ابن حَجَر العَسقلاني

ابن حَجَر العَسقلاني

(773-852هـ/1372-1448م) أبو الفضل، شهاب الدين، أحمد بن علي بن محمد بن حَجَر الكناني العَسقلاني الأصل، الشافعي المصري المولد والنشأة والوفاة، قاضي القضاة، الإمام الحافظ، المُفسّر المُحِّدث، الفقيه المؤرخ، الأديب الناظم، وأحد أبرز علماء العصر المملوكي، يعود بأصوله إلى مدينة عسقلان الفلسطينية، عُرِفَ بابن حَجَر، نسبة إلى أحد آبائه.

ولد بمصر القديمة، لأبٍ عالم، سرعان ما توفي ولما يتجاوز ابنه الرابعة من العمر، فكفله التاجر زكي الدين الخروبي، صديق والده.أُدْخِلَ الكُتّاب في الخامسة، وبدت عليه ملامح الذكاء، وسرعة الحفظ، حَفِظَ القرآن الكريم في التاسعة على يد صدر السفطي.

حَجَّ أواخر سنة أربع وثمانين وسبعمئة، وجاور بمكة المكرمة في السنة التالية، فسمع فيها صحيح البخاري على الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد النيسابوري (ت790هـ/1388م)، وكان ذلك أول الشيوخ الذين تلقى عنهم علم الحديث، قرأ في حينه عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، على الحافظ أبي حامد محمد بن ظهيرة، عالم الحجاز وقتذاك.

تابع دراسته في مصر، وتتلمذ على يد نخبة من كبار العلماء في عصره، فاستفاد منهم الكثير من العلوم والمعارف في القراءات والفقه وأصول الفقه والعربية والآداب والعروض والصرف.

طاف في عددٍ من الأقطار، وزار كثيراً من الحواضر الإسلامية المشهورة بمدارسها وعلمائها، وحَجَّ أكثر من مرة، حيث أُتيحت له فرصة اللقاء بمشاهير العلماء في كلٍ منها، فأخذ عنهم، ونال عدداً من الإجازات العلمية في شتى فنون المعرفة، فوفّرت له تلك الرحلات العلمية، سعة اطلاع، وحصيلة معرفية كبيرة من المعارف المتعددة الفروع، المتباينة المصادر، الغنية في موادها ومعلوماتها، وسمح له أولئك العلماء بالتدريس، وإصدار الفتاوى، لما عهدوا فيه من النجابة وسعة الاطلاع، وغزارة العلم والمعرفة. ومع كل هذه الحصيلة المعرفية، التي أجاد وَجوّد في أبوابها وفنونها، فإنه وَجَدَ في نفسه ميلاً أكبر إلى الحديث الشريف، فأولاه جُلّ اهتمامه، وانصرف إلى دراسته، ومتابعة أعلامه في أماكن تدريسهم، وذلك بدءاً من عام 793هـ/1390م، ولكنَّ هذا، لايعني أنه أهمل العلوم الأخرى، وإنما كان للحديث حيزٌ أكبر.

أُسندت إليه الكثير من المهام التدريسية، والقضائية، والإدارية، فَدرّس في كثير من مدارس مصر ومساجدها، عدداً من العلوم والمعارف التي أتقنها، وولي مشيخة البيبرسية ونظرها في عام 813هـ/1410م، وأصبح مُفتياً لدار العدل في عام 811هـ/1408م، واستمر فيها حتى وفاته، وتولّى خطابة الجامع الأزهر، وجامع عمرو ابن العاص، وعُيّن أميناً لمكتبة القبة المحمودية.

عُرِضَ عليه القضاء فأبى أكثر من مرة، وعَرَضَ عليه الملك المؤيد شــيخ المحمودي (ت837هـ)، القضاء مراراً فأبى، إلا أنه ما لبث أن استجاب لذلك امتثالاً لرغبة صديقه قاضي القضاة جلال الدين البُلقيني، في عهد الملك الأشرف برسباي (ت841هـ)، فَعُيِّن بدايةً نائباً له، ثم أصبح قاضي القضاة، واستمر في منصبه هذا طوال واحد وعشرين عاماً، اعتزل منصبه أكثر من مرة، واشتُهِر بعفته ونزاهته في الأحكام.

لم تصرفه كثرة مهامه عن الدرس والتدّريس، فاستمر يُقدّم لطالبي العلم ما عنده من مخزون علمي، ومعارف وافرة، فأملى ما ينيف على ألف مجلس من حفظه، واشتهر ذكره، وذاع صيته، وارتحل إليه الأئمة والطلبة من كل مكان، وأخذ الناس عنه، ولم يجتمع عند أحد مثل ما اجتمع عنده، واشُتهِر من تلامذته عددٌ من كبار العلماء، أبرزهم السخاوي محمد بن عبد الرحمن (ت902هـ)، وبرهان الدين إبراهيم بن عمر البُقاعي (ت884هـ)، وأبو يحيى زكريا الأنصاري (ت 926هـ)، وغيرهم كثير.

أشار عدد كبير من العلماء إلى علو كعبه وتقدّمه في العلوم الكثيرة التي أتقنها. وترجم له الكثير من أصحاب التراجم، فوضع تلميذه السخاوي ترجمة وافية عنه أسماها «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر»، وكذلك في«الضوء اللامع والتبر المسبوك »، وترجم له كثير من المصنفين منهم ابن قاضي شهبة، والمقريزي، والبرهان الحلبي، ابن العماد الحنبلي وغيرهم، وترجم لنفسه في كتابه «رفع الإصر عن قضاة مصر».

كان ابن حجر مثال العالم الأديب، يعرف لذوي الفضل حقهم، ويُقرّ بفضل أساتذته عليه، ويُجلّهم إلى أبعد مدى، وكان موضوعياً في كتاباته، أميناً وفياً لمن ينقل عنهم، يشير إلى ذلك بأمانة، وهو ما يمكن استشرافه من خلال مؤلفاته،ولعلّ مما يشير إلى توّخيه الدقة والموضوعية، أنه كان حين يتعذر عليه الوصول إلى رأي مقنع، أو حقيقة كاملة، يُشير إلى ذلك بقوله: والله أعلم.

بلغ ابن حجر شأواً لم يبلغه إلا قلة من العلماء، يدل على ذلك تلك المؤلفات القيّمة التي تركها، وقد زادت على المئة والخمسين، وشملت الكثير من العلوم الدينية والدنيوية، ولو لم يكن له سوى« فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، لكفاه فخراً، والذي يُمثّل واحداً من أفضل الشروح التي تناولت كتب الصحيح، وقد بَسَطَ بين يدي الكتاب مقدمة، أسماها: «هدى الساري مقدمة فتح الباري»، أشار فيها إلى الباعث الذي دفعه على تصنيف الكتاب، ثم عَرّج على التعريف بموضوعه، وتبيان مكانته بين كتب الحديث النبوي الشريف، وقد عُدَّ هذا الكتاب، واحداً من أفضل شروح الصحاح، وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً.

 ومن مؤلفاته المشهورة أيضاً: «الإتقان في جمع أحاديث فضائل القرآن من المرفوع والموقوف»، و«الإعجاب في بيان الأسباب»، و«تجريد التفسير من صحيح البخاري على ترتيب السور»، و«تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام» في علم الحديث، و«نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر»، و«مناسك الحج»، و«الإصابة في تمييز الصحابة» و«إنباء الغمْر بأبناء العُمر» و«تهذيب التهذيب»، و«ثقات الرجال ممن لم يذكر الكمال»، و«المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس»، جَمَع فيه أسماء شيوخه، و«الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة»، و«التذكرة الأدبية» في أربعين مجلداً، وغير ذلك من المؤلفات الأخرى القيمة، وقد جمعَ شعره في ديوان وطُبع في بولاق عام 1301هـ/1884.

توفي ابن حجر في منزله بالقرب من المدرسة المنكوتمرية، داخل باب القنطرة أحد أبواب القاهرة، وصُلّي عليه من الغد بسبيل المؤمنين، في مشهد عظيم، لم تر القاهرة قط مثيلاً له، شارك فيه السلطان الملك الظاهر جقمق، والخليفة، وجماهير العلماء والأعيان والشيوخ، وقَدّمَ السلطان، الخليفة للصلاة عليه، ودُفن تجاه تربة الديلمي بالقرافة، ورثاه الكثيرون.
 



ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Friday, December 19, 2014
الوقت المقدر للدراسة:
المزيد من العناصر