معرفة المنتظَر

 






 

فالمنتظَر هو ذلك الشيء الذي يُتَرقب حُدوثه ووقوعه، وله ترابط وثيق كما قلنا مع المنتظِر والانتظار سواء على صعيد المعنى اللغوي أو الوجود الذهني، بل حتّى على مستوى الواقع العملي إذ بتحقق واحدٍ منها لا بدّ أن يتحقق الباقي بالضرورة في وجدان الفرد والمجتمع.
إلى هنا صار واضحاً عمومية المعنى اللغوي وسعة دلالته إذ يُركِّز على عنوان الشيئية وهي من أوسع المفاهيم على الاطلاق. ولكن المفهوم العقائدي يحصر هذه الشيئية في مصداق واحدٍ فقط ينصرف إليه الذهن العقيدي بمجرد التلفظ به إذ نرى اللفظ في الذهنية (المنتظِرة) الشيعية لا يحمل هذا العموم، بل ولا يتحمل هذه السعة في الدلالة، وإنما بعيداً عن الاطلاق وسعته وفراراً من الشيئيّة وشموليّتها نراه يرفض كل هذا ليدخل في حلقة الشخصنة، فلا يتبادر من المعاني لهذا النوع من الذهنية إلاّ معنى واحد ومفهوم فارد وهو (الحجّة ابن الحسن) عليه وعلى آبائه آلاف التحية والسلام. وكأنّ اللفظ خُلق له واختصّ به، فأصبح عَلماً لا يتحمل أكثر من معنى خاص وليس له أكثر من مصداق واحد.
نعم.. المنتظَر هو الثاني عشر من تلك الأنوار القدسية خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هو.. التاسع من ولد الحسين بن عليّ عليهم السلام.
هو.. ولد الحادي عشر من أئمّة الهدى الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام.
إلى هنا كان تعريفاً بالمصداق الأوحد لهذه المفردة، وبقي في البين عدّة تساؤلات تراود ذهن المثقّف المسلم:
ما هي العلاقة بين المفردة وبين هذه الشخصية حتّى لا تنصرف إلاّ إليها ولا يعرف لها معنى آخر دونها؟
ثمّ ماذا يراد وينتظَر منه؟
ثمّ بعد كل هذا وذاك ما هو الدليل على كل هذه الادعاءات؟
ولنا أن نجيب عن التساؤل الثاني بأنّ المراد والمأمول منه والمنتظَر من هذا المصداق هو تحقيق وعد الله عز وجل للمؤمنين بوراثة الأرض، وتحقيق الحكمة الإلهية من الخلق.
والوصول إلى الكمال العلمي لأقصى ما تستطيعه البشرية ومنتهى قدرة عالم الإمكان.
ننتظر منه.. بسط العدل والقسط في أرجاء المعمورة بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
ننتظر منه.. أن يُصلح ذواتنا ويأخذ بأيدينا إلى ما فيه صلاح دنيانا وأخرانا.
ننتظر منه.. أن ينظر إلينا بنظرة رحيمة نستكمل بها الكرامة عنده ثمّ لا يصرفها عنّا.
ننتظر منه.. أن يأخذ بثأر جدّه الحسين واُمّه فاطمة وجميع المستضعفين في العالم.
ننتظر منه.. أن يقبلنا في ساحة كرمه وجوده.
ننتظر منه.. أن يرينا طلعته الرشيدة وغرّته الحميدة وتكتحل نواظرنا بنظرة مِنّا إليه.
ننتظر منه.. أن يجدد ما عُطّل من أحكام كتاب الله ويشيّد ما اندرس من أعلام دين الله وسُنن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
ننتظر منه.. إعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين والمنافقين وإحياء سُنن المرسلين ودارس حكم النبيين.
ويمكننا أن نجيب بإجابة واحدة على هذه التساؤلات لما بينها من ربط وثيق باعتبار تداخلها وتشابكها فيما بينها فنقول:
هذه العلاقة بين المفردة والمصداق واللفظة ومعناها الاصطلاحي أوجدها وغرسها صاحب الشرع وخاتم الرسل محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده أئمّة الهدى ومصابيح الدجى أهل بيته وَعَيبة علمه ابتداءاً بأمير المؤمنين وختاماً بمهديها سلام الله عليهم أجمعين.
فإذا صحّ أن تكون هنالك حقائق شرعية كما عبّر عنه في الأصول فمن حقنا بل بوسعنا جداً إطلاق الحقيقة العقائدية على مثل هذا النقل والتخصيص والحصر لدورانه في فلك الفكر العقيدي بعيداً عن عالم الشرعيات والتعبديات بالمعنى المصطلح، وإن دخل في معنى الشرع والتعبد من أوسع أبوابه وأفضل طرقه باعتبار من الاعتبارات.

شذرات معرفية:

وأهديك أخي المنتظِر - جعلنا الله وإيّاك من المنتظرين حقّاً _ باقة من أزهار أحاديثهم وإضاءات من أنوار كلماتهم تحوي في طيّاتها هذه المفردة مع تعيين مصداقها وتشخيص صاحبها.
1- الصراط المستقيم: وأسند - يعني الحاجب برجاله - إلى ابن عبّاس أنه قال يوم الشورى: كم تمنعون حقّنا، وربّ البيت إنّ عليّاً هو الإمام والخليفة، وليملكنّ من ولده أئمّة أحد عشر يقضون بالحقّ أوّلهم الحسن بوصيّة أبيه إليه، ثمّ الحسين بوصيّة أخيه إليه، ثمّ ابنه عليّ بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه محمّد بوصيّة أبيه اليه، ثمّ ابنه جعفر بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه موسى بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه عليّ بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه محمّد بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه عليّ بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه الحسن بوصيّة أبيه إليه، فإذا مضى فالمنتظَر صاحب الغيبة.
قال عليم لابن عبّاس: من أين لك هذا؟ قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّم عليّاً ألف باب فتح له من كل باب ألف باب، وإنّ هذا من ثَمَّ.(1)
2- كمال الدين: عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت دعبل بن عليّ الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام قصيدتي التي أوّلها:
مدارس آيات خَلَت من تِلاوَةٍ*** وَمَنزلُ وَحي مُقفرُ العرصاتِ
فلما انتهيت إلى قولي:
خرُوجُ إمام لا محالة خارج*** يقومُ على اسم الله والبَركاتِ
يميّز فينا كلّ حقّ وباطل*** ويجزي على النعماء والنَقماتِ
بكى الامام الرضا عليه السلام بكاءاً شديداً، ثمّ رفع رأسه إليَّ فقال لي: (يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟)، فقلت: لا يا مولاي، إلاّ أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً (كما ملئت جور)، فقال: (يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم، المنتظ‍ََر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عز وجل ذلك اليوم حتّى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وأما (متى) فإخبارٌ عن الوقت، فقد حدّثني، أبي عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيتك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مَثَله مثل الساعة التي (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالأْرْضِ) (2) لا يأتيكم إلاّ بغتةً).(3)
3- كمال الدين: الصدوق بسنده عن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليهما السلام يقول: (إنّ الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثمّ سكت)، فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى عليه السلام بكاءاً شديداً، ثمّ قال: (إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظَر)، فقلت له: يا ابن رسول الله، لِمَ سُمّي القائم؟ قال: (لأنه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته)، فقلت له: ولِمَ سُمّي المنتظَر؟ قال: (لأنَّ له غيبة يكثر أيّامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزأ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلّمون).(4)
4- دلائل الإمامة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا توالت أربعة أسماء من الأئمّة من ولدي محمّد وعليّ والحسن فرابعها هو القائم المأمول المنتظَر).(5)
5- المحكم والمتشابه: في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ ...)(6) الآية، عن تفسير النعماني، بسنده عن الصادق عليه السلام ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (المشكاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمصباح الوصي والأوصياء عليهم السلام ، والزجاجة فاطمة عليها السلام، والشجرة المباركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والكوكب الدريّ القائم المنتظَر الذي يملأ الأرض عدلاً).(7)
6- الكافي: عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم)، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: (يخاف) وأومأ بيده إلى بطنه، ثمَّ قال: (يا زرارة! وهو المنتظَر، وهو الذي يُشكّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظَر، غير أنّ الله عز وجل يحبُّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون).(8)
7- مصباح المتهجّد: أخبرنا جماعة من أصحابنا، عن أبي المفضّل الشيباني، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد العابد بالدالية لفظاً، قال: سألت مولاي أبا محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام في منزله بسرَّ من رأى سنة خمس وخمسين ومائتين أن يملي عليَّ (من) الصلاة على النبي وأوصيائه عليهم السلام ، وأحضرت معي قرطاساً كبيراً، فأملى عليَّ لفظاً من غير كتاب (وقال: (اُكتب) الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم... ) ثمّ ذكر الصلاة عليه وعلى الأئمّة عليهم السلام واحداً بعد واحد إلى مولانا صاحب الزمان عليه السلام ، وقال ما هذا لفظه: (الصلاة على وليّ الأمر المنتظَر صاحب الزمان محمّد بن الحسن بن عليّ عليهم السلام: اللهم صلّ على وليّك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقَّهم، وأذهبت عنهم الرجس وطهَّرتهم تطهيراً... ) (9).

المصادر :
1- الصراط المستقيم 2: 151.
2- الأعراف: 151.
3- كمال الدين: 372/ الباب 35.
4- كمال الدين: 378/ الباب 36.
5- دلائل الإمامة: 236.
6- النور: 35.
7- المحكم والمتشابه: 25.
8- الكافي 1: 337.
9- مصباح المتهجد: 399.