الحکومة الاسلامیة فی زمن الغیبة



 

لقد تحدثنا فی الدرس السابق عن أحکام الإسلام وتوقف أدائها على وجود حکومة وجهاز تنفیذی، ولکن یبقى هنا سؤال لا بد من الإجابة عنه فما هو هذا السؤال؟
لقد کتب اللَّه عزَّ وجلّ‏َ لصاحب العصر والزمان ( عجل الله فرجه الشریف) أن یغیب عن الناس، فحرمت الناس من برکات وجوده، وما دامت الحکمة الإلهیة قد اقتضت غیاب الإمام ( عجل الله فرجه الشریف) فهل یعنی ذلک الإلتزام بتعطیل الأحکام وعدم لزوم قیام حکومة إسلامیة تؤدی فریضة تنفیذ هذه الأحکام؟
هذا السؤال هو الأکثر اتصالاً بنا لأنه یتحدث عن عصر الغیبة الذی نعیشه، والذی قد یتحول إلى شبهة لدى البعض تدعوهم إلى إلتزام بیوتهم وعدم قیامهم بأی عمل یعود إلى تحدید مصیر المجتمع الإسلامی، بشکل ینسجم عملیاً مع مقولة فصل الدین عن السیاسة، وقد واجه الإمام الخمینی قدس سره أثناء قیامه بالدور الکبیر فی الثورة الإسلامیة المبارکة هذه الشبهة فی خطاباته وکتاباته.

شبهات حول قیام حکومة العدل‏

یمکن أن یذکر کدلیل على عدم جواز قیام الحکومة الإسلامیة فی عصر الغیبة بالعدید من الأمور ونذکر بعضها:
منها: الروایات المتعددة الواردة من أئمة أهل البیت علیهم السلام والتی وردت بذم بعض الخارجین على الحکومات فی زمانهم وذلک کروایة عیص بن القاسم حیث یقول الإمام علیه السلام : "فالخارج منّا الیوم إلى أی شی‏ء یدعوکم؟ إلى الرضا من ال محمدا؟ فنحن نشهدکم أننا لسنا نرضى به وهو یعصینا الیوم"(1).
منها: الروایات الواردة فی ذم الخروج قبل قیام القائم وأشهر هذه الروایات: "واللَّه لا یخرج أحد منا قبل خروج القائم إلا کان مثله کمثل فرخ طار من وکره قبل أن یستوی جناحاه فأخذه الصبیان فعبثوا به"(2) وروایة أبی بصیر عن الإمام الصادق علیه السلام : "کل رایة ترفع قبل قیام القائم ( عجل الله فرجه الشریف) فصاحبها طاغوت یعبد من دون اللَّه عزَّ وجلّ‏َ"(3)
منها: إن الخروج مع عدم وجود الإمام المعصوم هو إلقاء للنفس فی التهلکة وهو حرام لأن حفظ النفس واجب على المسلم.

احقاق الحق بقیام حکومة العدل‏

والجواب عن شبهة القعود وعدم القیام لاحقاق الحق واضح جداً ویمکن أن نذکره ضمن أمور أیضاً.
الأول: إن ملاحظة أحکام الإسلام التی لا تقام إلا فی ظل حکومة إسلامیة عادلة یفرض قیام الحکومة وإلا فإن ترکها سوف یؤدی إلى تعطیل الکثیر من الأحکام ومثال ذلک:
أ - الدفاع: الجهاد والدفاع عن بلاد المسلمین ودمائهم وأعراضهم واجب باتفاق کافة الفقهاء، وأداء هذا الواجب یتوقف على وجود حکومة قادرة على تجهیز المسلمین بالقدرات القتالیة وتجهیز أنواع الأسلحة التی تُمکّن المسلمین من مواجهة العدو لا سیما فی عصرنا الحاضر.
ب - إقامة الحدود: حیث تتضمن شریعة الإسلام قانون عقوبات یضع حداً للإعتداء على حقوق الناس، وهذا کله موکول إلى الحاکم الإسلامی العادل المأذون له من قبل اللَّه عزَّ وجلّ‏َ.
ج - الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر: وهو من أعظم الواجبات الإلهیة وقد ذکر له الفقهاء مراتب من الإنکار بالقلب واللسان والید، وإذا کان الإنکار بالقلب واللسان میسراً لکل مکلف فإن الإنکار بالید تتوقف فعالیته فی أکثر الحالات على وجود حکومة عدل مأذون لها من اللَّه تعالى تقوم بفرض المعروف واجتثاث المنکر. إلى سائر الأحکام الأخرى کإقامة الجمعة والجماعات والفرائض الکبرى...
من العجیب أن یقال بضرورة حفظ أموال الیتامى والغیّب والقاصرین وأموال الحقوق الشرعیة ولا یؤمنون بحفظ دماء المسلمین وأعراضهم؟ فهل یمکن أن لا یرضى الشارع بإهمال هذه الأموال الصغیرة الخاصة ویرضى بإهسامال کیان المسلمین وأموالهم وأعراضهم؟
الثانی: إن ما ورد من الروایات فی ذم بعض الخارجین زمن الأئمة علیهم السلام له علاقة بأهداف هؤلاء الخارجین، وبالمصالح فی ذلک الزمان، فالإمام کان موجوداً ولا بد وأن یکون الخروج بإذنه وهؤلاء إما أنه لم یکن خروجهم بإذن الإمام علیه السلام أو أنه کان للدعوة لأنفسهم ولیس للإمام، أو إلى سائر الأسباب التی لا تثبت لنا عدم جواز القیام وتأسیس حکومة العدل حتى فی عصر الغیبة.
وکذلک الحال فی الروایات التی وردت بلسان أن الخارج قبل قیام القائم هو طاغوت فإنها تذم ذلک الخارج الذی یدعو إلى نفسه ولا تذم وتمنع خروج من یقوم لنقض الباطل وإقامة حکومة العدل طبق الأحکام الواردة عن أهل بیت العصمة والطهارة علیهم السلام .
الثالث: إن الحدیث عن حرمة إلقاء النفس فی التهلکة غیر صحیح من أساسه لأن الواجب الذی یقضی إقامة حکومة العدل هو من أهم الفرائض الإلهیة، وکیف نفسر قیام الإمام الحسین علیه السلام فی عاشوراء، أو لیست الثورة الحسینیة مدرسة للأجیال کلها، أو لم یکن قیام الإمام الحسین علیه السلام لتعلیم الناس ألا یقروا ظالماً على ظلمه. ولذا کان الإمام الخمینی قدس سره یستحضر الثورة الکربلائیة فی خطاباته للشعب الإیرانی ویؤکد أن کل ما عندنا هو من عاشوراء.
الرابع: أنه قد وردت الروایات العدیدة فی مدح من یخرج لطلب الحق ونصرة المظلوم فقد ورد عن الإمام أبی جعفر الباقر علیه السلام: "کأنی بقوم قد خرجوا بالمشرق یطلبون الحق فلا یعطونه، ثم یطلبونه فلا یعطونه. فإذا رأوا ذلک وضعوا سیوفهم على عواتقهم فیعطون ما سألوا، فلا یقبلونه حتى یقوموا ولا یدفعونها إلا إلى صاحبکم، قتلاهم شهداء"(4)
وعن رسول اللَّه صلى الله علیه وآله وسلم : "یخرج ناس من المشرق فیوطئون للمهدی" أی یمهدون لظهوره وعن الإمام موسى الکاظم علیه السلام : "رجل من أهم قم یدعو الناس إلى الحق، یجتمع معه قوم قلوبهم کزبر الحدید، لا تزلهم الریاح العواصف، ولا یملّون من الحرب، ولا یجبنون، وعلى اللَّه یتوکلون، والعاقبة للمتقین"(5)
والخلاصة :
1 - إن غیبة الإمام صاحب العصر والزمان ( عجل الله فرجه الشریف) لا تعنی تعطیل أحکام الإسلام التی لا بد من إقامتها وإذا توقفت إقامتها على تأسیس حکومة العدل وجب ذلک.
2 - یمکن أن یذکر کدلیل على عدم جواز الخروج قبل قیام القائم أمور کالروایات الذامة لبعض الخارجین والناهیة عن الخروج قبل قیام القائم ولأنه القاء للنفس فی التهلکة.
3 - إن الجواب عن هذه الشبهة هو: أن أحکام الإسلام لا یمکن تعطیلها وهی تتوقف على وجود حاکم عادل مأذون له من اللَّه عزَّ وجلّ‏َ فالجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر هی أحکام لا تؤدى إلا فی ظل حکومة العدل. والروایات التی وردت بالذم للخارجین إنما تتحدث عمن یدعو لنفسه دون أصحاب الحق. والقیام لا یکون إلقاء للنفس فی التهلکة لأن مدرسة الإمام الحسین علیه السلام تعلمنا عدم جواز إقرار ظالم على ظلمه.

لا تجعلوا أخباری فی أول النشرات الإخباریة

سمعت أن الإمام الخمینی قدس سره قال للسید محمد الهاشمی عندما زار الإمام بصفته المدیر التنفیذی لمؤسسة الإذاعة والتلفزیون؛ أنه لا یرغب فی جعل الأخبار المرتبطة به فی صدارة النشرات الإخباریة للتلفزیون وإظهار صورته على الشاشة عند إذاعة تلک الأخبار، وقد أجاب السید الهاشمی على ذلک بالقول: إن الناس یحبون رؤیتکم وسماع أخبارکم باستمرار من التلفزیون، وعندها قال الإمام قدس سره : "إن علاقتنا بالشعب لم تتولد من خلال الإذاعة والتلفزیون، بل کانت قائمة قبل أن نسیطر على مؤسسة الإذاعة والتلفزیون، ولذلک فلا تؤثر هذه الوسیلة على علاقتنا بالشعب وعلاقة الشعب بنا"(6).

لا تتحدثوا عنی بهذا المقدار

کان الإمام لا یحب نقل القضایا المرتبطة بشخصیته فی الصحف، ویکرر القول للمسؤولین عنها: "لا تتحدثوا عنی بهذا المقدار"؛ وغایة ارتباطه بالصحف هو أن تنقل الوصایا الإرشادیة بشأن قضایا البلاد المختلفة، وفی هذا الموقف درسٌ بلیغٌ لنا. کان الإمام قدس سره یحب کثیراً أن تتحدث الصحف عن هموم الناس وما یرتبط بمطالبهم وما یخدمهم. وفی المقابل لم نلاحظ ولا مرةً واحدة أنه یرغب فی أن تقدم الصحف خدمة له مهما کانت بسیطة. رغم أن مسؤولی الصحف کانوا یترصدون أبسط إشارة من الإمام تعبّر عن مثل هذه الرغبة الشخصیة(7)
المصادر:
1- فروع الکافی، الکلینی، ج‏8، ص‏264، حدیث 381.
2- فروع الکافی، الکلینی، ج‏8، ص‏264، حدیث 382.
3- فروع الکافی، الکلینی، ج‏8، ص‏295، حدیث 452.
4- بحار الأنوار، المجلسی، ج‏52، ص‏243.
5- بحار الأنوار، المجلسی، ج‏57، ص‏216.
6- حجة الإسلام والمسلمین مسیح المهاجری، ملحق صحیفة جمهوری إسلامی بمناسبة الذکرى السنویة الثالثة لوفاة الإمام.
7- حجة الإسلام والمسلمین مسیح المهاجری، ملحق صحیفة جمهوری إسلامی بمناسبة الذکرى السنویة الثالثة لوفاة الإمام.