موسى بن ميمون

(1125ـ 1224م) موسى بن ميمون Moses Maimonides، طبيب و فيلسوف أندلسي وأبرز المفكرين اليهود في الأندلس في العصور الوسطى، ويعرفه العرب بأبي عمران، عبيد الله القرطبي. ولد في قرطبة، وتوفي في القاهرة، ثم نُقلتْ رُفاته إلى طبرية (فلسطين). ودفن بين قبور اليهود.

درس الفلسفة على تلاميذ ابن طفيل ومنهم ابن رشد، وقرأ جميع مؤلفاته. ويذكر المؤرخون (الزركلي) أنه تنقَّل في مدن الأندلس وتظاهر بالإسلام، وحفظ القرآن، وتفقه بالمالكية، ثم استقر في مصر في الثلاثين من عمره، كان فيها رئيساً روحياً لليهود، وطبيباً في البلاط الأيوبي.

تناولت مؤلفاته الشريعة اليهودية، والفلسفة والطب. وكتب في بداية شبابه في مدينة ألمرية رسالتين: الأولى بالعبرية ومضمونها «حسبان الميقات للأعياد اليهودية»، والثانية بالعربية وضعها لعلماء اليهود ذوي الإلمام بالأدب العربي الذين يحتاجون إلى الفلسفة والمنطق الإسلامي. وكذلك وضع تفسيراً لكتاب «المشنا» وسمى تفسيره «كتاب السراج»، ودوَّنه بأسلوب دقيق وموجز وهو يشتمل على قوانين اليهودية وشرائعها. ووضع كتاب «تثنية التوراة». وكان قبل هذا الكتاب قد وضع كتاب «الفرائض» باللغة العربية ليكون تمهيداً لكتابه «الكبير في التشريع الإسرائيلي». وأما كتابه المهم فهو في الفلسفة والمنطق بعنوان «دلالة الحائرين» وفيه دمج مبادئ أرسطو مع نظريات فلاسفة المسلمين، وصبغها بصبغته الخاصة، وكانت غايته التوفيق بين الفلسفة والدين. وأما مؤلفاته في الطب فتعد جزءاً من الطب العربي، وأهمها «فصول القرطبي» أو «فصول موسى»، ثم كتاب «المختصر» لكتب جالينوس الطبيب الإغريقي. ووضع في القاهرة للوزير القاضي الفاضل مقالةً باسم «السموم والتحرز من الأدوية القتّالة». ووضع لصلاح الدين الأيوبي مقالة في «تدبير الصحة»، وله مقالة «في البواسير» وأخرى في «الربو»، وثالثة في «شرح فصول أبقراط». وقيمته في الطب لا تقل عن قيمته في التشريع والفلسفة.

انحصرت آراؤه الفلسفية والدينية: أولاً بالتوفيق بين الفلسفة والدين، فقد صرح ابن ميمون في صدر الجزء الثاني من «دلالة الحائرين» بأن غرضه في البحث الفلسفي هو حل مشكلة الشريعة، وتبيان أن بواطن الشريعة وحقائقها أعلى من أفهام الجمهور، وأنه عندما يتحدث في المادة والصورة والعقول المفارقة والفيض الإلهي فغايته هي أن يلقي أشعة من أنوار المنطق والعقل والفلسفة على الإيمان. (فالعقل الفائض علينا هو الصلة بيننا وبين الله تعالى) فغايته إذاً هي التوفيق بين الفلسفة والدين، فالحكمة المقولة في كل موضوع الغاية منها إدراكه تعالى، فهو يريد أن يوفق بين موسى الكليم وأرسطو زعيم الفلاسفة، لكي ينظر العالم إلى الدين بعين المنطق والعقل، ولكي لا يطلب الحق والعلم في أفق الدين وحده، بل أيضاً في ميدان الفلسفة؛ ولهذا وضع الفلسفة والفلاسفة إلى جانب الشريعة وعلماء الدين.

وثانياً في البحث في ذات الله تعالى صفاته ووجوده: بوساطة المنطق والعقل، فقد رفض أن يوصف الله بالأوصاف المادية والإيجابية؛ لأنها تؤدي إلى التجسيم، ورأى أن وصفه بالسوالب والتنـزيهات هو الوصف الصحيح، والإنسان يقع في خطأ جسيم عندما يقيس ما يراه في المخلوقات على الله تعالى، فليس هناك شبه بين الله وبين أي مخلوق، وليس في الله نقص على أي وجه، ولا تركيب فيه، ولا نعرف إلا إنيَّته (أي وجوده)، أما ماهيته فلا نعرفها، ولا إنيّة له خارجة عن ماهيته. وأما أسماؤه الحسنى فهي مشتقة من الأفعال للإرشاد إلى كماله، وهي أسماء الكمال وضعت بحسب الأفعال الموجودة في العالم، أما إذا عُدت ذاته مجردة عن كل فعل فلا يكون له اسم مشتق، بل اسم واحد مرتجل للدلالة على ذاته. وأما البرهان على وجود الله فيقيمه على أساس القول بحدوث العالم وبقدمه على السواء، فإذا كان العالم محدثاً فله محدث وهو الله تعالى، وإذا كان العالم قديماً فثمة موجود يختلف عن أجسام العالم كلها، ليس هو جسماً ولا قوة في جسم، وهو دائم سرمدي لا علة له، وهو الله تعالى.

وثالثاً في البحث في علم الله والعناية الإلهية: التي تشمل فقط النوع الإنساني، أما الحيوانات والنبات ـ فرأيه كما يعلن، هو رأي أرسطو ـ فيعتقد أنه لا تسقط ورقة الشجرة، ولا يفترس العنكبوت الذباب بعلم الله وقضائه، بل هذا كما يقول: «كله محض بالاتفاق» وهذا يعني أن الله تعالى لا يعلم الجزئيات، والعناية الإلهية إنما هي تابعة للفيض الإلهي. والله يهيِّىء لكل نوع من الحيوان غذاءه، ومادة قوامه. وهذه العناية بالنوع لا بالفرد. وكذلك ليست العناية الإلهية بالنوع الإنساني على السواء، بل تتفاضل العناية كتفاضل كمالهم الإنساني.

كان لابن ميمون أثر كبير في الفكر الإسلامي والأوربي الوسيط نتيجة اتصال اليهود بالحضارة العربية الإسلامية. وكان ابن ميمون قد كتب «دلالة الحائرين» بالخط العبري لكي لا يثير حفيظة المتكلمين الإسلاميين الأشاعرة والمعتزلة لما ورد فيه من معارضة لآرائهم. ولكن الإقبال على الكتاب من العرب أدى إلى نسخه بحروف عربية. وقد ترجم الكتاب إلى اللاتينية وانتشر في الأوساط المسيحية الدينية. وتأثر به توما الأكويني [ر] وغيره، ثم اسبينوزا [ر] في رسالته اللاهوتية السياسية. وتدل كتاباته على أنه استقى آراءه من فلاسفة المسلمين ولم يتجاوز الفارابي ولا ابن سينا ولا ابن رشد في معظم آرائه الفلسفية العامة، وكان لابن باجة مكانة خاصة عنده، حتى عده الشيخ مصطفى عبد الرازق فيلسوفاً إسلامياً - وإن لم يكن مسلماً - لأنه نشأ في المناخ الفكري الإسلامي، وإن هواء الثقافة الذي كان يتنفسه ابن ميمون هواء الثقافة العربية الإسلامية.

هيفرو ديركي
 
 مراجع للاسـتزادة:
ـ إسرائيل ولفنسون، موسى بن ميمون حياته ومصنفاته (القاهرة 1936).

ـ خير الدين الزركلي، الأعلام، الجزء السابع (دار العلم للملايين، 1999).

ـ موسى بن ميمون، دلالة الحائرين، ترجمة حسين أتاي (مكتبة الثقافة الدينية، استانبول 1973).

 


ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Sunday, August 20, 2017
الوقت المقدر للدراسة:
المزيد من العناصر