قوله تعالى : ( وعدَ اللهُ الَّذینَ آمنُوا منکُم وعملُوا الصَّالِحاتِ لیستَخلِفَنَّهُم فی الاَرضِ کما استخلفَ الذینَ من قبلِهِم ولُیمکِنَنَّ لهُم دینَهُم الذی ارتضى لهمُ ولیُبَدِلَّنهُم مِن بعدِ خَوفِهِم أمناً یعبُدونَنی لا یُشرِکُونَ بی شَیئاً ) (1).
روى الشیخ الکلینی قدس سره بالاسناد عن عبدالله بن سنان ، قال : سألت أبا عبدالله علیه السلام عن قول الله جل جلاله ( وعدَ اللهُ الَّذینَ آمنُوا ) الآیة ، فقال علیه السلام : « هم الاَئمة علیهم السلام » (2).
وقال الطبرسی : المراد بالذین آمنوا وعملوا الصالحات النبی وأهل بیته علیهم السلام ، وتضمّنت الآیة البشارة لهم بالاستخلاف والتمکین فی البلاد وارتفاع الخوف عنهم عند قیام المهدی علیه السلام منهم ، ویکون المراد بقوله تعالى : ( کما استخلفَ الذینَ من قبلِهِم ) هو أن جعل الصالح للخلافة خلیفة مثل آدم وداود وسلیمان علیهم السلام ، ویدلّ على ذلک قوله تعالى : ( إنّی جَاعِلٌ فی الاَرضِ خلیفةً ) (3) وقوله ( یا داود إنّا جعلناکَ خلیفةً فی الاَرضِ)(4) وقوله : (فقد آتینا آلَ إبراهیمَ الکتابَ والحکمةَ وآتیناهُ مُلکاً عظیماً)(5) .
قال : وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة ، وإجماعهم حجة لقوله صلى الله علیه وآله وسلم : «إنّی تارک فیکم الثقلین کتاب الله وعترتی أهل بیتی لن یفترقا حتى یردا علیَّ الحوض » وأیضاً فإنّ التمکین فی الاَرض على الاطلاق لم یتّفق فیما مضى فهو منتظر ، لاَنّ الله عزَّ اسمه لا یخلف وعده (6).
قال الحر العاملی قدس سره : وهذا أوضح تصریح فی نقل الاجماع على رجعة النبی والاَئمة علیهم السلام ، ویظهر ذلک جلیاً من ضمائر الجمع فی الآیة (7)، ومن الافعال المستقبلة الکثیرة ، ولفظ الاستخلاف والتمکین والخوف والاَمن والعبادة وغیر ذلک من التصریحات والتلویحات التی لا تستقیم إلاّ فی الرجعة (8) .
قوله تعالى : ( قَالُوا رَبنَا أمَّتنَا اثنَتینِ وأحییتَنَا اثنتینِ فاعتَرفنَا بِذُنُوبِنَا فَهَل إلى خُروجٍ مِنْ سَبِیلٍ ) (9).
قال الشیخ المفید قدس سره : قال سبحانه مخبراً عمّن یحشر من الظالمین أنّه یقول یوم الحشر الاَکبر : ( رَبنَا أمَّتنَا اثنَتینِ ) الآیة ، وللعامة فی هذه الآیة تأویل مردود ، وهو أن قالوا : إنَّ المعنی بقوله تعالى : ( رَبنَا أمَّتنَا اثنَتینِ ) أنّه خلقهم أمواتاً بعد الحیاة ، وهذا باطل لا یجری على لسان العرب ، لاَنَّ الفعل لا یدخل إلاّ على ما کان بغیر الصفة التی انطوى اللفظ على معناها ، ومن خلقه الله مواتاً لا یقال إنّه أماته ، وإنّما یدخل ذلک فیمن طرأ علیه الموت بعد الحیاة ، کذلک لا یقال أحیا الله میتاً ، إلاّ أن یکون قبل إحیائه میتاً ، وهذا بیّن لمن تأمله .
وقد زعم بعضهم أنَّ المراد بقوله : ( رَبنَا أمَّتنَا اثنَتینِ ) الموتة التی تکون بعد حیاتهم فی القبور للمُساءلة ، فتکون الاُولى قبل الاِقبار والثانیة بعده ، وهذا أیضاً باطل من وجه آخر ، وهو أنَّ الحیاة للمساءلة لیست للتکلیف فیندم الاِنسان على ما فاته فی حیاته ، وندم القوم على ما فاتهم فی حیاتهم المرتین یدلُّ على أنّه لم یرد حیاة المساءلة ، لکنه أراد حیاة الرجعة التی تکون لتکلیفهم والندم على تفریطهم فلا یفعلون ذلک فیندمون یوم العرض على ما فاتهم من ذلک (10).
إذن فالمراد بالموتتین موتة عند انتهاء آجالهم ، والموتة الثانیة بعد عودتهم إلى الحیاة ، وتفسیر منکری الرجعة بأنَّ الموتة الثانیة قبل خلقهم حین کانوا عدماً لا یستقیم ، لاَنّ الموت لا یکون إلاّ للحی ، ویلزم هذا وجودهم أحیاء وهم فی العدم ، فلا یبقى إلاّ ما بیّناه للخروج من هذا التناقض .
قوله تعالى : ( وأقسَمُوا باللهِ جَهدَ أیمانِهِم لا یبعثُ اللهُ من یَموتُ ) إلى قوله تعالى : ( لیُبیّنَ لهُم الذی یَختلِفُونَ فِیه ولیعلمَ الذینَ کفروا أنَّهم کانُوا کاذِبین) (11) .
روى الشیخ الصدوق والکلینی وعلی بن إبراهیم والعیاشی وغیرهم أنّها نزلت فی الرجعة (12)، ولا یخفى أنّها لا تستقیم فی إنکار البعث ، لاَنّهم ما کانوا یقسمون بالله بل کانوا یقسمون باللات والعزى ، ولاَنّ التبیین إنّما یکون فی الدنیا لا فی الآخرة (13).
قوله تعالى : ( کیفَ تکفُرونَ باللهِ وکُنتُم أمواتاً فأحیاکُم ثُمَّ یُمیتُکُم ثُمَّ یُحییکُم ثم إلیه تُرجَعُونَ ) (14).
قال ابن شهرآشوب : (هذه الآیة تدلُّ على أنَّ بین رجعة الآخرة والموت حیاة أُخرى ، ولا ینکر ذلک لاَنّه قد جرى مثله فی الزمن الاَول ، قوله فی قصة بنی إسرائیل : ( ألم ترَ إلى الذینَ خرجُوا من دیارِهم ) ، وقوله فی قصة عزیر أو أرمیا : ( أو کالذِی مرَّ على قریةٍ ) ، وقوله فی قصة إبراهیم: ( ربِّ أرِنی کیف تُحیی الموتى ) ) (15).
وقال الشیخ الحر العاملی : وجه الاستدلال بهذه الآیة أنّه أثبت الاِحیاء مرتین ، ثم قال بعدها ( ثُمَّ إلیهِ تُرجعُونَ ) والمراد به القیامة قطعاً ، والعطف ـ خصوصاً بثمّ ـ ظاهر فی المغایرة ، فالاِحیاء الثانی إما فی الرجعة أو نظیر لها، وبالجملة ففیها دلالة على وقوع الاِحیاء قبل القیامة (16)
قوله تعالى : ( ونُریدُ أن نَمُنَّ على الَّذینَ استُضعفُوا فی الاَرض ونَجعَلَهُم أئمةً ونجعلهُم الوارِثینَ ) إلى قوله تعالى : ( ما کانُوا یَحذَرُون ) (17).
روى الشیخ الکلینی والصدوق بالاسناد عن الباقر والصادق علیهما السلام : «أنّ المراد بالذین استضعفوا هم الاَئمة من أهل البیت علیهم السلام وأنَّ هذه الآیة جاریة فیهم علیهم السلام إلى یوم القیامة » (18).
وروى السید الرضی قدس سره بالاسناد عن الصادق علیه السلام ، قال : « قال أمیر المؤمنین علیه السلام : لتعطفنَّ علینا الدنیا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها، ثم تلا قوله تعالى : ( ونُریدُ أن نَمُنَّ على الَّذینَ استُضعفُوا ) » (19)، وفی روایات عدیدة أنَّ ذلک یکون إذا رجعوا إلى الدنیا وقتلوا أعداءهم وملکوا الاَرض (20) .
قال الحر العاملی : وهذه الآیة تدلُّ على أنَّ المنّ على الجماعة المذکورین وجعلهم أئمة وارثین والتمکین لهم فی الاَرض وحذر أعدائهم منهم ، کلّه بعدما استضعفوا فی الاَرض ، وهل یتصور لذلک مصداق إلاّ الرجعة ، وهل یجوز التصدی لتأویلها وصرفها عن ظاهرها ودلیلها بغیر قرینة ، وضمائر الجمع وألفاظه فی المواضع الثمانیة یتعین حملها على الحقیقة ، ولا یجوز صرفها إلى تأویل بعید ولا قریب ، إلاّ أن یخرج الناظر فیها عن الانصاف ویکذّب الاَحادیث الکثیرة المتواترة فی تفسیر الآیة بالرجعة (21)
قوله تعالى : ( وحرامٌ على قریةٍ أهلَکنَاها أنَهُم لا یرجِعُونَ ) (22).
روى علی بن إبراهیم والطبرسی وغیرهما بالاسناد عن الاِمام الصادق علیه السلام قال : « کلُّ قریة أهلک الله أهلها بالعذاب لا یرجعون فی الرجعة، وأمّا فی القیامة فیرجعون ، ومن محض الاِیمان محضاً وغیرهم ممن لم یهلکوا بالعذاب ، ومحضوا الکفر محضاً یرجعون » (23)وهذه الآیة أوضح دلالة على الرجعة ، لاَنّ أحداً من أهل الاِسلام لا ینکر أنّ الناس کلهم یرجعون إلى القیامة ، من هلک ومن لم یهلک ، فقوله: (لا یَرجِعُونَ) یعنی فی الرجعة ، فأما إلى القیامة فیرجعون حتى یدخلوا النار (24).
قوله تعالى : ( إنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنا والَّذِینَ آمنُوا فی الحیاةِ الدُنیا ویومَ یقُومُ الاَشهادُ ) (25).
روی عن الاِمام الباقر والصادق علیهما السلام من عدّة طرق « أنّ هذا النصر یکون فی الرجعة ، ذلک لاَنَّ کثیراً من الاَنبیاء والاَوصیاء قُتِلوا وظُلمِوا ولم ینصروا ، وأنّ الله لا یخلف المیعاد » (26).
وسئل الشیخ المفید قدس سره فی المسائل الحاجبیة عن هذه الآیة ، حیثُ قیل له : فی هذه الآیة تأکید ، فقد أوجب تعالى بأنّه ینصرهم فی الحالین جمیعاً فی الدنیا والآخرة ، وهذا الحسین بن علی علیهما السلام حجة الله قتل مظلوماً فلم ینصره أحد ؟
فأجاب الشیخ المفید قدس سره بوجوه ، إلى أن قال : وقد قالت الاِمامیة أنَّ الله تعالى ینجز الوعد بالنصر للاَولیاء قبل الآخرة عند قیام القائم علیه السلام والکرة التی وعد بها المؤمنین ، وهذا لا یمنع من تمام الظلم علیهم حیناً مع النصر لهم فی العاقبة (27).
المصادر :
1- سورة النور 24 : 55 .
2- الکافی 1 : 150/ 3 .
3- سورة البقرة 2 : 30 .
4- سورة ص 38 : 26 .
5- سورة النساء 4 : 54 .
6- مجمع البیان ، للطبرسی 7 : 239 .
7- الایقاظ من الهجعة ، للحر العاملی : 38 .
8- المصدر السابق : 74 .
9- سورة غافر 40 : 11 .
10- المسائل السرویة : 33 .
11- سورة النحل 16 : 38 ـ 39 .
12- الکافی 8 : 50 / 14 . وتفسیر القمی 1 : 385 . وتفسیر العیاشی 2 : 259 / 26 . والاعتقادات ، للصدوق : 62 .
13- الایقاظ من الهجعة ، للعاملی : 76 .
14- سورة البقرة 2 : 28 .
15- متشابه القرآن 2 : 97 . والآیات من سورة البقرة 2 : 243 ، 259 ، 260 على التوالی .
16- الایقاظ من الهجعة ، للحر العاملی 8 : 84 .
17- سورة القصص 28 : 5 ـ 6 .
18- الکافی ، للکلینی 1 : 243 / 1 . ومعانی الاَخبار ، للصدوق : 79 .
19- خصائص الاَئمة ، للسید الرضی : 70 مجمع البحوث الاِسلامیة ـ مشهد .
20- تفسیر القمی 1 : 25 و 106 و 2 : 297 . ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سلیمان : 42 و 46 و 167 . والرجعة ، للاسترآبادی : 129 دار الاعتصام .
21- الایقاظ من الهجعة ، للحر العاملی : 75 .
22- سورة الانبیاء 21 : 95 .
23- تفسیر القمی 1 : 24 . ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سلیمان : 41 . وبحار الاَنوار ، للمجلسی 53 : 60 / 49 . والایقاظ من الهجعة ، للحر العاملی : 89 .
24- بحار الاَنوار 53 : 52 / 29 .
25- سورة غافر 40 : 51 .
26- تفسیر القمی 2 : 258 . ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سلیمان : 45 . وکامل الزیارات ، لابن قولویه : 63 / 3 .
27- المسائل الحاجبیة : 74 .