بيير بول روبنز
(1577 ـ 1640) بيير بول روبنز Pierre Paul Rubens من أعظم الفنانين الفلمنكيين في القرن السابع عشر، تجلى في أسلوبه طراز باروك[ر] الشمال في أبرز خصائصه، فجمع في بوتقة واحدة حرية الحركة في أعلى درجاتها، وألوان مدرسة البندقية بإشراقها وثراء ألوانها، والأشكال النصبية Monumentales الضخمة المستوحاة من ميكلانجلو، فجاء فنه تمجيداً للإنسانية وللحياة وللحركة، وترك آثاره البعيدة والبليغة، وعلى امتداد قرنين من الزمان، في كل من أنطوان واتو[ر] في مطلع القرن الثامن عشر، ودولاكروا[ر] ورينوار[ر] في القرن التاسع عشر.
ولد روبنز في بلدة سيغن Seigen في وستفالية Westphalia، لأب واسع النفوذ، حاصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة روما، وأم تزاول صناعة السجاد والتطريز بمهارة. ونشأ في جو مشحون بالتوتر صاحب بعث الكاثوليكية من جديد في أعقاب حركة الإصلاح الديني، مما دفع الأسرة للجوء إلى ألمانيا هرباً من الاضطرابات الدينية في الأراضي الواطئة (هولندا)، فعاش روبنز سنوات طوال في كولونيا Cologne. وعلى أثر وفاة رب الأسرة سنة 1587، عادت الأم بصحبة أبنائها إلى أنفرس (أنتورب) لتستقر بها بصورة نهائية.
ألحقته أمه في الخامسة عشرة من عمره بإحدى المدارس ليتعلم اللغة اللاتينية والآداب الكلاسيكية (الاتباعية) إلى جانب الألمانية والفرنسية والإيطالية والفلمنكية، حتى بلغ عدد اللغات التي يتحدث بها بطلاقة سبع لغات، ثم التحق بوظيفة وصيف شرف في بلاط إحدى الأميرات، ولكنه ما لبث أن غادر القصر بعد عام ليبدأ تعلم الرسم على يد رسام طبيعة مغمور، ثم على يد آدم فان نورت، وهو رسام ممتاز، لكنه كان متقلب الأطوار قاسياً على تلاميذه، فانصرف عنه بعد أربع سنوات ملتمساً العون في أوتو فينيوس Otto Voenius الذي كان دمث المعشر وسهل العيش. أحب الأستاذ تلميذه الموهوب فأشركه معه في تصوير لوحة زفاف إيزابيلا كلارا أوجيني، ابنة فيليب الثاني ملك إسبانيا. وهكذا سار الأستاذ بتلميذه حتى ملك الصنعة، ولم يغادر روبنز مرسم أستاذه إلا بعد أن أشعل الأستاذ في نفسه الرغبة في زيارة إيطاليا التي كانت قبلة الطامحين إلى المجد.
في عام 1598 قبل عضواً معلماً في رابطة الفنانين في سان ـ لوك، وفي عام 1600، سافر روبنز إلى إيطاليا لإتمام دراسته، وبعد أن طاف البلاد بطولها وعرضها، وزار مدناً كثيرة من بينها فلورنسة التي شهد فيها زواج ماريا ميديتشي من هنري الرابع، عرض أعماله الخاصة على دوق مانتوا، فألحقه الدوق بخدمته وأسكنه في قصره وعينه رساماً لبلاطه. كانت مدينة مانتوا في مستهل القرن السابع عشر كنزاً فنياً حفلت بأعمال كبار الفنانين، راح روبنز يتأملها ويدرسها وينسخها، وبعد أشهر قليلة نجح في أن يحمل الدوق على إرساله إلى روما لإتمام دراسته، فبدأ رحلته بتصوير ثلاث لوحات لمذبح كنيسة سانتا كروتشه: «القديسة هيلانة» و«التتويج بالشوك» و«رفع الصليب» وفي عام 1603 عهد إليه الدوق بمهمة دبلوماسية إلى إسبانيا وزوده ببدائع اللوحات لأساتذة الفن الإيطاليين والكثير من الهدايا إلى «فيليب الثالث» وإلى وزيره الأول «دوق ليرما». وفي المدة التي قضاها في إسبانيا استطاع أن يهدي الدوق صوراً عدة من صنعه، من بينها صورة تمثل الدوق على صهوة جواده، كما صور الكثير من الأمراء والنبلاء الإسبان، وعاد إلى مانتوا دبلوماسياً ناجحاً، ثم زار روما سنة 1606 للمرة الثانية وأتم صورة للعذراء، وبعد عام زار ميلانو حيث نسخ لوحة «العشاء الأخير» للفنان العالم ليوناردو دافنشي، ثم انتقل إلى مدينة جنوة حيث تعرف إلى الكثير من أثريائها.
شهد العقد الأخير من سني حياته نصراً مبيناً عكره انحطاط قواه الجسمية ومرض النقرس. لم يحلم أحد بأن ينازعه تفوقه في الرسم، وهرع إليه التلاميذ من كل الأنحاء، ووفدت عليه بعثات البلاط من ست ممالك. وفي صورته الشخصية في سن الستين، نرى رجلاً ما يزال مزهواً، يقبض بيده على سيف النبالة، ولكن التحول يعلو وجهه النحيل، ويتدلى جلده، وتحيط التجاعيد بعينيه، وهو رسم أنيق أمين، وفي عام 1635 ألزمه داء النقرس الفراش شهراً. وفي 1637 شلت يده فترة من الزمن، وفي 1639 عاقه هذا الداء عن التوقيع باسمه، وقضى نحبه متأثراً بالتهاب المفاصل وتصلب الشرايين.
{{Fullname}} {{Creationdate}}
{{Body}}