دعاء النبي على معاوية


من المعلوم يقيناً أن دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) مستجاب لكرامة النبي (صلى الله عليه وآله) على الله سبحانه وتعالى لأنه أفضل خلقه وخاتم أنبيائه، ولأن النبي لا يدعو لأحد أو يدعو على أحد إلاّ وهو يعلم استحقاق ذلك الشخص لدعائه له أو عليه.
ولقد نال كل من معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص حظّهما من دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) عليهما - في حال كانا مشركين أو بعد تظاهرها بالإسلامـ فقد كان هذا الرجلان وأبواهما من أشد المؤذين للنبي (صلى الله عليه وآله)، وقد كان عمرو بن العاص يقول الشعر في هجاء النبي (صلى الله عليه وآله) عند ما كان مشركاً، و "كان يعلمه صبيان مكة فينشدونه ويصيحون برسول الله إذا مرّ بهم رافعين أصواتهم بذلك الهجاء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي بالحجر: "اللهم إن عمرو بن العاص هجاني، ولستُ بشاعر، فالعنه بعدد ما هجاني"(1).
وروى أهل الحديث أن النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص، عهدوا الى سلا جمل فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد بفناء الكعبة فسال عليه، فصبر ولم يرفع رأسه، وبكى في سجوده ودعا عليهم، فجاءت إبنته فاطمة (عليها السلام) وهي باكية فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فألقته وقامت على رأسه تبكي، فرفع رأسه (صلى الله عليه وآله) وقال "اللهم عليك بقريش" قالها ثلاثاً، ثم قال رافعاً صوته: "إني مظلوم فانتصر" قالها ثلاثاً، ثم قام فدخل منزله، وذلك بعد وفاة عمه أبي طالب بشهرين.
ولشدة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أرسله أهل مكة الى النجاشي ليزهّده في الدين، وليطرد عن بلاده مهاجرة الحبشة، وليقتل جعفر بن أبي طالب عنده إن أمكنه قتله...(2)
وبعد تظاهر كل من معاوية وعمرو بالإسلام، ظلا يقترفان اُموراً جعلت النبي (صلى الله عليه وآله) يلعنهما ويدعو عليهما بدخول النار! فقد أخرج المحدثون عن أبي برزة الأسلمي، قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر، فسمع رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الآخر ويقول:
لا يزال جوادي تلوح عظامه / زوى الحرب عنه أن يجن فيقبرا
فقال النبي (صلى الله عليه وآله): "انظروا من هما؟" قال: فقالوا: معاوية وعمرو بن العاص، فرفع رسول الله يديه فقال: "اللهم اركسهما ركساً، ودُعَّهما الى النار دعّاً"!(3).
وبعد أن أورد السيوطي هذه الرواية، نقل عن بعض العلماء قولهم فيه:
لا يصح! يزيد كان يتلقّن باُجرة فيلقّن!
قال السيوطي: هذا لا يقتضي الوضع، والحديث أخرجه أحمد في مسنده: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا محمد بن فصيل به، وله شاهد من حديث إبن عباس، قال الطبراني في الكبير: حدثنا أحمد بن علي بن الجارود الاصبهاني، حدثنا عبدالله بن عباد عن سعيد الكندي، حدثنا عيسى بن الأسود والنخعي عن ليث عن طاوس عن ابن عباس، قال: سمع النبي (صلى الله عليه وآله) صوت رجلين يتغنيان وهما يقولان:
ولا يزال جوادي تلوح عظامه ذوى الحرب عنه أن يجن فيقبرا
فسأل عنهما، فقيل له: معاوية وعمرو بن العاص، فقال: "اللهم اركسهما في الفتنة ودعهما الى النار دعاً".
وقال ابن قانع في معجمه: حدثنا محمد بن عبدوس كامل، حدثنا عبدالله بن عمر، حدثنا سعيد أبو العباس التميمي، حدثنا سيف بن عمر، حدثني أبو عمر مولى إبراهيم بن طلحة عن زيد بن أسلم عن صالح عن شقران، قال: بينما نحن ليلة في سفر، إذ سمع النبي (صلى الله عليه وآله) صوتاً فقال: "ما هذا؟" فذهبت أنظر، فاذا هو معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن التابوت! يقول:
لا يزال جوادي تلوح عظامه / ذوي الحرب عنه أن يموت فيقبرا
فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته فقال: "اللهم اركسهما ركساً ودعهما الى نار جهنم دعاً"، فمات عمرو بن رفاعة قبل أن يقدم النبي (صلى الله عليه وآله) من السفر...
قال السيوطي: وهذه الرواية أزالت الاشكال، وبينت أن الوهم وقع في الحديث الأول في لفظة واحدة وهي قوله: إبن العاصي، وإنما هو ابن رفاعة، أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين والله أعلم(4).
هنا نجد مثالا آخر من أمثلة التزييف، عندما يضع بعض الأئمة الحفّاظ أيديهم في أيدي الوضاعين الكذابين المتهمين بالزندقة من أجل قلب الحقائق، وتحويل المطاعن في معاوية وعمرو الى غيرهم إن لم يجدوا سبيلا الى تحويلها الى فضائل! فالحافظ الكبير جلال الدين السيوطي يخالف كل مبادئ الأمانة العلمية من أجل دفع هذا العار عن رجلين يعتقد عدالتهما -أو لا يعتقد ولكنه يساير الجمهور- فنجده يناور مناورة عجيبة، فهو بعد أن يورد رواية الإمام أحمد ويثبت أن الحديث بهذا الإسناد لا مغمز فيه إطلاقاً، نجده يعود فيستشهد برواية الطبراني، مدعياً بأنها حلت الاشكال، ويقصد به الاشكال الذي اعتقده هو وغيره في متن الرواية،
لأن لعن النبي (صلى الله عليه وآله) لمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص -وهما صحابيان- ودعاؤه عليهما بدخول جهنم، قد أوقع اُولئك الحفّاظ في هذا المشكل، فهم يدعون من جهة أن الصحابة جميعاً من أهل الجنة، ولكن مثل هذه الروايات الصحيحة عن الأئمة الثقات توقعهم في مشكل لا يجدون للخروج منه سبيلا، فيلجؤون – بكل أسف- الى أساليب التزييف وخداع المسلمين بالادعاء أن الاشكال في الرواية إنما جاءت بسبب الخطأ في الأسماء، وبأن الشخصان المقصودان ليسا معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص الصحابيان! بل هما شخصان آخران من المنافقين! وذلك بالاعتماد على تلك الرواية التي أوردها السيوطي مدعياً بأنها حلت الاشكال، متناسياً أن في إسنادها سيف بن عمر الوضاع المتهم بالزندقة، والذي طالما اخترع أحداثاً وأشخاصاً من نسج الخيال، من أجل أن يصرف النقمة عن أسياده من أعداء الإسلام!
وإذا كان سيف معذوراً في نصرة أسياده الذين كانوا يخدمون نفس غرضه، فما هو عذر الإمام السيوطي - وهو الإمام الحافظ المتقن العليم بالحديث الخبير بالرجال- في تصحيح رواية موضوعة انتصاراً لمعاوية وعمرو، وردّ الحديث الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله) في لعنهما، وهل غاب عن السيوطي من يكون سيف بن عمر!
المصادر :
1- تفسير القرطبي 2: 126.
2- شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد 6: 282.
3- مسند ابي يعلى 13: 429، المعجم الكبير للطبراني 11: 32، مسند أحمد 5: 580 وقد حذف اسمي الرجلين وجعل مكانهما (فلان وفلان).
4- اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1: 390.