) وعلی بجنبه یصلیان، فقال لجعفر: یا جعفر صِل جناح بن عمِک فوقف جعفر من الجانب الآخر وصلى عن یساره، وحینها قال أبو طالب لابنیه علی (علیه السلام) وجعفر (علیه السلام):
إن علـــــــیاً وجـــــــــعفرَ ثقتی عند مـــــلم الخطـــوب والکرب
والله لا أخـــــــــذل النــــبی ولا یخذله مـــن بـــــــنی ذو حسب
لا تخذلا وانصــــرا ابــن عمکما أخی لأمــــــی مـن بینهم وأبی
قال ابن إسحاق فی تسمیة السابقین إلى الإسلام: وجعفر بن أبی طالب (رضی الله عنه) وامرأته أسماء بنت عُمیس، وقال بن سعد: أسلم جعفر بن أبی طالب قبل أن یدخل رسول الله (صلى الله علیه وآله) دار الأرقم ویدعو فیها (11)، وقال الیعقوبی فی تاریخه: وأمره الله عز وجل أن ینذر عشیرته الأقربین - إلى أن قال - وأسلم یومئذ (أی یوم إنذار العشیرة) جعفر بن أبی طالب وعبیدة بن الحارث وأسلم خلق عظیم وظهر أمرهم وکثرت عدتهم وعاندوا ذوی أرحامهم من المشرکین فأخذت قریش من استضعفت منهم إلى الرجوع عن الإسلام والشتم لرسول الله (صلى الله علیه وآله).
لقد کان جعفر - إذن - من السابقین للإسلام وکان ملازماً لرسول الله ملازمة الظل یرقب أفعاله وتروکه ویسمع أقواله وعظاته ویبصر أعماله وحکمه ویقتص أثره منذ أن کان یصل جناح الرسول الأیسر فی الصلاة بعد أمیر المؤمنین (علیه السلام) وخدیجة الکبرى (رضی الله عنها).
معرکة مؤتة
والمتحدّث عن الکرک لابدّ له أن یتحدّث عن أهم أقضیتها وهو قضاء (مؤتة) الواقع على بعد عشرة کیلو مترات إلى الجنوب من الکرک.
یتحدّث یاقوت الحموی فی [معجم البلدان] تحت مفردة (مؤتة) فیقول: (مؤتة قریة من قرى البلقاء فی حدود الشام، وقیل مؤتة من مشارف الشام وبها کانت تُطبع السیوف وإلیها تُنْسب المشرفیة من السیوف).
وینقل یاقوت کلاماً عن مؤتة، فیقول: (مآب وأذرح مدینتا الشراة، على اثنی عشر میلاً من أذرح ضیعة تُعرف بمؤتة بها قبر جعفر بن أبی طالب. بعث النبی (صلى الله علیه وآله) إلیها جیشاً فی سنة ثمان للهجرة (630م) فساروا حتى إذا کانوا بتخوم البلقاء - عند أم الرَّصاص إلى الجنوب الشرقی من مأدبا - لقیتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقریة من قرى البلقاء یُقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فلقیتهم الروم فی جمع عظیم).(12)
ومؤتة تقع إلى جنوبی مدینة الکرک على مسافة عن مرکز المحافظة تقدَّر بنحو (76 کم2). ویتداخل اسم المدینة وتاریخها مع تلک المعرکة الشهیرة التی وقعت بین المسلمین والمشرکین فی العام (8هـ - 630م)، حیث قاد جیوش المسلمین جعفر بن أبی طالب (علیه السلام). وعن سبب معرکة مؤتة یذکر محمد بن عمر الواقدی (المتوفى سنة: 207هـ) فیقول: (بعث رسول الله (صلى الله علیه وآله) الحارث بن عُمَیر الأزدی ثم أحد بنی لهْب إلى ملک بخصرى وهی قطبة من أعمال الشام بکتاب، فلما نزل مُؤتة عرض له شُرَحْبیل بن عمرو الغسّانی وهو من کبار بلاط قیصر، فقال: أین ترید؟ قال: الشام، قال: لعلک من رُسُل محمد؟ قال: نعم، أنا رسول الله. فأمر به فأوثق رباطاً، ثم قدّمه فضرب عنقه صبراً. فبلغ رسول الله (صلى الله علیه وآله) الخبر فاشتد علیه، وندب الناس وأخبرهم الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسکروا بالجرف).(13)
ویضیف الواقدی أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) (خرج مشیِّعاً لأهل مؤتة حتى بلغ ثنّیة الوداع، فوقف ووقفوا حوله، فقال: اغزوا بسم الله، فقاتلوا عدوّ الله وعدوکم بالشام، وستجدون فیها رجالاً فی الصوامع (جمع صومعة وهی بیت عبادة النصارى) معتزلین للناس، فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرین للشیطان، فی رؤوسهم مفاخر فاقلعوها بالسیوف ولا تقتلُنَّ امرأة ولا صغیراً ولا مُرضعاً ولا کبیراً فانیاً، ولا تغرقنّ نخلاً ولا تقطعن شجراً ولا تهدموا بیتاً).(14)
نختصر هنا ما کتبه أبو الفداء ابن کثیر (ت: 774هـ 1372م) وهو یتحدّث عن غزوة مؤتة فیقول ما مضمونه: إن رسول الله (صلى الله علیه وآله) بعث سریة إلى مؤتة فی جمادى الأولى من سنة ثمان للهجرة فتجهَّز الناس وخرج القوم وخرج رسول الله (صلى الله علیه وآله) یشّیعهم، ثم مضوا حتى نزلوا معاناً من أرض الشام. فبلغ الناس أن هرقل (ت: 641م) قد نزل مآب من أرض البلقاء فی مائة ألف من الروم، وانضم إلیه من لخم وجذام وبلقین. أو کما یعبِّر مؤرّخ: إن هرقل إنّما نزل بمآب فی مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة فلما بلغ ذلک المسلمین أقاموا على معان لیلتین ینظرون فی أمرهم، وقالوا نکتب إلى رسول الله نخبره بعدد عدونا فإما أن یمدنا بالرجال، وإمّا أن یأمرنا بأمره فنمضی له، قال فشجَّع الناس أحدهم وقال: یا قوم والله إن التی تکرهون للتی خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة ولا کثرة ما نقاتلهم إلاّ بهذا الدین الذی أکرمنا الله به. فانطلقوا فإنّما هی إحدى الحُسنیین، إما ظهور علیهم فذلک ما وَعَدنا الله ووعدنا نبینا ولیس لوعده خُلْفٌ وإما شهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم فی الجنان.
وهکذا مضى جیش المسلمین حتى إذا کانوا بتخوم البلقاء لقیتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقریة من قرى البلقاء یقال لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قریة یقال لها (مؤتة) فالتقى الناس عندها فتعبأ لهم المسلمون. فقاتل جعفر بن أبی طالب (علیه السلام) القوم حتى قُتل، وتسلّم قیادة الجیش من بعده زید بن حارثة ثم عبد الله بن رواحة.
شهداء مؤتة:
لقد استشهد فی معرکة مؤتة کلٌ من:
1- جعفر بن أبی طالب ابن عم النبی محمد (صلّى الله علیه وآله).
2- زید بن حارثة.
3- عبد الله بن رواحة.
4- مسعود بن الأسود بن حارثة.
5- عامر بن لؤی.
6- مالک بن حُسیل.
7- وهب بن سعد بن أبی سرح.
8- سراقة بن عمرو بن عطیة.
9- الحارث بن النعمان بن یساف.
10 - عُبادة بن قیس.
ولقد أدرجت أسماء هؤلاء الشهداء فی نصب جمیل أقیم عند مدخل مؤتة.
زید بن حارثة
وفی مدینة المزار بمحافظة الکرک بالأردن إلى الغرب من مرقد جعفر الطیّار بحوالی (150 متر) یقع مرقد الشهید زید بن حارثة بن سراحیل بن کعب بن عبد العزی بن امرئ القیس بن عامر بن النعمان، وینتهی نسبه إلى (القضاعی) یذکر ابن کثیر فی [البدایة والنهایة: ج 4 ص 204] وهو یتحدث عن فضل شهداء مؤتة: (إن أم زید بن حارثة ذهبت تزور أهلها فأغارت علیهم خیل فأخذوه، فاشتراه حکیم بن حزام لعمته خدیجة بنت خویلد، وقیل اشتراه رسول الله (صلى الله علیه وآله) لها فوهبته من رسول الله (صلى الله علیه وآله) قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله (صلى الله علیه وآله) فأعتقه وزوّجه مولاته أم أیمن، واسمها برکة، فولدت له أسامة بن زید).
استشهد زید بن حارثة فی مؤتة عام (8هـ - 630م) ودُفن فی ذات البقعة التی دُفن فیها جعفر الطیار على مسافة (150 متراً) حیث یقع قبر ابن حارثة فی ضریح صغیر لا تزید مساحته عن (12 متراً مربعاً - 3×4) تحیط بغرفة القبر حدیقة متواضعة، ولا یُفتح المرقد أمام الزائرین إلاّ نهار الجمعة من کل أسبوع.
عبد الله بن رواحة
الشهید عبد الله بن رواحة واحد من شهداء معرکة مؤتة، وفی نسبه یقول المؤرخون: إنه عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القیس بن عمرو بن امرئ القیس الأکبر بن مالک بن الأغر الأنصاری الخزرجی. ویقال فی إسلامه: (إنه أسلم قدیماً وشَهِدَ العقبة، وکان أحد النقباء - لیلتها - لبنی الحارث بن الخزرج، وشَهِد بدراً وأحداً والخندق والحدیبیة وخیبر).
وعبد الله بن رواحة من شعراء صحابة رسول الله (صلى الله علیه وآله) المشهورین، ومما نُقل من شعره فی رسول الله (صلى الله علیه وآله):
وفیـــــــنا رســـــول الله نتلو کتابه***إذا انشـقّ معروفٌ من الفجر ساطعُ
یبیت یجافی جــــــنبه عـــن فراشه***إذا استثـــقلت بالمشرکین المضاجعُ
أتى بالهــــــدى بعــد العمى فقلوبنا***به موقـــــفات أنَّ مــــــــا قال واقعُ
قضى عبد الله بن رواحة شهیداً فی مؤتة، ودفن فی المزار على مسافة لا تبعد عن (100 متر) عن قبر زید بن الحارثة، وعلى بعد حوالی (250 متراً) عن جعفر بن أبی طالب.
یقع ضریح ابن رواحة وسط منتزه کبیر، فیما لم یقم بنیان على قبره على الرغم من المساحة الکبیرة هناک، اللهم إلا تلک الغرفة الصغیرة (2×3 م2) التی یتوسطها القبر، ویقوم على رعایة القبر شیخ مسن لا یفتح غرفة الضریح إلا نهار الجمعة أمام الزائرین. یلفت نظرک کثرة وجود الأطفال قریباً من مرقد ابن رواحة، تطلب من ذلک الشیخ المسن حارس القبر تفسیراً لذلک حیث لم نلمح ظاهرة وجود مجموعات من الأطفال قرب مرقدی جعفر وزید فیجیب: (إنّ الأطفال یقصدون المنتزه المحیط بضریح ابن رواحة للعب کرة القدم)، ویضیف: وکأنه یجیب عن استغرابنا لاقتصار فتح المقام على نهار الجمعة - یوم العطلة الرسمیة الأسبوعیة فی الأردن - : (إنّ عدد الزوار قلیل لانعدام الخدمات فی المرقد وما حوله، ولضیق المکان حیث لا یتسع لأکثر من ثلاثة أشخاص ولا توجد قریباً منه مرافق صحیة وأماکن للوضوء).
زیارة الشهید جعفر الطیار
 جعفر الطیار
قریباً من مدخل غرفة الضریح عُلّقت لوحة یمکن تقدیر طولها بمتر واحد وعرضٍ یقدَّر بـ(60 سم)، وقد کتب علیها بخط جمیل نصّ زیارة الشهید جعفر الطیار، وکما یلی:
زیارة جعفر بن أبی طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصی أبو عبد الله ابن عم النبی (صلى الله علیه وآله) قتل شهیداً فی أرض الشام بـ(مؤتة) سنة ثمان للهجرة:
بسم الله الرحمن الرحیم
(السلام علیک یا بن عم النبی (صلى الله علیه وآله) السلام علیک یا قائد المسلمین إذ قال فیک رسول الله (صلى الله علیه وآله): (أشبهت یا جعفر خَلْقِی وخُلُقی) وکنّاکَ أبا المساکین، وقد أدَّیت الأمانة واجتنبت الخیانة من جهادک الروم حتى قتلت شهیداً صابراً بعدما قطعت یداک فعوّضک الله بهما جناحین تطیر بهما فی الجنة کما أخبر عنک النبی (صلى الله علیه وآله)، السلام علیک یا بحر العلوم وکنزها ومحیی الرسوم ومروّجها، السلام علیک یا حافظ الدین وعون المؤمنین ومروّج شریعة سید المرسلین، السلام علیک یا عضد الإسلام، السلام علیک أیها الزاهد الکامل، السلام علیک أیها الصالح التقی، السلام علیک أیها العارف المؤید والعابد المسدَّد، أشهد أنک الأمین على الدنیا والدّین وأنک بالغت فی إحیاء الدین واجتهدت فی حفظ شریعة أشرف الأولین والآخرین علیه وآله صلوات المصلین واتبعت سنن الأبرار وأشهد أنک أظهرت الحق وأبطلت الباطل وسهلتَ السبیل وأوضحت الطریق ونصرت المؤمنین والشهداء والصالحین وحَسُنَ أولئک رفیقاً. اللهم املأ قبره نوراً ورَوْحاً وریحاناً، وأسکنه فی بحبوحة من جنان النعیم برحمتک یا أرحم الراحمین).
المصادر :
1- السیرة الحلبیة /ج1: ص 165
2- البغدادی فی خزانة الأدب /ج1 ص 261
3- شرح النهج لابن أبی الحدید/ ج 14 ص 84
4- أسد الغابة: ج 7 ص 217
5- سیرة بن هشام: ج1 ص 263
6- وفی الاستیعاب /ج1، ص 548
7- وفی الإصابة /ج1، ص 238
8- ابن أبی الحدید فی شرح نهج البلاغة /ج3، ص 406
9- معجم البلدان /المجلد: 4 ص 514
10- زکریا بن محمد القزوینی /آثار البلاد وأخبار العباد/ نقلاً عن الجیهانی
11- طبقات بن سعد: ج 4 ص 23
12- معجم یاقوت /ج5، ص 254
13- محمد بن عمر الواقدی /ج2 ص 755
14- الواقدی /ج2 ص 758