حافظ الشيرازي

حافظ الشيرازي

(720ـ791هـ/1320ـ1388م) شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، من أعلام الشعر في تاريخ الفرس. ولد في شيراز لأسرة متوسطة الحال، وتلقى علومه في الحوزات العلمية بشيراز، فحاز علوم عصره، ولقب «حافظ» لحفظه القرآن الكريم بقراءاته الأربع عشرة. عمل مدرساً لكسب لقمة العيش، وكان يدرس «الكشاف» للزمخشري و«المصباح في النحو» للمطرزي و«طوالع الأنوار في الحكمة والتوحيد» للبيضاوي، و«مفتاح العلوم» للسكاكي.

شهد القرن الثامن الهجري  الذي عاش به حافظ أعنف الاضطرابات والأحداث في إيران، حيث سيطرت على الحكم سلالات مغولية من أحفاد جنكيزخان أذاقت العباد سوء العذاب، فظهر ذلك في شعره وأثر فيه. كما أثر في شعره ما عاناه في حياته من فقر وعوز ولاسيما في أواخر أيامه، وشهد هذا القرن كذلك ازدهار الحركات الصوفية والجدل فيها وفي غيرها من المذاهب الإسلامية، وكان لحافظ سهم في هذا الشأن.

طبقت شهرة حافظ الآفاق وتجاوزت شيراز إلى عموم بلاد فارس ووصلت إلى بغداد والهند وغيرهما، وكان لشعره سيرورة على الألسن مما يفسر كثرة محفوظات ديوانه التي تكاد لا تحصى. وقد سعى ملوك ذاك العصر إلى استقدام حافظ ليزين بلاطهم بشعره وعلمه، ولكنه لم يلب دعوة أي منهم، وظل في مدينته شيراز التي أحب مرابعها ومصلاها ونهرها فلم يغادرها أبداً.

ترك حافظ ثروة أدبية غنية، وأشعاراً تبلغ نحو ثمانمئة قصيدة جمعت في ديوان مرتبة على حروف المعجم، مما ضيّع على الباحثين فرصة الوقوف على التطور الذي حصل لشعره، وربط القصائد بمناسباتها. وطبع الديوان أكثر من مرة، وترجم إلى عدة لغات منها العربية والألمانية والإنكليزية.

تناول الشاعر في ديوانه موضوعات في الغزل ووصف الطبيعة والشوق والحب والخمرة على طريقة أبي نواس. وله قصائد في مدح بعض الوزراء وحكام شيراز، وتناول بالهجاء والتهكم المتصوفة ورجال الدين الذين يتاجرون بالمظاهر الدينية ويراءون الناس.

كانت لحافظ براعة في التصوير الفني، وسار في غزلياته وخمرياته على طريقة شعراء الصوفية، حيث نجد في تلك القصائد حديثا مادياً محضاً إلى جانب قصائد ذات طابع رمزي عرفاني، وثمة قصائد أخرى تمزج الروح بالمادة، فيجد كل من يقرأ هذا الشعر متعته الروحية الخاصة، سواء العالم والعامي والمتعبد الناسك والمادي.

جاء شعره على عدة أنماط، منها «القصيدة» في نحو ثلاثين بيتاً، و«الرباعيات» في بيتين أو أربعة أشطر على نسق معلوم، و«المقطعات» وهي بين القصيدة والرباعية، و«الغزليات» وهي مقطوعات قصيرة بين سبعة أبيات وخمسة عشر بيتا تنتهي بشطرين يسميان «تخلصاً» يشبهان القفلة، يذكر الشاعر في أحد الشطرين اسمه صراحة أو كناية.

اهتم حافظ باللغة العربية وآدابها، كما اهتم بدراسة القرآن الكريم قراءاته وتفسيره والحديث الشريف والشعر العربي ولاسيما شعر ابن الفارض (ت 632هـ) وابن عربي (ت638هـ) وغيرهما . كما ضمّن شعره كثيراً من الأمثال العربية، فعدّ لكل ذلك في الشعراء «ذوي اللسانين» الفارسي والعربي. وكان من أثر ذلك في شعره ظهور «الملمّعات» وهي منظومات تتعاقب فيها اللغتان على نسق محدد. وجاءت ملمعاته ضعيفة، ويبدو هذا الضعف جلياً إذا ما قورنت ملمعاته وأشعاره العربية بما عند سعدي الشيرازي. ويمكن إرجاع هذا الضعف في شعره العربي إلى عاملين:

الأول: قوة الشاعر وإبداعه في لغته الأم، حتى صارت الفارسية مستحوذة على عقله وخياله وقلبه.

الثاني: عدم اختلاطه بالعرب في مجتمعاتهم، ومكوثه في شيراز.

لم يكن حافظ بدعاً في الشعر الفارسي ذي الاتجاه العرفاني، وإنما يذكر في طبقته شعراء آخرون يكونون معاً سلسلة لامعة في تاريخ الأدب الفارسي، أمثال: الفردوسي (ت411هـ)، وعمر الخيام (ت 515هـ)، ونظامي (ت600هـ)، وجلال الدين الرومي (ت672هـ)، وسعدي الشيرازي (ت 690هـ)، وكان لكل شاعر من هؤلاء ما يتفرد به ويميزه من غيره من الآخرين.

تجاوز أثر حافظ الشرق الإسلامي ووصلت أصداء شعره إلى الغرب، فأكب على دراسته أدباء وشعراء كبار أمثال الشاعر الألماني غوته.

توفي الشاعر في شيراز ودفن في مصلاها الذي طالما تغنى به. وأقيم على قبره مشهد، يعد اليوم تحفة معمارية بديعة كتب عليه أبيات شعرية لحافظ تتحدث عن الموت والخلود.
 



ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Saturday, March 7, 2015
الوقت المقدر للدراسة:
المزيد من العناصر