الولاية عند الامام الحسين عليه السلام

 





 


حديث الولاء عند الإمام الحسين عليه‌السلام طويل وجميل ؛ فإنّه يروي الكثير من الأحاديث والأحداث التي تبحث في هذا الموضوع النوراني ، كحديث الكساء وأصحاب الكساء ونزول آية التطهير ، وحديث الثقلين الذي سيأتي تفصيله في القسم الثاني من هذا الكتاب وتفسيره عند أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي يقول فيه :
سُئل أمير المؤمنين عليه‌السلام عن معنى قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :
«إنّي مخلّف فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي». مَن العترة؟
فقال عليه‌السلام : «أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولْد الحسين ، تاسعهم مهديهم وقائمهم ، لا يُفارقون كتاب الله ولا يُفارقهم حتّى يردوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حوضه» (1).
وهذا الحديث ـ حديث الثقلين ـ من الأحاديث المتواترة لدى الأُمّة الإسلاميّة جمعاء ، وكم من كتب كُتبت عن شرح وتوضيح وإثبات وتنقيح هذا الحديث الشريف ، وهو من الأحاديث الواضحة والصريحة ، إلاّ أنّ الأيادي الآثمة التي تترصّد لفضائل أهل البيت عليهم‌السلام ، وتريد أن تبترها أو تنكرها حاولت جاهدة أن تحرف الحديث عن مساره أو معناه.
إنّ حديث أهل البيت عليهم‌السلام هو حديث الحقّ الخالص ، وإنّ حديثهم سنَّة رحمانيّة ؛ لأنّهم القرآن الناطق ، وكتاب الله هو القرآن الصامت ، فهم يفسّرون الكتاب والكتاب يؤيّدهم وينطق بفضلهم ووجوب اتّباعهم ، ولكنّ الحقّ مُرٌّ ، وهو صعب ومستصعب.
ذات يوم أتى الإمام الحسين عليه‌السلام أناس ، فقالوا له : يا أبا عبد الله ، حدّثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم.
فقال عليه‌السلام : «إنّكم لا تحتملونه ولا تُطيقونه».
قالوا : بلى نحتمل.
قال عليه‌السلام : «إن كنتم صادقين ، فليتنحّ اثنان وأحدّث واحداً ، فإن احتمله حدّثتكم».
فتنحّى اثنان وحدَّث واحداً ، فقام طائر العقل ، ومرَّ على وجهه وذهب ، فكلّمه صاحباه فلم يردَّ عليهما شيئاً ، فقاموا وانصرفوا (2).
سبحان الله! الإنسان يبقى مغروراً بنفسه وهو من أضعف المخلوقات ، ولقد وصفه تعالى بذلك فقال : (وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (3) ، فالإمام الحسين عليه‌السلام يقول لهم لا تطيقون ، ولا يريد أن يحمّلهم أكبر من طاقاتهم ، عطفاً عليهم ورحمة لهم ، وهم يصرّون على أنّهم يطيقون ويحتملون ، وما واحدهم إلاّ كأس صغير ويطمح لكي يتّسع لمياه البحر العظيم ، وإذا قال لهم البحر لن تتّسعوا اتهموه ووصفوه بالبخل أو القصور والتقصير وغير ذلك ـ والعياذ بالله ـ ، وليس عليهم إلاّ أن يلتفتوا إلى قدرهم وصغر حجمهم.

الحب في الله لأبي عبد الله عليه‌السلام

من الواجب علينا أن نتعبأ من المودّة والحبّ لأهل البيت عليهم‌السلام ليس أكثر ، فأحبَّ اُولئك الأنوار لله تعالى ولوجه الله الحقّ ، ولذواتهم المقدّسة ؛ لأنّك مفطور على هذا الحبّ ، ومأمور بتلك المودّة.
يروى أنّه وفد إلى الإمام الحسين عليه‌السلام وفد فقالوا : يابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّ أصحابنا وفدوا إلى معاوية ووفدنا نحن إليك.
فقال عليه‌السلام : «إذن أُجيزكم بأكثر ممّا يُجيزهم».
فقالوا : جُعلنا فداك! إنّما جئنا مرتادين لديننا.
قال : فطأطأ رأسه الشريف ونكت في الأرض وأطرق طويلاً ، ثم رفع رأسه فقال : «قصيرةٌ من طويلة ، مَنْ أحبّنا لم يُحبّنا لقرابةٍ بيننا وبينه ، ولا لمعروفٍ أسديناه إليه ، إنّما أحبّنا لله ورسوله ، فمَنْ أحبّنا جاء معنا يوم القيامة كهاتين ـ وقرن بين سبابتيه ـ» (4).
تأمّل ، إنّها لا تحتاج إلى طويل الشرح وكثير التفريع والتفصيل رغم أنّها تستوعب ذلك ؛ فإنّ الحبّ والوِدّ يجب أن يكون خالصاً مخلصاً لوجه الله وليس لأيّ قرابة نسبيّة أو خدمة دنيويّة ، والفاعل لها فإنّه سيُحشر معهم في يوم القيامة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «المرءُ يُحشر مع مَنْ أحب» (5).
وفي حديث آخر عن المعصوم : «أليس الدين كُله الحبَّ في اللهِ ، والبغض في الله؟» (6).
وذلك لأنّ الحبّ في الله ولله يأتي نقيّاً دون شوائب ، أمّا حبّ الدنيا فإنّه كالدنيا فيه من القاذورات والأوساخ المعنوية الشيء الكثير ، وفي رواية للإمام الحسين عليه‌السلام : «مَنْ أحبّنا لله وردنا نحن وهو على نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله هكذا ـ وضمّ إصبعيه ـ ، ومَنْ أحبّنا للدنيا فإنّ الدنيا لتسع البرّ والفاجر ، فإنّه إذا قام قائم العدل وسع عدله البرّ والفاجر» (7).
عليك يا عزيزي ليس بالحبّ فقط ، بل بالطاعة والاقتداء بأئمّتك من أهل البيت عليهم‌السلام ، والإمام الحسين عليه‌السلام عليك أن تعرفه وتعشقه وتطيعه في كلّ ما أمركَ به الشرع المقدّس ، وإلاّ كنت مدّعياً للحبّ والولاء ولست صادقاً في قولك إذا لم يقترن بالأفعال.
وللإمام الحسين عليه‌السلام الكثير من الخطب التي تُعلن عن هذا المنهج النوراني الصريح ، أعلنها الإمام عليه‌السلام على رؤوس الأشهاد ، وأمام الجيش الأموي كلّه ، وقبل ذلك أمام الملك الأوّل للدولة الأمويّة معاوية بن أبي سفيان ، وكم هي قصص الإمام مع ذلك الرجل الحاكم لأكبر دولة في العالم لذلك العصر.

طاعة الحسين عليه‌السلام مفروضة

عن موسى بن عقبة أنّه قال : لقد قيل لمعاوية أنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين عليه‌السلام ، فلو قد أمرته أن يصعد المنبر فيخطب ؛ فإنّ فيه حصراً وفي لسانه كلالة.
فقال لهم معاوية : قد ظنّنا ذلك بالحسن ، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس وفضحنا.
فلم يزالوا به حتّى قال للحسين عليه‌السلام : يا أبا عبد الله ، لو صعدت المنبر فخطبت. فصعد الحسين عليه‌السلام على المنبر فَحَمَدَ اللهَ وأثنى عليه ، وصلّى على النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسمع رجلاً يقول : مَنْ هذا الذي يخطب؟
فقال الحسين عليه‌السلام :
«نحنُ حزبُ الله الغالبون ، وعترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الأقربون ، وأهل بيته الطيّبون ، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كلُّ شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والمعوّل علينا في تفسيره ، ولا يُبطئنا تأويله ، بل نتّبع حقائقه ، فأطيعونا ؛ فإنّ طاعتنا مفروضةٌ ، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة ، قال الله عزّ وجلّ : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (8)
وقال : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً) (9).
وأحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم ؛ فإنّه لكم عدوّ مبين ، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم : (لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ منكم) (10)
فتلقون للسيوف ضرباً ، وللرماح ورداً ، وللعمد حطماً ، وللسهام غرضاً ، ثمّ لا يُقبل من نفسٍ إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً».
قال معاوية : حسبك يا أبا عبد الله فقد أبلغت (11).
هل سمعت مثل هذا البيان الواضح إلاّ من جدّه وأبويه (صلوات الله عليهم جميعاً) ، إنّهم من أهل البيت الذين زقّوا العلم زقّاً ، وآتاهم الله الحكم صغاراً وكباراً.
فطاعة أهل البيت عليهم‌السلام هي طاعة للرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبالتالي هي طاعة لله بالطول وليس بالعرض ، وآية الولاية والتصدق بالخاتم تؤكّد ذلك مع كثير من الآيات القرآنية الشريفة.
وعلينا أن نبحث عن الحقيقة ونتمسّك بها ونحافظ عليها ، لا أن نكون كمعاوية الذي لم يحفظ رسوله الكريم المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيته ، بل طغى وبغى حتّى قاتل الإمام علياً عليه‌السلام ، رأس العترة وسيّدهم في صفين ، ثمّ دسَّ السمّ إلى الإمام الحسن السبط عليه‌السلام ، وأراد الوقيعة بالإمام الحسين عليه‌السلام فلم يستطع.
وإليك أخي الكريم بعض أحوال الإمام الحسين عليه‌السلام مع ذاك الطاغيّة الباغيّة ، وأهل بيته الشجرة الملعونة في القرآن كما في سورة الإسراء المباركة ، والشجرة الخبيثة كما في سورة إبراهيم المباركة ، وأقربائهم صبية النار ، والأوزاغ الملعونين إلى يوم القيامة على لسان الحبيب المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الأطهار عليهم‌السلام.

 

المصادر :
1- معاني الأخبار ص 90 ح4.
2- الكلمة ص 51 ، عن الخرائج والجرائح 2 ص 795 ب16 ح4.
3- سورة النساء : الآية 28.
4- أعلام الدين ص 460.
5- بحار الأنوار 66 ص 80.
6- مستدرك الوسائل 15 ص 128.
7- أمالي الشيخ الطوسي 1 ص 259.
8- سورة النساء : الآية 59.
9- سورة النساء : الآية 83.
10- سورة الأنفال : الآية 48.
11- الاحتجاج 2 ص 22 ـ 23 ، مناقب ابن شهر آشوب 4 ص 67.