محفل يورك الأعظم



 

محفل يورك الأعظم والمحافل التابعة له لم تغيِّر شيئًا من نظامها القديم سنة ١٧١٧، وظلَّت مواظبة على الاجتماعات محافظةً على النسق القديم، وكذلك المحافل الماسونيَّة في أيرلندا وألمانيا وغيرهما لم تكن اجتماعاتها منتظمة ولم تتقدَّم كثيرًا، ولكن الإخوة حافظوا أشد المحافظة على نظاماتهم القديمة وطقوسهم الأصلية مع شعورهم بلزوم اتباع الخطة الجديدة التي قررها محفل مار بولس والمحافل التابعة له، وكان كثيرون من المحفل اليوركي الأعظم يظنون أن محفل مار بولس أتى شيئًا فريًّا، وأنه لا يحق له أن يحوِّر أو يغيِّر ويبدِّل في نظاماتهِ، علاوةً على ما كان متبعًا قديمًا.
ولكي لا يَدَعوه ينجح اجتهدوا في إحياء اجتماعاتهم على النسق القديم وزادوا عددهم، وإنما التغيير المهم الذي حدث بمحفل مار بولس جعل كثيرين يقبلون على الانضمام تحت لواء الماسونيَّة الحديثة (الرمزية) أكثر مما يقبلون على الماسونيَّة العملية.
وكانت الرئاسة العظمى في محفل يورك لا تزال منحصرةً في عائلة سانكلار روسلين الشهيرة، وبقي الماسون في يورك على ما تقدَّم يجتمعون اجتماعاتهم ويعيِّدون أعيادهم، ودخل بينهم جماعة من الذين لم تكن صناعتهم البناءَ، وبالاختصار إن الإخوة الذين خدموا بهذا المحفل كانوا مثالًا للفضيلة وبرهانًا على قدمية الماسونيَّة وسمو مبادئها.
ولم يتبعوا القرار الذي قرَّره محفل مار بولس كما تقدم لاعتقادهم أنه منافٍ لمبادئ الجمعية الأصلية، ولم يغيروا شيئًا من مبادئهم القديمة، ولا خضعوا للمحفل الأعظم الإنكليزي السابق ذكره وظلُّوا مستقلين في أعمالهم تخضع لهم بضعة محافل إلى أن أبدلوا الماسونيَّة القديمة بالحديثة بعد بضع سنين، كما سيأتي معنا في غير هذا المكان.
المحافل الأربعة الإنكليزية
سنة ١٧١٧للميلاد: أما المحافل الأربعة؛ أي محفل مار بولس، ومحفل كرون، ومحفل أبل تري تفرن، ومحفل كريبس تفرن، فهذا ما جرى لها:
محفل مار بولس تغيَّر اسمه ويدعى الآن محفل الآثار (الأنتيكة)، وكان يجتمع في دار كنيسة القديس بولس، ولا يزال إلى الوقت الحاضر يجتمع قانونيًّا يوم الأربعاء في رابع أسبوع من الأشهر الآتية، وهي: يناير وفبراير ومارس ومايو ويوليو وأكتوبر ونوفمبر، وهو في نمو عظيم ونجاح مستديم ولديه سجلات قديمة وآثار مختلفة غريبة ثمينة.
محفل كرون الذي كان يجتمع في باركرزلين دامت اجتماعاته نحو خمسين عامًا، وتوفي كل أعضائهِ القدماء فتلاشى.
محفل تري تفرن الذي كان يجتمع في تشارلس ستريت كثمن كاردن يظهر من السجلات أنه في سنة ١٧٢٢ حصل اختلاف بين أعضائهِ فنُقِل إلى نايف أكر واتبع الماسونيَّة الحديثة وتسجَّل بنمرة ١٠.
محفل رَمَر وكريبس تفرن الذي كان يجتمع في كَنَل رو وستمنستر نُقل إلى هورن تفرن في نيو بالس، حيث داوم اجتماعاتهِ. ولما رأى أن الماسونيَّة القديمة العملية التي حافظ عليها تكاد تتلاشى وحلَّ محلها الماسونيَّة الحديثة التي أخذت جماعة من أعضائهِ نبراسًا لها اتفق أعضاؤه أن ينضموا إلى محفل آخر حديث تحت رعاية المحفل الأكبر الإنكليزي، وكان محفل سمرست هوس من المحافل الزاهية فانضموا إليهِ.
وهذه المحافل الأربعة حافظة كل المحافظة على ترتيبها ونظامها مدة قيامها كلها، واستعملت كل حقوقها وامتيازاتها التي خوَّلتها فكانت تقبل الماسون وتولي الرئاسة للرؤساء وتنتخب موظفين وغير ذلك من الأعمال التي كانت مستقلة عن المحفل الأكبر، وأما غيرها من المحافل فلم يكن لها هذا الحق. وامتدت الماسونيَّة بعدما تقدم امتدادًا عظيمًا لا يصدَّق وعمَّت أطراف المعمور الأربعة في خمس وعشرين سنة، وأصبحت هي وحدها القابضة على زمام الأحوال.
وما لها في ذلك غاية سوى تنظيم الأعمال وتطبيقها على الشرائع الإلهية، فدخلت من إنكلترا إلى فرنسا أولًا، ثم منها إلى بَلْجِكا فهولاندا فألمانيا فأميركا فالبورتغال فإسبانيا فإيطاليا فسويسرا فاسوج فبولونيا. وفي سنة ١٧٤٠ أُنشئت المحافل العظيمة في الدنيمارك وروسيا وجزائر الأنتيل وأفريقيا والهند، ومن هناك تشعبت فعمَّت آسيا بما فيها من الجزائر والبلدان. فإذا كانت الماسونيَّة قد تركت البناء وشأنه ولم تعد تهتم به ولبثت محافظة على التقاليد والرموز الأولى التي أُنزلت عليها، وكفَّت عن إنشاء الكنائس وتشييد المعابد التي ترفع قلوب الشعب نحو الله وتصيرهم أبناءً صالحين، فإنها لم تكف قط عن عمل الخير وإنشاء ما هو خير من تشييد المنازل والقصور وزخرفة الحجارة وتزويقها؛ ألا وهو تهذيب الأخلاق.
والأمر بعمل الخير والنهي عن إتيان الشر وارتكاب المنكر آمرة بمحبة أخوية تشمل كل أعضائها مهما تفرَّقت نزعاتهم واختلفت لغاتهم وتباينت غاياتهم، وهذا سرُّ تقدمها السريع وانخراط الجميع في عددها من رفيع ووضيع شهادة حقٍّ عمَّا لها من الأيادي البيضاء تحت القبة الزرقاء.
وسنأتي إن شاء الله في الجزء التالي من هذا الكتاب على تاريخ الماسونيَّة الحديثة في كل مملكة من ممالك العالم، والله سبحانه ولي التوفيق.
وهذه المحافل الأربعة حافظة كل المحافظة على ترتيبها ونظامها مدة قيامها كلها، واستعملت كل حقوقها وامتيازاتها التي خوَّلتها فكانت تقبل الماسون وتولي الرئاسة للرؤساء وتنتخب موظفين وغير ذلك من الأعمال التي كانت مستقلة عن المحفل الأكبر، وأما غيرها من المحافل فلم يكن لها هذا الحق.
وامتدت الماسونيَّة بعدما تقدم امتدادًا عظيمًا لا يصدَّق وعمَّت أطراف المعمور الأربعة في خمس وعشرين سنة، وأصبحت هي وحدها القابضة على زمام الأحوال، وما لها في ذلك غاية سوى تنظيم الأعمال وتطبيقها على الشرائع الإلهية، فدخلت من إنكلترا إلى فرنسا أولًا، ثم منها إلى بَلْجِكا فهولاندا فألمانيا فأميركا فالبورتغال فإسبانيا فإيطاليا فسويسرا فاسوج فبولونيا. وفي سنة ١٧٤٠ أُنشئت المحافل العظيمة في الدنيمارك وروسيا وجزائر الأنتيل وأفريقيا والهند، ومن هناك تشعبت فعمَّت آسيا بما فيها من الجزائر والبلدان.
فإذا كانت الماسونيَّة قد تركت البناء وشأنه ولم تعد تهتم به ولبثت محافظة على التقاليد والرموز الأولى التي أُنزلت عليها، وكفَّت عن إنشاء الكنائس وتشييد المعابد التي ترفع قلوب الشعب نحو الله وتصيرهم أبناءً صالحين، فإنها لم تكف قط عن عمل الخير وإنشاء ما هو خير من تشييد المنازل والقصور وزخرفة الحجارة وتزويقها؛ ألا وهو تهذيب الأخلاق.
والأمر بعمل الخير والنهي عن إتيان الشر وارتكاب المنكر آمرة بمحبة أخوية تشمل كل أعضائها مهما تفرَّقت نزعاتهم واختلفت لغاتهم وتباينت غاياتهم، وهذا سرُّ تقدمها السريع وانخراط الجميع في عددها من رفيع ووضيع شهادة حقٍّ عمَّا لها من الأيادي البيضاء تحت القبة الزرقاء.
انتهينا والحمد لله من طبع ملخص تاريخ الماسونيَّة العملية، وقد اعتمدنا فيما نقلناه على تأليف بريستون وفندل الإنكليزيين وريبولد الفرنسوي وكتب أخرى من تاريخية وغيرها لا حاجة بنا إلى ذكرها وتوسعنا قليلًا عند ذكر الملوك الذين حموا هذه الجمعية أو انضموا إليها، ولم نتوسَّع في الكلام عن محفل كولونيا وغيرهِ من المحافل العملية؛ لأنه ليس لدينا تاريخ يوثق بهِ لننقل إلى القُرَّاء صحة ما تضمنه، ولكن جُلُّ ما يُروى عن مثل هذه المحافل مأخوذ من التقليدات الماسونيَّة التي تداولها الخلف عن السلف.
وقد فاتنا أشياءُ كثيرة كان الواجب أن نضعها في أماكنها، ولكننا سنستدركها في الكلام عن الماسونيَّة الرمزية فنسهب فيها عن كل مملكة من ممالك العالم التي دخلتها الماسونيَّة ونشفع ذلك بالملاحظات الواجبة.
محفل كلوينن
ومما كان ينبغي أن نسهب الكلام عنه محفل كلوينن وكيفية نشأته، وفي أي بلادٍ هو وزيادةً لإيضاح ما نشرنا عنه نقول:
إن كلوينن بلدة صغيرة على مقربةٍ من مدينة إدنبرو في اسكوتلندا فيها دير شهير قديم آثاره باقية إلى الآن — وأول ما عرف عن تاريخها الماسوني أن أخًا اسمه هيومورفيل جاءَها وبنى فيها سنة ١١٤٠ محفلًا سماه باسم القديس ونِن، وكان ذلك في حكم الملك داود الأول من ملوك اسكوتلندا، وبنى المحفل بناءُون أجانب جاءُوا من مدينة كولون في ألمانيا. ونظرًا لقدم هذا العهد يعتبر محفل كلوينن أساس الماسونيَّة الاسكوتلندية، كما أن محفل يورك أساس الماسونيَّة الإنكليزية.
وقد عفت أكثر آثار هذا المحفل، ولكن المعروف عنه إلى الآن أنه لما أُعيد تنظيم المحافل الاسكوتلندية سنة ١٥٩٨ اعترف الماسون بهذا المحفل، وجعلوا له المقام الثاني بعد محفل أدنبرج فلم يوافق أعضاؤُه على ذلك، ثم اتفق الفريقان وجعل محفل كلوينن ينشئُ فروعًا من عندهِ أشهرها محفل الهيكليين في مدينة دبلين الذي بُني سنة ١٧٤٤ أيام الماسونيَّة الرمزية، وقد اشتهر هذا المحفل كثيرًا بانضمام جماعة من المشاهير إليه، وسيأتي ذكره في المجلد الثاني عند الكلام على الماسونيَّة الرمزية.
محفل يورك
إن محفل يورك كان يعدُّ بمثابة المحفل العام لكل إنكلترا؛ وذلك لأن يورك كانت مركز اجتماع الماسون السنوي في القرن السابع عشر وما قبله وكل الكتب المحفوظة خطًّا إلى الآن تشير إلى قدميَّة هذا المحفل، وقد تفرع منه مدة وجودهِ محافل عديدة في الأنحاء المجاورة لمدينة يورك والمحفل الأعظم أيضًا في مدينة لندن، وذلك سنة ١٧١٧ وبطلت جميع المحافل الفرعية العملية حين أُلغي محفل يورك العام. ولم تنشأ لهذا المحفل فروع في غير إنكلترا.
وكان مضادًّا في مبادئهِ للماسون المعروفين بلندن باسم أثول ATHOL MASONS ولا تزال جميع وقائع هذا المحفل القديم وأوراقهِ الرسمية محفوظة بالاعتناء التام، وأوجب هذا الاعتناءُ بحفظها ثناءَ الرئيس الأعظم اللورد زيتلند، وبقية أعضاء العشيرة. وقد استعمل هذا المحفل درجة العقد الملوكي قبل إلغائهِ بقليل، وظلَّت يورك مقرَّ الماسون العام إلى سنة ١٧٩٢.
محفل ستراسبرج (ستراسبرج عاصمة الألزاس واللورين الآن)
جاء في تاريخ الأب كرانيديه عن الماسون أنه في سنة ١٢٧٥ ألَّف أروين شتينباخ جمعية من الإخوة الماسون العاملين التابعين لملل متفرقة، وذلك في مدينة ستراسبرج، وأنشأ لذلك ثلاثة فروع بثَّها في ألمانيا وفي بقية أنحاء أوروبا، حتى إذا جاءت سنة ١٤٥٩ اعترف المحفل الأعلى في راتسبون أن رئيس محفل ستراسبرج يعتبر رئيسًا أعظم مستديمًا وصادق الإمبراطور مكسيمليان على ذلك سنة ١٤٩٨. والظاهر من تاريخ فندل أنه بقي معترف بسيادة المحفل الماسوني في ستراسبرج بين الماسون الألمان إلى سنة ١٧٣١. وبقية المحافل العملية ذكرت في أماكنها ولا حاجة بنا إلى زيادة تفصيلها في هذا المقام.
وأما بعض الأغلاط فنتجت من اعتمادنا أولًا على تاريخ أمانويل ريبولد الفرنسوي، وهي أغلاط طفيفة بجانب فوائد ذلك التاريخ، وقد أصلحنا أكثرها في الحواشي مثل تهجئة أثلستان بأدلستون ودعوتهِ شقيقه أدون ابنه وغير ذلك مما لا فائدة في إعادته، وكان يجب علينا التدقيق في هذه الأمور قبل الطبع، ولكن هذا ليس بالأمر الجوهري الذي لأجلهِ وضعنا هذا الكتاب، والعصمة لله وحده في كل حال.
استدراك
جاء في الانسكلوبيذيا الماسونيَّة الإنكليزية أنه إذا رام المؤرخ المدقق أن يسهب في الكلام عن المحافل الألمانية أُجبر أن يخطَّ مجلدًا ضخمًا فيهِ مئات من الصفحات، ولا سيما إذا خطَّ ما يرويهِ الخلف عن السلف من التقليدات، أما الذي لخصناه في هذا الكتاب نقلًا عن الثقات فيفي بالغرض المقصود منه، على أننا سنوجز في الجزء التالي كما أَلْمَعْنَا إلى ذلك حالما نُفيض في الكلام عن الماسونيَّة الرمزية في كل مملكة دخلتها، وأملنا أن من يعثرُ على فائدة تاريخية لها علاقة بالماسونيَّة وفاتنا نشرها يرسلها إلينا فنضيفها إلى الطبعة الثانية، أو نلحقها بالمجلد الثاني التابع لهذا.
البنَّاءُون الأحرار التابعون لطريقة يورك والطريقة الفرنسوية (أي بناة إنكلترا وسكوتلاندا وأيرلندا وفرنسا وألمانيا وأميركا) يعتبرون مبدأ التاريخ عندهم من تاريخ الخليقة ويعبرون عنه بالنور الحقيقي، ويكون ذلك بإضافة أربعة آلاف سنة على التاريخ الميلادي، فإذا أريد مثلًا أن يعبر عن ١٨٧٦ يعبر عنه ٥٨٧٦ للنور الحقيقي وفيهِ رمز لنور البناية.
وفي الطريقة الاسكوتلندية (المسماة بالطريقة الاسكوتلندية القديمة المقبولة) يعتبر ابتداءُ التاريخ من الخليقة أيضًا، ولكن بناة هذه الطريقة يتبعون الطريقة العبرية ويعتبرون سنة ١٨٧٦ سنة ٥٦٣٦، ويعتبرون أيضًا الأشهر العبرية، وبناءً على ما ذكر فالسنة تنتهي في يوم ١٦ سبتمبر، والسنة الجديدة تبتدئُ في ١٧ منه الموافق لأول تشرين، وفي الطريقة القديمة الأصلية يعتبر التاريخ المصري .. للدلالة على مدة طويلة غير محدودة.
وفي طريقة يورك تبتدئُ السنة في أول يناير، ولكن في الطريقة الفرنسوية تبتدئُ السنة من أول مارس، ويكون بدل ذكر اسم الشهر ترتيبه مثلًا أول يناير سنة ١٨٧٦ يعبر عنه باليوم الأول من الشهر الحادي عشر من سنة ٥٨٧٦ للنور الحقيقي.
وبناة طريقة العقد الملوكي يؤرخون بالابتداء من بناءِ الهيكل الثاني؛ أي قبل التاريخ الميلادي ٥٣٠ سنة، وبناءً على ذلك، فسنة ١٨٧٦ يوضع هكذا ٢٤٠٦ من الأنباءِ في البناية المقاميَّة.
المصدر: راسخون2017