معاوية على المنبر


یذکر المؤرخ ابن كثير الدمشقي في حوادث سنة خمسين، من أن معاوية بن أبي سفيان قد همّ بنقل منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المدينة المشرّفة الى الشام، وقال: "لما حرّك المنبر خسفت الشمس فترك!"(1).
وأعود لاُذكر القارئ الكريم بأنه قد مرّ بنا في مبحث سابق أن الصحابي عبدالرحمان بن سهل الأنصاري كان قد نذر أن يقتل معاوية إن رأى منه ما قد سمع من النبي (صلى الله عليه وآله) في حقه، أو كما قال: "وأحلف بالله لئن بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبقرن بطنه أو لأموتن دونه"(2).
إلاّ أن من المؤسف أن هذه الكتب التي ترجمت لهذا الصحابي، قد اغفلت ذكر تاريخ وفاته، ولكن يغلب على الظن أنه قد توفي قبل أن يرى ما أخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معاوية، لذا فانه لم يف بنذره، فما هو ذلك الأمر يا ترى؟
قال ابن كثير:
وقد روى إبن عدي من طريق علي بن زيد -وهو ضعيف- عن أبي نضرة عن أبي سعيد. ومن حديث مجالد -وهو ضعيف أيضاً- عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه!". وأسنده أيضاً من طريق الحكم بن ظهير -وهو متروك- عن عاصم عن زر عن ابن مسعود مرفوعاً، وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحاً لبادر الصحابة الى فعل ذلك، لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم(3).
وقال السيوطي:
أبو بكر بن داود لما روى حديث: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه"هذا معاوية بن تابوت رأس المنافقين! وكان حلف أن يبول ويتغوط على منبره، وليس هو معاوية بن أبي سفيان! قال المؤلف: وهذا يحتاج الى نقل، ومن نقل هذا؟ قلت: قال ابن عساكر: هذا تأويل بعيد، والله أعلم!
ورواه بعضهم فاقبلوه بالباء الموحّدة!
(قال السيوطي): قال ابن عدي: هذا اللفظ مع بطلانه (أي فاقتلوه) قد قُرئ أيضاً بالباء الموحدة، ولا يصح أيضاً! وهو أقرب الى العقل! فان الاُمة رأوه يخطب على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم ينكروا ذلك عليه، ولا يجوز أن يقال إن الصحابة ارتدت بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) وخالفت أمره...(4).
وأخرج الخطيب عن جابر مرفوعاً: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقبلوه فانه أمين مأمون!" وقال: لم أكتب هذا الحديث إلاّ من هذا الوجه، ورجال إسناده ما بين محمد بن إسحاق وأبي الزبير كلهم مجهولون!(5).
مرة اُخرى نجد الأئمة الحفّاظ يشرّقون ويغرّبون، ويلجؤون الى إقرار الروايات المزيفة دفاعاً عن معاوية وإنقاذاً لماء وجهه ووجوه المدعين الدفاع عن الصحابة، فابن كثير وغيره يكتفون بذكر الروايات الضعيفة ويسقطونها، وآخرون يقلبون التاء باءً فيعكسون المعنى، كل ذلك دفاعاً عن معاوية بن أبي سفيان، وكأنهم بذلك إنما يدافعون عن حياض الاسلام، مع أنهم يثبتون بالروايات الصحيحة عن الأئمة الثقات بأن كل أعمال معاوية وتصرفاته كانت تستهدف هدم عرى الإسلام ومحق الشريعة والسنّة النبوية، فهذا ابن كثير نفسه يقول في حوادث سنة ستين للهجرة:
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن منصور قالا: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن سويد، قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة -يعني خارج الكوفة- الجمعة في الضحى! ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا! قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم! فقد أعطاني الله في ذلك وأنتم كارهون. رواه محمد بن سعد عن يعلى ابن عبيد عن الأعمش به!(6)
فها هو إبن كثير ينقل عن لسان معاوية اعترافه بأنه لم يقاتل أهل الكوفة لإقامة الصلاة أو إعطاء الزكاة، بل قاتلهم على الملك، ولكي يثبت معاوية بأن ولاءه وحربه ليست للاسلام، فقد أقام صلاة الجمعة في الضحى خلافاً لسنة النبي (صلى الله عليه وآله) وما تصافقت عليه الاُمة المسلمة!
وليس التكذيب والتضعيف والتزييف هو السبيل الوحيد الذي يلجأ إليه بعض اُولئك الأئمة الحفّاظ، بل والإغفال أيضاً!
فلماذا لم يستشهد ابن كثير برواية البلاذري عن الحسن (البصري) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه"، فتركوا أمره فلم يفلحوا ولم ينجحوا!
وإذا كان الإرسال عيباً في هذ الرواية، فقد أورد البلاذري رواية مسندة صحيحة عن أبي سعيد الخدري قال: إن رجلا من الأنصار أراد قتل معاوية فقلنا له: لا تسلّ السيف في عهد عمر حتى نكتب إليه، قال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه". قالوا: ونحن سمعناه ولكن لا نفعل حتى نكتب الى عمر. فكتبوا إليه فلم يأتهم جواب حتى مات!(7)
اما إنكار الروايات الصحيحة من حيث متنها، والادعاء بأن ذلك يعني مخالفة الصحابة لأوامر النبي (صلى الله عليه وآله) وهم منزهون عن ذلك، فهذا أدعى للعجب، فان من المؤكد أن الكثير من الصحابة قد خالفوا أوامر النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته وبعد مماته، وسوف نذكر بعض الموارد التي خالف فيها الصحابة أوامر نبيهم كلما دعت الحاجة لذلك إن شاء الله تعالى.
لقد أسهبت في الحديث عن معاوية دون شك، ولكن ذلك كله ماهو إلاّ غيض من فيض، وإنما قصدت من ذلك الكشف عن نواحي التزييف الذي أصاب تراثنا الإسلامي، والرد على اُولئك الذين يرفعون عقائرهم بمدح معاوية وبني اُمية، مدّعين بأن ما قيل في مثالبهم هو من اختراع أهل القرون التي اعقبت سقوط الاُمويين، فأثبتنا بأن ما ذكرناه قد جاء عن الأئمة الثقات غير المتهمين على معاوية، بل وأظهرنا كيف أن بعضهم يتصدى للدفاع عن معاوية بعد قرون متطاولة من عهده حتى لو استلزم ذلك منه أن يزيف الحقائق، فيصحح السقيم ويضعّف الصحيح من الحديث النبوي الشريف تحقيقاً لتلك الغاية.
وإن من العجب أن تجد البعض - إن لم يجد أي مبرر لمعاوية للوثوب على رقاب المسلمين ـ يلجأ الى القول بأن معاوية- وإن لم يكن من أفاضل الصحابة- إلاّ أنه كان أقدرهم على القيام بمهام الحكم، ويعتبرون ذلك عذراً كافياً له، وقد أحسن السيد رشيد رضا في الإجابة على ذلك بقوله:
"إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالباً للملك ومحباً للرئاسة، وإنني لأعتقد أنه قد وثب على هذا الأمر مفتاتاً، وأنه لم يكن له أن يحجم عن مبايعة علي بعد أن بايعه اُولو الأمر أهل الحل والعقد، وإن كان يعتقد أنه قادر على القيام بأعباء الاُمة كما يقولون، فما كل معتقد بأهليته لشيء يجوز أن ينازع فيه، وقد كان علي يعتقد أنه أحق بالخلافة، ولما بايع الناس من قبله بايع لئلا يفرق كلمة المسلمين الذي أحرج المسلمين حتى تفرقوا واقتتلوا، وبه صارت الخلافة ملكاً عضوضاً، ثم إنه جعلها وراثة في قومه الذين حولوا أمر المسلمين عن القرآن باضعاف الشورى، بل بابطالها، واستبدال الاستبداد بها حتى قال قائلهم على المنبر: (من قال لي اتق الله ضربت عنقه)!(8).
هذه كانت نتائج خروج معاوية على طاعة الخليفة الشرعي، وإشعاله نار تلك الحرب التي أودت بحياة اُلوف المسلمين، والتي انتهت أخيراً باستيلاء معاوية على السلطة بغير وجه حق، والتي كانت هدفه الأوّل من كل تلك الأعمال، من أجل أن يحقق بها هدفه الآخر - اضافة الى الملك- ألا وهو محاولة تحريف الشريعة وتغيير حكم الله، ومحق السنّة النبوية، كيداً لبني هاشم وسيدهم النبي (صلى الله عليه وآله) لما كان يحمله معاوية وتحمله بنو اُمية من ضغن لهم، حتى بلغت بمعاوية الجرأة على اتهام النبي (صلى الله عليه وآله) بالغدر! فعن عباية قال: ذُكر قتل كعب بن الأشرف عند معاوية فقال: كان قتله غدراً!
فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية، أيغدر عندك رسول الله (صلى الله عليه وآله)!؟ لا يظلّني وإياك سقف بيت أبداً(9).
نعم، لقد ظل معاوية يحارب ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وسيرته وسنّته طيلة مدة حكمه، ويظهر العداء الصريح لبني هاشم وبغض علي بن أبي طالب، ويحرّض الكذابين على وضع أخبار تستهدف النيل منه -كما سوف نتطرق إليه في موضعه- حتى صار ذلك سنة يتبعها خلفاؤه وولاتهم، فأعمال ابنه يزيد التي فاقت كل الحدود في بشاعتها ووحشيتها، من قتله الحسين بن علي وهو سبط النبي (صلى الله عليه وآله) وريحانته وأحد سيدي شباب أهل الجنة، وبعد قول النبي (صلى الله عليه وآله): "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط"(10)، وما أعقب ذلك من استباحة جنده بأمره مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقتله الصحابة وأبناءهم وختمه أعناقهم كالعبيد، وانتهاك أعراض النساء، في واقعة الحرّة الشهيرة التي لا يقدر أحد على انكارها ولا أن يجد مبرراً لها، ومن ثم هجوم جيشه على حرم الله ورميه الكعبة المشرفة بالمنجنيق حتى احترقت، كل ذلك كان بسبب الباب الذي فتحه معاوية للاجتراء على الله ورسوله والمسلمين، وحتى صار تولية الطغاة العتاة من أمثال عبيدالله بن زياد بن سمية، والحجاج بن يوسف الثقفي وخالد القسري وغيرهم ممن وطأوا المسلمين وأذلوهم وقتلوا خيارهم، سنة متبعة عند بني اُمية، ومهما أسهبنا في الحديث عن الأعمال التي ارتكبها اُولئك الخلفاء غير الشرعيين وولاتهم بحق الإسلام فاننا لن نستوفي كل ما أحدثوه، ويكفي أن نُلم إلمامة بسيطة ببعض أخبار اُولئك الولاة - دون الدخول في التفاصيل- لنعطي للقارئ فكرة مبسطة عن جرائمهم وما كانوا يحملون للإسلام من ضغن.
فالحجاج بن يوسف الثقفي يقول عن الصحابي عبدالله بن مسعود: ابن مسعود رأس المنافقين، ولو أدركته لأسقيت الأرض من دمه!
ويعترض على قراءة ابن مسعود، ويقول: يا عجباً من عبد هُذيل، يزعم أنه يقرأ قرآناً من عند الله، ما هو إلاّ رجز من رجز الأعراب، والله لو أدركتُ عبد هُذيل لضربت عنقه!
ويعترض على وجود المعوّذتين في القرآن، ويتهم ابن مسعود في قراءته وينهى عنها ويقول: ولا أجد أحداً يقرأ على قراءة ابن اُم عبد إلاّ ضربت عنقه، ولأحكّنها من المصحف ولو بضلع خنزير!(11).
قال الذهبي: قاتل الله الحجاج، ما أجرأه على الله، كيف يقول هذا في العبد الصالح عبدالله بن مسعود!(12)
وقال في ترجمته: كان ظلوماً، ناصبيّاً، جبّاراً، خبيثاً، سفّاكاً للدماء... (وذكر من أعماله): حصاره لابن الزبير بالكعبة، ورميه إياها بالمنجنيق، وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له، وتأخيره للصلوات الى أن استأصله الله، فنسبُّه ولا نحبّه، بل نبغضه في الله، فان ذلك من أوثق عرى الإيمان..(13)
وعن حبيب بن أبي ثابت، قال: قال علي(عليه السلام) لرجل: لا مُتَّ حتى تدرك فتى ثقيف. قيل يا أمير المؤمنين، ما فتى ثقيف؟ قال: ليقالنَّ له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعاً وعشرين سنة، لا يدع معصية لله إلاّ ارتكبها!
وعن إسحاق بن يزيد قال: رأيت أنساً(رضي الله عنه) مختوماً في عنقه ختمة الحجاج، أراد أن يذلّه بذلك.
وعن قتادة قال: قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجاج! قال: والله ما خرجتُ عليه حتى كفر.
وقال هشام بن حسّان: أحصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مائة ألف وعشرون ألفاً. وقال الهيثم بن عدي: مات الحجاج وفي سجنه ثمانون ألفاً، منهم ثلاثون ألف امرأة.
ولم يكتف الحجاج بكل ذلك، بل تشبّه برب العالمين -تعالى عن ذلك- فقد مرّ الحجاج في يوم جمعة، فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ قيل: أهل السجون يقولون: قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم: (اخسؤوا فيها وَلا تُكلِّمونِ)(14)، فما عاش بعد ذلك إلاّ أقل من جمعة.
وعن عمر بن عبدالعزيز، قال: لو تخابثت الاُمم، وجئنا بالحجاج لغلبناهم، ما كان يصلح لدنيا ولا لآخرة!
وقال سفيان عن منصور: ذكرت لإبراهيم لعن الحجاج أو بعض الجبابرة، فقال: أليس الله يقول: (ألا لَعنةُ اللهِ عَلى الظالمينَ)(15).
وكفى بالرجل عمىً أن يعمى عن أمر الحجاج.
وقال الأصمعي: قال عبدالملك للحجاج: إنه ليس أحد إلاّ وهو يعرف عيبه، فعب نفسك، قال: اعفني يا أمير المؤمنين; فأبى عليه، فقال: أنا لجوج حقود حسود. فقال: ما في الشيطان شرٌّ مما ذكرت(16).
يقول عبدالملك بن مروان: ذلك للحجاج، ويعرفه حق المعرفة، ومع ذلك يوليه على رقاب المسلمين في العراق والمشرق كله!
أما خالد القسري - أحد ولاة الاُمويين- فقال عنه ابن كثير:
كان رجل سوء، يقع في علي بن أبي طالب، وكانت اُمه نصرانية، وكان متهماً في دينه، وقد بنى لاُمه كنيسة في داره(17).
وقال أبو عبيدة: حدثني أبو الهذيل العلاّف، قال: صعد خالد القسري المنبر، فقال: الى كم يغلب باطلنا حقّكم، أما آن لربكم أن يغضب لكم! وكان زنديقاً، اُمه نصرانية، فكان يولي النصارى والمجوس على المسلمين، ويأمرهم بامتهانهم وضربهم، وكان أهل الذمة يشترون الجواري المسلمات ويطئنهن، فيطلق لهم ذلك ولا يغيّر عليهم!
قال: ودخل عليه فراس بن جعدة بن هبيرة وبين يديه نبق، فقال له: العن علي بن أبي طالب ولك بكل نبقة دينار، ففعل، فأعطاه بكل نبقة ديناراً!
ولم يقتصر خلفاء بني اُمية على تولية الظلمة على رقاب المسلمين، بل تعداه الى تولية الولاة الجهّال باُمور الدين، وحتى الجهل بكتاب الله، وبأبسط قواعد الشريعة، فقد قال عوانة فيما يروي عن هشام الكلبي، قال: خطبنا عتبة بن النهاس العجلي فقال:
ما أحسن شيئاً قاله الله عزّوجل في كتابه:
ليس حيٌّ على المنون بباق/غير وجه المسيّح الخلاّق!
قال: فقمت إليه فقلت: الله عزّوجل لم يقل هذا، وإنما قاله عدي بن زيد!
فقال: قاتله الله، ما ظننته إلاّ من كتاب الله، ولا نعم ما قال عدي بن زيد، ثم نزل عن المنبر.
واُتي بامرأة من الخوارج فقال: يا عدوة الله، ما خروجك على أمير المؤمنين! ألم تسمعي الى قول الله عزّوجل في كتابه:
كُتب القتل والقتال علينا/وعلى الغانيات جرّ الذيول!
فقالت: يا عدوّ الله، حملني على الخروج جهلكم بكتاب الله وإضاعتكم لحق الله(18).
هذا بعض ما أوردناه من أعمال بعض خلفاء بني اُمية وعمالهم -وهي غيض من فيض- ولا يشك من له مسكة من عقل أن هؤلاء الخلفاء والولاة كانوا لا يمتّون لروح الإسلام بصلة إلاّ في الظاهر خوفاً من ثورة الاُمة عليهم ونزع ملكهم، والمسؤول الأوّل في كل ذلك هو معاوية بن أبي سفيان ومن أعانه على بغيه بما مهّد لهم من طريق للتسلط على رقاب المسلمين، ومع ذلك تجد من المؤلفين -قديماً وحديثاً- يتفننون في اختلاق الأعذار لمعاوية وأعوانه. بل ويتفاخرون بتلقيبه بخال المؤمنين، ولا أدري لماذا ينفرد معاوية بخؤولة المؤمنين دون سواه، فان كان هو أخا اُم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي (صلى الله عليه وآله)، فان عبدالرحمان ومحمداً إبنا أبي بكر الصديق هما أخوا عائشة اُم المؤمنين زوج النبي وأحبّهن إليه -كما يقال- وهي إبنة أبي بكر الصديق أفضل من بقي بعد النبي -كما يقال- وعبدالله بن عمر ألم يكن أخا حفصة اُم المؤمنين، وإبن عمر بن الخطاب الفاروق -ثاني أفضل رجلين بعد النبي كما يقال- وابن عمر معروف بتقواه وزهده، حتى قيل: إبن عمر في زمانه أفضل من أبيه في زمانه، ويقيناً فان لزوجات النبي الاُخريات إخوة وأشقاء، إلاّ أن أحداً من كل هؤلاء لم يحظ بهذا التكريم بوصفه خالا للمؤمنين -وكلهم أفضل من معاوية- وانفرد هو وحده بهذا الشرف الرفيع! ألا يدل هذا على مدى قوة الإعلام الاُموي من جهة، ومدى تفشي الجهل في أوساط المسلمين من جهة اُخرى! حتى تنطلي عليهم هذه التخرصات، ويصدقوا أن معاوية لم يفعل ما فعله إلاّ غيرة على الإسلام والمسلمين، وإنه لم يكن يطمع في حطام الدنيا، ولا يبتغي بعمله إلاّ الآخرة، وأي غيرة هذه على الإسلام بعدما استعرضنا بعضاً من أعمال معاوية، وبعد ورود لعنه على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، وبعد قول النبي (صلى الله عليه وآله): "إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من اُمتي قتلا وتشريداً، وإن أشد قومنا لنا بغضاً بنو اُمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم"(19).
وبعد قول النبي (صلى الله عليه وآله): "ستّة لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله تعالى، والمتسلط بالجبروت فيعزّ بذلك من أذلّ الله ويذلّ من أعزّه الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرّم الله، والتارك لسنّتي"(20).
فأي مصلحة للاسلام جلبها له معاوية، وأي مفسدة دفعها عنه؟!
إن أعمال معاوية لم تكن إلاّ بدوافع عبّرت عنها اُم الخير بقولها: لإحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن اُحدية، وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبدشمس...!(21).
وقد قال الأسود بن يزيد لعائشة: ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله في الخلافة! قالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البرّ والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار(22).
فعائشة قد أثبتت أن معاوية من الفجّار وليس من الأبرار، بل إنها قرنته مع فرعون الكافر، وهو في أشد العذاب كما أخبر الله سبحانه وتعالى!
وقال سمرة بن جندب -وهو أحد أعوان معاوية وولاته-: لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبداً!(23).
ولعل أفضل وصف لمعاوية، أخرجه البلاذري عن المدائني وابن الكلبي قالا:
قال معاوية لابن الكواء اليشكري: نشدتك الله كيف تعلمني؟ فقال: أما إذ نشدتني الله، فاني أعلمك واسع الدنيا ضيّق الآخرة، قريب الرّشا بعيد المدى، تجعل الظلمة نوراً والنور ظلمة!(24).
وأود أن اُنبّه القرّاء الكرام، بأن ما ذكرناه لم يكن من باب التحامل على أحد، وكلامنا لم يصدر عن نظرة مسبقة، بل كان كل ذلك محاولة لكشف نواحي التزييف الذي تعرض له تاريخنا في أخطر وأدق مراحله، وسوف نتناول في الفصول القادمة موضوعاً أكثر خطورة وأهمية مما سبق، ألا وهو ما تعرضت له السنّة النبوية الشريفة من عملية تزييف، محاولين تبين أسبابها وأهدافها ونتائجها، والله المستعان.
المصادر :
1- البداية والنهاية 8: 45.
2- الاصابة 4: 264، الاستيعاب 2: 379 أسد الغابة 3: 471.
3- البداية والنهاية 8: 141 حوادث سنة 60.
4- اللآلي المصنوعة 1: 389، وانظر الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي 2: 382 رقم 342، كنوز الدقائق للمناوي 1: 19، تهذيب التهذيب 5: 96، ميزان الاعتدال 2: 346 رقم 5049، كتاب المجروحين لابن حبّان 2: 172، تاريخ بغداد للخطيب 1: 259 رقم 88.
5- تاريخ بغداد 12: 178 رقم 6652.
6- البداية والنهاية 8: 90 حوادث سنة 60.
7- انساب الأشراف 5: 136.
8- المنار 9: 212، وقائل ذلك هو عبدالملك بن مروان!
9- مشكل الآثار 1: 77.
10- الأدب المفرد للبخاري. باب معانقة الصبي ح 364، المستدرك 3: 177 وصححه ووافقه الذهبي، سنن الترمذي 13: 195 مناقب الحسن والحسين، سنن ابن ماجة ح 144، مسند أحمد 4: 172، 132 اُسد الغابة 2: 19، 5: 130 كنز العمال 13: 106، فيض القدير 3: 145.
11- تهذيب تاريخ دمشق 4: 72.
12- تاريخ الاسلام 6: 314.
13- سير أعلام النبلاء 4: 343.
14- المؤمنون: 108.
15- هود: 18.
16- تهذيب تاريخ دمشق 4: 72، تاريخ الإسلام 6: 314 ترجمة الحجاج.
17- البداية والنهاية 10: 20.
18- الفهرست: 119 ترجمة عوانة.
19- مستدرك الحاكم 4: 487.
20- سنن الترمذي 4: 457.
21- العقد الفريد 2: 115، صبح الاعشى 1: 297، بلاغات النساء: 57، نهاية الارب 7: 241.
22- تفسير ابن كثير 8: 131، الدر المنثور 6: 19.
23- تاريخ الطبري حوادث 53.
24- أنساب الأشراف 5: 47.