علم الغیب والمستحیل

 





 

لو ضربت الکرة البیضاء فی لعبة البلیارد لتصطدم بالکرات الأخرى کی تدخل إحداها فی الفتحة لوجدت نفسک تعاین الکرات بدقة حتى توجه الکرة البیضاء بالاتجاه الصحیح. عندها تنظر إلى الکرة البیضاء وتقول: "إذا استطعت أن أضرب الکرة هذه من هذه الزاویة فبذلک أوجهها إلى الکرة الحمراء (على سبیل الفرض) لتضربها من تلک الجهة، بعدها ستتوجه الکرة الحمراء لتضرب جدار الطاولة وترجع وتدخل فی الفتحة الأخیرة."
بهذه الطریقة أنت حددت المسار (الموقع) الذی ستتخذه الکرات والقوة اللازمة (الزخم أو السرعة) لإدخال الکرة الحمراء إلى الهدف. وهذین المعلومتین (الموقع والزخم) تکفیان لمعرفة النتیجة النهائیة أو تکفیان للتنبوء بمستقبل الکرات فی لعبة البلیارد. ونستطیع أن نقیس على ذلک کل متحرک، فنقول لو أن لدینا معلومات کافیة عن الهواء مما یتکون من ذرات وجزیئات وعن مواقع وزخم هذه الجسیمات لکان بإمکاننا التبوء مائة فی المائة عن حالة الطقس (طبعا مما یختص بالهواء فقط). ما علینا إلا أن نحسب باستخدام القوانین النیوتونیة (باستخدام کمبیوتر متطور جداً) اتجاه الجسیمات فی الهواء واصطداماتها ببعضها وتغیر مساراتها ومن ثم حالة الهواء هذا فی المستقبل وما إذا کان سیعصف أو سیهدأ وإلى أین سیتجه.
هذا ما تنص علیه القوانین النیوتونیة، فتقول هذه القوانین أنه عند معرفتنا لکل المعلومات المتوفرة عن الجسیمات المتحرکة لأمکننا التنبؤ بمستقبل الأمور. کل هذه المعلومات کانت صحیحة إلى أن أتى العلم الجدید المسمى بالمیکانیکا الکم Quantum Mechanics. ومن أبرز روادها العالم ورنر هیزنبیرج Werner Heisenberg والذی استخرج نظریة مبدأ الریبة Uncertainty Principle فی عام 1927 والذی یقول أنه لا یمکن قیاس الموقع والزخم لأی جسیم بدقة متناهیة، وإنه کلما کان قیاس أحد المتغیرین (الموقع أو الزخم) بدقة أکبر کلما کان قیاس المتغیر الآخر مشوباً بالخط أکثر. أی إذا قسنا مثلا موقع إلکترون فی لحظة من اللحظات، وأردنا أن نعرف قیمة الزخم فی تلک اللحظة لکان من الصعب معرفة هذه القیمة بوضوح، والعکس بالعکس.
لنوضح هذه الفکرة أکثر بهذا المثال: لو أننا أردنا أن نقیس موقع الإلکترون فی وقت ما، فإننا سنطلق علیه الضوء لیضرب الإلکترون وینعکس منه لیخبرنا عن مکانه، عندها نعرف أین کان الإلکترون. الآن نأتی ونقول "ما هی قیمة زخم أو سرعة الإلکترون فی اللحظة التی عرفنا فیها موقعه؟" هنا نکتشف أنه لا یمکننا معرفة هذه المعلومة عن الإلکترون وخصوصاً أن سرعته تغیرت بسبب ضرب الإلکترون بالضوء. عندما أصاب الضوء الإلکترون تغیرت سرعته بقوة دفع الضوء له (فی الحقیقة هناک مبالغة فی التصویر لتوضیح مبدأ الریبة). وتستطیع أن تقیس على هذا المثال کل شیء، فالإلکترون إنما هو یمثل کل الأجسام وإن کانت تتفاوت فی الحجم.
منا من یقول أنه إذا أصبحت لدینا أجهزة دقیقة وأفضل مما هو علیه الآن لاستطعنا معرفة المتغیرین (الموقع والزخم) بدقة أکبر، ألیس کذلک؟ الجواب هو لا، وسبب ذلک أن مبدأ الریبة إنما هو حقیقة کامنة فی کل الأجسام ولیست عجز فی الإمکانیات .
الحقیقة أنه لا یمکن أن نعرف هذین المعلومتین مهما صنعنا. کالذی یتحدى أقوى الناس بأن یقذف ریشة لیوصلها مسافة أبعد من الصخرة التی یقذفها شخص عادی القوة. صحیح أن الریشة أخف من الصخرة وأن الشخص الأول أقوى من الشخص الثانی ولکن المشکلة أن الریشة لا یمکن لها أن تصل إلى مسافات بعیدة (بالطبع بسبب وزن الریشة مقابل الهواء المعاکس).
ماذا یعنی کل هذا؟ هذا المبدأ یتکلم عن نقطة مهمة یتکلم عنها الله عز وجل، وهی أن الغیب إنما هو موضوع یختص بالله وحده، وأنه لا أحد غیر الله یستطیع معرفة الغائب عنا فی المستقبل إلا إذا أراد الله ذلک. یقول الله فی کتابه العزیز (بسم الله الرحمن الرحیم: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَیْبِ لَا یَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَیَعْلَمُ مَا فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا یَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِی ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا یَابِسٍ إِلَّا فِی کِتَابٍ مُّبِینٍ) (1)
فنحن مهما تقدمنا فی العلم فلن نستطیع التعرف على مستقبل الأمور، وهذه حقیقة علمیة. والله یقول فی هذه الآیة أنه هو الذی عنده مفاتح الغیب وأنه لا یعلمها سواه وقد دل العلم على ذلک کما وضحت سابقاً. وأکثر من ذلک أن العلم الیوم لا یقف عند حد القول أننا لا نستطیع التعرف على الغیب فی العصر الحالی ولکن یقول "أننا تبعاً لهذه القوانین لن نستطیع أبداً معرفة هذه الحقائق مهما تقدمنا فی العلم." وإن کنا نرى أن بإمکاننا التنبؤ بحالة الطقس بدقة أکبر من السابق فهذا لا یعنی أنه بإمکاننا التجاوز إلى حد المعرفة المطلقة. إنما نحن الآن فی حالة تحسین للأدوات الموجودة الیوم إلى أن نصل إلى الحد الفاصل الذی وضعه الله للتعرف على غیبیات الأمور.
بالطبع فإن الأنبیاء والرسل والأئمة یستثنون من هذه القاعدة. صحیح! أنهم لا یستطیعون معرفة الأمور المستقبلیة لوحدهم ولکن الله سبحانه یطلعهم علیها، فهم یکررون مراراً للناس أنهم لا یعرفون الغیب، ففی القرآن الکریم الکثیر من الآیات التی تدل على ذلک ومنها (بسم الله الرحمن الرحیم: عَالِمُ الْغَیْبِ فَلَا یُظْهِرُ عَلَىٰ غَیْبِهِ أَحَدًا ، إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ یَسْلُکُ مِن بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (2)
(قُل لَّا أَقُولُ لَکُمْ عِندِی خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَیْبَ وَلَا أَقُولُ لَکُمْ إِنِّی مَلَکٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا یُوحَىٰ إِلَیَّ قُلْ هَلْ یَسْتَوِی الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِیرُ أَفَلَا تَتَفَکَّرُونَ) (3)
(قُل لَّا أَمْلِکُ لِنَفْسِی نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ کُنتُ أَعْلَمُ الْغَیْبَ لَاسْتَکْثَرْتُ مِنَ الْخَیْرِ وَمَا مَسَّنِیَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِیرٌ وَبَشِیرٌ لِّقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ )(4)
إذا فإن الغیب من الأمور المختصة بالله عز وجل فقط، ولا مجال لنا أن نصل إلى علمها من الناحیة العلمیة أبداً، فإن شاء الله أطلعنا علیها وإن لم یشأ فلا حیلة لنا.
المصادر:
1- الأنعام / 59
2- الجن / 26-27
3- الأنعام /50
4- الأعراف / 188