يحيى بن عبد الله الطالبي

يحيى بن عبد الله الطالبي

(…ـ نحو 180هـ/ … ـ 796م) يحيى بن عبد الله بن الحسن من مشاهير الطالبيين الذين ثاروا على الخلافة العباسية بغية إسقاطها والحلول محلها. فالطالبيون هم سلالة الإمام علي بن أبي طالب، كانوا يؤمنون بأن الخلافة يجب أن تكون في ذرية الإمام عليt إلا أن العباسيين سلبوهم هذا الحق، لذا يجب استرداده، وقد اتسم الدور الأول من حياة الخلافة العباسية بقيام ثورات عديدة، كان يتلوها التنكيل والقتل، ففي عهد الخليفة الهادي خرح عليه بالمدينة الحسين بن علي بن الحسن، وجرت معركة «الفخ» بين الطرفين قتل فيها الحسين وعدد كبير من أنصاره سنة 169هـ، ونجا من المعركة رجلان وهما: إدريس بن عبد الله ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي تمكن من الوصول إلى المغرب حيث نجح في تأسيس دولة هناك هي دولة الأدارسة. أما الرجل الثاني فهو أخوه يحيى بن عبد الله بن الحسن، وابن عم الحسين.

نشأ يحيى في المدينة المنورة، وكان على صلة وثيقة بجعفر بن محمد الصادق ولاغرابة في ذلك إذ كان ملازماً له، وروى عنه أحاديث كثيرة، وكان يقول «حدثني حبيبي جعفر»، كما روى عن أبيه وعن أخيه محمد. وقد روى عن يحيى عدد من المتدينين والفقهاء أمثال: عمروبن حماد، وبكار بن زياد، ويحيى بن مساور.

كان يحيى بن عبد الله يتمتع بسمعة طيبة، يُجلّه الآخرون ويحترمونه، حتى إن مالك بن أنس كان إذا ما حضر مجلسه يقوم له ويجلسه إلى جانبه تقديراً له.

أخذ رجال السلطة العباسية وعيونهم يتعقبون يحيى ويطاردونه لأنهم علموا أنه يدعو لنفسه، مما اضطره إلى التخفي والانتقال من بلد إلى آخر خوفاً من بطش العباسيين به، وأخيراً وصل إلى بلاد الديلم حيث التف حوله العديد من أنصاره ومريديه وبايعوه.

وفي الواقع أن هارون الرشيد منذ توليه الخلافة أراد أن يتقرَّب من الطالبيين وأنصارهم وأن يتألف قلوبهم، ومع ذلك فقد كان أول الخارجين عليه يحيى بن عبد الله بن علي بن أبي طالب عام 176هـ/792م.

وقد أثار ذلك غضب الرشيد وقلقه، فكتب إلى الفضل بن يحيى البرمكي وكان من خلصائه: «إن يحيى بن عبد الله قذاة في عيني فأعطه ما شاء واكفني أمره»، كما أصدر أمراً بتجهيز جيش مؤلف من خمسين ألفاً من الجند، وأن ينضم إليه عدد من كبار القادة، وجعل قيادة الجيش للفضل بن يحيى البرمكي، كما أصدر قراراً بتوليه الري وجرجان وطبرستان ، وأمده بأموال كثيرة ليستعين بها على إنجاز مهمته، وأوصاه أن يعمل جاهداً على إقناع يحيى بالعدول عن رغبته في الاستمرار بالثورة. وما إن وصل الفضل مع جنده إلى الديلم حتى أخذ يكاتب يحيى محاولاً استمالته ومحذراً له في الوقت نفسه، وناصحاً له بالاستسلام ومؤكداً أن سلامته مضمونة، وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى، واستجاب يحيى للفضل وأبدى استعداده للاستسلام، ولكنه اشترط زيادة في الحيطة أن يكتب له الرشيد أماناً بخط يده، وأن يشهد عليه الفقهاء والقضاة، وجلة بني هاشم ومشايخهم. وقد استجاب الرشيد لطلبه فكتب الأمان على نسختين احتفظ بواحدة وأرسل الثانية إلى يحيى عن طريق الفضل ليسلمه إياها، إضافة إلى الكثير من الهدايا والجوائز والأموال. اطمأنّ يحيى إلى وثيقة الأمان، فاستسلم إلى الفضل، فوجهه هذا إلى الرشيد الذي استقبله بكل ترحاب، وأغدق عليه الكثير من الأموال، وأنزله في بيت يحيى بن خالد البرمكي ثم مالبث أن نقله إلى منزل آخر، وطلب من الوجهاء والأشراف أن يقوموا بزيارته والسلام عليه، كما أغدق الرشيد الأموال الكثيرة على الفضل الذي أنجر مهمته دون إهراق قطرة دم.

استاء بعض مبغضي يحيى بن عبد الله من معاملة الرشيد له، فأخذوا يوغرون صدره ويحرضونه عليه، وبلغه أنه يدعولنفسه سراً وأنه مازال عنده من يقوم بدعوته، فحبسه عند جعفر بن يحيى، فرقّ له هذا بعد مدة فأطلقه، وعلم الرشيد فكان ذلك مما أحفظه على جعفر البرمكي. وأرسل الرشيد من أعاد يحيى إلى الحبس، ووكَّل به مسروراً السياف وكان كثيراً ما يدعوبه إلى مناظرته، وقد استمر في سجنه إلى أن توفي.

نسخه چاپی